
انحنى فوقها يتفحص البقعة المبللة وكأنها مريض في غرفة العمليات.
يوسف: “إنتِ رشيتي كحول على جلد إيطالي؟! إنتِ مجنونة؟!”
وقفت أمامه واضعة يديها على خصرها.
ليلى: “أيوة رشيت. أهو بيلمع وبقى نضيف.”
رفع يوسف يده إلى رأسه في انهيار.
يوسف: “الجلد ده ممكن يتشقق ويبوظ! بوظتي الكنبة يا ليلى!”
لوحت بيدها بلا مبالاة.
ليلى: “يووه! ما تكبرش الموضوع. لو باظت هجيب غيرها.”
ضحك يوسف ضحكة قصيرة غير مصدقة.
يوسف: “هتجيبي غيرها منين؟ دي مش علبة بنادول!”
ليلى: “في الآخر دي كنبة يا يوسف.”
أشار إليها بعصبية ثم إلى الكنبة.
يوسف: “بالنسبة لك كنبة. بالنسبة لي حاجة دفعت فيها دم قلبي!”
ساد الصمت لثوانٍ.
ثم قالت ليلى بصوت أبرد من السابق:
ليلى: “تمام… فهمت.”
رفع يوسف حاجبيه.
ليلى: “الكنبة أغلى مني.”
اتسعت عيناه وهو يدرك كيف فهمت كلامه، لكنه لم يجد ردًا سريعًا.
استدارت هي على الفور واتجهت نحو غرفتها.
يوسف: “ليلى… استني، أنا مقصدتش—”
لكن الباب أُغلق بقوة قبل أن يكمل جملته.
وقف يوسف في منتصف الصالة ينظر إلى الباب المغلق، ثم إلى الكنبة المبللة أمامه.
زفر بضيق، وهز رأسه وهو يتمتم:
“عنيدة… ومتهورة… ومابتسمعش الكلام.”
ثم مرر يده بحذر فوق الجلد محاولًا إنقاذ ما يمكن إنقاذه، بينما ظل صدى الباب المغلق يتردد في أرجاء الشقة.
جلس يوسف في الصالة أمام حاسوبه المحمول، محاولًا الانشغال بالعمل، لكنه لم يكن قادرًا على التركيز. كانت عيناه تنحرفان كل بضع دقائق نحو الكنبة الجلدية.
جفت بقعة الكحول منذ ساعات، لكنها ما زالت واضحة في نظره، وكأنها إعلان دائم عن الكارثة التي يتوقعها. كان مقتنعًا أن الجلد سيبدأ بالتشقق في أي لحظة.
خرجت ليلى من المطبخ تحمل طبقين.
في أحدهما سندوتشات جبنة رومي بالخيار، وفي الآخر سندوتشات حلاوة بالقشطة.
تقدمت نحوه ووضعت طبق الجبنة أمامه على الطاولة.
رفع يوسف عينيه عن الشاشة ونظر إلى الطبق، ثم إليها.
يوسف: “إيه ده؟”
ليلى: “عشا. جبنة رومي.”
عقد حاجبيه.
يوسف: “أيوه… ليه؟”
جلست على الكنبة المقابلة له، وسحبت إحدى السندوتشات من طبقها قبل أن تجيب.
ليلى: “عشان إنت شكلك مأكلتش من الصبح. ووشك أصفر تاني. ومش عايزاك تموت وتسيبلي الكنبة المقشرة دي لوحدي.”
اختفت الجدية من ملامحه للحظة، وخطف سندوتشًا من الطبق.
يوسف: “شكرًا. بس على فكرة… أنا مش زعلان منك.”
هزت رأسها وهي تمضغ لقمتها.
ليلى: “لا زعلان. باين على وشك.”
ابتسم ابتسامة صغيرة، ثم نظر إلى السندوتش بين يديه.
يوسف: “طب… وإنتِ؟ زعلانة؟”
انخفضت ابتسامتها قليلًا.
ليلى: “أيوه. عشان قلتلي الكنبة أغلى من بني آدمين.”
ساد الصمت بينهما.
وضع يوسف السندوتش ببطء على الطبق، ثم شبك أصابعه ببعضها.
يوسف: “أنا… أنا ماقصدش كده يا ليلى. الكنبة دي جبتها بفلوس أول شغلانة كبيرة عملتها لوحدي بعد ما أبويا مات. كانت حلم بالنسبة لي. فلما رشيتي عليها حسيت إنك بترشي على تعبي.”
توقفت ليلى عن الأكل تمامًا.
رفعت عينيها إليه في دهشة.
كانت تلك أول مرة تسمعه يتحدث عن شيء شخصي بهذا الصدق.
ليلى: “يوسف… أنا ماكنتش أعرف.”
تنهدت وأخفضت السندوتش من يدها.
ليلى: “آسفة. والله ما كنت أقصد أضايقك. أنا بس… عندي وسواس نضافة فعلًا. بحس التراب بيخنقني.”
رفع رأسه ونظر إليها بهدوء.
يوسف: “عارف.”
ثم أضاف بابتسامة خفيفة:
يوسف: “وأنا آسف إني قلت الكنبة أغلى. إنتِ… إنتِ مش أرخص من الكنبة.”
انفجرت ضاحكة.
ليلى: “شكرًا على المجاملة اللي تشل دي.”
أشار إلى طبق الحلاوة.
يوسف: “العفو. كلي حلاوة.”
جلسا يأكلان في هدوء لبعض الوقت.
ثم قالت ليلى وهي تنظر إلى الكنبة:
ليلى: “على فكرة… الجلد مقشرش.”
رفع يوسف إصبعه محذرًا.
يوسف: “لسه. هيقشر بكرة الصبح.”
دحرجت عينيها بسخرية.
ليلى: “طب لو قشر… هجيبلك واحدة جديدة. بوعدك.”
هز رأسه فورًا.
يوسف: “مش عايز جديدة. عايز دي.”
بعد فترة…
كانت ليلى تقف في المطبخ أمام قدر كبير من الماء المغلي، تجهز المكرونة.
في تلك اللحظة دخل يوسف من باب الشقة يحمل كيس مشتريات، وبدت آثار التعب واضحة على وجهه وملابسه.
يوسف: “يا ليلى! جبتي المنظف بتاع الجلد؟”
ردت من المطبخ دون أن تلتفت.
ليلى: “أيوه! حطيته على الترابيزة في الصالة.”
اتجه يوسف إلى الصالة.
فوق الطاولة كانت هناك زجاجتان متشابهتان بشكل لافت.
إحداهما بلاستيكية شفافة تحتوي سائلًا أصفر ومكتوب عليها: “منظف جلد”.
والأخرى زجاجية تحتوي سائلًا أصفر أيضًا ومكتوب عليها: “فيتامين د – شرب”.
وقف يتأملهما لثوانٍ.
يوسف: “ليلى! أنهي واحدة المنظف؟”
جاءه صوتها من المطبخ:
ليلى: “الشفافة! البلاستيك! التانية دوا!”
أخذ الزجاجة البلاستيكية فورًا.
اقترب من الكنبة، ووضع بعض السائل على قطعة قماش نظيفة، ثم بدأ يمسح البقعة بحركات حذرة.
يوسف: “يا رب… يا رب مايقشرش…”
بعد دقائق خرجت ليلى من المطبخ وهي تمسح يديها بمنشفة صغيرة.
ليلى: “ها؟ عملت إيه؟”
يوسف: “مش عارف. مستني أشوف النتيجة. بس ريحة المنظف غريبة شوية.”
اقتربت منه.
ليلى: “غريبة إزاي؟”
يوسف: “ريحة برتقان.”
تجمدت للحظة.
ثم أخذت القماشة من يده وشمتها.
تغير لون وجهها فجأة.
ليلى: “يوسف…”
يوسف: “نعم؟”
ليلى: “دي مش ريحة منظف.”
يوسف: “أومال ريحة إيه؟”
انتزعت الزجاجة من يده بسرعة، وقرأت الملصق مرة أخرى.
ثم فتحت عينيها على اتساعهما.
ليلى: “يا خراب بيتك!”
قفز واقفًا.
يوسف: “إيه؟!”
لوحت بالزجاجة أمام وجهه.
ليلى: “ده فيتامين د بتاعي!”
اتسمر مكانه.
يوسف: “نعم؟! يعني أنا دهنت الكنبة بفيتامين د؟!”
وضعت يدها على جبهتها.
ليلى: “أيوه! والكنبة دلوقتي صحتها أحسن مني ومنك.”
يوسف: “طب والمنظف فين؟!”
جرت نحو الطاولة وأمسكت الزجاجة الأخرى.
ليلى: “أهو! ده المنظف! أنا اتلخبطت!”
فتح يوسف فمه بصدمة.
يوسف: “إنتِ إزاي تتلخبطي؟! إنتِ دكتورة!”
استدارت إليه فورًا.
ليلى: “وإنت إزاي ماتفرقش بين دوا ومنظف؟! إنت مهندس!”
يوسف: “أنا مالي؟! إنتِ اللي كاتبة على الاتنين!”
ليلى: “ما إنت لو كنت سألتني كويس!”
يوسف: “أنا سألتك فعلًا!”
التفت الاثنان نحو الكنبة.
كانت المنطقة التي مسحها يوسف أكثر لمعانًا من بقية الجلد.
اقتربا في الوقت نفسه.
يوسف: “بصي…”
ليلى: “بتلمع.”
يوسف: “أوي.”
وضعت يدها على فمها تحاول منع ضحكتها.
ليلى: “الكنبة خدت جرعة فيتامين د. هتطلع لها عضلات دلوقتي.”
انفجر يوسف ضاحكًا.
يوسف: “تفتكري الجلد هيبوظ؟”
تفحصت ليلى المكان جيدًا.
ليلى: “بالعكس… شكله أحسن.”
اتسعت عيناه.
يوسف: “يعني أنا… صلحتها؟”
هزت رأسها بجدية مصطنعة.
ليلى: “أيوه يا يوسف. عالجت الكنبة بالغلط.”
جلس على الأرض أمام الكنبة فجأة، وبدأ يضحك بصوت مرتفع.
يوسف: “أنا دهنت كنبة بستين ألف جنيه بفيتامين د! أنا مجنون رسمي!”
جلست بجواره على الأرض، وأسندت ظهرها إلى الكنبة.
ليلى: “وأنا الدكتورة اللي لخبطت بين الدوا والمنظف. هيسحبوا مني الترخيص.”
استمر ضحكهما عدة دقائق.
ثم مسح يوسف دموعه وقال:
يوسف: “والله شكلها بقى أحلى.”
ابتسمت ليلى بانتصار.
ليلى: “على فكرة… الجلد مقشرش.”
ربت يوسف على الكنبة بحنان.
يوسف: “عارف.”
ليلى: “يبقى كده واحد صفر لصالحي.”
أشار إليها بإصبعه.
يوسف: “في أحلامك.”
نهضت من مكانها ومدت له يدها.
ليلى: “يلا يا باشمهندس. المكرونة هتبرد.”
نظر إلى يدها لحظة، ثم أمسكها ونهض.
يوسف: “حاضر يا دكتورة.”
وغادرا الصالة معًا، بينما بقيت الكنبة في مكانها تلمع بهدوء، وكأنها المنتصر الحقيقي في تلك المعركة كلها.
