
يعني عيلة أدهم كبرت واغتنت من أفكار وتصاميم أمي المسروقة!
أدهم لما عرف الحقيقة، سلم الأدلة للنيابة بنفسه ضد عمه، وعمه اتأقبض عليه بتهم تزوير واختلاس، والشركة واجهت أزمة مالية ضخمة. وأدهم اضطر يبيع اليخت ويعتذر علناً عن البيانات المضللة.
وفي المحكمة، القاضي حكم لصالحي بملكية علامة “تأنّق” بالكامل، وسحب كل منتجات شاهيندا وإلزامها بالتويض والتراجع.
شاهيندا وهي طالعة من القاعة حاولت تتكلم معايا وتستعطفني عشان خايفة من الحبس، بس رديت عليها بكرامة:
ـ “انتِ اللي اخترتِ الطريق ده يا شاهيندا.. وأنا مش هظلمك ولا هسامحك.. القانون هو اللي بياخد المجاري.”
علامة “تأنّق” كبرت وبقت مقر من تلات أدوار، وشاركت في أسبوع المجوهرات الإقليمي، والجميع بقى يتكلم عن تصاميم أمي وعن قصة كفاحي.
في يوم شتوي هادي، أمجد كان مسافر في مهمة طبية إنسانية لمدة سنة في الصعيد، وأنا كنت واقفة أودعه في الورشة قبل ما يتحرك.
مسك حصالة أخته القديمة وقال لي بابتسامته الدافية:
ـ “يارا.. أنا معجب بيكِ من 7 سنين.. بس ما أردتش استغل ظروفك ولا حزنك.. أنا مسافر سنة، والسنة دي عشان تأكدي مشاعرك.. لو افتكرتيني وحسيتِ إن وجودي يفرق معاكي، أول ما أرجع هطلب إيدك من جديد.. ولو نديتيني، هكون عندك.”
ابتسمت له والدموع في عيني، بس كانت دموع أمل وفرج.
وقلت له:
ـ “ترجع بالسلامة يا أمجد.. وأنا هستناك.”
خرج أمجد، ووقفت قدام الشباك وأنا ماسكة دفتر أمي الأخير، والمطر بينزل برة بحنية.
لأول مرة من سنين، حسيت إن روحي رجعت لي، وإن الحياة مش بتنتهي عند الكسرة.. بل بتدى من اللحظة اللي بنقرر فيها نقوم ونرجع نلمع من جديد!
محدش قال إنه بيفتقده.. بس في كل مرة كان اسم “أمجد” ببيظهر على شاشة تلفوني، كان قلبي بيهدأ ويرتاح.
بعد تلات شهور من سفره، شاهيندا خلفت بنتها قبل ميعادها. البنت ولدت مبتسرة ودخلت الحضّانة في المستشفى، وأبوها الحقيقي -اللي كان شغال مع عم أدهم وهرب- اتمسك على الحدود واُتقبض عليه. وشاهيندا كانت بتواجه قضايا تزوير واستيلاء على حقوق ملكية فكرية، بس المحاكمة اتمأجّلت لحد ما تقوم بالسلامة.
المنظمة الراعية للأطفال اتصلت بيا، لأن شاهيندا حطت اسمي كجهة اتصال للطوارئ في أوراقها. رحت المستشفى مرة واحدة بس.. مش عشان خاطر أيت صداقة قديمة خلاص انتهت، بس لأن المحامي كان محتاج إقرارات قانونية تخص حماية البنت الصغيرة.
شاهيندا كانت نايمة على السرير، وشها شاحب جداً وعظام خدودها باينة من كتر التعب والهزال. ومن ورا الزجاج البارد، كان نور الحضّانة الأزرق طالع على البنت الصغيرة. قالت لي شاهيندا بصوت مكسور: ـ “بنت.. سميتها ‘نور’.”
ما رديتش عليها.. فقالت بصوت يترجف: ـ “أنا اتفقت مع الجمعية، وهناك عيلة من المدرسين هيتبنوها ويتكفلوا بيها.. مش هيعرفوا حاجة عني ولا عن اللي عملته، هتاخد اسم جديد وعيشة نضيفة.” ـ “مادام اتخذتِ القرار، كملي الإجراءات الرسمية مع المحامي والجهات المختصة.” ـ “مش عايزة تشوفيها يا يارا؟” ـ “لا.” استدارت شاهيندا ودموعها نازلة: ـ “انتِ قاسية أوي يا يارا..” ـ “دي مش قسوة يا شاهيندا.. أنا ساعدتك توصلي للجمعية الصح عشان البنت البريئة دي ما تشيلش ذنب حد، بس ده مش معناه إني هرجع صاحبتك ولا هتحمل مشاعرك ولا مسؤليتك.”
انفجرت شاهيندا في البكاء: ـ “أنا بقيت لوحدي تماماً في الدنيا..” رديت عليها وذهني بيرجع لليلة زفافي: ـ “وأنا كمان كنت لوحدي تماماً.. في الليلة اللي أمي سابتني فيها، وفي الليلة اللي جوزي كان فيها على اليخت بيمرح معاكي.. أنتِ اللي اخترتِ تسيبيني في الموقف ده.. والآن كل واحد بياخد جزاء اختياراته.”
سبت معلومات المحامي على الطاولة ومشيت، وما رجعتش المستشفى تاني.
بعد فترة، عرفت إن البنت أخدتها العيلة الجديدة، وسافروا بيها الصعيد، وأدوها اسم جديد وحياة بعيدة عن ديون وذنوب أهلها.. وده كان أفضل قدر للبنت البريئة دي.
في اليوم اللي اتقضى فيه على عم أدهم بالحبس 12 سنة في قضايا الفساد والتزوير، أدهم بعت لي ظرف مقفول مع المحامي. جوة الظرف كان فيه جواب اعتذار مكتوب بخط إيده، وعقد بيت أمي القديم اللي جابه وسجله باسمي ورجعه لي من غير أي شروط!
رجّعت له عقد البيت.. وقريت جواب الاعتذار مرة واحدة بس. كتب لي إنه بعد ما خرجت ليلة الدخلة، رجع المستشفى وفضل قاعد قدام الأوضة اللي كنتِ فيها طوال الليل.. بص في الكاميرات وشافني وأنا شايلة أوراق أمي وواقعة على الأرض لوحدي.. سأل كل دكتور وممرضة وسواق تاكسي عشان يفهم التفاصيل.
اعترف في الجواب إنه عمره ما كان مفلس؛ ولما طلبت النص مليون زيادة قبل الفرح عشان عملية أمي، كان بيعيد هيكلة شركته والسيولة كانت صعبة، بس فلوسه الشخصية كانت تقدر تغطي المبلغ ده مية مرة.. بس هو عمل المشهد ده عشان يختبرني! لغى البطاقة، وتظاهر بالديون، وكان بيشوفني بشتغل وأتعب ويظن إن ده تمثيل عشان أسترضيه قبل الجواز!
