الفصل الثالث: النخب
كانت الشمس تغرب، تلون السماء بخطوط برتقالية حمراء، عندما وصلنا إلى مكان عشاء البروفة.
مطعم فاخر على الماء، استأجرته العائلة كلها فقط لتُبهر أهل دانييل.
أجرة المكان وحدها فوق طاقتهم، وبراندون لم يتوقف عن الشكوى لشهور، لكن «المظاهر أهم من كل شيء» عندهم.
كل طاولة عليها كؤوس شامبانيا جاهزة.
كل كرسي عليه بطاقة اسم مزخرفة.
وكل شخص في القاعة… لديه رأي مسبق عني.
لكن هذه المرة، لم يكن أحد يضحك.
لم يترك ناثانيال يدي.
ما إن دخلنا حتى سكتت الأحاديث فجأة.
رأيت أفواهًا تفتح، عيونًا تتّسع، أيادي تدفع أصحابها ليهمسوا في آذانهم.
فكّ ابنة خالتي شارلوت كاد يلامس الطبق.
دانييل رمشت نحونا وكأننا تنكّرنا في زيّ هالووين.
كان براندون واقفًا عند الطاولة الرئيسية بكأس سكوتش في يده.
عندما رآنا، شدّ وجهه في تعبير مزيج من الحيرة والانزعاج.
لم يتعرّف على ناثانيال فورًا… حتى مال أحد الإشبين – يعمل في مجال المال – وهمس له بسرعة في أذنه.
عندها تغيّر وجهه فورًا… إلى خوف.
سمعت شخصًا وراءنا يهمس: «مو هذا…؟»
سحب ناثانيال كرسياً لي، وجلس بجانبي وكأن المكان ملكه.
وبصراحة؟ ما استبعد أنه فكر فعلًا في شراء المطعم في الطريق.
أمي لم تقل كلمة واحدة منذ مشهد الباب.
دخلت بعدنا بخمس دقائق، وجهها أحمر من التوتر. جلست بعيدًا مع عمّتي كارول، ولم ترفع عينيها نحونا.
الجو كان مشحونًا… متوترًا…
لكنه بالنسبة لي كان جميلًا.
عندما بدأ الهدوء يعود، صرخ الميكروفون بأزيز مزعج.
وقف براندون عند رأس القاعة، يبتسم بتوتر ويطرق على الميكروفون:
«أوكي يا جماعة، خلونا نبدأ. أولًا، شكرًا لحضوركم. بكرة يوم كبير، بس الليلة… لضحك، الحب، والعائلة.»
رأيت عينيه تلمحان نحوي لثانية، ابتسامته تهتز… القسـ,ـوة المعتادة تحاول أن تطفو.
«وبما إننا كلنا مجتمعين،» تابع وقد شجعه الكحول،
«ليش ما نبدأ بقصة صغيرة عن أختي الرائعة، هانا؟»
توتر جسد ناثانيال بجانبي، كما لو أنه يستعد لشيء.
رفع براندون كأسه:
«هانا… البنت اللي تعثّرت في رباط حذائها يوم تخرجي من المتوسطة وطيحت طاولة الكيكة كلها. تذكرين يا هانا؟»
ضحكات مترددة انتشرت في القاعة.
لم أتكلم. اكتفيت بالنظر إليه.
ظنّ الصمت خجلًا، فزاد:
«لا تقلقي يا أختي، ما نتوقع منك تسوين حركة مثل ذيك مرة ثانية. مع إن صراحة، لبسك اليوم الصباح كان جريء… ستايل يأس مودرن.»
ضحكة خفيفة، متوترة، سرت عبر القاعة.
هذا نمطهم: يسخرون منّي… يشعرون بتحسن تجاه أنفسهم.
عندها… وقف ناثانيال.
لم يلوّح بيده، لم يضـ,ـرب الطاولة.
فقط وقف.
فسكتت القاعة في الحال.
قال بصوت ثابت، وصل لكل زاوية دون حاجة للميكروفون:
«في الحقيقة… إذا في أحد يستحق نخب الليلة… فهي هانا.»
ارتبك براندون: «ها…؟»
حوّل ناثانيال نظره إليّ للحظة بنظرة دافئة، ثم عاد إلى الحضور:
«إلى هانا… اللي وقفت قوية وهي تُسخر أمام الجميع.
اللي رفعت رأسها لما حاولت عائلتها نفسها إذلالها.
واللي، رغم كل شيء، عندها من الرقي في فستان واحد ممزق… أكثر مما عند بعض الناس في كل بدلاتهم الغالية.»
شرقت عمّتي كارول بشرابها، وسعلت بقوة.
رفع ناثانيال كأسه:
«إلى زوجتي.
وإلى أن تعرف إنسان قيمته… حتى لو أقرب الناس نسيوا.»
اصطدم كأسه بكأسي بصوت واضح كجرس.
الصمت الذي تبِع ذلك… كان أعلى من أي تصفيق.
سمعت براندون يتمتم، بصوت مسموع للطاولات الأمامية:
«لحظة… زوجتك؟»
أحدهم شهق.
أسقطت أمي شوكتها على الطبق بصوت حاد.
نظر ناثانيال حوله وقال بهدوء أشد، لكن أكثر حدّة:
«نعم. أنا زوج هانا. كنت أفضّل أتعرف عليكم بطريقة محترمة قبل بكرة… بس يبدو إني تعرفت بالفعل.»
جلس بكل بساطة. أخذ رشفة من الماء، وكأن شيئًا لم يحدث.
أما براندون فبقي واقفًا والكلام اختفى من فمه.
وفتاة أحلامه تشد على كمّه، تهمس غاضبة.
وأمي… كانت تبدو وكأنها تنكمش في مكانها.
وأنا؟
ابتسمت، وارتشفت من الشامبانيا بهدوء.
لأنهم… حتى هذه اللحظة… ما كانوا يعرفون ماذا ينتظرهم غدًا.
لكنهم سيعرفون.
—
الفصل الرابع: الأزرق الياقوتي
صباح الزفاف بدأ… بفوضى.



