جوزي قال إنه مسافر تلات أيام تبع الشغل. وفي نفس الليلة، بنتنا حرارتها وصلت لقريب من ٤٠، وطلبت لها الدكتور. أول ما شاف صورتنا في الفرح، وشه اصفرّ وسألني: “هو الراجل ده جوزك؟”. هزيت راسي وبس… واللي قاله بعد كده خلتني أسكت ومستحناش وأخرج من البيت فوراً. الجزء الأول — متكلميهوش كتير في التلات أيام دول، جوزك محتاج يركز في شغله — حماتي قالتلي الكلام ده بعد ساعة واحدة بس من خروج طارق من البيت بالشنطة وهو رايح، على أساس، الإسكندرية. ساعتها الموضوع ممشيش معايا غريب. بقالنا تلتاشر سنة متجوزين، وشغله في شركة أجهزة ومستلزمات طبية كان بيخليه يسافر كتير. أنا بنفسي كنت كاوية له قميصين، وحطيتله علاج المعدة في الشنطة، وعملتله كيسين قهوة. وبنتنا فريدة، عندها عشر سنين، حطتله ورقة صغيرة جوه الشنطة كاتب فيها: “يا بابا متنساش الهديّة بتاعتي”. كنا عايشين في شقة في مدينة نصر، كان بابا وماما كاتبينها باسمي من سنين. عمر ما حسّست طارق إن الشقة ملكي أو قللت منه، مع إني كنت عارفة إن صحابه لما بيهزروا معاه ويقولوله “أنت قاعد في شقة المداح” الموضوع كان بيضايقه. بس حماتي، عفاف، كان عندها عقدة ثانية خالص: نفسها في حفيد ولد. كانت دايماً تقول: — البنت بتكبر وتتجوز وتسيب بيتها، لكن الولد هو اللي بيشيل اسم العيلة ويفضل سند. بعد ما ولدت فريدة، جالي نزيف شديد جداً والدكاترة قالولي إن أي حمل تاني فيه خطورة كبيرة على حياتي. لسنين طويلة كنت بحس بالذنب، بس طارق كان دايماً بياخدني في حضنه ويقولي: — فريدة عندي بالدنيا كلها، مش عايز ولاد تانيين. أهم حاجة عندي تكونوا أنتِ وهي بخير وبصحة جيدة. في الليلة دي، وفي الوقت اللي مفروض طارق فيه راكب السوبرجيت ورايح إسكندرية، فريدة جسمها بدأ يترعش. الحرارة وصلت لـ ٣٩.٨. أديتها خافض حرارة زي ما الدكتور قايلي، ولما الحرارة مبغتش تنزل، طلبت دكتور كشف منزلي يجي فوراً. الدكتور أحمد وصل على الساعة عشرة بالليل. كشف على فريدة وقال إن عندها التهاب شديد في الزور، وكتبلي العلاج وفهمني إيه الأعراض اللي لو ظهرت أطلع بيها على المستشفى فوراً. وانا رايحة أجيب كارت المتابعة والروشتات القديمة بتاعة فريدة، رجعت لقيته واقف مش بيتحرك ومبحلق في صورة فرحنا اللي ملعقة على الحيطة. — مدام مريم… هو الراجل ده جوزك؟ — أيوه، فيه حاجة يا دكتور؟ الدكتور بصلها تاني ووشه اتغير: — هو موجود في القاهرة النهاردة؟ ضحكت بقلة حيلة ونرفزة: — لا، ده مسافر شغل في إسكندرية. تعابير وشه بقت جادة جداً وقال: — أنا مش بحب أتدخل في أمور حد الشخصية، بس أنا عارف جوزك كويس عشان شركته بتورد أجهزة للمستشفى اللي أنا بشتغل فيها. أنا لسه شايفه النهاردة العصر في قسم الولادة وحضانة الأطفال… وكان شايل عيل لسه مولود بين إيديه، وكل اللي حواليه كانوا بيتعاملوا معاه على إنه الأب. حسيت إن الأرض بتتسحب من تحت رجلي والدنيا بتدور بيا. مسكت التليفون وطلبت طارق… التليفون مقفول. في اللحظة دي افتكرت مكالمة حماتي عفاف لما قالتلي: “متكلميهوش كتير”. أمي جت فوراً تقعد جنب فريدة وتاخد بالها منها، وأنا نزلت أخدت تاكسي وطرت على المستشفى الاستثماري اللي الدكتور قال عليها. على الساعة حدعشر ونصف بالليل، كنت قاعدة قدام الأسانسير ومش عارفة حتى اسم الست اللي هو رايحلها إيه. كنت خلاص قاطعة الأمل وقايمة أمشي، وفجأة باب الأسانسير اتفتح. الأول خرجت حماتي عفاف. ومن وراها طلع طارق… وكان لابس نفس القميص الأزرق اللي أنا كواهوله بإيديا بعد الضهر. استخبيت بسرعة ورا عمود قريب. سمعت حماتي بتوشوشه وبتجيب سيرة الورق: — بكرة هجيب باقي الأوراق والمستندات، خلص الموضوع بسرعة قبل ما مريم تحس بأي حاجة من ناحية الفلوس. طارق رد عليها وهو قلقان: — أنا خايف تبص في الحساب أو تراجع كشف الحسابات. — عشان كده تحويلات الفلوس بتنزل على حسابي أنا وحساب أختك نهى، هي هتعرف منين يعني؟ أنا كنت رايحة المستشفى فاكرة إني هكتشف إنه بيخونني أو متجوز عليا. بس في اللحظة دي فهمت إن جوزي، وحماتي، وأخت جوزي بقالهم شهور بيلعبوا لعبة كبيرة أوي ورا ضهري وبيخططوا لحاجة أكبر بكتير مما أتخيل. وماكنتش لسه متوقعة هما ممكن يوصلوا لإيه تاني. الجزء الثاني خرجت من ورا العمود. حماتي عفاف هي اللي شافتني الأول، وطارق وشه اتخطف وبقى شبه الميتين. — سفرية إسكندرية الشغل دي طلعت نهايتها في مستشفى الولادة يا طارق؟ — مريم، افهميني بس… أنا ممكن أشرحلك كل حاجة. — تمام، ابدأ شرح بالست اللي فوق دي. محدش فيهم نطق ولا فتح بق، لحد ما عفاف صبرها نفد وقالت بقلة ذوق: — علاء (اسم المولود) ووالدته نورهان لسه طالعين من أوضة العمليات، بلاش تطلعي تعملي شوشرة وفضايح هناك، الولد الصغير ملوش ذنب في حاجة. — أنا مأقلتش إن الولد ملوش ذنب… أنا بسأل مين نورهان دي؟ بصيت لطارق في عينه مباشرة: — الولد ده ابن مين؟ وطى راسه في الأرض وصوته طالع بالعافية: — ابني. ماصرختش، وما ضربتوش. كل اللي حسيت بيه هو تجمد وبرودة في جسمي كله. عفاف كانت عارفة بموضوع الحمل ده من أكتر من ست شهور. كانت بتروح مع نورهان للدكاترة، وساعدتها تأجر شقة في التجمع، وراحت جابت مستلزمات البيبي بنفسها. وبررت كل ده بـجملة عمر ما هنساهالها: — ده حفيدي وسندي، يعني ابن الغالي… عايزاني أسيبه إزاي يعني وما أقفش جنبه؟ وبعدها عرضت عليا العرض اللي يتنكر ومايتصدقش: — أنتِ لسه مراته وأم بنته، وفريدة تفضل هانم وست البنات، وطارق يقدر يصرف على الولد ويهتم بيه من غير ما يهدم بيته وأسرته. الستات العاقلات في البيوت لازم يعرفوا إمتى يتنازلوا ويعدوا. — أتنازل عن إيه؟ عن إن جوزي يبقى مش بتاعي لوحدي وأشارِك فيه واحدة تانية؟ وشها اتغير وبقى ألعن من الأول. مشيت وسيبتهم من غير ما أطلع أشوف نورهان ولا ابنها. الطفل ده مش عدوي، بس من الليلة دي طارق مابقاش الشخص اللي ينفع أثق فيه تاني أبداً. أول ما وصلت الشقة فتحت الإيميل اللي بنستقبل عليه إشعارات البنك وربط الحسابات. اكتشفت خمس تحويلات مالية اتعملت من حساب تحويشة عمرنا: ٦٦٠ ألف جنيه لحماتي عفاف، و٤٢٠ ألف لـ نهى أخت طارق. الإجمالي: مليون وثمانين ألف جنيه! حسابنا كان فيه حوالي مليون وستمية وثمانين ألف جنيه… اللي فاضل فيه حالياً حوالي ٦٠٠ ألف بس. سيفت كل الإشعارين، والصور، وكشوفات الحسابات اللي ليّا حق قانوني أطلع عليها. وفي اليوم اللي بعده طلعت فوراً على مكتب الأستاذة راندا، محامية شاطرة نصحتني بيها صاحبتي. نصيحتها كانت واضحة ومباشرة: — بلاش تحولي الموضوع لخناق وزعيق. أمني أوراق شقتك كويس، واعرفي مصدر كل جنيه رايح فين وجاي منين، وحطي مصلحة وفريدة في المقام الأول. بعد تلات أيام، طارق رجع البيت. بس مجاش لوحده. عفاف دخلت معاه وهي شايلة شنطة فيها فاكهة، وعلبة تورتة، وحافظة أوراق في إيديها. — إحنا عايزين ننهي الموضوع ده بالمعروف ومن غير مشاكل — عفاف هي اللي بدأت الكلام. جوه الحافظة كان فيه مسودة عقد اتفاق طلاق جاهز ومكتوب من أكتر من شهرين قبل ما البيبي يتولد أصلاً! البنود كانت: فريدة تفضل معايا، وطارق يدفع نفقة شهرية، والعربية الجيب تفضل معاه، وأنا أخد ٦٠٠ ألف جنيه. والبند الأخير والخطير كان ينص على إن الطرفين بيقروا بـ “تسوية كافة المستحقات والأصول والأموال والممتلكات الخاصة بالزيجة بشكل كامل وشامل”، مع التنازل عن أي مطالبات مستقبليّة. قريت الرقم تاني: ٦٠٠ ألف. ده بالضبط المبلغ اللي فاضل في الحساب بعد التحويلات! — أنت جهزت الكلام ده إمتى؟ — سألته وأنا بصلو. طارق رد بتلعثم: — دي كانت خطة طوارئ بسمش أكتر. — خطة طوارئ وانت بتتعشى معايا، وبتاخد فريدة توديها المدرسه، وبتفكرني أحجز ترابيزة في المطعم عشان عيد جوازنا؟ طلعت كشف التحويلات والمسحوبات البنكية وحطيتها قدامه. طارق وشه اتخطف وألوانه اتغيرت. عفاف دخلت بثقة وقالت إن ٤٠٠ ألف من الفلوس دي كانت سداد لدين قديم من أيام الفرح: — إحنا اللي كنا مسلفينكم الفلوس دي عشان تبدأوا حياتكم وتجهزوا! بصيتلها واستغربت: — في الفرح، وقدام العيلة كلها، حضرتِك قولتِ إن المبلغ ده هدية ونقطة للجوازة! ردت ببرود: — قدام الناس واللمة بنقول كلام حلو ولطيف! الرد ده كان القشة اللي قطعت جهينة بالخبر اليقين. هما ماكنوش بيتصرفوا بعشوائية بعد ما اتكشفوا… هما كانوا محولين الفلوس، ومجهزين أوراق الطلاق، وبانين سيناريو كامل مفروض إني أقبل بيه وأشكرهم كمان إنهم “سايبينلي” شقتي اللي باسمي وبنتي، وشوية الفلوس الفاضلة في حساب مشترك! زقيت عقد الاتفاق ناحية طارق وقلت: — مش هوقع على حاجة. طارق خبط على الترابيزة بـعصبية: — أومال أنتِ عايزة إيه تاني؟! — عايزة اعرف كل جنيه راحت فين أصلها، وليه خططت لطردي من حياتك وقبل ما تتجرأ وتقولهالي في وشي. طارق بصلي وكأني أنا اللي غلطانة وبتبلى عليه. ولما عفاف ابتسمت بشر وقالت إنهم لسه يقدروا “يعقلوني ويرجعوني لرشدي”، فهمت إن الحرب الحقيقية يلا هتبدأ دلوقتي. الجزء الثالث والاخير بعد ما رميت الورق في وشهم، طارق وعفاف خرجوا من الشقة وهما فاكرين إن تهديدهم هيرعبني. بس اللي ماكنوش يعرفوه إن السكوت اللي شافوه في عيني ماكانش ضعف، ده كان الهدوء اللي بيسبق العاصفة. تاني يوم الصبح، نزلت من البيت من غير ما أضيع دقيقة. طرت على مكتب الأستاذة راندا المحامية ومعايا كل المستندات: عقود الشقة اللي بابا وماما كاتبينها باسمي، كشوفات الحسابات البنكية المحول منها المليون وثمانين ألف جنيه، وصور الورق اللي حاولوا يوقعوني عليه. — القضية دي مش مجرد طلاق يا مدام مريم — الأستاذة راندا قالتلي بثقة وهدوء — دي قضية تبديد أموال خيانة أمانة، وحقك وحق بنتك هيرجع بالقانون وبلوا أذرعهم. أول خطوة عملناها كانت تحفظ رسمي ورفع دعوى استرداد أموال مسحوبة بدون وجه حق من حساب مشترك، وقدمنا كشوفات الحسابات اللي بتثبت إن الفلوس دي كانت حصيلة مدخرات وشغلي معاك طول السنين دي. وفي نفس الوقت، رفعت قضايا نفقة لفريدة وماكنتش ناوي أتنازل عن مليم واحد. طارق افتكر إن نزول الفلوس لحساب أمه وأخته هيحميه، بس القانون كان واضح: تحويل مبالغ ضخمة زي دي قبل الطلاق بمعدل أيام يعتبر تحايل وتدليس صريح. بعد أسبوعين بس، المحكمة أصدرت قرار باستدعاء عاجل وتجميد الحسابات البنكية الخاصة بطارق، وأموال نهى أخت طارق وعفاف حماتي لحين الفصل في مصدر المبالغ المحولة. الدنيا اتقلبت رأسًا على عقب! جالي اتصال من طارق، وصوته كان أبعد ما يكون عن النبرة القوية اللي كان بيكلمني بيها. — مريم، أنتِ بتعملي إيه؟ الحسابات اتقفلت! نورهان والولد محتاجين مصاريف والمستشفى طالبة فلوس، وأمي وأختي محجوز على حساباتهم! — ده نفس السؤال اللي سألتهولك من أسبوعين يا طارق… الفلوس فين؟ وبتاعت مين؟ أنت اخترت تلعب بالقانون وتسرقني ورا ضهري، يبقى تتحمل أفعالك بالقانون. حاول يضغط عليا بـ فريدة، بس فريدة كانت فاهمة كل حاجة ومتمسكة بيا، خصوصاً بعد ما عرفت إن أباها كان مستعد يضحي بينا علشان طمعه ورغبة أمه. في جلسة التسوية، عفاف جت ووشها أصفر، مش قادرة تبص في عيني. المحامية حاصرتهم بالمستندات، وطارق ماكنش قدامه غير حلين: يا إما يدخل في قضية خيانة أمانة وتبديد قد تؤدي لحبسه، يا إما يرجع كل المبالغ المسحوبة فوراً، ويدفع نفقة محترمة ومؤخر الصداق، ويطلق بالمعروف. اضطر طارق يبيع عربيتها ويسحب من أصوله عشان يرد المليون وثمانين ألف جنيه للحساب، ووقع على كافة مستحقاتي ونفقة فريدة رغماً عنه وعن أمه اللي كانت واقفة تبكي على الفلوس اللي ضاعت منهم. اتطلقت منه ورأسي مرفوعة. رجعت شقتي مع بنتي فريدة، الشقة اللي حاولوا ينسبوا فضلها لأنفسهم، ومعايا حقي وحق بنتي كاملاً غير منقوص. طارق اتجوز نورهان، بس حياتهم بقت عبارة عن ديون ومشاكل متتصلة مع أمه وأخته بعد ما الفلوس راحت والمخطط اتقلب عليهم. اتعلمت من التجربة دي إن السكوت مش دايماً معناه القبول، أوقات بيكون استراحة محارب عشان يجمع قوته ويرد الضرب القاضية في الوقت المناسب.