عام

الطلاق ١

الفصل الثالث والرابع

كانت رائحة الزيت الساخن تملأ المطبخ الصغير، وصوت الطقطقة المتواصلة يتردد في أرجاء الشقة كأن معركةً صغيرة تدور فوق سطح البوتاجاز.
وقفت ليلى أمام النار بكامل تركيزها.
كانت ترتدي بيجامة مزينة ببطاريق صغيرة، بينما جمعت شعرها في كعكة مهزوزة أعلى رأسها، وربطت المريلة الصفراء حول خصرها بإحكام. في يدها شوكة تقلب بها شرائح البانيه، وفي الأخرى طبق تنتظر فيه الدفعة التالية.
في تلك اللحظة، انفتح باب الشقة.
دخل يوسف بخطوات متعبة بعد يومٍ طويل في الموقع. كان الغبار الأبيض يغطي ملابسه وكتفيه، وحتى أطراف شعره لم تسلم من التراب.
ما إن أغلق الباب خلفه حتى وصلته الرائحة.
توقف في مكانه فجأة، ثم رفع رأسه نحو المطبخ باستنكار.
يوسف: “يا ساتر… إيه ريحة القنبلة دي؟!”
لم تلتفت ليلى إليه، واكتفت بقلب قطعة البانيه داخل الزيت.
ليلى: “دي ريحة بانيه يا باشمهندس. أكل بني آدمين طبيعيين… مش أكل الجرايد والخضار اللي بتاكله.”
زفر يوسف بضيق، ووضع متعلقاته جانبًا، ثم اتجه نحو المطبخ.
وقف عند الباب وهو ينظر إلى الطاسة كمن اكتشف كارثة وطنية.
يوسف: “بتقلي إيه؟ بانيه؟ في الزيت؟ في مطبخي؟”
رفعت ليلى حاجبًا واحدًا دون أن تنظر إليه.
ليلى: “أيوه في مطبخك، وفي الزيت، وفي بيتي. عندك مانع؟”
فتح كفيه بعدم تصديق.
يوسف: “طبعًا عندي! الزيت ده بيطرطش! هيبوظ الرخام الكرارة ويلزق في دواليب الخشب الأرو!”
هزت رأسها في ملل وهي تقلب البانيه.
ليلى: “ما تقلقش. أنا دكتورة وبعرف أتعامل مع السوائل المتطايرة.”
ثم أشارت إلى الغطاء الموضوع فوق الطاسة.
ليلى: “وبعدين حاطة غطا أهو.”
وكأن القدر كان ينتظر تلك الجملة تحديدًا.
قفزت نقطة زيت كبيرة من تحت الغطاء، وحلقت في الهواء لثانية واحدة قبل أن تستقر على الحائط خلف البوتاجاز.
الحائط الذي أمضى يوسف أسبوعًا كاملًا يتابع دهانه واختيار درجته بنفسه.
تجمدت ملامحه.
ثم اتسعت عيناه ببطء.
يوسف: “ليلى…”
التفتت إليه باستغراب.
ليلى: “نعم؟”
رفع إصبعه نحو الحائط.
كانت يده ترتجف فعلًا.
يوسف: “شايفة النقطة دي؟”
نظرت إلى حيث يشير.
ليلى: “أيوه. نقطة زيت.”
ابتلع ريقه بصعوبة.
وجاء صوته منخفضًا بشكلٍ أخطر من الصراخ.
يوسف: “دي مش نقطة… دي بصمة عار على تاريخي المهني.”
حدقت فيه لحظة، ثم انفجرت ضاحكة.
أما هو فظل ينظر إلى البقعة وكأنه يشاهد انهيار برج كامل أمام عينيه.
اقتربت من الحائط وهي لا تزال تضحك.
ليلى: “يا سلام؟ طول العمر؟ طب بص.”
التقطت فوطة مبللة من جوار الحوض ورفعتها نحو الحائط.
وفي الثانية التالية قفز يوسف من مكانه.
يوسف: “لااااا! ماتلمسيهاش!”
توقفت يدها في الهواء.
ليلى: “إيه؟!”
يوسف: “هتبوظيها أكتر! هتوسعي البقعة!”
نظرت إليه ثم إلى الفوطة ثم إليه مرة أخرى.
ليلى: “طب أعمل إيه؟ أعلق عليها برواز؟”
خطف الفوطة من يدها بسرعة.
ثم وقف أمام الحائط يتأمل البقعة بحزنٍ حقيقي.
يوسف: “إنتِ… إنتِ بوظتي الحيطة.”
زفرت ليلى بقوة.
ليلى: “يوسف ما تكبرش الموضوع. دي نقطة زيت مش جر\يمة قت\ل.”
رفع رأسه نحوها.
يوسف: “إنتِ عارفة عشان أدهن الحيطة دي تاني لازم أجيب النقاش ويصنفر ويدي وشين؟ واللون عمره ما هيطلع نفس الدرجة مية في المية؟”
نفد صبرها أخيرًا.
ألقت الشوكة داخل الحوض بصوتٍ مرتفع.
ليلى: “خلاص! أنا آسفة إني بجوع! وآسفة إني بحاول أعمل أكل في البيت!”
كانت نبرتها ترتفع أكثر مع كل كلمة.
ليلى: “بعد كده هطلب دليفري وآكل خس زي الأرانب عشان الدهان بتاعك ميتوسخش!”
رد فورًا دون تفكير.
يوسف: “ياريت! الخس مابيطرطش زيت أصلًا!”
ساد الصمت.
ثانية…
ثانيتان…
ثم أغلقت ليلى النار بعنف.
التفتت نحو الطاسة.
كان البانيه قد احترق.
حدقت فيه للحظة قبل أن تضحك ضحكة قصيرة ساخرة.
ليلى: “الأكل اتحرق. مبسوط؟”
نظر إلى البانيه الأسود.
ثم إلى البقعة.
ثم إليها.
يوسف: “أيوه. عشان تتعلمي إن المطبخ ده له قوانين.”
نزعت المريلة بعصبية وألقتها فوق الطاولة.
ليلى: “قوانين؟!”
تقدمت نحوه خطوة.
ليلى: “هدفع تمن الدهان. عشرة آلاف؟ عشرين ألف؟ خدهم واخلص.”
شد يوسف فكه.
يوسف: “الموضوع مش فلوس يا ليلى.”
ليلى: “أمال إيه؟”
يوسف: “الموضوع تقدير. ده بيتي.”
تغيرت ملامحها فورًا.
واختفت السخرية من وجهها.
ليلى: “وده بيتي أنا كمان.”
أشارت إلى الأرض حولها.
ليلى: “بقالي ست شهور عايشة هنا. يعني بيتي غصب عنك. ومن حقي أقلي بانيه فيه.”
تبادل الاثنان النظرات لثوانٍ طويلة.
ثم استدارت فجأة وغادرت المطبخ.
وفي اللحظة التالية دوى صوت الباب وهو يُغلق خلفها بعنف.
بقي يوسف وحده.
نظر إلى البانيه المحترق.
ثم إلى المريلة الملقاة على الطاولة.
ثم إلى بقعة الزيت الصغيرة.
ومرر يده فوق وجهه بإرهاق.
يوسف (بهمس): “غبية… ومستفزة… ومبتسمعش الكلام.”
لكن الغريب…
أنه لم يكن غاضبًا كما ادعى.
طرق يوسف باب غرفتها بخفة، وحين لم يصله رد، دفع الباب قليلًا وأطل برأسه إلى الداخل.
كانت ليلى جالسة فوق السرير، تضم ساقيها إلى صدرها، وعيناها معلقتان بشاشة الحاسوب المحمول أمامها. بدا مسلسلها التركي أهم من العالم كله. وفي يدها كيس شيبسي مفتوح تأكل منه بغيظ واضح.
توقف يوسف عند الباب، وحدق في الكيس بدهشة.
ـ “ليلى… إنتِ بتاكلي شيبسي؟”
أجابته من غير أن ترفع عينيها عن الشاشة:
ـ “أيوه. الشيبسي مابيطرطش زيت. آمن على الرخام. أقدر آكله عادي.”
زفر يوسف ودخل خطوتين إلى الغرفة.
ـ “طب… إنتِ كويسة؟”
رفعت عينيها إليه أخيرًا، ثم قالت ببرود متعمد:
ـ “أنا زي الفل. طالما بعيدة عن المطبخ، وعن الدهان، وعنك.”
عقد حاجبيه وقال:
ـ “بلاش تقلبيها دراما. أنا كنت خايف على الشقة.”
استدارت نحوه بالكامل، وقد اشتعلت عيناها بالاعتراض.
ـ “أنا جيت أعمل بانيه… وحضرتك بوظت الأكلة وبوظت اليوم.”
ساد الصمت بينهما للحظة.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى