
بتديني برشام حمل عشان ما اخلفش منك؟! ياااه، للدرجاتي شايفني قليلة على اني أكون أم لطفلك؟!
ثائر ببرود وهو يضع يده في بنطاله:
— أممم… ما هو مش طبيعي أخلف من بنت الخدامة يعني! أنتِ عجبتني آه، وأنا انبسطت وأنتِ انبسطتِ، لكن خلفة!! لأ طبعا، موصلتش لكدا.
نظرت إليه تحاول أن تصدق ماذا يتفوه به في هذه الزيجة.
عليا بدموع:
— يعني كنت بتتسلى بيا؟ كنت مجرد نزوة في حياتك؟! شوفت إنك صعب توصلي كدا، فقولت اتجوزها يومين وأطلقها؟!
قهقه عالياً:
— ياااه! تعرفي إنك طلعتي لماحة يا لولو؟ وعشان ماظلمكيش معايا، أنا اتجوزت وأنتِ فضلتِ معايا؛ يعني كدا لما كنت بزهق من مراتي بجيلك، وأهو كله بثوابه!
لحظة، اثنان، ثلاثة… وجد صفعة نزلت على وجهه بقوة، ولو كان هذا رجل لما كانت بهذه القوة!
كانت مصدومة به حقاً؛ هل هذا هو حبيبها ومعشوقها الذي كانت تعشقه منذ نعومة أظافرها؟! نعم، إنها ابنة الخادمة، كانت أحلامها بسيطة؛ فقط زوج يحبها، وأتقن ببراعة دور الحبيب العاشق حتى عشقته هي الأخرى، ولكنه الآن يعترف أنها فقط مجرد نزوة أراد الوصول إليها بأي ثمن!
اقترب منها وهو يكبل كلتا يديها:
— الظاهر إني خليتك تنسي نفسك يا حيوانة! نسيتِ إنك البيه اللي ماكنتش تحلمي يبصلك أصلاً؟!
فك حزام بنطاله:
— أنا هعلمك إزاي ترفعي إيدك!
صرخاتها تملأ المكان، يسمعها وكأنها ألحان موسيقية وهي تتلوي أمامه وتترجاه أن يتركها.
مضت دقيقة واثنان وثلاثة… حتى انتهى هو من ضربها ولم يرف له جفن! تركها كجثة هامدة، وخرج من قصره وهو يهندم ملابسه وكأن لا شيء حدث منذ دقائق. هل هذا من جنس البشر؟! أعتقد أنه من المستحيل أن يكون كائن بشري! لو كان شيطاناً لما شعر بالشفقة على تلك الصغيرة المسكينة.
في غرفة عليا
بعد مرور ساعة، فاقت وهي تحاول أن تحرك رجليها ويديها ولكنها لم تستطع. فكيف بعد كل هذا الضرب تقوم بهذه السهولة؟!
تحاملت على نفسها وهي فقدت كل تلك الأحاسيس التي كانت تحملها بداخلها إليه، وليس بهذا فقط؛ لقد تبدل كل هذا بشعور آخر وهو: الكره والانتقام. لو حبته مرة فكرهته آلاف المرات!
وقفت أمام تلك المرآة وهي تنظر إلى جسدها الذي كان ينزف من كل مكان، قالت بكرة ورغبة بالانتقام:
— أنا عليا السيد، أقسم بالله لأدفعك ثمن كل ضربة ضربتهالي، وكل يوم جيت عليا في ٣ سنين عشتهم في خداع منك! خلتني أصدق إني مبخلفش وأنت بتديني برشام منع حمل، وتجوزت وخَلَفت من سارة بنت البشاوات اللي شايفها تليق بيك! وحياة كل يوم رفعت إيدك عليا وأنا مستحملة عشان ماليش حد بعدك، لاخليك تتمني الموت ولا هطوله!
دلفت إلى الحمام حتى تقوم بحمام بخاري كي تريح نفسيتها التي دمرها ذلك الثائر الحقير.
بعد وقت، ارتدت فستاناً قصيراً يصل إلى بعد ركبتها، ورفعت شعرها بماسك الشعر، وأخذت حقيبتها ونزلت على الدرج وهي تسمع لذلك الزوج:
سما:
— آه، الهانم رايحة فين إن شاء الله؟!
قالت عليا ببرود وهي تعقد يديها أمام صدرها:
— وحد قالك إني مسؤولة منك، والمفروض يعني إني أرد على السؤال دا؟!
سما بغيظ:
— لأ بقولك إليه، شكل العلقة اللي أخدتيها الصبح من ثائر مشبعتكيش لسا؟ عايزة واحدة تاني مش كدا؟!
عليا وهي تقترب منها والشرار يتطاير من عيونها، وقد لفت شعرها على يديها وهي تكاد تخلع خصلاتها:
— أنا بقولك إيه، أنتِ تلتزمي حدودك معايا، يا إما أقسم بالله بإيدي سامعة؟!
قالت كلماتها الأخيرة وهي تدفعها حتى اصطدمت بالأرضية، وتركتها وذهبت من المنزل.
سما وقفت وهي تنظر بدهشه:
— هل هذه عليا؟! هل هي نفسها البنت التي كانت تنفذ أوامرها دون أدنى تردد؟!
في مستشفى الحياة
هي مستشفى خاصة بياسر الهواري الذي توفي منذ أيام قليلة، واليوم سوف يأتي ابنه الوحيد كي يدير ممتلكات والده. ياسر الهواري يعد أن عاش في ألمانيا وجاء بعد معرفته بوفاة والده.
دخلت عليا هذه المستشفى العريقة التي كانت تعمل بها قبل أن تتركها منذ أيام قليلة. كانت تدخل من البوابة الرئيسية، وفي تلك اللحظة قابلتها سيارة أخرى أعاقتها من الدخول.
أخرجت رأسها من زجاج السيارة:
— أبعد الطريق خليني أدخل، ارجع!
نظر لها هو الآخر وهو يقول ببرود:
— أنا مرجعش لحد، ارجعي أنتِ يا شاطرة.
أخرجت أنفاسها بضيق وأفسحت له الطريق حتى يدخل؛ لأنها الآن فقط تريد أن تقضي يومها طبيعياً دون خناق، وليس لديها طاقة حتى تتفوه بحرف.
ابتسم بغرور ودخل هو، وصف سيارته ودخلت هي خلفه وصفت سيارتها بجانبه. نزل من سيارته بغروره المعتاد، وخلع نظارته الشمسية وهو ينظر لها بتقييم، ولكنه تفاجأ ونظر لها بصدمه.
عليا عبست بوجهها وهي تراه يحدق بها، وانزعجت من هذه النظرات فأخذ عقلها فكرة ليست حقيقية عنه.
عليا بسخريه:
— إيه، مش عايز بالمره تاخد صورة؟!
ثم أكملت طريقها بغرور.
— أنتِ مجنونة!
نطق فقط بهذه الجمله.
عادت إليه وهي تناظره بملامحها المنزعجة، ورفعت سبابتها أمام وجهه بتحذير:
— اسمع كدا؛ كلمة واحدة، أنا أكتر حاجة بكرها إنه حد يغلط فيا لو بكلمة!
وتركته وغادرت دون كلمة أخرى.
أما هو فحك أسفل ذقنه بتفكير:
— البنت دي في شبه كبير من ماما أوي، مش طبيعي!
وأكمل بتسمسة:
— بس باين عليها قوية ومغرورة، وأنا أحب النوع دا.
عدل من ملابسه وارتدى نظارته مرة أخرى إلى المستشفى.
دخلت عليا المستشفى ولكن وجدت كل الموظفين عند الباب الفرعي من المستشفى.
عليا بدهشه بسبب ذاك التجمع:
— رانيا، في إيه؟ ليه واقفين هنا؟
رانيا وهي تعدل شعرها بضحك:
— الدكتور الجديد جاي النهارده، ابن دكتور ياسر الله يرحمه، عشان يستلم المستشفى مكان والده.
عليا:
— أممم، طيب أنا هدخل عشان أشوف الحالات الموجودة، أكيد يعني مش هقف أستنى حضرته.
رانيا:
— استني يا عليا، خلينا نشوف دا بيقول أنه وسيم أوي، عنده ٣٢ سنة ولسا متجوزش وأنا عايزه أشوفه، عندي فضول يعني، بيقولوا شكله يدي ع الـ ٢٥ كدا.
عليا بغيظ:
— يا بنتي الفضول دا غلط عليكي، بطليه شوية وتعالي عشان عايزاكي في موضوع كدا.
رانيا قهقهت:
— هههههه معلش بقى، صفة أخدتها من ماما غصب عني يا لولو، وعايزاني في إيه؟ كل حاجة تمام مع ثائر؟
تغيرت ملابسها تدريجياً إلى الحزن. انتبهت رانيا على الأصوات ورأت ابن المدير.
رانيا:
— عليا، عليا! أهو، شوفي، تصدقي معاهم حق؟ الله، دا حلو أوي!
نظرت عليا باتجاه التي أشارت عليه رانيا، وعندما نظرت إليه أغمضت عيونها:
— أوووف، ماكنتش ناقصة، طلع هو المدير!
لفت ظهرها بضيق ودت الذهاب ولكنه أوقفها صوته:
— أنتِ… استاذه، رايحة فين؟
عادت مرة أخرى أمامه.
عليا ببرود:
— رايحة شغلي، هكون رايحة فين؟!
عيسى بضيق:
— أممم، محدش قالك أنه لما المدير يكون واقف لازم تحترميه وتقفي لحد ما هو يمشي؟!
عليا:
— لأ!
عيسى بضيق من أسلوبها:
— بما أنه ما حدش قالك، من النهارده المكان اللي أكون فيه لازم الكل يحترمني ويقف احتراماً ليا.
عليا:
— خلصت يا دكتور؟
رانيا اقتربت منها وهي تهمس لها:
— اهدي يا عليا، مش كدا، دا المدير! أنتِ من إمتى وأنتِ بتتصرفي كدا؟
لم ترد عليها، فقط تنظر له بتحدي ويبادلها هو الآخر تلك النظرات.
قاطع هذه النظرات صوت سيارة الإسعاف. دخل إليهم الممرض وهو يقول بصوت عالي:
— الحقوا! حادثة وفي ناس كتير مصابة، بسرعــــة!
وبعدها دخلوا بالمصابين. عليا اقتربت من حالة صعبة، وفي تلك اللحظة اقترب منها عيسى.
عيسى بعملية:
— دكتورة، سيبيلي الحالة دي وروحي شوفي الباقي.
نظرت حولها، كان الكل معه حالة وما داموا مصابين!
قالت بعملية:
— مافيش حد، كل مصاب معاه مجموعة أطباء، أنا هساعدك عشان الحالة دي صعبة.
خلعت الصندل الذي كانت ترتديه برجلها لتسهل حركتها.
عليا:
— نبض قلبه ضعيف جداً، وكمان ضغطه واطي وبینزف من كل حتة!
قالت بأعلى صوتها:
— جهاز الأكسجين بسرعة! المريض بيموت مننا!
أسرعت هي وأبعدت عيسى وأخذت تقوم بإنعاش القلب.
عيسى:
— اهدي يا دكتورة ثواني، ابعد بس…
عليا بصوت عالي:
— اهدي بيموت مننا! قلبه وقف!
صرخت به:
— بقولك قلبه وقف!
عيسى:
— عارف إنه قلبه وقف عشان كدا أنا واقف، لأنه المريض مات من قبل ما تعملي الإنعاش القلبي دا، انزلي!
عليا بدون استسلام:
— هوووش، اسكت خالص!
بدأت تفعل له أكسجين صناعي وما زالت تفعل إنعاش للقلب، وفجأة عاد نبض المريض طبيعياً.
نظر لها بإعجاب وفي نفس الوقت بإحراج.
عليا تحاول أن تأخذ نفسها بالعافية بعد ما الممرضين أخذوا المريض إلى غرفة عادية حتى يدرسوا حالته. رفع عيسى يده بمياه:
— خدي، أنتِ تعبتي جـداً.
وأكمل بإعجاب:
— عجبتني أوي يا دكتورة، اسمك إيه؟
عليا بغرور أخذت منه المياه:
— أممم، أنا اسمي عليا السيد، وشكراً لإعجابك دا.
قهقه:
— مغرورة أوي يا عليا أنتِ!
عليا برفع حاجب:
— شايفك كدا شلت الألقاب بسرعة، أتمنى ترجعها.
أقر بينهما شخص وملامحه لا تبشر بخير:
— الله الله على المدام اللي دايرة على حل شعرها!
وأمسكها من يدها وكان سوف يسحبها، لكن عيسى…
الفصول اللاحقة
ثائر:
— الله الله على المدام اللي دايرة على حل شعرها!
سحبها من يدها وكان سوف يذهب إلى أن أعاقه عيسى الذي أمسك يده وقال بغضب:
— إييه قلة الذوق دي؟! أنت إزاي تيجي تسحبها كدا كأنها حيوانة؟! وأيه الكلام المقرف دا، وأنتِ إزاي ساكتة؟
ثائر سحبها خلف ظهره وهو ينظر له بعصبية وقال:
— ومين بقى الجدع عشان يدخل بيني وبين مراتي؟
عيسى بدهشه:
— مراتك؟! أنت متجوزة يا عليا؟!
ثائر بغيرة:
— الله الله، دا بقي هي عامله نفسها لسا بنت مراهقة! لأ وايه، داخلك وإزاي تناديها باسمك كدا؟! وأنتِ، انطقي ليه ماقولتلوش انك متزوجة؟
عليا ببرود وهي تبعده عنها:
— أه، قولتلي ليه؟!
ثم رفعت يديها:
— لأني خلاص شلت الدبلة اللي كانت ربطاني بيك، وكمان مش مروحة معاك لأني رفعت عليك قضية طلاق، مبقتش طيقاك يا ثائر بيه المنشاوي، مبقتش شايفاك راجل!
ثائر بغضب رفع يده وكان يريد صفعها ولكن يد عيسى كانت الأسرع ومنعه، أمسك يده قبل أن تلمس وجهه وهو يقف بينهم:
— تؤ تؤ تؤ، إيدك أكسرها قبل ما تمدها عليها! ويالا اخرج من هنا بدل ما أنادي الأمن ويجوا يأخدوك من قفاك!
ثائر بصراخ:
— يسحبوا مين يا ابن الكلب؟!
فور نطقه لهذه الكلمة، انهال عليه بالضرب وكأنه فقد عقله.
عليا بصراخ:
— دكتور عيسى! سيبه! سييييبه أرجوك! الحقونا! حد يلحقه! نادوا الأمن بسرعة!
الجميع تجمع عندما سمعوا صراخها، والأمن جاء وأخذ ثائر من عيسى وكان وجهه مليئاً بالكدمات.
عليا اقتربت من عيسى وهي تقول بعصبية:
— ماكانش في داعي تتدخل! دا جوزي وبينا مشاكل.
وأكملت بسخرية:
— إيييه، عايز تعمل فيها بطل؟! لا بقولك إيه، الشغل دا ما ياكلش معايا، دا تعمله على عيلة غلبانة، أما أنا فا خلاص الدنيا علمتني كتير، وعلمتني من الأشكال اللي زيّك برضوا!
عيسى بغضب:
— أنتِ مفكرة نفسك إيه؟! واحدة مقلب في نفسك! أنتِ إزاي أصلاً تكلميني كدا، وأعمل بطل على مين وليه؟! هههههه عشانك يعني؟! تصدقي أنا اللي غلطان، كنت سبته ضربك وبهدلك قدام الناس، بس أنا للأسف كراجل ما أعرفش أوقف أتفرج على واحدة بتبهدل، وأنا آسف لأني دخلت في مشكلتك!
تركها وهو يلعن نفسه بسبب الإهانة وجرحها لكرامته أمام الجميع؛ فهو مهما إن كان سيئاً ولكن ليس إلى هذا الحد.
عليا غمضت عيونها بندم وجلست على الكرسي، ورانيا قربت عليها.
رانيا عاتبتها:
— ليه كدا يا عليا؟! كسفتيه قدام الكل مع إنه ما عملش حاجة! بدل ما تتشكريه كلمتيه بالطريقة دي!
عليا بندم:
— والله ما أعرفش أنا قولت إيه، مشاعري ملخبطة جداً يا رانيا.
وأكملت ببكاء:
— بحاول أكون قوية وباردة، ودا عكس شخصيتي!
رانيا أخدتها:
— تعالي معايا بس عشان الكل يتفرج.
أخدتها على مكتبها.
رانيا:
— ها بقى يا ستي، في إيه؟ وليه هتطلقي من ثائر؟! أدا، أنا مش مصدقة! يعني أنتِ اللي كنتِ بتعشقي ثائر لدرجة الجنون، بالسهولة دي تتخلي عنه؟!
عليا ببكاء مرير:
— بيخدعني يا رانيا! طلع بيحطلي برشام منع حمل عشان مخلفش ومفهمني إني مبخلفش! ٩ سنين من عمري وهو بيضحك عليا، آل إيه عشان ماينفعش حضرة الباشا يخلف من بنت الخدامة!
شهقت رانيا:
— هاااء! إيه؟! لا مش معقول، موصلش لكده! قولتك من الأول يا عليا، دا إنسان الحقد والغرور ملأ عينه!
عليا بشهقات متقاطعة:
— استحملته كتيييير أوي يا رانيا، كان بيذلني ومشغلني خدامة ليه ومراته وابنه!
اقتربت منها رانيا وضمتها بقوة، وصرخت عليا بسبب جسدها الذي ملئ بالكدمات والجروح.
ابتعدت عنها رانيا بسرعة وقالت بشك:
— في إيه يا عليا؟ وريني كدا!
عليا بتوتر وهي تبعدها:
— لأ لأ، مافيش حاجة، بس أنا جسمي بيوجعني شوية.
رانيا:
— استني يا عليا!
وأزالت عنها الملابس وهي تنظر على ذراعيها وقالت بصدمة:
— إيه دا يا عليا؟! هو صح لييييه سيباه يعمل معاكي كدا؟! أنتِ مجنونة؟!
عليا وهي تداري:
— لأ، مش هو بس…
ولكنها استسلمت وهي تبكي بحرقة في سكون، هزت برأسها بجنون وهي تترك الغرفة وتقول بصوت عالي:
— أنا هشوف الندل ابن الجازمة دا!
وخرجت وهي تركض وذهبت خلفها عليا تحاول أن تمنعها.
عليا:
— استني يا رانيا بالله عليكي استني! أقسم بالله لو مشيتي خطوة تاني عن كدا لهيكون آخر كلام بينا!
رانيا توقفت عن السير وهي تلتفت لها وتقول ببكاء:
— ليه كدا يا عليا؟! ليه حرام عليكي؟! أنا مش مسامحاكي، أنتِ مش عليا صاحبتي اللي أنا أعرفها!
وذهبت رانيا إلى مكتبها وأغلقت الباب خلفها بقوة.
أما عن عليا فكانت تبكي هي الأخرى وذهبت إلى مكتبها وبدأت تباشر عملها حتى تلتهي قليلاً. ولكنها تذكرت حديثها مع عيسى، قالت:
— لازم أعتذر منه، ما يصحش اللي أنا عملته، بس أنا خايفة لا يحرجني! هوووف، خلاص هروح واللي يحصل يحصل.
ذهبت إلى مكتبه ودقت على باب المكتب.
عيسى:
— اتفضل.
دخلت هي بتوتر وهي تفتح الباب ببطء. عيسى عقد حاجبه:
— أيوه يا دكتورة عليا، في أي حاجة؟
عليا بكسوف:
— حابة أتكلم معاك بخصوص اللي حصل برا.
عيسى قاطعها:
— أنا اللي عايز أعتذر منك على اللي حصل مني، وكلامي ليكي كان لازم أقدر حالتك، أكيد أنتِ في فترة زي دي وبخصوص قرار صعب زي دا مشاعرك ملخبطة، وعشان كدا أكيد ماكانش قصدك.
ابتسمت له عليا بعد ما تفاجأت بحديثه:
— بجد مش عارفة أرد أقول إيه يا دكتور على الكلام دا، يعني بصراحه كنت خايفة تحرجني بس بصراحة صدمتني، وبرضوا أحب أقولك أنا آسفة لأنك قدمتلي مساعدة وأنا رديتها بإحراج ليك وكلام ملوش لازمة.
عيسى وهو يتصنع التفكير وقال لها:
— بس أنا مش مسامحك طبعا!
عليا بدهشه:
— مش لسا قائل إنك مقدر الظروف اللي أنا فيها؟!
عيسى بمرح:
— هأسامحك بس بشرط، إنك تطلعي معايا نشرب قهوة في الاستراحة.
عليا ضحكت من قلبها وكانت ضحكتها بريئة مثل قلبها. نظر لها بإعجاب وقال بسرحان:
— كل حاجة فيكي بتحببني فيكي من غير ما أحس.
عليا بكسوف:
— أحم أحم… حضرتك قولت حاجة؟!
عيسى بسرعة:
— لأ، افتكرت واحدة كدا فيها شبه منك جامد، حتى ضحكتك جميلة زيها!
عليا:
— طيب بعد إذنك يا دكتور عشان أشوف الحالات اللي عندي.
عيسى:
— وكمان ياريت نشيل الألقاب لاني مش بحبها، ممكن؟
عليا بتفكير:
— أممم، بصراحة مش عارفة.
وأكملت بضحك:
— زي ما أنت عايز طبعاً.
تركته وغادرت ولكنه مازال تحت تأثير ضحكتها. نعم، أعجب بها منذ أول لقاء، كل حركاتها أعجبته، لم ير فتاة قوية مثلها، هذا كان تفكيره.
في الاستراحة
اجتمعوا عليا وعيسى مثلما خططوا.
عيسى:
— اتفضلي يا عليا.
عليا:
— شكراً، طلعت إنسان مرح عكس ما شوفتك لسا من أول اليوم يعني.
عيسى جلس أمامها:
— يعني ما أعرفش، أنتِ بس اللي كنتِ مغرورة معايا وكمان باردة ومستفزة!
عليا برفع حاجب وهي ترفع كوب القهوة:
— مش ملاحظ إنك خافف إيدك عليا بسرعة؟! وكمان بتتكلم عني لو مش واخد بالك!
عيسى ضحك:
— هههههه أهو رجعنا تاني للغرور يا ستي عليا، وأما عن اللي قولتُه فا دا الصراحة.
عليا:
— لأ بقولك إيه، أرجع تاني معاك زي ما كنت! اها، بحق محتاجة أمشى النهارده دلوقتي لأني مش قادرة أكمل، أعصابي تعبانة شوية بسبب اللي حصل.
عيسى عقد ملامحه:
— أممم، يعني لسا أول يوم ليا وبتديني عنك فكرة مش لطيفة!
عليا بابتسامة:
— الأيام هتثبتلك مين عليا السيد! يالا بقى أسيبك أنت تكلم وأطلع.
همت بالذهاب، أوقفها عيسى قائلاً:
— عليا، أتمنى لو احتجتِ أي حاجة تقوليلي، ودا مش مجرد مجاملة، أنا بكلمك كأخ أو صديق، أي حاجة يعني.
عليا بابتسامة:
— شكراً يا عيسى، أنا مش عارفة أشكرك إزاي، وصدقني كلامك باين في الجدية من غير ما توضح كلامك.
سلام! تركته وذهبت ولكنه ساكن محله يفكر بها، سرقت عقله وقلبه من أول يوم.
في قصر الهواري
كان يكسر كل ما جاء أمامه.
سما:
— في إيه؟ ليه بتكسر كل حاجة كدا؟!
ثائر بكره:
— أنا هوريها من هو ثائر الهواري! أنا اللي تقولي كدا؟! وقال إيه كمان، عايزه تتطلق مني؟! دا لو شافت النجوم بعينها مش هنولها الطلاق مني! مستحيل تبقي لحد غيري!
سما بغيرة:
— قصدك عليا مش كدا؟! لأ بقولك إيه يا حبيبي، البت دي تطلقها زي ما هي عايزة، أنت مش كنت بتقول إنك عايز تطلقها بس هي اللي رافضة؟! وأديك سايبها بتخدمنا أهي، هي اللي طلبت بنفسها تطلقها! ولا الاستاد مش قادر على بعدها؟!
ثائر وهو يقترب منها وقال بفحيح:
— سماااا! إل… مش خايفه على عمرك؟! اختفي من قدامي أحسن لك!
في منزل الخالة مي
ذهبت عليا وهي تتحدث مع خالتها في الموبايل:
— أيوه يا طنط، خلاص أنا قربت أوصل عندك أهوه، مش عارفة بجد أشكرك إزاي، أنا بس هجهزلي مكان أقعد فيه ومش هطول عليكي يا طنط مي.
مي:
— إيه يا حبيبتي الكلام دا؟! أنا قاعدة لوحدي وعيسى بس.
ضحكت عليا:
— هههههه النهارده شوفتُه بس متخيلة إنه معرفنيش وأنا ماحبتش أقوله، مستنية لو يوصل ويشوفني هناك.
مي بضحك:
— حقه! دا أصلاً لو فضل فاكره إنه كان عنده بنت خالة؛ لأنكم ماكنتوش تشوفوا بعض نهائي وكمان هو سافر وهو صغيّر.
عليا وهي خلفها وصلت.
مي التفتت لها واقتربت منها بسرعة وهي تضمها:
— وحشتيني أوي يا عليا يا حبيبتي!
عليا بحب:
— وأنتِ كمان يا طنط.
ثم نظرت إلى حقيبة ملابسها وقالت بحرج:
— آسفة، مش عارفه أقولك إيه بس…
قاطعتها مي:
— يا حبيبتي أنا ياما قولت لأمك تيجي تقعد معايا بس دايماً هي كانت مكبرة دماغها الله يرحمها.
عليا أدمعت عيونها:
— ربنا يرحمها، وحشتني أوي.
مي بحنية:
— خلاص يا حبيبتي، اطلعي خودي دوش كدا حلو وغيري لبسك وتعالي بسرعة عشان نشوف ردة فعل عيسى.
لقاء العائلة
بعد وقت وصل عيسى وجلس مع والدته، ونزلت عليا ووقفت خلف عيسى مباشرة. رآها عيسى وقال بدهشة وصدمة:
— إيه دي كدا؟
التفت عيسى لينظر إلى ما أشارت إليه والدته؛ رأى عليا ولكنه ظن أنه فقط يتخيلها وقال كأنه لم يرها:
— فين دي يا ماما؟!
عليا مندهشة:
— ليه هو أنا شفافة؟! شكلك محتاج نظارة نظر يا عيسى، أكيد يعني مش معقول مش شايفني!
مي مكملة حديثها:
— هو أنت بجد مش شايف عليا يا عيسى؟!
عيسى فرك عيونه بدهشة:
— إيه دا؟! هو أنتِ هنا بجد حقيقي؟! فكرت إني بتخيلك، كل شوية أشوفك في خيالي!
عليا عقدت جبينها:
— تشوفني في خيالك؟!
عيسى بسرعة:
— أقصدي يعني عشان أول يوم أشوفك والمشكلة اللي حصلت يعني كان بالي مشغول لو جوزك دا تعرضلك.
ثم أكمل بدهشة:
— بس أنتِ بتعملي إيه هنا؟ وأنتِ تعرفيها منين يا ماما؟!
مي بضحك:
— مش فاكرها خالص يا عيسى؟! دي عليا بنت خالتك مريم!
ثم أكملت بغمزة:
— لولو يا عيسى! لولو نسيتها؟!
فتح حدقتيه بذهول:
— لأ مش معقول، دا بجد؟! أنتِ لولو اللي كنت قد كدا؟!
عليا بتذمر:
— بس أنا دلوقتي كبرت وخلاص مبقتش اللي قد كدا.
مي بضحك:
— هروح أعمل قهوة عشان علا الخادمة أخدت إجازة عشان عندها فرح قريبها.
وتركتهم وذهبت إلى المطبخ وهي تتمنى في نفسها أن يتزوجها حتى تحميها لأنها بنت وحيدة وهي تعلم أن عليا لم توافق أن تسكن معها، وأيضاً هي تحبها فهي ابنة توأمها مريم.
عيسى باستغراب:
— بس أنتِ ليه ماقولتيش إنك بنت خالتي؟
طقطقت رقبتها وقالت:
— ماكنتش أعرفك في الأول، بس لما قالوا إنك ابن دكتور ياسر عرفتك وحبيت أخليها لك مفاجأة لما تروح، كنت حابة أشوف ردة فعلك بس بصراحة فاجأتني.
عيسى وهو يتأملها:
— ما أنا بصراحة قولت أنت اتجننت يا عيسى، يعني إيه هيجيبها هنا؟!
عليا توترت بسبب نظراته الواضحة وقالت بتوتر:
— أنا محتجاك معايا بككرة في جلسة الطلاق، يعني لو مش هعطلّك…
عيسى أمسك يدها وهو يحاول أن يطمئنها:
— اهدي، صدقيني هكون جنبك خطوة بخطوة، أنا كنت حابب أكون جنبك بس كنت خايف ما توافقیش، لكن دلوقتي أنتِ ماليش غيرنا وغصب عني وعنك هكون جنبك.
عليا بابتسامة:
— شكراً يا عيسى، مش عارفة بجد أقولك إيه، من أول يوم لينا وأنا دخلتك في مشاكلي.
عيسى بابتسامة:
— بس ما تقوليش كدا يا عليا، ما تنسيش وأنا صغير قلتلك إني هفضل جنبك.
وتذكر عندما كان يدرس وعلم أن عليا تزوجت لذلك لم يعود بعدها وظل هناك يدرس رغم أنه لم يرها من سنوات طويلة. وأكمل:
— أنتِ بعدتيني عنك زمان بجوازك من جوزك دا، صحيح أنتِ ماقولتيش إيه سبب طلاقك مع إني سمعت أنكم بتتحبوا بعض!
عليا بتوتر:
— ممكن مش دلوقتي؟ لما أحس نفسي مرتاحة هحكيلك كل حاجة يا عيسى.
عيسى أومأ برأسه:
— تمام يا عليا.
دخلت عليهم مي:
— خودي يا حبايبي اشربوا القهوة واطلعوا ارتاحوا.
تناولوا القهوة مع مزاح عليا وعيسى وتذكرهم لطفولتهم وضحكهم الذي كان يرن في الفيلا التي لم يدخل عليها البهجة والفرحة منذ زمن طويل.
مفاجأة غير متوقعة
وفجأة رن جرس المنزل، فتحت مي ودخلت فتاة في عمر ٣٢ عام، ركضت إلى عيسى وضمته تحت نظرات الدهشة من عليا ووالدته.
مي بضيق:
— أوووف، مين دي كمان يا عليا؟! تعرفيها؟!
عليا قالت باستغراب:
— لأ، أول مرة أوشفها، بس هي عاملة كدا ليه وماسكة في وسطه ليه؟!
مي قالت بضحك:
— هي الأخرى ياختي، دا أنا لما شوفتُه ما عملتش معاه كدا! دا ما تقوليش ابنها ولا جوزها!
ثم قالت بشهقة:
— يا مصيبتي! لا يكون الواد عيسى متجوزها ومخبّي علينا؟! استنى يا ختي!
عليا أَمْسَكَت يدها تحاول منعها:
— أكيد لأ يا طنط، ليه هيخبي؟! مش شخصية عيسى، دا هو اللي يعمل حاجة ويخاف منها، ما أظنش عيسى يعمل كدا.
مي بعدت يد عليا:
— طيب سيبني أتأكد عشان قلبي يهدى.
مي وقفت أمام عيسى الذي كان مازال يحدث نتاليا ولكنهم يتحدثون الإنجليزية. وقفت مي أمامهم واضعة يديها في خصرها وهي تقول بضيق:
— مين دي يا عيسى؟! أوعى تحاول تخبي الحقيقة! دي أكيد مراتي اللي متجوزها هناك في ألمانيا صح؟!
ضحك عيسى وهو مذهول من ردة فعلها:
— أكيد مش للدرجة دي يا ماما، في إيه؟! ما تتكلمي يا عليا.
قالت نتاليا:
— طنط، أنتِ أم عيسى صح؟! بس أنا مش الويڤ بتاعتُه، أنا فريند بس حبيبي!
مي عقدت جبهتها باستغراب:
— هي بتقول إيه دي يا عيسى؟! أه دي أكيد بتقول الحقيقة أنها مراتها! دا أنا هسود عيشتك يا عيسى!
تدخلت عليا قائلة بضحك:
— لأ يا طنط، هي بتقولك أنها مش مراته، هي صديقته بس، اهدي يا طنط تعالي معايا.
مي:
— أوعى يا بت تكوني بداري عليه! قولي الصراحه يا عليا، هي قالت كدا وبعدين أمها هي نيلة! صاحبته ماسكة فيه كدا ليه؟!
واقتربت من نتاليا وهي تبعده عنها:
— ابعد كدا يا بت لازقة فيه كدا ليه؟! إيه البلاوي؟! ابعدي عن ابني!
نتاليا بضيق:
— عيسى، هي ليه بتعمل معايا كدا؟! أنا مش حبيبت أمك دي!
عيسى غمز لعليا حتى تأخذ والدته وتخرج بها حتى يهدئ الجو من هذا الشجار. عليا هزت رأسها وقالت لمي:
— طنط، أنا عايزاكي عشان أكلمك على قضية بكره، عايزه أخد رأيك في حاجة.
تحركت مي مع عليا وهي تحدثها عن ماذا سيحدث غداً.
عيسى بعد نتاليا عنه:
— أنتِ مجنونة يا نتاليا؟! أنتِ إيه جابك هنا؟! ابعدي عني بقى، أنتِ خلاص بقيتي ماضي وانتهى، افهمي!
نتاليا بدموع:
— والله أنا مش جيتلك عشان حاجة، أنا جيت عشان ماما عايزة تجوزني روكي، وأنا بكره لا جيتلك أنت يا عيسى، مش أنت قولت لما تحتجيني هتكون معايا وتوقف جنبي كصديقي؟
عيسى باستغراب:
— مين روكي؟! ابن عمك صح؟!
نتاليا بعياط:
— آه، هو، وأنا بكرهه ولما رفضته عليا!
