عام

خطيب بنتي قالها

طلعت وأنا ماشية بالراحة في طرقة الفندق عشان فستاني مايتكرمشش.

القاعة تحت كانت متزينة بالورد الأبيض والدهبي اللي اخترته بنفسي.

طلعت للدور اللي فوق، عند أوضة كريم وصحابه.

باب الأوضة كان مفتوح، وضحك الرجالة مالي الجو.

كنت هخبط…

لحد ما صوته دخل في ودني واضح وصريح، بسخرية مكشوفة:

> “يا رجالة، هي كام ساعة وخلاص.

أمها تمضي عقود الشراكة، أحط إيدي على المخبز، ونبقى رجعنا اللي أبوي خسره أضعاف.

جوازة الخنزيرة التقيلة دي تمن بسيط جداً بالنسبة للي هكسبه.”

جسمي نشف.

رجليا مش شايلاني.

قلبي حسيت إنه وقف لحظة.

بعدت بالغريزة عن الباب، وأسندت ضهري في الحيطة عشان ماقعش.

سمعت صاحبه أدهم بيقول وهو بيضحك:

– «بس برضه هتعيش معاها وتنام جنبها يا معلم.»

كريم انفجر ضحك:

> «ولا تهمّك، يا عم…

البت دي ساذجة بطريقة تضحك، بتصدق أول ما أقولها: “بحبك”.

وزجاجة ويسكي تحل أي مشكلة.

وأمها؟ الست الهبلة دي؟

شغالة ليل نهار في المخبز عشان تكبره…

وأنا في نص سنة أكون بايع كل حاجة، وأرجّعهم للحي البلدي اللي ماكانوش لازم يطلعوا منه أصلاً.

الضحك عليهم زاد.

وأنا الدم فار في عروقي،

نفسيتي بتتهز،

نفَسي بيقطع.

للحظة، اتخيّلت إني أخش عليهم،

أكسر له سنانه واحد واحد بإيدي.

كمل ببرود:

> «ولما تبتدي تعيط على أي حاجة، تحسها حوت طالع من البحر عالشط.»

هنا ماقدرتش أكمّل.

إيديا كانت بترتعش،

وقلبي كان بينزف جوا صدري.

سِبت الباب بهدوء، ومشيت على أطراف صوابعي،

بعيد عن الضحك القذر اللي كان جاي من جوه الأوضة.

ملك… بنتي… نور عيني…

اللي استحملت سنين عشان أربيها أحسن تربية…

كانت على وشك تتجوز واحد شايفها صفقة مش إنسانة.

وساعتها… عرفتي إني لازم أتصرف.

“فرح ابنتي… اللي اتحوّل لمعركة كرامة”

نزلت من الدور اللي فوق وأنا مش شايفة قدامي، كل خطوة بحس إنها بتهز الدنيا من حواليّ.
الطرقة اللي من ساعة كانت مليانة ورود وبهجة… بقت بالنسبة لي ممر خانق، ضلمة، ريحتها مش ورد… ريحتها خـ,ـيانة.

وقفت قدام الأسانسير، إيديا بتترعش وأنا بدوس زرار الـ Lobby.
الدنيا بتلف، بس عقلي كان صاحي… صاحي بطريقة مرعبة.

ابنتي ملك… مش هيعرفوا يستغلوها. مش هيسـ,ـرقوها ولا يستغفلوني.
مش على جـ,ـثتي.

لما وصلت لأوضة العروسة، دخلت وأنا بحاول أسيطر على صوت نفسي.
ملك أول ما شافتني ابتسمت، ابتسامة بريئة… كسـ,ـرت قلبي.

– «ماما… لقيتي البوكيه؟»
سكت.
مش قادرة أفتح بوقي.
المصور بيصور، الميكاب آرتيست بتصـ,ـلّح الهايلايتر…
والعروسة بتضحك.

قربت منها…
قربت لدرجة إني حسيت نفسي عايزة أخدها في حــ . ــضني وأخفيها من الدنيا كلها.

– «ملك… تعالي معايا خمس دقايق.»
– «دلوقتي؟»
– «آه… دلوقتي.»

شافت عينيّ واتخضّت.
سابت كل حاجة ومشت ورايا من غير كلمة.

دخلت بيها أوضة صغيرة جنب القاعة، وقفلت الباب بالمفتاح.
البنت بصتلي بخوف:

– «ماما… في إيه؟ شكلك مرعوبة.»
– «ملِك… في حاجة لازم تعرفيها قبل ما تكمّلي اليوم ده.»
– «فيه حد جرالك حاجة؟ كريم كويس؟»
الكلمة دي… “كريم”…
جابت في دماغي صوته وهو بيقول:
“الخنزيرة التقيلة”

دموعي نزلت من غير ما أحس.
ملك اتصدمت.

– «ماما… بتعيطي ليه؟ في إيه؟»
مسكت إيديها…
وضغطت عليها جامد.

– «ملك… أنا سمعت كريم وهو بيتكلم مع صحابه فوق.»
– «بيتكلم عن إيه؟»
– «عنّــك.»

وشها اتغير.
اتسحب منه اللون كله.

– «قال… قال عليك كلام… يوجع…»
– «زي إيه؟»

قلب الأم…
قاسي؟
بيتهز؟
بيطق؟
كل ده حصل في نفس اللحظة.

– «قال عليك… “الخنزيرة التقيلة”.
وقال إن الجوازة دي تمن بسيط عشان يحط إيده على فلوسنا وعلى المخبز.»

ملك وقفت ثابتة،
وشها اتجمّد،
عينيها اتوسّعت،
وابتسامتها ماتت قدامي.

– «كذب…»
– «ملك… أنا سمعت كل كلمة.»
– «مستحيل… ده بيحبني! ده… كان بيمشي ساعات عشان يشوفني…»
– «كان بيجهّز للصفقة… مش للحب.»

ملك شهقت…
اترجعت لورا…
وقعت على الكنبة زي اللي اتسحبت منه روحه.

قعدت جمبها…
مسكت وشها بين إيديا.
– «ملك… بصّيلي.»
– «مقدرش…»
– «بصيلي يا بنتي.»
رفعت عينيها بالعافية…
كانت غرقانة دموع مش بتنزِل…
دموع من النوع اللي بيرفض يطلع عشان الوجع أكبر منه.

– «هو قال برضه… إنه هيبيع كل حاجة بعد الجواز… وهيرجعونا للحي اللي ماينفعش نعيشه فيه.»
ملك شهقت تاني…
غطت بقها بإيديها.
– «و… لما حد سأله عن… علاقتكم… ضحك.
ضحك يا ملك…»
قلب بنتي اتكسر
وانا كنت شايفة الشرخ بيشقّها حتة حتة.

– «يعني أنا… بالنسبة له… صفقة؟»
– «أيوه.»
– «وأنا… كنت بحبه.»
– «وأنا كنت مستنياكي تتأكدي لوحدِك… بس ماكنتش متخيلة إنه هيطلع وحش بالشكل ده.»

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى