
— اصحي يا كشماء، الساعة عشرة ونصف.
رفعت كشماء الغطاء وقالت:
— سيبيني أنام، أنا رجعت من الشغل منتصف الليل.
قالت كاميليا:
— وأنا سهرت طول الليل في المستشفى، وعندي شغل لازم أخلصه.
ضحكت كشماء:
— كل ده لأنك دائمًا تدخلين في نقاشات مع مديرك.
قالت كاميليا:
— وأنتِ أفضل مني؟ أنتِ أيضًا لديكِ مشاكل في المدرسة.
رفعت كشماء رأسها وقالت:
— وأنا مالي؟ كل واحدة تتحمل نتيجة تصرفاتها.
دخلت كريمة وقالت:
— صباح الخير يا لوليات.
ردتا معًا:
— صباح الخير يا كرملة.
ضحكت كريمة:
— نفسي أسمع منكم كلمة ماما.
ثم قالت:
— يلا، حضرت لكم الفطور، مع إن الوقت قرب على الظهر.
جلست الفتاتان لتناول الطعام، وبدأت مشاجراتهما الطريفة المعتادة.
كانت كريمة تراقبهما بابتسامة، وهي تعلم أن ابنتيها مختلفتان تمامًا عن الفتيات المعتادات.
—
# في الصعيد
كانت زاكية تقف بالقرب من إبراهيم الفهداوي.
سألها:
— أنتِ متأكدة من الكلام الذي تقولينه؟
قالت:
— أيوه يا حاج إبراهيم، كريمة نفسها قالت لي إن البنات معها في القاهرة.
صمت إبراهيم قليلًا.
ثم قال:
— اذهبي الآن، ولا تخبري أحدًا بهذا الكلام.
غادرت زاكية.
تنهد إبراهيم وقال:
— أخيرًا عرفت مكانهم.
ثم اتصل بحفيده ركن الدين.
— أنت راجع من إيطاليا إمتى؟
— الليلة، وسأصل مصر بعد منتصف الليل.
— جيد. هناك أمر أريدك أن تنفذه قبل أن تعود إلى المنيا.
— ما هو؟
— أريدك أن تذهب إلى كريمة وتقنعها بالعودة.
— وإذا رفضت؟
— هذه مهمتك، حاول معها.
رد ركن الدين:
— حاضر، سأحاول.
—
# في القاهرة
في منتصف النهار، استيقظت كاميليا على رائحة الطعام القادمة من إحدى الشقق المجاورة.
دخلت المطبخ فوجدت والدتها هناك.
قالت:
— أنتِ تطبخين؟
ضحكت كريمة:
— لا، الجارة هي التي تطبخ في الشرفة.
بدأت كاميليا تبحث عن معطر للجو، ثم رن جرس الباب.
ذهبت لتفتح.
وفور أن رأت الرجل الواقف أمامها، توقفت للحظة.
كان ركن الدين يرتدي ملابس أنيقة ونظارة تزيد من هدوء ملامحه.
قال:
— منزل السيدة كريمة إبراهيم الفهداوي؟
ردت كاميليا وهي شاردة في مظهره:
— أيوه.
— هل يمكنني مقابلتها؟
— طبعًا، لكن من حضرتك؟
ظهرت كريمة من خلفها وقالت:
— مين يا كاميليا؟
قال ركن الدين:
— حضرتك السيدة كريمة إبراهيم الفهداوي؟
— أيوه.
— أريد أن أتحدث معك على انفراد.
سمحت له بالدخول.
ظلت كاميليا تراقبه بفضول، قبل أن تغلق كريمة باب الغرفة عليها.
قالت كاميليا لنفسها:
— مين الشخص ده؟
وبعد قليل، دخلت إليهما حاملة صينية من المشروبات والطعام.
وضعتها أمامهما، لكن كريمة طلبت منها أن تتركهما وحدهما.
خرجت كاميليا وهي تشعر بالفضول.
بعد فترة، خرج ركن الدين.
مد يده إلى كريمة وقال:
— سأنتظر ردك، وأتمنى أن توافقي على الطلب.
قالت:
— ربنا يقدم اللي فيه الخير.
غادر.
وقفت كريمة للحظات تفكر فيما سمعته.
اقتربت منها كاميليا:
— مين ده؟ وهل جاء من أجل موضوع الزواج؟
نظرت إليها كريمة دون رد، ثم دخلت غرفتها وأغلقت الباب.
قالت كاميليا بضيق:
— أكيد في حاجة بتخبيها عننا.
—
# في اليوم التالي
وصلت كشماء إلى المنزل بعد يوم طويل.
كانت قد تعرضت لإصابة بسيطة أثناء عملها، بينما كانت كاميليا قد عادت من المستشفى وهي تشكو من التعب بسبب موقف صعب حدث في قسم الطوارئ.
نظرت إليهما كريمة بقلق.
— إيه اللي حصل لكما؟
قالت كاميليا:
— مجرد إصابة بسيطة أثناء العمل.
ثم شرحت لها ما حدث في المستشفى.
بعدها دخلت كشماء وهي تضع يدها على رأسها.
قالت كريمة:
— وأنتِ؟
— حصل خلاف في الموقف أثناء عملي بالتوكتوك، واتعرضت لإصابة بسيطة، لكن الحمد لله أنا بخير.
تنهدت كريمة.
كانت تنظر إلى ابنتيها وتفكر في مستقبلهما.
وفي تلك اللحظة اتخذت قرارها.
لقد حان الوقت للعودة إلى المنيا.
—
# بعد يومين
دخلت كريمة إلى الغرفة ووجدت ابنتيها نائمتين.
— اصحوا، قربنا على الظهر.
استيقظت الفتاتان.
قالت كريمة:
— قوموا والبسوا ملابس مناسبة، لدينا ضيوف.
سألت كاميليا:
— مين الضيوف؟
— البسوا الأول وبعدها تعرفوا.
وبعد قليل خرجت الفتاتان.
رن جرس الباب.
قالت كريمة:
— ادخلوا الصالون واستنوني هناك.
دخلت كريمة ومعها ركن الدين وعلام.
نظرت الفتاتان إليهما باستغراب.
قالت كريمة:
— أعرفكم بناتي، كاميليا وكشماء.
ثم أشارت إلى الرجلين:
— ركن الدين سلطان إبراهيم الفهداوي، وعلام نمر علام النمراوي.
توقفت كشماء وكاميليا في مكانهما.
قالت كشماء:
— هما جايين هنا ليه؟
ردت كريمة:
— جايين علشان نرجع المنيا.
رفعت كشماء صوتها:
— إحنا مش عايزين نرجع.
وقالت كاميليا:
— بعد كل السنين دي؟
كانت كريمة تعرف أن المواجهة لن تكون سهلة.
قالت:
— أنتم لا تعرفون كل ما حدث في الماضي، ولا ذنب لكم فيه. لكن أنا قررت نرجع.
رفضت الفتاتان بشدة.
وأمام إصرارهما، قالت كريمة:
— القرار اتاخد. إما تيجوا معايا، أو أنا هروح لوحدي.
صمتت الفتاتان.
ثم قالتا معًا:
— ماما!
توقفت كريمة لحظة.
كان قلبها يريد أن يبقى مع ابنتيها.
لكنها كانت ترى أن عودتهن إلى عائلتهن قد تكون بداية لحياة أفضل.
خرجت مع ركن الدين وعلام.
وأغلقت الباب خلفها.
وقفت كشماء وكاميليا في صمت، ثم احتضنت كل واحدة منهما الأخرى بحزن.
—
# في الطريق إلى المنيا
كانت كريمة تجلس بجوار ركن الدين.
رن هاتفه.
كان المتصل هو إبراهيم الفهداوي.
— هي معاك؟
— أيوه يا جدي.
أعطى الهاتف لكريمة.
قال إبراهيم بحنين:
— كريمة، هتجيني؟
— أيوه.
— والبنات؟
— رفضوا ييجوا.
شعر بالحزن.
— هنبعت لهم حد يجيبهم.
ضحكت كريمة:
— بناتي مش سهل حد يقنعهم، دول ممكن يقنعوا اللي قدامهم بالعافية.
ضحك إبراهيم.
— طيب أنا مستنيكي.
بعد أن انتهت المكالمة، أعطت الهاتف لركن.
قال إبراهيم لحفيده:
— أنا عايز البنتين عندي في أقرب وقت.
— هحاول يا جدي.
كان ركن الدين لا يزال يتذكر طريقتهن في الحديث معه، لكنه قرر ألا يعطي الأمر أكبر من حجمه.
—
# في بيت الفهداوي
وصلت كريمة إلى المنزل الذي عاشت فيه سنوات طويلة.
استقبلها شقيقها سلطان بترحيب هادئ، بينما رحب بها علي وزوجته.
وكان إبراهيم ينتظرها.
بمجرد أن رأى كريمة، تغيرت ملامحه.
اقترب منها وقال:
— وردتي الجميلة.
ابتسمت كريمة واقتربت منه.
قالت:
— كبرت قوي يا راجل.
ضحك إبراهيم:
— لكن لسه بخير.
ساد جو من الفرح بين أفراد العائلة.
لكن في قلب كريمة كانت هناك مساحة فارغة.
كانت تتمنى لو أن ابنتيها جاءتا معها.
—
# في بيت النمراوي
عاد علام إلى المنزل.
استقبلته جدته رقية بسرعة.
— هما فين؟
— مين؟
— كريمة وبنات منصور.
قال علام:
— كريمة رجعت، لكن البنات رفضوا ييجوا.
حزنت رقية.
— حاولت تقنعهم؟
— حاولت، لكن شخصيتهما صعبة جدًا.
ابتسمت رقية وقالت:
— مهما كان، هما بنات عمك. حاول مرة أخرى.
قال علام:
— حاضر، علشان خاطرك.
—
# بعد مرور أسبوع
في القاهرة، كانت كشماء وكاميليا تعيشان وحدهما.
قالت كاميليا:
— شكلها نسيتنا.
ردت كشماء:
— أنا مش فاهمة إزاي سابتنا بسهولة كده.
— يمكن هي شايفة إن ده الأفضل لينا.
— أنا عايزة أعرف الحقيقة.
تنهدت كاميليا:
— وأنا كمان.
نظرت كشماء إليها وقالت:
— هنفضل مستنيين لحد إمتى؟
ردت كاميليا:
— لازم نتصرف.
نظرت كل واحدة منهما إلى الأخرى.
ولم تكن أي منهما تعرف أن الأيام القادمة ستكشف لهما أسرارًا كثيرة عن العائلتين، وأن العودة التي رفضتاها في البداية قد تصبح بداية مرحلة جديدة تمامًا في حياتهما.
**يتبع…**

