عام

بيتي في خطر منى السيد 2

وقفت متصلبة ورا الباب، قلبي كان بيدق في وداني لدرجة حسيت إن الصوت هيتفضح برة في الصالة. عيني كانت متبتة في فتحة الباب والأنوار كلها مطفية، ما عدا ضوء خافت جدًا جاي من شباك المطبخ منور طرف الطرقة.

شفت حماتي واقفة، وقدامها حد طويل وضهره ليا، بس أول ما لف وشه في الضوء الخافت، اتسعت عيني ومسكت في أوكرة الباب عشان ما أقعش… ده كان سامح، أخو وائل الكبير، اللي مفروض إنه مسافر شغال في دولة تانية ومحدش متوقع رجوعه إلا بعد شهور!

كان ماسك شنطة جلد في إيده وبيوطي صوته على الآخر، وحماتي عمالة تطبطب عليه وهي مبتسمة ابتسامة أنا عمري ما شفتها بتضحكها في وشي ولا حتى في وش وائل.

قربت ودني من شق الباب عشان أسمع الهمس المكتوم اللي داير بينهم.

حماتي بتقوله بصوت واطي:
— حمد الله على سلامتك يا حبيبي، جيت في ميعادك بالظبط… البيت كله نايم ومحدش حس بحاجة. عملت إيه في موضوع الشقة التحتانية؟

سامح حط الشنطة على الترابيزة وقال بصوت هادي:
— كل حاجة تمام يا أمي، المحامي جهز العقود القديمة، بس فاضل وائل يمضي على التنازل اللي اتفقنا عليه عشان البيعة تتم رسمي من غير مشاكل، وإنتي عارفة وائل مبيفهمش في الأوراق دي وكلمتك عنده سيف.

حماتي ضحكت وقالت:
— سيبلي وائل، ده سهل أقنعه، بس المشكلة مراته… دماغها ناشفة وبدأت تسأل عن المصاريف والفلوس، وكل شوية تقولي فين حقنا ومصروفنا مش مكفي!

النهاردة عملتلي حكاية عشان كيلو لحمة، ونزلتها ورجعتها مرتين عشان أفرض عليها رأيي وأفهمها إن كلمتي هي اللي تمشي في البيت، ووائل كان خلاص هيخوفها بكلامه، يعني ضامنين سكوتها ومش هترفع راسها بكلمة في أي ورقة هو هيمضي عليها!

سامح ضحك وقال:
— تسلم إيدك يا ست الكل، إنتي دايمًا حاسبة كل خطوة.

الشقة دي لو اتباعت للمقاول بالسعر اللي اتفقنا عليه، هطلع أنا بنصيبي كامل، ووائل يا دوب يفضل قاعد هنا في شقة السطوح يخدم عليكي من غير ما يحس إنه خسر نصيبه في ورث أبويا.

الكلام نزل عليا زي صدمة كبيرة!

الشقة اللي تحت، اللي هي أصلًا مفروض ورث وائل وأخوه من أبوهم الله يرحمه، واللي كان وائل دايمًا واعدني إننا هننزل نجددها ونعيش فيها بدل الأوضتين اللي فوق السطوح اللي السقف فيهم بينقط في الشتا وبيكون حرهم شديد في الصيف، حماتي وسامح متفقين يبيعوها ويستفيدوا من نصيب وائل، والمخطط كان مبني على إني أتعرض للضغط عشان وائل يفضل متوتر ومضغوط ويسلم كل أوراقه لأمه من غير مراجعة!

حسيت بدمي بيفور، والضعف اللي كان في قلبي طول اليوم والخوف والدموع اتقلبوا فجأة لإصرار قوي.

مسكت نفسي بالعافية، رجعت على أطراف صوابعي للسرير، قعدت جنب بنتي وضميتها، بس المرة دي ما عيطتش.

مسحت دموعي بإيدي الاتنين، وعرفت إن الست اللي بتكتشف الحقيقة لازم تقف على حيلها وتاخد قرار يحميها ويحمي بنتها.

فضلت صاحية طول الليل، أعد الدقايق والثواني لحد ما الفجر أذن.

سمعت سامح نزل في هدوء زي ما جه، وبعدها صوت حماتي دخلت أوضتها وقفلت بابها.

قمت اتوضيت وصليت ركعتين لله، دعيت فيهم إن ربنا يقويني ويدلني على التصرف الصح من غير ما أضيع نفسي ولا بنتي.

الساعة تمانية الصبح، وائل صحي وخرج يغسل وشه.

لبست إسدالي وخرجت وراه، لقيته قاعد في الصالة بيفرك في عينه وبيجهز عشان ينزل الشغل، ووشه ناشف ومستني مني كلمة عتاب عشان يبدأ نقاش جديد.

وقفت قدامه وقلت:
— صباح الخير.

طلعت من لساني هادية وباردة زي التلج.

بصلي باستغراب من نبرتي، وقال بجفاء:
— أمي صحيت ولا لسه؟

قلتله:
— نايمة جوة، كانت سهرانة شوية بالليل وشكلها تعبانة.

عين وائل رمت لورا، وحسيت إنه اتوتر شوية، كأنه كان عارف بوجود أخوه أو عنده خبر ومش عايزني أعرف.

مد إيده ولبس ساعته، وقبل ما يمد إيده عشان ياخد مفاتيحه، طلعت التليفون بتاعي وحطيته قدامه على الترابيزة.

بص للتليفون وقال بضيق:
— إيه ده؟ عايزة إيه ع الصبح؟

قلتله بصوت واطي وواثق:
— افتح التسجيل ده يا وائل… اسمع كده وركز في الصوت.

شغلته.

كنت مسجلة بصوت واضح همس حماتي مع سامح وهي بتقوله إن موضوع الشقة متفق عليه، وإن وائل سهل التأثير عليه، وإن الهدف إنه يمضي على الأوراق من غير ما يراجعها.

ملامح وش وائل اتحولت في ثانية!

من التكبر والتعالي للصدمة والذهول.

عينه وسعت، وإيده بدأت ترتعش وهو ماسك التليفون، وشه بهت تمامًا، ورفع عينه وبصلي وهو مش قادر ينطق.

قلتله وأنا باصة جوة عينه بكل قوة:
— الصوت ده مش غريب عليك صح؟ ده صوت أمك اللي كنت هتدخل معايا في مشكلة كبيرة امبارح عشان ترضيها… وده صوت أخوك سامح اللي كان بيتفق معاها على الشقة اللي مفروض حقك ومستقبل بنتك، وكل ده بطريقة مدروسة عشان تفضل إنت شغال وتجيب الفلوس، والمكسب يروح لغيرك!

وائل وقف فجأة وهو بيقول بصوت مهزوز:
— إنتي… إنتي جبتي الكلام ده منين؟! سامح مسافر أصلًا!

قلتله:
— سامح كان هنا امبارح الساعة اتنين بالليل، وكان مع أمك في الصالة دي، وكان المحامي مجهز ورق التنازل عشان تمضيه وإنت مش واخد بالك من التفاصيل!

شفت بقى يا وائل كيلو اللحمة كان معمول عليه قصة ليه؟

شفت الضغط اللي اتحطيت فيه امبارح كان تمن إيه؟

كان تمن إنك ما تشوفش الحقيقة وإن حقك كان ممكن يضيع من غير ما تاخد بالك!

في اللحظة دي، باب أوضة حماتي اتفتح وخرجت وهي رابطة راسها بطرحة وبتقول:
— إيه الصوت العالي ده على الصبح؟ ما بتعرفوش تبطلوا نقاش؟!

وائل لف وشه لأمه.

النظرة اللي كانت في عينه ما شفتهاش في حياتي، نظرة خذلان ووجع عميق من أقرب الناس ليه.

مسك التليفون وعلا الصوت وقال:
— الكلام ده صح يا أمي؟! سامح كان هنا امبارح؟! إنتوا متفقين تبيعوا الشقة وتخلوني أمضي على تنازل من ورا ضهري؟!

حماتي اتفاجئت، وحاولت بسرعة تسترجع هدوءها وقالت وهي بتبصلي:
— إنتي بتسجلي في بيتي؟! إنت تصدق كلام التسجيلات دي يا وائل؟! أخوك محتاج يقف على رجله، والشقة أصلًا ملكي أنا وأبوك…

قاطعها وائل بصوت مرتفع:
— الشقة مش ملكك لوحدك! الشقة ورثي أنا وأخويا من أبويا! وأنا اللي دافع نص تمن بناها من تعبي في الغربة قبل ما أتجوز!

إنتوا بتخططوا تتصرفوا في حقي من غير ما أعرف؟ وأنا هنا بسمع كلامك وبضغط على مراتي عشانك، وفي الآخر أكتشف إن كل حاجة كانت ماشية من ورايا؟!

حماتي اتلخبطت ولسانها تقل، وبصت لوائل وقالت:
— أنا أمك يا وائل… عيب تعلي صوتك عليا! كل اللي بعمله عشان مصلحتك، الشقة دي المقاول هيهد البيت كله ويبنيه برج وإنت هيكون ليك…

سكتها وائل بإيده وقال بحسم:
— ولا كلمة! الورق مش همضيه، وسامح لو جه هنا تاني لازم نتكلم معاه بشكل واضح، والشقة دي هتتظبط ليا ولبنتي النهارده قبل بكرة!

لف وائل وبصلي.

كان متوقع إني أقف في ضهره أو أهون عليه، لكن أنا كنت واخدة خطوة لورا.

بصيت له بهدوء، ودخلت الأوضة، وطلعت الشنطة اللي جهزتها بالليل، وشلت بنتي على كتفي.

وائل اتصدم وقال:
— إنتي رايحة فين بالشنطة دي؟!

وقفت عند باب الشقة، وبصيت له ولبصات أمه، وقلت بكل وضوح:
— رايحة بيت أبويا يا وائل.

قال بلهفة:
— ليه؟ ما أنا خلاص عرفت الحقيقة أهو وهجيب حقنا وهنزل الشقة اللي تحت، مش ده اللي كنتي عايزاه؟!

قلتله بهدوء:
— أنا عمري ما كان كل همي الحيطان يا وائل… أنا كان همي الكرامة.

واليوم اللي حصل فيه موقف كبير بينا بسبب كلام والدتك، كسر جوايا حاجة متتصلحش بشقة ولا ببرج كامل.

إنت ما فوقتش عشان زعلي أو كرامتي، إنت فوقت عشان مصلحتك وفلوسك كانت هتضيع.

واللي ما يعرفش يحافظ على بيته وقت الضغط، مش هيعرف يطمني في يوم من الأيام.

حماتي زعقت:
— سيبيها تروح! بكره ترجع وهي بتطلب السماح، مش هتلاقي راحة برة!

ابتسمت لها وقلت:
— بيت أبويا عامر، وكرامتي غالية أوي، واللقمة اللي معاها ذل ما تلزمنيش.

وإنت يا وائل… لو عايزني وعايز بنتك، تعرف طريق بيتنا كويس، وتعرف تيجي إزاي وإنت راجل بقرارك، مش ماشي بإشارة من حد.

والحساب بينا هناك عند أبويا اللي عمره ما خلاني أحس إني أقل من حد.

فتحت الباب ونزلت.

كانت خطواتي تقيلة، بس راسي مرفوعة للسما.

بنتي في حضني بتضحك في الشمس، وكأنها بتبشرني بيوم جديد خالي من الضغط والإهانة.

نزلت وسبت ورايا بيت كان مليان تحكم ومشاكل، وأنا عارفة إن الصفحة القديمة اتقفلت.

وإذا كان هيكون في رجوع، هيكون بشروطي أنا وبس؛ شروط الكرامة والاحترام اللي مفيش تهاون فيهم بعد النهاردة.

النهاية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى