
حكايات منى السيد
كنت رايحة المركز الطبي عشان أطعم بنتي، وحماتي قبل ما أنزل قالتلي وهي بتديني الفلوس:
“وإنتي راجعة يا بنتي، هاتي لنا كيلو لحمة من عند الجزار اللي في طريقك.”
بصيتلها وقلت:
“حاضر يا ماما.”
نزلت وأنا شايلة بنتي، وروحت المركز، وطعمتها، وبعدها رجعت على الجزار.
دخلت وأنا أصلًا مش بفهم في اللحمة ولا بعرف أفرق بين القطع الحلوة والوحشة، وكل اللي أعرفه إني أقول للجزار كيلو لحمة كويسة.
قطعلي اللحمة ووزنها، وقال الحساب.
دفعت وخدت الكيس ومشيت.
أول ما دخلت البيت، حماتي أخدت الكيس وفتحته، وأول ما شافت اللحمة وشها اتقلب!
“إيه ده؟!”
بصيتلها باستغراب:
“مالها يا ماما؟”
مسكت قطعة من اللحمة وقالت بانفعال:
“إنتي مش واخدة بالك؟! هو ده كيلو لحمة؟! نصه دهون!”
اتوترت وقلت:
“والله أنا قولتله كيلو لحمة كويسة، وأنا أصلًا كنت شايلة البنت ومش مركزة.”
قالتلي بسخرية:
“ما هو عشان إنتِ مش بتفهمي، الناس بتضحك عليكي!”
سكت.
كنت محرجة ومش عارفة أرد، خصوصًا إن جوزي كان موجود وواقف ساكت.
وفجأة حماتي قالت:
“خدي اللحمة دي وروحي رجعيها.”
بصيتلها:
“دلوقتي؟”
“أيوه دلوقتي. وروحي بدليها.”
قلت:
“بس أنا شايلة البنت وتعبانة…”
قاطعتني:
“هاتيها هنا وأنا أشيلها، وروحي.”
اضطريت أسيب بنتي عندها وأنزل.
وأنا في الطريق كنت متضايقة جدًا، مش عشان اللحمة، لكن عشان طريقة الكلام.
وصلت للجزار ومديتله الكيس وقلت:
“لو سمحت، حماتي مش عايزة اللحمة دي.”
بصلي وقال:
“ليه؟ دي كويسة جدًا.”
شرحتله اللي حصل، فضحك وقال:
“طيب يا مدام، بدل ما ترجعيها، خدي حتة تانية وأنا أقطعلك حتة حلوة.”
قلتله:
“هي قالتلي أرجعها.”
قال:
“خدي دي وشوفيها بنفسك.”
وأنا أصلًا كنت مستعجلة وعايزة أخلص، فوافقت.
قطع حتة كويسة، وخدت الكيس ورجعت البيت.
دخلت وأنا متوقعة إن الموضوع يخلص.
لكن أول ما حماتي شافتني قالت:
“إنتِ رجعتي؟!”
قلت:
“أيوه، والجزار بدلها بحتة كويسة.”
بصت للكيس وقالت:
“أنا قلتلك ترجعيها!”
اتصدمت:
“ما هي اتبدلت يا ماما واللحمة كويسة!”
قالت بانفعال:
“مش عايزاها. ترجعيها تاني!”
المرة دي حسيت إن دموعي هتنزل من كتر القهر.
بصيت لجوزي مستنية يقول أي كلمة، لكنه قال بكل بساطة:
“ما ترجعيها يا ستي ونخلص.”
هنا قلت:
“لأ! كفاية! أنا مش هرجع تاني. اللحمة عندك، لو مش عايزاها خليها، لكن أنا مش هنزل تاني.”
خدت بنتي وطلعت.
بعدها اتصلت بماما وأنا مخنوقة، وحكيتلها كل حاجة.
ماما قالتلي:
“هاتيها عندي، وأنا أحولك تمنها كاش.”
نزلت أقول لحماتي.
لكن أول ما قلتلها:
“ماما قالت هتاخد اللحمة وتحول تمنها…”
قاطعتني وهي بتبصلي بحدة:
“وأمك تاخدها؟!”
سكت.
قالت:
“وفلوس المشاوير تدفعها كده؟!”
فضلت باصة لها وأنا مش فاهمة هي تقصد إيه.
وفي اللحظة دي، جوزي دخل من ورايا، وقرب مني ووشه مليان انفعال، ورفع إيده.
وأنا غمضت عيني من الخوف.
لكن قبل ما يعمل أي تصرف، قالت حماتي جملة واحدة خلتني أفتح عيني وأنا مش مصدقة اللي سمعته.
قالت حماتي بصوت حازم وهي بتشد دراعه:
“خلي إيدك مكانها يا ابني، إحنا ما بنمدش إيدينا على حريم في بيتنا، بس الحساب مش كده، الحساب باللي يوجع أكتر ويفهمها مقامها!”
فتحت عيني وأنا باصة له ومصدومة.
كان واقف متوتر، ونظرته مليانة انفعال، كأنه كان مستني اللحظة دي علشان يفرغ كل غضبه.
قلبي كان بيدق بسرعة، وبنتي الصغيرة في الأوضة التانية صوت بكاها ابتدى يعلى، كأنها حاسة باللي بيحصل.
نزل إيده ببطء، لكن نظرته ليا كانت كلها غضب، وقرب مني وقال بصوت حاد:
“بقى أمك هتدفع تمن اللحمة كاش؟ بتصغرينا قدام أهلك؟ فاكرة نفسك بتصرفي من بيت أبوكي هنا؟ وإيه حكاية المشاوير والفلوس اللي بتطير يمين وشمال دي؟ ما تنطقي!”
لساني كان مربوط، والدموع وقفت في حلقي.
بصيت لحماتي اللي كانت واقفة مربعة إيديها وبتبصلي بانتصار، كأنها حققت الهدف اللي كانت عايزاه من ساعة ما دخلت البيت باللحمة أول مرة.
قلت بصوت بيرتعش:
“أنا ما صغرتش حد يا وائل… أنا كل اللي عملته إني لما لقيت ماما مش عاجبها اللحمة وعايزة تنزلني للمرة التالتة وأنا شايلة البنت وضهري تعبان، اتصلت بأمي أفضفض معاها، وهي اللي قالت لي هاتيها وأنا هاخدها واديكي تمنها عشان ما تتعبيش أكتر. هو ده العيب؟”
حماتي ضحكت باستهزاء وقالت:
“سمعت يا وائل؟ بتسمي توجيهاتي ليكي تعب؟ ما شاء الله، بقى لما أقولك هاتي حقنا من الجزار اللي ضحك عليكي تبقى دي مشكلة؟ ده بدل ما تقولي حقك عليا يا ماما أنا غلطت ومش عارفة في البيع والشرا. لكن لا، إزاي… لازم تدخلي أمك وتعمليلنا قصة وتطلعينا إحنا اللي ظالمينك!”
وائل اتعصب وقال:
“اسمعي يا بت الناس، اللحمة دي مش هتخرج من البيت لأمك ولا لغيرها، وتمنها يرجع هنا في الدرج اللي خدتيه منه. والمشاوير اللي صرفتيها في المرات دي هتتخصم من مصروفك اللي بتاخديه كل أول شهر.”
بصيت له بعدم تصديق.
حسيت إن الأرض بتلف بيا.
“مصروفي؟! تخصم من مصروفي اللي ما بيكفيش أصلًا احتياجات البنت ولا علاجها لما تتعب؟! إنت بتقول إيه يا وائل؟ هو أنا نزلت أتمشى؟ أنا نزلت عشان أطعم بنتك، وأمك هي اللي طلبت مني أجيب اللحمة من طريق المركز!”
وائل شاور بإصبعه في وشي وقال بحزم:
“كلمة زيادة وهتلاقي نفسك في بيت أبوكي من غير البنت. الكلمة هنا كلمتي وكلمة أمي، وخليكي حريصة إن صوتك ما يعلاش عليها تاني. اللحمة هتتطبخ في البيت وتاكلي منها وإنتي ساكتة، وحسابك معايا بعدين لما نقعد سوا.”
مشيت من قدامهم ودخلت أوضتي وقفلت الباب.
أخدت بنتي في حضني وقعدت على الأرض أبكي بحرقة.
حسيت بمهانة ما عشتهاش في حياتي كلها.
طول عمري عايشة في بيت أهلي معززة مكرمة، عمري ما سمعت كلمة تجرحني.
والنهاردة عشان حتة لحمة، حصل موقف خلاني أحس إن كرامتي مش محسوبة، وكل ده عشان حماتي تثبت إن كلمتها هي اللي تمشي.
المغرب أذن، والبيت برة كان هادي، بس الهدوء ده كان وراه توتر كبير.
قمت غسلت وشي، وبنتي نامت من كتر البكا.
مسكت التليفون ولقيت ماما رانة عليا أكتر من أربع مرات.
كنت خايفة أرد عليها تسمع صوتي المبحوح وتفهم.
أمي كانت تعبانة ومش ناقصة قلق، لكن في نفس الوقت مكنتش قادرة أكتم في قلبي أكتر من كده.
أول ما رديت، ماما قالت بلهفة:
“إيه يا حبيبتي ما جيتيش ليه؟ واللحمة معاكي؟ أنا محضرة الفلوس ومستنياكي تجيلي عشان نتغدى سوا ونهدي أعصابك.”
بلعت ريقي وحاولت أطلع صوتي طبيعي:
“معلش يا ماما، أصل البنت سخنت شوية بعد التطعيم وما عرفتش أنزل بيها في الهوا، ووائل قال خلاص خلو اللحمة هنا وهو هيتصرف معاها.”
ماما سكتت شوية، وكأن قلب الأم حس إن ورا الكلام حكاية تانية.
وقالت بصوت هادي ومليان قلق:
“وائل زعلك يا بنتي؟ حماتك قالتلك حاجة لما عرفت؟”
ما قدرتش أتمالك نفسي.
خانِتني دمعة نزلت غصب عني، لكن مسحتها بسرعة وقلت:
“لا يا ماما ما فيش حاجة، بس شوية لخبطة وتعب من مشوار المركز. هعدي عليكي بكرة الصبح إن شاء الله وأشوفك.”
قفلت مع ماما.
ولقيت الباب بيخبط خبطات متتالية.
فتحت الباب، لقيت حماتي واقفة وبتبصلي بطرف عينها.
قالت:
“اطلعي عشان تعملي الأكل، ولا ناوية تفضلي حابسة نفسك وتسيبي جوزك من غير أكل بعد يوم شقاه في الشغل؟”
قلت بهدوء من غير ما أبصلها:
“حاضر، طالعة.”
خرجت على المطبخ.
لقيت كيس اللحمة محطوط على الرخامة.
فتحت الكيس ووقفت قدامه وأنا بقطع البصل والدموع بتنزل من عيني، مش من البصل، لكن من حرقان قلبي على نفسي.
وائل دخل المطبخ، وقف ورايا من غير ما يتكلم.
حسيت بيه بس ما التفتش.
مد إيده وفتح التلاجة، خد إزازة مية وشرب، وبعدين قال بنبرة جافة:
“أمي عايزة الشوربة تكون خفيفة، وما تكتريش البهارات عشان معدتها، والرز يتعمل بالشعرية زي ما بتحبه.”
ما رديتش عليه.
فضل واقف مستني رد.
ولما سكت قال بانزعاج:
“أنا بكلمك على فكرة! ما بترديش ليه؟!”
بصيت له بعينين مليانة عتاب وقلت:
“حاضر يا وائل، هعمل الشوربة خفيفة والرز بالشعرية. في تعليمات تانية لحضرتك أو للوالدة؟”
اتضايق من أسلوبي وقال:
“بطلي الطريقة دي، وبطلي تعملي فيها المظلومة اللي الكل جاي عليها.
إنتي لو بتسمعي الكلام من أول مرة وبتتصرفي بوعي، ما كانش حد فتح بقه معاكي، لكن إنتي اللي بتجيبي الكلام لنفسك.”
خرج وسابني.
خلصت الأكل وحطيته على السفرة.
قعدت حماتي وقعد وائل.
وكنت لسه هرجع أوضتي عشان ماليش نفس أحط لقمة في بطني، حماتي قالت:
“اقعدي كلي، مش عايزين حد يقول حارمينك من الأكل في بيت جوزك، ولا هتروحي تقولي لأمك برضه إننا ما بناكلكيش؟”
قعدت على طرف الكرسي.
أكلت معلقتين بس عشان مابقاش بعمل مشكلة تانية، وكل لقمة كانت بتنزل بصعوبة.
وفجأة حماتي داقت الشوربة وحطت المعلقة على الطبق بصوت رن في الصالة كلها.
بصيت لها وقلبي انقبض.
قالت لوائل وهي بتوجه كلامها لابنها:
“شايف يا بني؟ دي اللحمة اللي المدام كانت جايباها وفرحانة بيها؟ اللحمة شادة زي الكاوتش، والشوربة سمنتها تقيلة وعايمة على الوش. دي لحمة كبيرة ومش مناسبة للطريقة دي، دي تتفرم وتتعمل كفتة! ضحك عليكي الجزار للمرة التانية ورمى عليكي بضاعته، وإنتي طبعًا فرحانة وجاية تفرضي رأيك علينا!”
وائل بص في طبقه، وبصلي.
وحسيت إن الكلام هيبدأ من أول وجديد.
بس المرة دي أنا اللي سكت خالص.
بصيت لحماتي وابتسمت ابتسامة وجع، وقلت:
“بالهنا والشفا يا ماما… مطرح ما يسري يمري.”
قمت من على السفرة ودخلت أوضتي.
وسمعت صوتها برة بتقول لوائل:
“شايف قلة ذوقها؟! بتسيب الأكل وتقوم تستهزأ بيا قدامك وإنت قاعد ساكت!”
قعدت على السرير وضميت ركبي لصدري.
وأنا بفكر في حياتي اللي بقت كلها مشاكل على أتفه الأسباب
