
وقعت عيناه على كيس الشيبسي، فحاول تلطيف الأجواء.
ـ “طب… تحبي أطلبلك بيتزا؟”
هزت رأسها نفيًا.
ـ “لا. البيتزا فيها صلصة. والصلصة بتبقع. هكمل أكل في الشيبسي.”
مرر يوسف يده في شعره بتوتر.
ـ “خلاص… براحتك.”
أجابته سريعًا:
ـ “هجيبلك نقاش على حسابي بكرة. ارتحت؟”
هز رأسه باستسلام.
ـ “ماشي. شكرًا.”
ثم خرج وأغلق الباب خلفه بهدوء.
ما إن اختفى حتى ألقت ليلى كيس الشيبسي جانبًا، وعقدت ذراعيها أمام صدرها.
ـ “بارد… وتنك… ومابيحسش.”
في المساء، كان يوسف جالسًا في الصالة أمام حاسوبه المحمول، يراجع بعض الملفات بينما يتناول شطيرة جبن رومي.
خرجت ليلى من غرفتها بعد أن بدلت ملابسها، وكانت ترتدي ملابس منزلية مريحة، ويبدو أنها انتهت للتو من الاستحمام.
في يدها علبة صغيرة.
رفع يوسف رأسه نحوها.
ـ “خير؟”
تقدمت منه بثقة حتى وقفت أمامه مباشرة.
ـ “افتح بوقك.”
رمش عدة مرات باستغراب.
ـ “نعم؟ ليه؟ هتسمميني؟”
ابتسمت بخبث.
ـ “أيوه. هفتح بوقك وأحطلك سم. افتح بقولك.”
أغلق فمه فورًا وهز رأسه.
ـ “مش فاتح. قولي عايزة إيه.”
فتحت العلبة وأخرجت منها حقنة ممتلئة بسائل أصفر.
تجمد يوسف في مكانه.
ـ “ده فيتامين ب12. وشك أصفر زي اللمونة من قلة الأكل والشغل. لازم تاخده.”
اتسعت عيناه في رعب حقيقي، وتراجع بجسده إلى الخلف.
ـ “حقنة؟! نعم؟! ليه؟! أنا كويس!”
وضعت يدًا على خصرها وقالت بلهجة الطبيبة الواثقة:
ـ “لا مش كويس. عينك حمرا، وتحت عينك إسود، ووشك بهتان. افتح دراعك.”
انتفض واقفًا.
ـ “يا ليلى أنا بخاف من الحقن! من وأنا صغير!”
رفعت الحقنة في الهواء مهددة.
ـ “يلا يا شاطر. مش هتوجع.”
ـ “لا! مستحيل!”
ثم أشار إلى الحقنة بذعر.
ـ “حطيها في العصير وأنا أشربها!”
انفجرت ضاحكة.
ـ “دي حقنة عضل يا ذكي! مش دوا شرب!”
بعد دقائق قليلة، كان يوسف يركض نحو غرفته بأقصى سرعة، بينما تطارده ليلى وهي تلوح بالحقنة وتكاد تختنق من الضحك.
ـ “يا مجنونة! ابعدي عني! هطلب البوليس!”
ـ “البوليس مش هينفعك! أنا معايا ترخيص مزاولة مهنة!”
وصل إلى غرفته وأغلق الباب بالمفتاح بسرعة.
استند بظهره إلى الباب وهو يلهث.
ـ “مش فاتح!”
جاءها صوته من الداخل.
ـ “روحي ادي الحقنة لنفسك!”
أسندت هي الأخرى ظهرها إلى الباب من الخارج.
ـ “فاكر نفسك هتهرب؟ هحطلك منوم في القهوة بكرة وأديهالك وإنت نايم!”
ـ “لو عملتي كده هرفع عليكي قض\ية شروع في قت\ل!”
ضحكت بصوت عالٍ.
ـ “وأنا هرفع عليك قض\ية إهمال في صحتك!”
ظل هو متشبثًا بالباب من الداخل وقلبه يدق بعنف، بينما كانت هي تضحك حتى دمعت عيناها.
وأخيرًا قالت بنبرة أهدأ:
ـ “خلاص يا يوسف… بهزر. مش هديهالك بالعافية. بس لازم تاخد فيتامين. هجيبلك حبوب.”
تنفس الصعداء فورًا.
ـ “أيوه كده… نتفاهم.”
لوحت له بإصبعها محذرة.
ـ “بس لو وشك ماتحسنش خلال 3 أيام، هجيب سرنجة 10 سم.”
ثم استدارت وغادرت.
أما هو ففتح الباب قليلًا ليتأكد من رحيلها، ثم أغلقه مجددًا وتمدد فوق السرير.
وابتسامة صغيرة تتسلل إلى شفتيه.
ـ “مجنونة… ومرعبة. بس دمها خفيف.”
استيقظت ليلى مبكرًا على غير عادتها. أعدّت فنجان قهوة وجلست في المطبخ الهادئ تحتسيه ببطء، بينما تتسلل أشعة الصباح الذهبية عبر النافذة.
بعد دقائق، ظهر يوسف عند باب المطبخ. كان يبدو وكأنه خرج لتوه من المعركة مع النوم؛ شعره منكوش، وعيناه نصف مغمضتين.
ما إن رآها حتى ابتسم ابتسامة صغيرة وقال:
ـ “صباح الخير.”
رفعت ليلى رأسها عن فنجانها، وبادلته الابتسامة.
ـ “صباح النور. نمت كويس؟”
جلس على الكرسي المقابل لها وهو يتمطى.
ـ “أيوه. الحمد لله محدش إداني حقنة وأنا نايم.”
انفجرت ضاحكة وهزت رأسها.
ـ “لا ماتخافش. بس جبتلك ده.”
مدّت يدها خلفها وأخرجت علبة صغيرة، ثم وضعتها أمامه على الطاولة.
نظر إليها بحذر قبل أن يلتقطها.
كانت علبة فيتامين ب12، أقراص تُؤخذ تحت اللسان.
ارتخت ملامحه فورًا.
ـ “ماشي. هاخده. شكرًا… يا دكتورة.”
رفعت حاجبًا بمشاكسة.
ـ “العفو… يا باشمهندس.”
فتح العلبة يتفحصها، ثم رفع رأسه نحو الحائط الذي ما زالت بقعة الزيت تزينه.
وأشار إليه قائلًا:
ـ “على فكرة… كلمت النقاش. جاي بكرة.”
اعتدلت ليلى في جلستها فورًا.
ـ “وأنا هحاسب. ده وعد.”
لوّح بيده معترضًا.
ـ “لا خلاص. مش لازم.”
تردد قليلًا ثم أضاف:
ـ “البقعة صغيرة. هحط قدامها تابلوه ومحدش هيشوفها.”
حدقت فيه باستغراب واضح.
ـ “بجد؟ مش هتدهنها؟”
ابتسم يوسف وهز كتفيه ببساطة.
ـ “أصل… فكرت فيها. إنتِ عندك حق. ده بيت. والبيت لازم يتعاش فيه. لو فضلت خايف على كل حيطة وكل ركن، هنعيش في متحف… مش في بيت.”
سكتت ليلى.
لم يكن يتحدث عن الحائط فقط.
وكانت تعرف ذلك.
شعرت بشيء دافئ يتحرك داخلها، فخفضت عينيها إلى فنجان القهوة حتى لا يلاحظ تأثرها.
لكن يوسف قطع الصمت فجأة.
ـ “بس… عندي شرط.”
رفعت رأسها نحوه.
ـ “عارفة. إيه هو؟”
مال بجسده للأمام وقال بجدية مصطنعة:
ـ “لما تيجي تقلي بانيه تاني، حطي الشفاط. وغطي الطاسة كويس. و…”
توقف لحظة.
ـ “وممكن تنادي عليا أقف جنبك؟ عشان لو الزيت طرطش ألحقك.”
رغمًا عنها، تسللت ابتسامة صغيرة إلى شفتيها.
ـ “ماشي. موافقة. بس بشرط.”
ـ “إيه؟”
أشارت إليه بإصبعها.
ـ “تاكل معايا. ماتقرفش وتقعد تقول الزيت وحش ومضر للصحة والكلام الفاكس ده.”
ضحك يوسف.
ـ “موافق. بس لو جالي حموضة، إنتِ المسؤولة.”
ـ “اتفقنا.”
في المساء، كانت ليلى تقف في المطبخ مرتدية مريلتها الصفراء المفضلة، منهمكة في تتبيل شرائح البانيه.
أما يوسف فكان يقف إلى جوارها مرتديًا تيشيرت منزليًا بسيطًا، ممسكًا بغطاء الحلة الكبير بكلتا يديه وكأنه درع حربي يستعد للمعركة.
التفتت إليه وهي تكتم ضحكتها.
ـ “جاهز؟”
شد قبضته على الغطاء.
ـ “جاهز. أول ما تحطي البانيه هغطي الطاسة فورًا.”
هزت رأسها.
ـ “تمام. ثلاثة… اتنين… واحد!”
وضعت أول قطعة في الزيت.
فانطلق صوت القلي عاليًا:
“تشششششش!”
قفز يوسف في مكانه، وأطبق الغطاء فوق الطاسة بسرعة البرق.
ـ “غطي! غطي!”
انحنت ليلى من شدة الضحك.
ـ “إنت بتحارب؟! اهدى! دي طاسة مش قنبلة!”
أجابها وهو ما يزال متحفزًا:
ـ “في فرق يعني؟ الاتنين بيطرطشوا!”
مر الوقت وهما واقفان جنبًا إلى جنب.
كانت هي تقلب البانيه بخفة وخبرة، بينما يقف هو مستعدًا للتدخل في أي لحظة.
التفتت إليه فجأة.
ـ “على فكرة… شكلك مضحك أوي وإنت ماسك الغطا كده.”
نظر إليها مبتسمًا.
ـ “وإنتِ شكلك ألذ وإنتِ بتطبخي. ماكنتش أعرف إنك شاطرة.”
شعرت بحرارة خفيفة تتسلل إلى وجنتيها.
فأخفضت عينيها نحو الطاسة بسرعة.
ـ “على قدي. بس بعرف أقلي كويس.”
ابتسم بخبث.
ـ “وبتعرفي تدي حقن ترعب البدن.”
رفعت رأسها فورًا.
ـ “وأنت بتعرف تخاف من الحقن زي العيال بالظبط.”
تنهد يوسف مستسلمًا.
ـ “ماشي ماشي… إحنا خالصين واحدة بواحدة.”
بعد دقائق، أخرجت ليلى البانيه من الزيت.
كان ذهبي اللون وشهيًا بشكل يفتح الشهية.
وضعته في طبق أمام يوسف وقالت بثقة:
ـ “دوق.”
التقط قطعة صغيرة، ونفخ فيها قبل أن يتذوقها.
راقبته ليلى بترقب واضح.
ـ “إيه؟ وحش؟”
رفع رأسه ببطء.
ثم اتسعت عيناه بدهشة حقيقية.
ـ “لا… ده حلو أوي.”
توقف لحظة ثم أضاف:
ـ “أحلى من أكل أمي.”
شهقت ليلى.
ـ “بجد؟!”
هز رأسه مؤكدًا.
ـ “بجد. بس ماتقوليلهاش.”
انفجرت ضاحكة من قلبها.
ضحكة صافية جعلت المطبخ كله يبدو أكثر دفئًا.
وفي نهاية اليوم، كان يوسف يقف أمام الحوض يغسل الأطباق وهو يصفر بلحن خافت.
رفع رأسه مصادفة نحو بقعة الزيت على الحائط.
تأملها لثوانٍ.
ثم ابتسم.
لأول مرة…
لم تعد تبدو له بقعة مزعجة.
بل ذكرى جميلة.
الساعة العاشرة صباحًا.
كانت ليلى قد استيقظت منذ فترة، بينما كان يوسف يقف أعلى السلم الصغير يثبت لوحة ديكورية على الحائط. ارتدى ملابس العمل المنزلية، وقد انشغل تمامًا فيما يفعله.
رفعت ليلى رأسها نحوه وقالت بابتسامة خفيفة:
ليلى: “صباح الخير… بتعمل إيه يا سبايدر مان؟”
أجابها دون أن يلتفت إليها، وعيناه مثبتتان على المسمار:
يوسف: “صباح النور. بركب تابلوه. إوعي تهزي السلم.”
تقدمت ببطء نحو الكنبة الجلدية البيج الموضوعة في الصالة. مررت أصابعها على أحد الأركان ثم عقدت حاجبيها.
ليلى: “الكنبة دي… حساها متربة.”
التفت إليها يوسف فجأة وكأنها وجهت إليه إهانة شخصية.
يوسف: “نعم؟! متربة؟! دي أنا ماسحها بإيدي إمبارح! دي جلد طبيعي يا ليلى!”
أشارت إلى نقطة صغيرة على ظهر الكنبة.
ليلى: “لا، متربة. بص هنا.”
انحنى يوسف من فوق السلم محاولًا رؤية ما تشير إليه.
يوسف: “فين؟! دي مش تراب أصلًا… ده انعكاس ضوء!”
هزت كتفيها بعدم اقتناع.
ليلى: “أنا عندي وسواس نضافة، ومقدرش أقعد على حاجة حاسة إنها متربة.”
ثم التقطت بخاخة الكحول من فوق الطاولة.
وقعت عين يوسف على البخاخة فتغيرت ملامحه فورًا.
يوسف: “ليلى… إنتِ هتعملي إيه؟”
ليلى: “هرش كحول. الكحول بيعقم.”
اتسعت عيناه بذعر حقيقي.
يوسف: “لااا! إوعي! الجلد الطبيعي لو جه عليه كحول هيتبهدل! هتبوظي الكنبة!”
ليلى: “هو أنا هولع فيها؟ دي مجرد رشة.”
يوسف: “الرشة دي كفاية تدمر الجلد! في منظف مخصوص ليها.”
رفعت حاجبًا باستغراب.
ليلى: “منظف مخصوص لكنبة؟”
يوسف: “أيوة، وفي الدولاب. استني أجيبه.”
نظرت إلى الكنبة، ثم إلى البخاخة، ثم عادت تنظر إليه.
ليلى: “بص… يا أرشها دلوقتي يا مش قاعدة عليها.”
يوسف: “استني دقيقة واحدة بس!”
لكنها لم تنتظر.
ضغطت على البخاخة، فانطلقت رشة كبيرة استقرت على نصف المقعد تقريبًا.
تجمد يوسف في مكانه لثانية كاملة.
ثم شهق وكأنه شاهد كارثة.
يوسف: “يا مصيبتي!”
نزل من فوق السلم بسرعة وأسرع نحو الكنبة.
