روايات

هالة والادهم القسم ال1 هدي زايد

وصلت الكلمة لمسامع الجميع رغم انخفاض نبرة الصوت. لم تعلق وداد واكتفت بالابتسامة مراعاةً لشعور هالة. تنهدت الأم وقالت بابتسامة واسعة:
– تسلم إيدك يا لولو، الأكل زي العسل.
تابعت بمجاملة:
– وإيدك يا وداد.
ردت وداد باسمة:
– أنا معملتش حاجة، الأكل الحلو دا مبيطلعش غير من إيد هالة.
هالة اليوم لم تكن هي تلك المتعارف عليها، تُعد امرأة أخرى غير التي يعرفها حمزة. لو يطاوعه عقله ويسألها بلسانه بدلاً من قلبه! توقف عن الأكل فجأة وقالت هالة:
– الحمد لله شبعت، أنا هروح أصلي العصر بقى وأرتاح شوية، عن إذنكم.
ردت والدته وقالت بابتسامة واسعة:
– ماشي يا حبيبتي روحي، وأنا هاصحيكِ بالليل عشان نروح لريهام سوى.
ردت هالة قائلة:
– معلش مرة تانية، أنا تعبانة ومش قادرة أخرج، روحوا أنتوا.
– هتقعدي لوحدك يعني يا لولو؟!
– ماما، أنا تعبانة من فضلك سيبيني.
– طيب يا حبيبتي على راحتك.

في المساء:

كفاية يا ريهام مش قادرة بجد، أنتِ فظيعة أوي، بطني وجعتني من كتر الضحك!
أردفت وداد عبارتها وهي تضع صحن الكيك على سطح المنضدة الزجاجي، بينما حمزة كان في عالم آخر، حاول أن يتظاهر بالانسجام لكنه فشل. انتشله من بئر أفكاره رفض والدته لحديث زوجته الجديدة حين قالت:
– لا معلش أنا مش هقدر أسامر، سافروا أنتوا.
رد حمزة وقال بتساؤل:
– ليه يا ماما، إحنا هنغير جو.
– معلش يا حمزة سافروا أنتوا.
ردت وداد قائلة بإصرار:
– لا مرات عمي، السفرية مش هتبقى حلوة من غيرك.
– السفرية حلوة بناسها يا بنتي، سافروا واتبسطوا وسيبوني.
رد محمود قائلاً:
– يعني هتقعدي لوحدك يا ماما؟!
– لا، هقعد مع هالة.

ردت وداد قائلة:
– ليه هتخليها تقعد يا ماما، ما تخليها تيجي معانا وتغير جو؟
تنهدت والدة حمزة قائلة بضيق:
– بصراحة بقى هالة مش عاوزة تروح السفرية، وأنا مردتش أغصب عليها، هي نفسيتها لسه مش كويسة.

كاد أن يتحدث حمزة لكنه اكتفى بالصمت، عنادها كل مرة يحاول أن يفعل لها شيئاً يرضيها فيفسده.

عاد إلى بيت العائلة من جديد وقبل صعوده إلى شقته استوقفته والدته قائلة:
– حمزة، عاوزك في كلمتين.
– ماما، أنا تعبان وعاوز أنام.
– لا معلش، كلمتين مش أكتر.
تابعت حديثها قائلة:
– اطلعي أنتِ يا وداد وهو هازيجي وراكِ.
ردت وداد باسمة وقالت بأدب:
– حاضر يا مرات عمي.
صعدت وداد إلى الشقة بينما نظر حمزة لوالدته وقال:
– خير يا ماما، في إيه؟
– مراتك بتنزف.
– مراتي مين؟!
– مراتك مين!! مراتك هالة يا حمزة، بقالها شهر بتنزف والنزيف مش راضي يوقف. حاولت آخدها ونروح لدكتور بس هي مصممة إن دا بيحصل لها طبيعي. خدها وروح لدكتور وحاول تطيب خاطرها بكلمتين وإنتوا برا.
كاد أن يتحدث لكن عيناه وقعت عليها وهي تخرج من الغرفة متجهة نحو المرحاض، عاد ببصره لوالدته وقال بهدوء:
– بكره طول النهار هابقى برا، ها حجز لها وآخدها، خليها تجهز نفسها وابقي تعالي معانا.
ربتت على كتفه باسمة وهي تقول:
– ربنا يرضيك ويهديك ليها، كنت عارفة إنها مش هتهون عليك بردو.
رد حمزة بعتاب:
– وهي هالة بردو يا أمي تهون؟ أنا بس اللي هُنت عليها وخلاص خلصت الحكاية.
ختم حديثه قائلاً بضيق:
– أنا طالع ابقى عرفيها إني هاستنها بكره الساعة سبعة.

في شقة حمزة بالطابق العلوي:

كانت وداد خارجة من المرحاض وبيدها اختبار جديد غير الذي ابتاعته منذ يومين، وقفت أمامه وقالت بسعادة:
– حمزة، أنا عاوزة أقولك على حاجة.
رد حمزة وقال بضيق:
– بعدين يا وداد، أنا هلكان وعاوز أنام.
– دي حاجة هتهون تعب الدنيا كلها عليك.
– حاجة إيه دي؟!
– أنا حامل يا حمزة!

الفصل الثاني

لم يُبد أي رد فعل تجاه هذا الخبر الجميل من وجهة نظر وداد، ظلت عيناه معلقتان في خاصته في انتظار المُباركة لكنه وجده يتسائل بهدوء عجيب:
– هو أنتِ متأكدة؟

تحاملت على نفسها مانعة الدموع أن تتجمع في مقلتيها وقالت بجدية:
– أنا عملت التحليل مرتين وفي المرتين طلع إيجابي، يعني حامل.
– طيب مبروك.

قالها حمزة بنبرة مقتضبة محاولاً مجاملتها وإخفاء حزنه الشديد بعد سماع هذا الخبر. استوقفته قابضة على يده برفق وقالت:
– حمزة، أنت مش مبسوط إنك هتبقى أب؟!

لم ينكر شيئاً، اليوم لن يجامل أحداً على حساب قلبه وسعادته الحقيقية. نظر لها وقال:
– هاكذب عليكي لو قلت إني مش نفسي أبقى أب، بس حابب دا وهاموت عليه من هالة يا وداد.
نظر لها وقال بجدية يخرج ما يجيش في صدره:
– مش قادر أخبي أكتر من كدا يا وداد، هالة هي حبي الأول والأخير. أنتِ ومتزعليش مني مراتي اه بس في نفس الوقت كنتي مرات أخويا، أنا أصلاً لسه مستغرب أنتِ ازاي نسيتي جوزك بالسرعة دي! أنتِ حزنتي عليه فترة العدة بس وبعد كدا قالوا لك لازم تتجوزي حد من إخواته قلتِ ماشي.

مصارحته بكل هذه الأشياء جعلتها تتمنى أن تختفي داخل سابع أرض، لكنها قررت أن تتحمله لنهاية الحديث، ثم أتى الرد بطريقة غاية في البساطة وهي تقول:
– طلقني يا حمزة واعتبر إني مَدخلتش حياتك.
– لو كان ينفع أطلقك كنت عملت، مكنتش اتجوزتك أصلاً، أنا بربي ابن أخويا.
تابع بحسرة تملأ نبرة صوته ناظراً لباطنها وقال:
– وابن اللي جاي في الطريق.

كاد أن يلج غرفته لكنه غير مسار طريقه واتجه نحو الباب. استوقفته متسائلة بمرارة:
– على فين يا حمزة؟
رد دون أن يستدار قائلاً:
– النهاردا يوم هالة، وهروح لها منين ما تكون يا وداد.
خرج من الشقة وصوت بكاء وداد يصل لمسامعه.
لم تجد الحنان الذي بحثت عنه في زوجها السابق، ظنت أنها بمجرد الزواج من أخيه الذي ظل يدلل زوجته ويعاملها معاملة الأميرات ستنال من هذا الحنان، لم تكن تعلم أن ما يفعله هو نابع من أعماق قلبه وأن زواجه منها كان بضغط من والدته ليس إلا.

رغم المشكلات التي حدثت بين حمزة وهالة، إلا أن الحب والتفاهم قبل زواجه كان يسود علاقتهما.
لم يكن عدم إنجابه للأطفال معضلة بالنسبة له، ما دامت هالة بجواره فلا يريد شيئاً آخر سواها.

داخل غرفة هالة بالطابق الأرضي:
كانت في سبات عميق حين ولج حمزة الحجرة، رفع الدثار ببطء حتى يوقظها، جلس بهدوء تام لأول مرة منذ زواجه الجديد يتشاركا ذات الفراش.
نظر لوجهها الشاحب وجدها مغمضة العينين، مال بوجهه ليطبع قبلة ناعمة، شعرت بأنفاسه ففتحت جفنيها بثقل وجدته يتوسد الوسادة وهو يقول:
– هو مش المفروض إن النهاردا يومك؟
ولته ظهرها وقالت بجمود:

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى