
كتب في آخر الجواب:”أنا حولت الحب لامتحان انتِ ما كنتيش تعرفي إنك داخلة فيه.. ولعبت دور الممتحن والمصحح وغيّرت الإجابات عشان أدينك.. أنا مش بطلب منكِ التسامح، أنا بس عايزكِ تعرفي إن كل العذاب اللي شفتيه ما كانش بسبب إنك تقصرتِ أو ما كنتيش كفاية.. كان بسبب جبني وغروري وقسوتي.”
قفلت الجواب.. لو الاعتراف ده جه ليلة دخلتنا، كان أنقذ حاجات كتير.. بس دلوقتي جه متأخر جداً. حطيت الجواب في ملف الطلاق وما رديتش.
أم أدهم اتقدمت لها عقوبة إدارية واعتذار علني على النت بسبب استخدام أوراق طبية مزورة تخصني عشان تتغطى بيها، والاعتذار كتبه المحامي في تلات سطور.. وما كنتش محتاجة منها أكتر من كده.
أدهم باع معظم أملاكه الشخصية عشان يعوّض المصممين اللي اتظلموا من شركته، وساب الفيلا وعاش في شقة صغيرة جنب الشركة.. في يوم، قابلته قدام عمارة الورشة، كان الثلج والبرد مغرق الشارع، ووشه باين عليه التعب والهدود.. قال لي بصوت مكسور: ـ “أوراق البيت.. أرجوكِ قبليها، دي كانت ملك مامتك الله يرحمها.” ـ “أنا هشتريها منك بالسعر اللي باعتها بيه أمي زمان.. مش هاخدها منك هدية.” ـ “أنا مش عارف أعمل إيه تاني عشان أصلح…” ـ “أدهم.. عيش حياتك بشرف.. بس بلاش تستغل تعبك عشان تخليني أرجع أو أضعف.. ده الشيء الوحيد اللي تقدر تعمله.” ـ “ولو سامحتكِ في يوم؟” ـ “ممكن أسامحك.. بس التسامح مش معناه إننا نرجع.. أنا هسامح عشان ما أشيلش قهرك معايا بقية حياتي.”
دخلت العمارة، وسابني وما حاولش يمنعني.
في الربيع اللي بعده، شركة “تأنّق” فتحت أول فرع ليها برة مصر. بقيت بسافر كتير بين المدن، معتادة على الطيران والاجتماعات، بس ما بقيتش أظلم نفسي في الشغل.. بقيت أثق في المساعدين بالقدر المضبوط، وأستريح من غير ما أحس بذنب.
البنت المتدربة عندي “شروق” كسبت جائزة المصمم الشاب بسوار استوحت فكرته من حروق إيدها القادمة، ووقفت تعيط على المسرح وأنا قاعد بصفق لها وفرحانة بيها.
أمجد كان مسافر بقاله شهور في مهمة طبية إنسانية بالصعيد.. ما كناش مسمين علاقتنا بأسماء رسمية، بس في كل خطوة نجاح، كان هو أول حد بتمنى أشاركه الصور والأخبار. أبعت له صورة التأسيس للفرع الجديد، يرد عليا بعد يومين بصورة لغرفة المحطة الصحية اللي شغالة هناك.. طفل رسم بالطبشور على الحيطة هلال طالع منه شجرة – شعار شركة “تأنّق”.
ي الشهر التاسع، حصل انهيار جبل وسيول في المنطقة اللي شغال فيها أمجد، والأخبار نزلت عن انقطاع الاتصال بالفريق الطبي! فضلت 36 ساعة مش بنام، أعصابي كانت بتتفجر، وحجزت أول طيارة عشان أروح هناك.. وفجأة تلفوني رن من رقم غريب!
ـ “يارا؟” صوت أمجد عبر الخط! رجلي ما شالتنيش وقعدت على الأرض: ـ “أمجد! أنت فين؟ أنت كويس؟” ـ “أنا في معسكر مؤقت.. شبكة التلفون كانت مقطوعة والطريق مقفول.. أنا أسف جداً.”
كنت عايزة أزعق فيه، بس أول ما فتحت بوقي الدموع نزلت زي المطر.. فضلت أعيط وهو ساكت بيسمعني، وبعدين قال برقة: ـ “يارا..” دي كانت أول مرة يناديني من غير “أستاذة” ولا ألقاب. ـ “أنا هنا يا أمجد.” ـ “هترجعي إمتى؟” ـ “فاضل لي 3 شهور في الخدمة والإشراف.” مسحت دموعي وقلت له بكل وضوح وصدق: ـ “أمجد.. أنا بحبك وبفتقدك.. مش لأني محتاجة حد ينقذني، أنا أقدر أعيش وأشتغل وأحل مشاكلي لوحدي.. بس لما بفرح، بتمنى تكون معايا، ولما بخاف بتمنى أسمع صوتك.. أنت مش مجرد شخص بيساعدني، أنت الشخص اللي قلبي اختاره.”
الخط سكت لحظات، وبعدين سمعت ضحكته الدافية: ـ “أنا هخلص الـ 3 شهور وأرجع فوراً.. وهسألك السؤال اللي مستنيه من زمان.” ـ “أنا هستناك.”
في اليوم اللي رجع فيه أمجد، رحت المطار أستقبله. كنت شايلة بوكيه ورد عباد شمس كبير، أول ما أبواب الوصول اتفتحت، طلع أمجد كان أرفع شوية وسمر من شمس الصعيد، وشايل شنطته على كتفه. أول ما شافني بالورد وقف مكانه.
قربت منه بابتسامة: ـ “دكتور أمجد..” ـ “أستاذة يارا..” ـ “فاكر السؤال اللي ألت لي عليه من سنة؟” ابتسم وبص لي كتير، كأنه بيتأكد إن البنت اللي قدامه دي مش هي البنت المكسورة اللي كانت قاعدة على الرصيف بتعيط: ـ “يارا.. تقبلي تبدأي معايا حياة جديدة ونبني بيتنا سوا؟”
مش “تكوني لي” ولا “أنا هحميكي”.. بل نبدأ سوا. هزيت راسي وقلت: “موافقة.” سحبني في حضن دافي وأمين وسط المطار.. حضن حسسني إن رحلة العذاب انتهت رسمياً، وبدأت رحلة الأمان.
جوازنا كان هادي.. عملنا حفل صغير في الحديقة اللي ورا ورشة “تأنّق”، حضره القريبين بس، من غير بهرجة ولا فلاشات. لبست فستان أبيض بسيط صممته لي صاحبتي، وتحت رقبتي كان فيه البروش الفضة القديم اللي عملته زمان بالجامعة.
