
الصمت اللي جه من الناحية التانية كان طويل:
“ولاء مين؟”
“ولاء بنت عمي.. طليقتي.”
“ازاي؟”
“ولدت ابني، وهو دلوقتي في الحضّانة.”
أمه اتأثرت وبدأت تعيط:
“ابنك؟ طب ازاي وأنتوا انفصلتوا؟”
“طلعت كانت حامل قبل ما ننفصل، وأنا معرفتش إلا دلوقتي.”
قفل معاها بعد ما قالتله إنها جاية فوراً.
رجع أوضة ولاء الساعة 6 الصبح.. كانت صاحية، بصة للسقف، ووشها أصفر.
حط الكرسي جنب سريرها وقعد.. لأول مرة من سبع شهور يقعدوا سوا من غير عتاب شديد.
“دكتور الأطفال بيقول أول يومين محتاجين متابعة دقيقة,” قال ماجد.
“عارفة,” قالت ولاء بصوت مبحوح. “أنا بقالي فترة باجي المستشفى دي أتابع في عيادة التأمين الصباحية، عشان عارفة إنك بتبقى بالليل بس ومكنتش عايزاك تشوفني.”
ماجد بص على إيديها.. دبلتها مش موجودة بس فيه علامة بيضا مكانها.
“ليه مقولتيش؟ ليه سكتِ كل ده؟”
ولاء لفت وشها ناحيته وعنيها حمرا:
“عشان اليوم اللي اتخاصمنا فيه وانفصلنا، حسيت إنك مش مصدق إننا ممكن نجيب أطفال، ولو كنت جيت قلتلك أنا حامل، كنت هتقول إني بحاول أرجعك وخلاص.. أنا مش رخيصة أوي كده يا ابن عمي.”
سكت، مفيش رد يتقال.
الباب خبط، أمه دخلت، جريت على ولاء وباست راسها وهي بتعيط:
“سامحيني يا بنتي.. سامحيني إننا قصّرنا في حقك.”
ولاء عيطت أخيراً بصوت.
ماجد قام وقف، بص على الاتنين، وبعدين خرج تاني ناحية الحضّانة.
يوسف لسه نايم، والخط الأخضر طالع نازل. قعد على الكرسي البلاستيك قدام الإزاز، وحط وشه بين إيديه، وهمس للطفل الصغير:
“خليك شديد.. عشان خاطري خليك، عشان ألحق أصلح أي حاجة.”
يوسف فضل في الحضّانة 41 يوم.
41 يوم ماجد كان بيقسمهم بين نبطشياته، وأوضة ولاء اللي قعدت في المستشفى أسبوع وبعدين رجعت بيت خالتها، والكرسي البلاستيك قدام الحضّانة.
في اليوم التاسع، شالوا جهاز التنفس.
في اليوم السبعتاشر، وزنه وصل كيلو ونص، وبدأ يرضع.
في اليوم التلاتين، ولاء جت لأول مرة تشيله، قعدت ساعتين تعيط وهي حضناه.. وماجد كان واقف بره الإزاز بيتفرج وبس.
محدش جاب سيرة رجوع.. لا هو عرض، ولا هي كانت هتقبل لو عرض.
يوم الخروج، ماجد خلص كل الورق ورخص شهادة الميلاد: (يوسف ماجد السيد عبد الرحمن).
وصلهم بعربيته لحد بيت خالتها في المحلة، وشال الكارسيت لحد باب الشقة. ولاء أخدته منه على الباب:
“شكراً.”
“على إيه؟”
“إنك.. إنك كنت أب كويس ليه وهوا جوه.”
ماجد طلع من جيبه ظرف:
“ده عقد شقة قريبة من المستشفى وقريبة من ماما وباسمك.. مش عشان ترجعيلي، عشان متفضليش تتعبوا في المواصلات كل ما يبقى عنده متابعة طبية.”
ولاء بصت للظرف وما أخدتهوش على طول:
“أنا مش عايزة منك حاجة يا ماجد.”
“عارف، اعتبريه حق ابنك.. ابني محتاج أمه تبقى مرتاحة، وأنا محتاج أبقى أبوه بجد المرة دي.”
سكتت، وبعدين أخدته: “هفكر.”
عدت تلات شهور.
ولاء نقلت الشقة اللي كتبها باسمها، وكانت بتشتغل من البيت تفصيل، وماجد كان بيعدي كل يوم بعد شغله ساعة واحدة، يغير ليوسف ويطمن عليه ويمشي بيه في الصالة لحد ما ينام.
في مرة يوسف عيّط وما كانش راضي يسكت.. ماجد شاله، وولاء كانت في المطبخ بتعمل الرضعة، فالطفل سكت أول ما سمع صوت نبض قلب أبوه.
ولاء خرجت لقت المنظر ده، وقفت عند باب المطبخ:
“فاكر يوم ما انفصلنا؟” قالت فجأة.
ماجد هز راسه وهو بيمشي بيه:
“عارف إنِ جرحتك,” قال بصوت واطي. “ومش هطلب منك تنسي.. أنا بس بطلب فرصة إني أبقى بني آدم أحسن قدام ابني، وقدامك لو ينفع في يوم.”
ولاء قربت، أخدت يوسف منه عشان تديله الرضعة، وإيديهم لمست بعض ثانية.
“الرضعة هتبرد,” قالت، وقعدت على الكنبة. “اقعد.. احكيلي الولد عمل إيه النهاردة في المتابعة.”
ماجد قعد جنبها، مسافة صغيرة بينهم.. مسافة سبع شهور وأخطاء قديمة، بس لأول مرة كانوا التلاتة في أوضة واحدة من غير مستشفى ولا خوف.
يوسف خلص الرضعة ونام.. ولسه قدامهم طريق طويل عشان يتصلح.
ماجد بص لها وقال: “أنا لو عشت عمري كله أعتذرلك مش كفاية.. بس نفسي تديني فرصة تانية ونرجع ونكون عيلة.. أنا أسف يا ولاء.”
ولاء بصت له وقالت: “صعب أحس بالأمان بسهولة تاني يا ماجد.. أنا اه لسه لي مشاعر ناحيتك، بس محتاجة وقت.”
ماجد بصلها وقال: “وأنا هعيش على الأمل ده يا ولاء.. وهكون جنبك وجنب إبني طول الوقت لحد ما تحسي إنك مستعدة.”
ولاء بصتله بابتسامة هادية: “اللي ربنا عايزه هو اللي هيكون إن شاء الله يا ماجد.”
الدكتور الشاطر عارف إنه مش هيقدر يداوي الجرح بسهولة، لكن الأمل لسه موجود جواه.
تمت
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”




