
انْتفض جسدها بخفة اعتمدت بجلستها ووضعت طرف فستانها على ساقها المكشوف مردفة بالقليل من التوتر
_ أبيه هو حضرتك هنا من أمتا وبتعمل إيه!..
أين هذا الأبيه الذي تتحدث معه أغلق عينيه لعدة لحظات تمالك بهم أعصابه ثم قال بهدوء
_ أنا اللي مفروض أسألك السؤال ده ده مكتبي عادي أبقى موجود فيه في أي وقت أنتِ بقى بتعملي إيه هنا!..
قامت من مكانها لتقف أمامه ثم نظرت للأرض بحزن قائلة
_ كنت مستنية حضرتك لما تيجي حابه أتكلم معاك شوية لو في عندك وقت لو مش حابب خلاص همشي..
رق قلبه لها فقال بنبرة حنونة
_ سامعك يا سارة قولي عايزة إيه!..
_ هو حضرتك مش حابب وجودي هنا يا أبيه!
حدق بها وسألها بتعجب
_ مين قالك الكلام الفارغ ده!..
_ محدش قالي بس أنا عرفت من الخدم بالصدفة إن حضرتك بتيجي على الغدا والنهارده مجتش ده غير لما سلمت عليك الصبح رفضت ترد عليا قعدت أفكر مع نفسي شوية وعرفت إن حضرتك مش حابب وجودي معاكم..
هنا تذكر ما حدث صباحا بغرفة الرياضة سألها بتردد
_ سارة كنتِ في أوضة الچيم الصبح..
أومأت إليه بكل براءة فأكمل هو
_ قولتي إيه وقتها!..
وضعت كفها على طرف بذلته ثم همست بنبرة ناعمة
_ أنا أيامك اللي جاية كلها يا محمود.
أخذت وسادة وغطاء خفيف وألقت بهما على الأرض مشيرة إليه قائلة بنبرة ساخرة
_ تقدر تعتبر ده السرير بتاعك طول فترة وجودي هنا..
ربما هي حمقاء أو أخذت أي حبة تعطي لها القليل من الشجاعة، خلع عنه الجلباب ثم أرسله على وجهها بكل قوته قبل أن يرد عليها بقوة
_ لبس العزا ده مكنتش ناوي أحاسبك عليه بس شكلك بتحبي العنف..
شهقت بعصبية وقامت من مكانها لتقف أمامه صارخة
_ أنت فاكر نفسك مين فوق أنا هند الراوي..
_ طظ..
اتسعت عينيها وفتحت فمها إلا أنها وبكل أسف لم تجد كلمة مناسبة تسبه بها، ليبتسم عليها ساخراً قبل أن يجذبها لتكون تحت حصار ذراعيه
_ عايزك تفوقي وتتلمي من غير ما اضطر أستخدم أيدي في التعامل معاكي..
وضعت كفها على صدره مردفة بنفس السخرية
_ ولا تقدر، زي ما أنت بتعرف تستخدم أيدك أنا كمان بعرف أستخدمها ورجلي كمان لو اضطريت لده..
ربما لم يصل إليه حديثها من الأساس، كان كل تركيزه على ملامحها الرقيقة رغم شراستها، يعشق الشعر الأسود الثقيل وتلك العيون الغاضبة، وفوق كل هذا وذاك شفاه صاحبة جمال رباني تأخذ حجماً مميزاً، وضع أحد أصابعه على خصلاتها مردفا
_ حضري الحمام عايز أطلع فايق لك دي ليلة فرحك يا عروسة..
بكل قوتها عضت أصبعه ثم أردفت بغيظ بعدما رأته لم يتأثر
_ شكلك نسيت مهمتك يا عمدة، أنت مجرد وسيلة عشان أرجع لجوزي..
لما هذا الشعور!.. لما قدرت على إشعال النيران بداخله بكلمات ربما كان يتقبلها قبل أن يسحره عطرها!.. تحلى بالبرود مبتعداً عنها
_ حرام..
رفعت حاجبها مجيبة
_ نعم!..
_ الطريقة دي مش صح يا مدام هند عشان ترجعي لجوزك لازم الأمور تمشي بشكل طبيعي، وبعدها بقى أقرر عايز أكمل أو لأ وبصراحة أنا ماليش مزاج لكده..
_____ شيما سعيد _____
نظر لعلاء بكبرياء مردفا
_ خير يا علاء في حاجة!..
ابتلع الآخر لعابه بذهول من الموقف، ما هذا بالفعل ما هذا!.. توتر من نظرات سيده القوية لكنه قال
_ إيه اللي بيحصل ده يا باشا، بقا هي دي الأمانة!..
عاد ليجلس على مقعده خلف المكتب مشيراً له بوضع النسكافيه، وجدها مازالت تقف محلها مغلقة العينين فضحك بخفة مردفا
_ فضلت سنين أديك فلوس عشان تهتم بتربيتها شكلك صرفتها على نفسك ونسيت تربيها، حط النسكافيه وغور من وشي..
فتحت عينيها بذهول من حديثه، شعرت بالقليل من الندم ليتها ظلت تلعب معه لعبة الدلال بدل من صراحتها تلك، صدمتها الأكبر برد زوج شقيقتها الذي وضع المشروب على الطاولة وخرج مثلما أمره الآخر.
أشار إليها بالجلوس قائلا
_ أقعدي..
جلست ليُعطي لها النسكافيه مردفا
_ اشربي يمكن أعصابك تهدى مع إني شايف إنك محتاجة لمون بعد الموقف ده..
صغيرة ضعيفة بلا سند هذه هي سارة، جميلة لدرجة من يراها يتخيل أنها دمية، حركت رأسها بحزن على حالها وقالت لنفسها جملتها الشهيرة: “من الواضح أن الجمال لا يساوى شيئاً في سوق الحظ”.
أخذت بعدها نفساً عميقاً وعدة رشفات من الكوب تستعيد به قوتها ثم قالت
_ عملت كل ده عشان تثبت إني ماليش ظهر مش كدة!..
طفلة، طفلة صغيرة بملامح امرأة جذابة، أخذ نفساً عميقاً ثم نظر إلى ساعة يده ثم إليها قائلا بهدوء
_ لأ، عملت كدة عشان أتأكد إن العيب مش فيكي، العيب في البيئة اللي طلعتي منها، أنتِ بنت عمي ومن النهاردة أنا ضهرك، حالياً عندي اجتماع مهم ولازم أحضره، لما أروح هيبقى لينا كلام تاني سوا وكلام مهم..
_ بس..
رفع حاجبه بنظرة محذرة قبل أن يقوم من مقعده مقترباً منها حتى يوصلها لباب المكتب
_ اششش، مش عايز أسمع كلمة زيادة تهز صورتك في عينيا، لما أرجع هسمعك وهقولك كل اللي المفروض يتقال، يلا يا بسبوسة على البيت..
أومأت إليه بمشاعر تدلف لقلبها لأول مرة منذ وفاة والدها، حنون جداً جعلها تطمئن بأن القادم سيكون تعويضاً لكل ما مرت به بالسنوات الماضية.
_____ شيما سعيد _____
بخطوات سريعة خرجت من مكتبه لتجد علاء بانتظارها على الباب، آخر شخص تريد رؤيته هو ذلك الحقير، عضت على شفتيها مردفة
_ خير، مش اللي مشغلك خدام قالك ارجع شغلك، واقف تعمل إيه هنا يا جوز أختي..
نظر إليها بنظرات تعلمها جيدا منذ زواجه من مريم ثم ألقى عليها غمزة سريعة مردفا
_ ما أنتِ حلوة أهو، أمال عاملة عليا شريفة ليه يا بت أنتِ!!
مستفز وهي لا تكره بحياتها رجلاً مثله، ردت عليه قائلة
_ لأنك مش قد المقام، وأنا ماشية بمبدأ الغالي للغالي..
اشتعلت عيناه بنيران الغضب، جذبها من ذراعها وضغط عليه بكل قوته مردفا
_ هتغوري معايا على البيت وهناك هعرفك مين اللي لمك من الشارع..
حركت شفتيها بسخرية وبكل ما أتتها من قوة أبعدت يده عنها، أزالت أثر يده من على ذراعها بطرف إصبعها مردفة ببرود
_ الشارع ده أهلي اللي لموك منه لما أبيه محمود أداك البيت تعيش فيه، كفاية كذب يا علاء لأني كشفت كل الورق، وأوعدك قريب قوي هرميك إنت ومرَاتك..
أنهت حديثها وخرجت من المكان توعد نفسها وعداً واحداً فقط أنها من الآن وصاعداً ستكون سارة هانم، يا الله كم هو جميل اللقب ويليق عليها جداً جداً.
عودة لغرفة مكتب محمود، أغلق شاشة العرض بعدما رأى وسمع كل ما حدث بغرفة سكرتيرته التي كانت تحضر للاجتماع، مرر أصابعه على ذقنه هامسا
_ طيب وفيها إيه يا ابن علام، بنت جميلة وصغيرة بتقولك عايزاك، حتى لو مصلحة إنت الكسبان.
_____ شيما سعيد _____
بالمساء..
عاد للمنزل وأول شيء فعله دلف لغرفة نومه وجد عايدة تتابع أحد البرامج على الهاتف، أغلق الباب خلفه واقترب منها ليجدها ترفض النظر إليه، رفع حاجبه بتعجب مردفا
_ إيه ده، مش تقوليلي حمد لله على السلامة يا حبيبي زي كل يوم..
نفت بحركة سريعة من رأسها ثم قالت
_ جبت لك عروسة حلوة أوي، إيه رأيك تشوفها..
جّز على أسنانه بغضب ملّ من تلك اللعبة التي ترسمها عليه دائماً، قام من جوارها وأزال جاكيت البذلة عنه ملقياً إياها على أحد المقاعد قبل أن يقول
_ عايدة، أنا مش عيل صغير، لما أحس إنك مش كفاية في حياتي ومحتاج أتجوز هختار العروسة بنفسي، سيبك من دور الخطبة ده واهتمي بصحتك..
خرج بخطوات غاضبة وتركها تعيد حديثه برأسها، ارتجف جسدها وشعرت ببرودة الجو من حولها تقول هذا دائماً حتى تسمع جملة واحدة “لا أريد غيرك”، لما اليوم غير إجابته؟ حاولت أخذ أنفاسها إلا أنها لم تستطع فوضعت جهاز التنفس على أنفها قائلة لنفسها
_ كنت عارفة إن وجود البنت دي خطر، يا رب لو هيبقى لغيري خدني قبلها..
بغرفة غيرها، دق على الباب عدة مرات حتى أذنت له بالدخول، أغلق الباب خلفه واقترب من مكتبها الصغير كم تبدو جميلة وهي تقرأ أحد الكتب، ابتلع ريقه مع تدقيقه بملامحها…
رفعت رأسها إليه بابتسامة لذيذة ثم قالت
_ نورت الأوضة يا أبيه، اتفضل..
جلس بطاعة جعلتها تبتسم أكثر تعلم جيدا أنها مسيطرة عليه وهذا يشعرها بالأمان، اعتذرت إليه ببراءة
_ أنا أسفة يا أبيه..
تفاجأ من هذا الاعتدال فرفع حاجبه بتعجب مردفا
_ آسفة على إيه يا بسبوسة..
قامت من مكانها ووقفت أمامه مثل الطالب الذي ينتظر العقاب من معلمه، رمشت بعينيها عدة مرات قبل أن تهمس
_ قولت كلام مش كويس الصبح حسسك إني بنت مش كويسة، بس أنا عملت كدة عشان خايفة في يوم تزهقوا مني وأنا معنديش مكان تاني أروحه..
أومأ إليها قائلا بهدوء
_ فطبعا قولتي كدة عشان لو بقيتي مراتي البيت ده هيبقى بيتك وهتفضلي موجودة على طول صح!..
أومأت إليه عدة مرات ليكمل ببساطة
_ بصراحة عندك حق..
اتسعت عيناها بذهول جملة واحدة ولكن معناها لا يبشر بالخير على الإطلاق، سألتته بترقب
_ يعني إيه!..
قام فجأة وقربها منه ثم همس بنبرة دافئة
_ يعني أنا راجل مراتي تعبانة ومحتاج حد يشاركنى حياتي، وأنتِ بنت زي القمر ومحتاجَة أمان وأنا هديلك الأمان ده..
فهمت أتى إليها بنفسه وعرض عليها الزواج، يبدو أن خطتها تسير بالاتجاه الصحيح وهذا رائع، رسمت عدم الفهم على معالم وجهها ثم قالت
_ يعني إيه برضو!
_ تؤ تؤ، دور الغبية مش لايق عليكي خالص يا بسبوسة، أنتِ فاهمة وأنا فاهم يبقى إيه!..
_ إيه!..
_ معاكي عشر دقايق هنروح لأقرب مأذون هكتب عليكي حالا..
بعد ساعة كاملة كانت بحالة من الذهول تجلس على أحد المقاعد بمكتب المأذون الشرعي، وبالمقابل إليها طاولة كبيرة يجلس عليها محمود بجوار المأذون وبجورهما رجل غريب يبدو أنه صديق محمود يحل محل وكيلها، أتى إليها محمود وهو يحمل الأوراق مردفا
_ امضي..
ها هي على أبواب جنتها التي وصلت إليها ببساطة لم تتوقعها، تخيلت أن يأخذ الأمر منها أشهر حتى تستطيع الإيقاع به، ولكنها بعد عدة أيام نجحت بأخذ لقب زوجة محمود علام..
انتهت من التوقيع لتسمع المأذون يقول بابتسامة
_ مبروك يا محمود بيه، مبروك يا هانم..
“هانم”، تلك الكلمة بحثت عنها كثيراً والآن تسمعها كم هي كلمة جميلة وقورة منعشة تليق عليها وكأنها خلقت من أجل سارة هانم، ابتسمت وهي تسمع الجملة الأكثر شهرة بتلك المواقف
_ بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير، زواج مبارك إن شاء الله..
رواية عطر سارة الحلقة الرابعة
أخيراً تم إغلاق باب غرفة واحدة عليهما أغلقه بالمفتاح عدة مرات ثم ألقى بالمفتاح من يده على الأرضية، اللعبة تحولت أمام عينيها إلى حقيقة ومطلوب منها تقبل ما يحدث بصدر رحب، ابتلعت ريقها برعب حقيقي، معالم وجهه غريبة عجيبة الوقار سقط أرضاً، هيبة محمود علام ذهبت بمهب الرياح، نظر إليها بنظرة بها الكثير والكثير من الاحتياج..
امرأة جميلة بين يدي زوجها الذي ظل عازباً لسنوات!.. أشارت إليه بتوتر تمنعه من الاقتراب منها مردفة
_ احنا هنا فين وبنعمل إيه!..
_ احنا في شقتك يا عروسة، عش الزوجية..
نفت بحركة سريعة من رأسها قائلة
_ أنا فاهمة إنت عايز إيه..



