
ماجد واقف قدام الحضانة رقم 4، لابس الجاون الأصفر المعقم، وحاطط إيده في جيبه عشان يبطلها ترتعش.
يوسف نايم على ضهره، مغمض، حاطين على مناخيره حاجة صغيرة جدا بتديه أكسجين، وصدره اللي قد علبة الكبريت بيطلع وينزل بسرعة، لازقين على صدره لزقات، وشاشة فوقه عمالة ترسم خط أخضر طالع نازل.
دكتورة الأطفال بصتله من فوق نضارتها وقالت: “يا دكتور ماجد، انت عارف الوضع، 33 أسبوع، وزن قليل، رئته لسه مكملتش، أول 48 ساعة دول هما اللي هيحددوا كل حاجة، ادعيله”.
ماجد هز راسه، هو الدكتور اللي بيقول الكلام ده للأهالي كل يوم، أول مرة يسمعه وهو الأب.
ماجد سأل: “ينفع، ينفع ألمسه؟”
الدكتورة قالت: “آه طبعا، افتح الفتحة الجانبية، بس بالراحة”.
مد صباعه السبابة، صباعه اللي لسه من ساعة كان ماسك المشرط، لمس كف يوسف الصغير. الكف كله قفل على طرف صباعه، مسكة ضعيفة، بس موجودة.
ماجد حس بحاجة ضربت في صدره، خلته ياخد نفس غصب عنه كأنه هو اللي كان محتاج الأكسجين.
تليفونه رن في جيب البالطو، أمه، الساعة 4 ونص الفجر.
رد وقال: “ألو، أيوه يا أمي”.
أمه قالت: “انت فين يا ماجد؟ قلقت عليك”.
سكت ثانية، بص على ابنه اللي في الإزاز وقال: “أنا في المستشفى، جالي حالة ولادة”.
أمه قالت: “ربنا يعينك يا حبيبي، بقولك إيه، بنت خالتك منى جاية بكرة، قلت تيجي تشرب معانا الشاي…”
ماجد قاطعها وقال: “يا أمي”.
أمه قالت: “نعم؟”
ماجد قال: “ولاء ولدت”.
الصمت اللي جه من الناحية التانية كان طويل لدرجة إنه سمع تزييق الحضانات.
أمه قالت: “ولاء مين؟”
ماجد قال: “ولاء بنت عمي، طليقتي”.
أمه قالت: “يا لهوي، ازاي؟”
ماجد قال: “ولدت ابني، في السابع، وهو دلوقتي في الحضانة”.
أمه شهقت، وبعدين بدأت تعيط، مش عياط فرح، عياط الست اللي عارفة إن ابنها عمل مصيبة وقالت: “ابنك؟ طب ازاي واحنا، انت مش قلت…”
ماجد قال: “طلعت حامل يا أمي، وأنا طلقتها وهي حامل ومعرفش”.
قفل معاها بعد ما قالتله جاية حالا.
رجع أوضة ولاء الساعة 6 الصبح، كانت صاحية، باصة للسقف، مركبة محلول، ووشها أصفر.
حط الكرسي جنب سريرها وقعد، لأول مرة من سبع شهور، قعدوا سوا من غير صريخ.
ماجد قال: “الدكتور بتاع الأطفال بيقول أول يومين حرجين”.
ولاء قالت بصوت مبحوح: “عارفة، أنا بقالي شهرين باجي المستشفى دي أتابع، بس في عيادة التأمين الصباحية، عشان عارفة إنك بتبقى بالليل بس، مكنتش عايزاك تشوفني”.
ماجد بص على إيديها، خست، دبلتها مش موجودة، بس في علامة بيضا مكانها.
ماجد سأل: “ليه مقولتيش؟ كنتي تقدري ترفعي عليا قضية، تبهدليني، أي حاجة”.
ولاء لفت وشها ناحيته، عنيها حمرا وقالت: “عشان اليوم اللي قلتلي فيه إنتي مبتخلفيش، بصيت في عينك وعرفت إنك مصدقها، ولو كنت جيت قلتلك أنا حامل، كنت هتقول إني بكدب عشان أرجعك، أنا مش رخيصة أوي كده يا ابن عمي”.
سكت، مفيش رد يتقال.
الباب خبط، أمه دخلت، جريت على ولاء، وباست راسها وهي بتعيط وقالت: “سامحيني يا بنتي، سامحيني إني سكت يوم ما ابني ظلمك”.
ولاء عيطت أخيرا، عياط بصوت.
ماجد قام وقف، بص على الاتنين، وبعدين خرج تاني ناحية الحضانة.
يوسف لسه نايم، الخط الأخضر لسه طالع نازل.
قعد على الكرسي البلاستيك اللي قدام الإزاز، وحط وشه بين إيديه، وهمس لحتة اللحم الحمرا الصغيرة دي وقال: “خليك، عشان خاطري خليك، عشان ألحق أصلح أي حاجة”.
يوسف فضل في الحضانة 41 يوم.
41 يوم ماجد كان بيقسمهم بين نبطشياته، وأوضة ولاء اللي قعدت في المستشفى أسبوع وبعدين رجعت بيت خالتها، والكرسي البلاستيك اللي قدام الحضانة رقم 4.
في اليوم التاسع، شالوا الأكسجين.
في اليوم السبعتاشر، وزنه وصل كيلو ونص، وبدأ يرضع بسرنجة صغيرة.
في اليوم التلاتين، ولاء جت لأول مرة تشيله، قعدت ساعتين تعيط وهي حضناه جوه هدومها، جلد على جلد، زي ما الممرضات قالولها. ماجد كان واقف بره الإزاز، بيتفرج وبس.
محدش جاب سيرة رجوع، لا هو عرض، ولا هي كانت هتقبل لو عرض.
يوم الخروج، ماجد خلص كل الورق باسمه، شهادة الميلاد طلعت: يوسف ماجد السيد عبد الرحمن.
وصلهم بعربيته لحد بيت خالتها في المحلة، شال الكارسيت اللي فيه يوسف لحد باب الشقة، ولاء أخدته منه على الباب.
ولاء قالت: “شكرا”.
ماجد سأل: “على إيه؟”
ولاء قالت: “إنك، إنك كنت أب كويس ليه وهو جوه”.
ماجد طلع من جيبه ظرف وقال: “ده عقد شقة، قريبة من المستشفى، وقريبة من ماما، باسمك، مش عشان ترجعيلي، عشان متفضليش تتمرمطي بالواد في المواصلات كل ما يبقى عنده متابعة”.
ولاء بصت للظرف ومأخدتهوش على طول وقالت: “أنا مش عايزة فلوسك يا ماجد”.
ماجد قال: “عارف، اعتبريه إيجار حضانة، ابني محتاج أمه تبقى جنبي، وأنا محتاج أبقى أبوه بجد المرة دي”.
سكتت، وبعدين أخدته وقالت: “هفكر”.
—
عدت تلات شهور.
ولاء فعلا نقلت، مش مع ماجد، في الشقة اللي كتبها باسمها، كانت بتشتغل من البيت، بتعمل تفصيل، وماجد كان بيعدي كل يوم بعد شغله، مش يقعد كتير، ساعة، يغير ليوسف ويطمن عليه، يتمشى بيه في الصالة لحد ما ينام على كتفه.
في مرة يوسف عيط ومكانش راضي يسكت، ماجد شاله، وولاء كانت في المطبخ بتعمل رضعة، الواد سكت أول ما سمع صوت نبض قلب أبوه.
ولاء خرجت لقت المنظر ده، وقفت عند باب المطبخ وقالت فجأة: “فاكر يوم الطلاق؟”
ماجد هز راسه وهو لسه بيهز يوسف.
ولاء قالت: “قلتلي إنتي مبتخلفيش، كأنك بتلغيني كلي، مش بس كست، كبني آدمة”.
ماجد قال بصوت واطي: “عارف، ومش هطلب منك تنسي، أنا بس بطلب فرصة إني أبقى بني آدم أحسن قدام ابني، وقدامك لو ينفع في يوم”.
ولاء قربت، أخدت يوسف منه عشان تديله الرضعة، إيديهم لمست بعض ثانية.
ولاء قالت وقعدت على الكنبة: “الرضعة هتبرد، اقعد، احكيلي الولد عمل إيه النهاردة في المتابعة”.
ماجد قعد جنبها، مش لازق فيها، سايب مسافة صغيرة بينهم، مسافة سبع شهور وغلطة عمر.
بس لأول مرة، كانوا التلاتة في أوضة واحدة، من غير مستشفى، من غير أجهزة، من غير خوف.
يوسف خلص الرضعة، ونام.
ولسه قدامهما كتير أوي عشان يتصلح.
ماجد بص لها وقال: “أنا لو عشت عمري كله اعتذرلك مش كفاية، بس نفسي تديني فرصة تانية ونرجع وأكون معاكي ومع ابني، أنا آسف يا ولاء”.
ولاء بصت له وقالت: “مش هقدر أحس معاك بالأمان تاني يا ماجد، أنا آه بحبك، بس مش هقدر، أنا آسفة”.
ماجد بصلها بحزن وقال: “وأنا هعيش على الأمل ده يا ولاء، وهكون جنبك وجنب ابني طول الوقت، لحد ما تيجي اللحظة اللي تقولي فيها موافقة، وصدقيني دي هتكون أسعد لحظة في حياتي”.
ولاء بصتله وهي بتفكر وقالت بابتسامة: “اللي ربنا عايزه هو اللي هيكون إن شاء الله يا ماجد”.
ماجد بصلها بحب وهو ندمان على كل اللي عمله وبيتمنى إنها تديه فرصة تانية وتصالحه.
الدكتور شاطر عارف إنه مش هيقدر يداوي جرح حبيبته بسهولة، لكن الأمل لسه موجود جواه.
تمت.


