روايات

صافى هانى ١

بصيت لأخويا حسام، لقيت عينه في الأرض، عمال يفرك صوابعه ويهز رجله بتوتر باين زي الشمس. النبرة الإسلامية والمظاهر اللي أمي بتحاول تتدارى وراها مكنتش بتاكل معايا.. كلامها فيه ثغرات أد المحيط. الإسعاف في منطقتنا بعيد، ومستشفى الجلاء للولادة مفيش بيننا وبينها عشر دقائق. ليه مخدوهاش في عربية حسام اللي مركونة تحت؟

سيبتهم واقفين وطلعت السلم خطوة بخطوة، وصوت عياط ابني الصغير بيزيد وبيقطع في قلبي. دخلت الأوضة اللي فوق، لقيت الواد الصغير ملفوف في حتة قماش بيضاء قديمة، وشه أحمر من كتر العياط، ومفيش جنبه أي أثر لأدوية، أو قطن، أو حتى لبس مجهز للمولود.. الأوضة كانت مترتبة بزيادة، كأن مفيش معركة ولادة حصلت هنا أصلاً.

شيلت ابني، وبإيد واحدة طلعت تليفوني العسكري المشفر من جيب السروال. ركبت كارت الميموري الصغير اللي سلكته من إيد فاطمة الله يرحمها. الشاشة نورت، وظهر ملف فيديو واحد.. مدته دقيقتين بس. دوست “تشغيل”.

الكاميرا كانت محطوطة في زاوية مخفية في الصالة تحت، مطلعاها بوضوح. الفيديو بدأ وصوت فاطمة طالع وهي بتصرخ وبتتوجع، كانت بتولد فعلاً على الكنبة.. بس الصدمة مكنتش هنا. أمي، الحاجة هدى، كانت واقفة فوق راسها.. مش بتساعدها، لأ.. كانت ماسكة مخدة الصالون الكبيرة بكفوف إيديها الاتنين، وبتضغط بيها بكل قوة على وش فاطمة عشان تكتم نفسها وتمنعها تصرخ، وحسام أخويا كان واقف بعيد، ماسك تليفون فاطمة وبيصورهم!

فاطمة كانت بترفص برجلها، وبتخربش بأوافرها في إيدين أمي وفي الخشب بتاع الكنبة عشان تعيش.. لحد ما حركتها هديت خالص، وإيدها اليمين سقطت على جنبها وهي كبشة على كارت الميموري اللي سجل اللي حصل من تليفون تاني كانت مخبياه.

شريط الفيديو خلص. الدنيا لفت بيا، والنور اللي في الأوضة اتحول لظلام دامس. النفس اللي طالع مني بقى حامي كأنه نار. أمي وأخويا.. لحمي ودمي.. قتلوا مراتي وسرقوا فرحتي وبيربوا ابني على دم أمه؟!

حطيت التليفون في جيبي، ولفيت ابني كويس وحضنته، ونزلت السلم وعيني مفيهاش دموع.. فيها شرار عمري ما شفته في مرايتي قبل كده. وقفت في نص الصالة قدام أمي وحسام. هما شافوا وشي، وركبهم سيبت.. عرفوا إن السر اتكشف.

أمي بدأت ترجع لورا وهي بتبكي وتصرخ: “يا طارق يا ابني.. متصدقش.. دي كانت بتموت لوحدها.. أنا كنت بستر عليها!” حسام جرى على باب الشقة وقفل الترباس ووقف ضهره ليه، وطلع مطواة قرن غزال من جيبه، وإيده بتترعش وعينه بتلف في المكان، وقال بنبرة مرعوبة: “مش هتطلع من هنا بالكارت ده يا طارق.. هتموت جنبها ونقول المخابرات صفتك!”

بصيت للمطواة اللي في إيده، وبصيت لجثمان فاطمة، وحضنت ابني بـ إيدي الشمال.. وإيدي اليمين نزلت ببطء على جراب الطبنجة الميري اللي في حزامي..

وقفنا إحنا التلاتة في الصالة.. ومبقاش فاصل بيننا وبين بحر الدم غير تكّـة أمان الطبنجة.

“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى