الفصل الاول
ضاق به ذرعًا، لم يعد يستطيع التحمل أكثر من ذلك ما زالت كما هي ولن تتغير، تحمل كثيرًا من أجل أولاده لكن كفى، لن يقبل على نفسه بعد الآن أن يظل شيئًا مهمشًا مجرد فيزا بنكية تسحب منه ما تريد ثم تلقي به في أحد الأدراج حتى تحتاجه مرة أخرى، لن يحدث بعد الآن.
اكتفى ظلــ . ــماً من تلك المرأة التي تعيش فقط لأجل ملذاتها
تقف أمامه تنظر إليه بتحدى ظاهر ، وكأنها تعلم علم اليقين أنه سيظل تحت سطو رغباتها كى لا يُحرم من أولاده.
وكانت قسوة نظراته تنذرها بما يجول بخاطره وما ينوى فعله، ولكن شيطانها اعماها فيزداد تحديها أمامه حتى فاجأها بما لم يخطر على بالها
_ انتي طالق.
تردد صداها في أركان المنزل وسط صدمتها التي جعلت عينيها تتسع بذهول، تنظر إليه بعدم استيعاب لما قاله، اختفت نظرة القوة والتحدي التى كانت تعانده بها وتظهر محلها نظرت انكسار استطاعت اخفاءها وخرجت الكلم*ات من بين شفتيها فى تعثر
_ ا…أنت.. انت قولت ايه؟
اشتدت نظراته حدة كالفولاذ وبدا له كل شيء أسود، وصاح بغضــ . ــب هادر:
_ أيوة طالق يا ياسمين طالق وعارف إنها المرة التالتة يعنى الأخيرة ولو مسمحولي أقولها ميت مرة مش هتكفيني بيها، أنا خلاص مبقتش قادر أتحمل عمايلك، كل مرة بتوعديني إنك هتتغيرى وإنك هتكوني أحسن من الأول، بس للأسف بترجعي أحقر من الأول، خلاص اللي بنا انتهى لحد كدة.
ارتمت على المقعد خلفها عندما شعرت بأن الدنيا تلتف من حولها
نظرت إلى أطفالها الذين وقفوا ينظرون إلى المشهد الذى يعاد أمامهم باستمرار عند اللقاء بوالدهم، فأصبح شيئاً عادياً بالنسبه لهم
كأحد أفلام الرسوم المتحركه التى هى ملجأهم الوحيد من ذلك الإهمال الذين يعانوا منه .
أما هو فقد دلف غرفته جاذبًا الحقيبة ليضع ملابسه بها بإهمال يريد أن يخرج من ذلك المنزل الذي كان شاهدًا على غلطة حياته منذ البداية، عندما تمسك بالزواج منها رغم معارضة الجميع له، وها هو الآن يعاني من نتيجة خطأه، لكن من سيعاني أكثر هي وردته التي تحمل لأجلها مرارًا وتكرارًا
يريد أن يأخذهم معه لكنه أيضًا لا يريد أن يحرمهم منها، سينتظر قليلًا حتى تستقر أوضاعه وبعدها يأخذها هي وأخيها حتى لو بالقوة، لن يتركهم لامرأة لا تبالى بأى شئٍ سواها، أغلق حقيبته وهم بحملها لكنه توقف عندما وجد صغيرته تقف عند باب الغرفة تنظر إليه بـ,ـخوف وكأنها على وشك البكاء، أخرج تنهيدة قوية من صد*ره ونظر إليها بحنان بالغ وقال بحب:
_تعالي يا قلبي.
هزت الصغيرة رأسها بالنفي وقالت:
_ أنت خلاص هتمشي ومش هترجع تاني.
أغمض جود عينيه بيأس من حظه العسر الذي أوقعه مع تلك المرأة، فلم يمضي دقائق معدودة حتى تلاعبت بمشاعر ابنتهم، تقدم جود منها وحملها بين يديه وهو ينظر إليها بحنان بالغ قائلاً بحب:
_ قبل أي حاجة أنتِ عارفة إني بحبك انتي وياسو أكتر من الدنيا كلها صح ولا لأ.
هزت الصغيرة رأسها بالإيجاب ليتابع جود:
_خليكي بردوا عارفة ومتأكدة أن مفيش حاجة في الدنيا كلها هتمنعني عنكم، بس أنا دلوقت مسافر عشان شغلي وإن شاء الله هرجع قريب وآخدك انتى وياسو ونعيش كلنا مع بعض عند تيته سامية.
تبدلت ملامحها لسعادة بالغة وقالت:
_وماما هتكون معانا؟
حاول جود البحث عن رد لا يحزنها لكنه أراد أن يوضح الأمور أمامها كي لا تندم بعد ذلك فقال:
_لا يا قلبي أنا وماما خلاص أطلقنا ومينفعش نرجع لبعض تاني.
ردت الطفلة ببكاء مزق قلبه:
_بس أنا بحب ماما وعايزة اعيش معاكم انتوا الاتنين.
احتضنها جود بقلب ملتاع عليها وأراد أن يمتص أحزانها التي تؤرقه لكن ليس بيده شيء،
قبل جود رأسها بحب وقال:.
_معلش يا حبيبتي أنا لازم أمشي دلوقت وقريب أوي هرجع ونعيش تاني مع بعض، خلي بالك من ياسو.
قبلها جود مرة أخيرة ثم حمل حقيبته وخرج من الغرفة ليجدها جالسه على المقعد تبكي بانهيار، فابتسم بتهكم وتابع سيره حتى خرج من المنزل وقد ترك قلبه مع طفليه..
*******
استيقظت من نومها بتكاسل على صوت هاتفها
الذي صدح معلنًا عن اتصال هبة أختها كي تعنــ . ــفها كما تفعل كل صباح، فتحت سماعة الهاتف وتركته على المنضده وهي تقول باستياء:
_ على متخلصي الموشح بتاع كل يوم الصبح هكون دخلت الحمام وغيرت هدومي سلام.
_ هو انتي مفيش فايدة فيكي؟ انتي عارفة الساعة كام دلوقت؟ انتى………..
دلفت حلم المرحاض وتركتها تكمل موشح الصباح كما تطلق عليه ايمان وتخرج بعد قليل لتبدل ملابسها وتأخذ حقيبتها بعد أن وضعت الهاتف بها وخرجت لتجد والدتها قد أنهت تحضير الفطار فقالت:
_ صباح الخير يا ماما.
ردت والدتها بجمود:
_ صباح النور، انتي مش هتخلصي موالك انتي واختك بتاع كل صباح دة؟
زفرت إيمان بضيق وقالت:
_ موالها هي مش أنا.
_ ما أنتي اللي بتتأخري على المحل.
قلبت عينيها بملل وقالت:
_ على فكرة يا ماما المحل ده الوحيد اللي بيفتح بدري، كل المحلات اللي حوالينا بتفتح بعد الظهر وهي مش عايزة تفهم كدة.
_ استغفر الله العظيم، ربنا يهديكم، يالا افطري بسرعة وروحي.
_انتي بتقولى ايه؟ يعنى ايه طلقك؟
قالتها والدة جواد عندما أخبرتها ياسمين بما حدث، وردت عليها ببكاء:
_زي ما بقولك كدة يا طنط، خناقة زي أي خناقة حصلت بنا، فجأة لقيته بيقولي انتي طالق وأنه مبقاش قادر يكمل معايا.
_ استغفر الله العظيم، طيب اقفلي دلوقت وأنا هتكلم معاه.
أغلقت أم جود الهاتف لتتصل بابنها الذي فور اتصالها علم أنها أُخبرت بما حدث فقال لها:
_ أهلا يا أمي.
صاحت به والدته:
_ بلا أهلا بلا زفت، تقدر تقولي إيه اللي عملته ده؟ أنت ناسي أنها الطلقة الثالثة يعني مفيش منها رجوع؟
زفر جود بضيق شديد وقال:
_ ماما أرجوكي أنا مش عايز كلام في الموضوع ده اللي حصل ده كان لازم أعمله من زمان، ياسمين هي زي ما هي مش بتتغير، وأنا خلاص مبقتش قادر أتحمل دلعها واستهتارها أكتر من كدة، كل مرة بتغاضى وبسامح عشان خاطر الولاد بس صدقيني أنا وصلت لمرحلة وجودها زي عدمه.
_ يا حبيبي أنا عارفة كل ده بس احنا بنقول لازم تتحمل عشان خاطر ولادك.
_ وأنا فين يا ماما؟ فين مراتي فين احتياجاتي أنا زى الأعزب بالظبط، متجوز بقالي خمس سنين ولو هنحسبها بالأوقات اللي بتقضيها معايا هتلاقيها أربع شهور، مفيش أي إحساس بالمسؤولية أغلب وقتها عند أمها عشان تسيب الولاد معاها وتخرج براحتها، مصاريفها ملهاش حدود كأنها بتنتقم مني، خلاص يا ماما إنسي مستحيل أرجع لها تاني مستحيل.
رق قلب سامية على حال ابنها وما وصل إليه من يأس وقالت
_ لا حول ولا قوة إلا بالله، والله ياابنى أنا عارفة ومقدرة اللي أنت فيه بس بردوا الولاد.
رد بتأكيد
_ الولاد هيتربوا سواء معايا ولا معاها، أنا مقدرش أحرمهم منها ولو عايزة تبعتهم يبقى كتر خيرها.
ردت سامية بحيره
_ مش عارفة أقولك إيه، انا هسيبك دلوقت لما تهدى ولما ترجع إن شاء الله هيبقى لينا كلام تاني.
أغلق جود الهاتف وألقاه بغضــ . ــب على المقعد المجاور وهو يلعن ذلك الحظ الذي أوقعه في شباكها.
ظل طوال الطريق يفكر فيما آلت إليه الأمور، لم يكن ينوي الطلاق وخاصةً أنه فعلها مرتين من قبل وتعد هذه الطلقة الثالثة بمعنى دون رجعة، ماذا سيفعل الآن؟
هو لن يستطيع العيش بعيدًا عن أولاده، وأيضًا لن يستطيع الضغط على نفسه أكثر من ذلك بالبقاء معها، ماذا سيفعل؟ ظل على تلك الحالة حتى وصل إلى وجهته
ركن سيارته أسفل البناية التى سيقطن بها مدة وجوده فى تلك المدينة حتى ينتهى عمله . وهم بفتح الباب ليصطدم فجأة بشيء وآه أنثوية جعلته ينتفض بخـ,ـوف وينظر إلى مصد*ر الصوت ليجد فتاة ساقطة على ركبتيها وتضع يدها على صد*رها بألم، فترجل مسرعًا من السيارة واقترب منها قائلًا بقلق:
_ انتي كويسة؟
رفعت عينيها إليه بألم وأومأت قائلة:
_ آه كويسة.
همت بالنهوض لكن الألم ازداد فقال بخـ,ـوف:
_ طيب اركبي معايا اوديكي المستشفى.
تحملت على نفسها ونهضت قائلة:
_ صدقني أنا كويسة، هي بس خبطة بسيطة مش مستهلة.
_ أنا آسف والله مبصتش في المراية قبل ما أفتح الباب.
