ورثت عن والدي محل الأجهزة الكهربائية القديم اللي كان فاتحه من أيام السبعينات. المحل كله غبار وريحة الزمن، وكنت ناوي أبيعه، لكن قررت الأول أفتش فيه يمكن ألاقي حاجة تستحق.
وأنا بنضف الرفوف الخلفية، لقيت راديو كاسيت قديم جدًا، شكله من أيام الأبيض والأسود. كان مغطى بقماش منسوج بإيد، وعليه ورقة صغيرة مكتوب عليها بخط إيد والدي:
“ما يتسمعش إلا لوحدك!”
حسيت بقشعريرة، بس فضولي خلاني أشغل الكاسيت. الصوت كان مشوش شوية، بس سمعت صوت ست بتتكلم بصوت حزين:
> “أنا آسفة يا سامي… معرفتش أختار، بس كنت بحبك بجد. اللي حصل غصب عني، وهم خدوك مني قبل ما أشرح…”
الصوت اتقطع، وبعده دخل صوت والدي نفسه، أصغر بكتير من اللي أعرفه:
> “لو التسجيل ده وصل لابني… اعرف إني كان في قصة ماكملتش، وحب اتمسح من التاريخ. بس في ورق جوه الدولاب الأزرق، فيه الحقيقة كلها.”
انقبض قلبي، جريت على البيت وفتحت الدولاب الأزرق اللي ماحدش فتحه من سنين، ولقيت ظرف عليه اسمي.
جواه صور قديمة لوالدي وهو شاب، مع نفس الست اللي كانت بتتكلم في الكاسيت. وفيه شهادة ميلاد… مش بتاعتي.
دي شهادة ميلاد أخويا التوأم.
الحكاية اللي خبّوها عني طول حياتي!”
قلبي كان بيرفص في صدري وأنا ماسك شهادة الميلاد بإيدي. الاسم: كريم سامي عبدالمقصود.
تاريخ الميلاد: نفس تاريخ ميلادي بالظبط.
بس… ده مش اسمي!
رجعت للتسجيل تاني، وسمعت جملة صغيرة في الآخر كانت مش واضحة:
> “لو عايز تعرف الحقيقة، روح بيت رقم ٣١، شارع البحر، الدور التاني… واسأل عن سعاد.”
روحت العنوان اللي في التسجيل، ولما سألت البواب عن “سعاد”، سكت لحظة وبصلي باستغراب وقال:
– “إنت أكيد تقصد طنط سعاد… بس ماتت من ٣ شهور، كانت على طول بتتكلم عن ابنها اللي اتاخد منها غصب عنها.”
وقبل ما أمشي، سابني البواب وطلع ظرف قديم من درج مكتبه، وقال لي:
– “كانت دايمًا تقول لو جه شاب في سنك وسأل عليها… إديله الظرف ده.”
فتحت الظرف، لقيت فيه جواب مكتوب بخط إيدها:
> “ابني… يمكن تكون نسيتني، أو ماعرفتنيش أصلاً، لكن أنا أمك، واللي حصل كان أكبر مني ومن أبوك. اتقال لنا إنك م\وتت، لكن الحقيقة إنك اتفصلت عن أخوك وسابوني أعيش على ذكراك سنين…”
هنا عرفت إني كنت ضحية قصة أكبر من الخيال…
بس السؤال الحقيقي كان: أخويا التوأم… فين؟! وهل لسه عايش؟
أخويا التوأم… طلع مش ميت!”
ما نمتش طول الليل… قعدت أعيد وأزيد في الجواب اللي كتبته “سعاد” – اللي طلعت أمي الحقيقية – وقلبي بيقوللي إن اللي جاي أصعب.
رجعت أدور في باقي الظرف، لقيت صورة قديمة لطفلين توأم، شبهي بالظبط، جنبهم راجل ملامحه جامدة… على ضهر الصورة مكتوب:
“مأمون – دار الأمل – 1993”
دار الأمل؟! ده اسم ميتم قديم كان في حي السيدة، اتقفل من سنين.
تاني يوم، روحت المكان اللي كان فيه الدار، لقيت راجل كبير صاحب كشك قدامه، سألته:
– “عم مأمون كان لسه شغال هنا في التسعينات؟”
بصلي بتركيز وقال:
– “أنت أكيد من ولاد سعاد… كنت بشوفها تيجي كل أسبوع تبص من بعيد وتمشي! أخوك اتبنى من عيلة غنية وسافر أوروبا، لكن…”
سكت شوية وكأن في حاجة مش عايز يقولها.
قلتله بلهفة:
– “لكن إيه؟!”
قاللي:
– “من ٣ شهور تقريبًا، جه شاب شبهك بالظبط… قالي اسمه كريم، وسأل عن نفس التفاصيل اللي بتسألها دلوقتي!”
جسمي كله اتجمد…
يعني أخويا التوأم عايش… وبدور عليا هو كمان!
—
تفتكروا هيلاقوا بعض؟! وهل في أسرار تانية مستخبية؟
قابلت أخويا التوأم… بس ماكنتش مستعد للِّي سمعته!”
بعد ما سمعت إن أخويا كان بيدور عليا، قلبي ماقدرش يستنى. بدأت أدوّر بكل طريقة ممكنة…
دخلت جروبات على الفيس، نشرت الصورة القديمة، وبعت رسائل لكل شخص اسمه “كريم سامي” عايش برة مصر.
وبعد أسبوعين…
وصلني إيميل:
“أنا شفت الصورة… وافتكرت الوشم اللي على دراعي.
لو كنت فعلاً أخويا… قابلني يوم الجمعة قدام محطة مصر، الساعة ٥ العصر.”
مقدرتش أصدق… قلبي بيجري أسرع من الزمن. يوم الجمعة جه، وكنت واقف مستنيه.
وفجأة، شاب طويل، لابس جاكيت جلد، واقف قدامي وبصلي بدموع في عينيه.
قال:
– “كنّا اتنين… وخدونا مني. بس عمري ما نسيت.”
حضنته، وأنا حاسس إني بلحق نص عمري اللي ضاع.
بس اللحظة اتقطعت لما قاللي بصوت واطي:
– “في حاجة لازم تعرفها… اللي تبنوني، مش مجرد ناس أغراب. دول كانوا عارفين الحقيقة… وساعدوا في كل اللي حصل.”
صدمتي ماكانتليش على بعضها…
يعني هما مش بس خدوه… دول شاركوا في إبعاده عني؟!
هنا بدأت رحلة جديدة…
مش بس لمّ الشمل، لكن لكشف كل الناس اللي خبّوا الحقيقة.
ولسه في حاجات أصعب جايه.
اللي خدوا أخويا… كانوا أقرب لينا مما تخيلنا!”
قعدنا أنا وكريم في قهوة هادية جنب المحطة…
كل لحظة كانت تقربنا أكتر، وكل كلمة منه كانت تقلب فيا وجع سنين.
قاللي بصوت هادي:
– “الست اللي ربتني كانت دايمًا تقوللي: إنت مش ابننا، لكن إحنا أنقذناك من مصير أسود.”
سألته وأنا قلبي بيتخبط:
– “يعني إيه؟ أنقذوك من إيه؟ ومن مين؟”
رد وهو بيخرج من جيبه ورقة مطوية:
– “دي جواب من واحد كان شغال مع أبوك… اعترف فيه إن اللي فرق بينا كان مقصود، وإن اللي ساعد على ده، مش غريب… ده كان قريبنا!”
خدت الورقة وقرأتها، وكانت الصدمة…
الاسم: عمي هشام.
اللي كنت بشوفه دايمًا بيحبنا، وبيساعد أبوي، وكان دايمًا في الصورة بعد وفاة أمي… طلع هو المحرك الأساسي لكل حاجة!
كريم قاللي:
– “كان فيه ميراث كبير باسمنا، وكان لازم نتفصل علشان يضيع الحق.
بس أنا وأنت رجعنا لبعض… ولسه نقدر نرجع حقنا!”
وقتها حسيت إني بقيت جزء من فيلم… بس الفرق إن الفيلم ده حقيقي.
—
تفتكروا نواجه عم هشام؟ ولا نلعبها صح ونجمع أدلة أكتر؟!
المواجهة اللي قلبت حياتنا!”
أنا وكريم قررنا نواجه عم هشام…
لكن ماكانش ينفع نروح له كده وخلاص.
قضينا أسبوع كامل بندوّر على كل ورقة تثبت تورطه: أوراق قديمة من مكتب أبوي، إيصالات، تسجيلات…
وكل حاجة كانت بتأكد إنه خطط لإبعادنا علشان يستولي على الميراث.
دخلنا البيت القديم اللي كنا بنقعد فيه وإحنا أطفال، لسه فيه ريحة الذكريات، وهدوء مرعب.
وعم هشام كان قاعد في الصالة، على وشه ملامح ما بتتغيرش.
