عام

عيسى القائد 2

” أنا هرجـع البيت لو اتأخرت هيعرف ويزعقلي “..
” متمشيش وأنتي في الحالة دي! طيب أنا هاجي معاكي أوصلك وأرجع.. يلا عشان أبقي مطمنـه عليكي “..
لم تمنعهـا حنة فهي علي وشك الإنهيـار إن لم تكن قد فقدت كل حصـون قوتهـا في هذه اللحظـات، مسئوليـة كبيرة تقـع علي عاتقهـا تفقـد معهـا كل أحلامهـا، هي تري أمامها شاشة سوداء كُتب عليها بخط عريض” حياتك “..، في النهاية هي مجرد مراهقة لم تبلغ الثامنة عشر بعـد و تلك التي تُساندهـا مراهقة أصغر منهـا في الخامسة عشر من عمرها…

فقـد تُوفي والدها قبل ولادتهـا و بعد ذلك بعـام تزوجـت والدتها من” مجـدي ” وأنجبت منـه فردوس.. كان يُعطيـهم القليل من الأموال، بالكاد تكفيهـم حتي ملّ منهم حسب قولـه ثم هجـرها ليعـود بعـد سنـوات وتقبلته علي مضض لأجل كلمات المجتمع الفاقد لكل الحواس “ظل رجـل ولا ظل حائط!!” و هو في نيتـه ينوي الإستفادة من صبيـة في بدايـة شبابهـا بأحقر الطرق…
عودة للحـاضر، كانت تتصبب عرقا برغم ان الطقس لم يكن حـارا، بل بدأت برودة الشتاء وأخيرا التسلل بين نسمات الصيف الحـارة وإنعاش قلوبنا وأجسادنا…

تحركت تأخذ كوبا من المـاء تحـاول الهروب من ذكرياتها و لكن ذكري أخري تسللت لعقلهـا من جديد..
” أبويا مات يا خرابة البيـوت، مـات من بوزك يا فقـر أنتي وأهلك الطماعين “..
قالت ببكاء:
” أنا والله ما كنت عاوزة اتجـوزه حتي، انا مليش ذنب، مليش ذنب “…
قال كـارم بضيق:
” غـوري من هنـا، مش عاوز امي لما ترجع من الأقصر تشوف خلقتك، لو شافتك هتخلص عليكي، مش عاوز اشوف خلقتك تاني خالص”..
قالت ببكـاء:
” أنا عاوزة ورقة الجـواز، بالله عليك عاوزاها اثبت اني كنت متجـوزة “..

” هو دا اللي فارق معاكي طبعا، عاوزة تثبتي انك مراته عشان تورثيه، يا شيخه عيب عليكي دا لسه متدفنش، هعايب علي عيـلة!! “..
” لا والله مش عاوزة حاجة.. بس، أنا حامـل “…
” شايفاني بقي قدامك بريـل علشان اصدق الفيلم الحمضان دا، غـوري من هنا بدل ما أقسم بالله أخلص عليكي وأدفنك قبل منه! “…

تحـركت حنـة للخـارج وظل تسيـر في طريق بلا نهايـة حتي اصبحت في شارع حـي ليصطدم بها المـاره وهي لا حـول لها، شـاردة وأمامها غمامـه تمنع عنها الرؤيـة و سائل دافئ يسيـل علي قدمها و تذكرت صوت ارتطامها بالأرض و تجمع المارة حـولها وصرخة سيدة لا تعرفها…
” يلهوي دي بتسقط!! “..
تألمت حنـة فعادت للواقع لتجـد نفسها قد جُر’حت بسك.ين تمسكـه بين يديهـا، نظر خالد لها بتعجب ثم رأي الجـر’ح..
” اي دا اي اللي حصل، ارفعي ايديكي لفـوق علي ما أجيب حاجه نربطها “…

رفعت يدهـا حتي عاد لهـا يربط لها جرحهـا ويضغطه حتي يتوقف نزيفـه ليسألها بتعجب:
” معقـوله سرحانة لدرجـة تعوري نفسك!! “..
” أنا أصلا مخدتش بالك اني ماسكـة السك.ينـة، مش فاهمه اي اللي حصل “…
” حصل خير، ابقي خدي بالك “..
……………………………………………………….
” يـلا، دوسي بنزين زي ما علمتك بالظبط “..
قالت بحماس:
” متقلقش هشرفك “..

ضحك منتصـر بسخـرية وهو يقف خـارج السيـارة يُملي عليها تعليماته و منذ دقـائق كان قد قيـد ذلك الشاب الملقي أرضا خلف السيارة من يده بحبـل طويل أحكم ربطه علي حقيبة السيـارة الخلفيـة، وبمجرد أن تتحرك فردوس ستسحـبه خلفهـا، أو ربما تُخطئ وتعـود للخلف!!
وكانت هي اكثـر من متحمـسة للفكـره..
فتح منتصـر السيـارة يجـلس جوارها يُملي عليها تعليمـاته فتحركت ببطئ للأمام يحتك جسد الشاب بالأرض و مع زيادة سرعتها صـرخ بهم الشاب بالتوقف…
” هقول كل حاجه يا باشا بس كفاية بالله عليك كفاية “..

ابتسم منتصـر بخبث ثم تحـرك لخارج السيـارة و هي خلفـه تنظر للشاب بإنتصـار و كأنها أحبت ما فعلت وزاد حماسها أكثـر عندما رأت خضوعه بعد تعذيبها له..
جلس منتصر أمامه يسأله بجدية:
” مين اللي باعتك!! “..
” م.. مجدي باشا هو اللي باعتني “..
سألت فردوس بتعجب:
” مجـدي مين؟! أنا معرفش غير مجـدي واحد، ان شاء الله ميكونش هو!! “..
قال الشاب بخوف:
” هو، أبـوكي..

هو اللي كان مخلينا نخطفك أساسا وهو اللي بعت البنت اللي شبهـك علشان يقلب عيسـى باشا في فلوس و كمـان كان عاوز البت التانيه عشان تشتغل معاه “..
” حنة!؟ تشتغل معاه اي!! “..
قال منتصر بسخريـة:
” في شقـة مفروشـه “..
فتحت فرودس عيناها بصدمه تنقل نظرها بين الشاب ومنتصـر و هي تحـاول استيـعاب مدي حقـارة من تخمل اسمـه، أخفت تأثرها وحزنها رغم ذلك وقالت بسخرية:
” وهو فاكر انه هيقدر يقف قدام عيسى و رجـالته “..
اقتـربت تُربت بقـوة في حركة لا إرادية علي كتف منتصر تقول بحده:

” روح قـوله إن أنا وحنـة بقينا في حماية راجـل و هو عيسـى، اللي وراه رجـاله زي ما أنت شايف يودوه ورا الشمس “..
بادلها منتصـر نظرات الثقـة وقال بإحترام لأخت رئيس عمله رغم كل شئ:
” نفذ كـلام الهانم يا روح أمك.. سكتك خضـرا “..
فك منتصـر وثـاقه فركض الشاب بعيدا عنهم قدر المستطـاع حتي أصبح علي الطريق العام، فتلك العمارة السكنية تبتعد قليلا عن المدينة والإزدحـام و تبتعد بمسافـة ما عن البحـر…
تعجب منتصر يسأل بضيق:
” إحنـا مكاننا اتكشف ازاي بالسهولـة دي؟! “..
قـال فيفي بجـهل وهي تأثـرت بالجو الإجر’امي:

” أكيد في بينا خاين يا باشا! “..
نظـر لها منتصـر ولأول مره لا يغضب بل ضحك بسخـرية علي حديثها و تحرك أمامها يقـول بجدية:
” إحنا لازم نغيـر مكاننا، تعـالي ورايا “..

” عندك صفحـه علي التيكتوك، شغـاله بقي!! “..
” لا طبـعا عاملاه برايفت، احنا من عيلـة محافظة حـتي أبويا زي ما أنت شايف كدا حاجة تشرف “..
ضحك منتصـر ولكنه استطـاع بسهـولة سماع حسرتهـا و شعر بألمهـا الذي أخفته خلف ستار الضحك والسخـرية، فأبتسم يقول بهدوء:
” اخت عيسـى القائد مينفعش تكون غير بنت محترمه و متربيه، بس لو اللسان يتقص شويـة!! “..
” يتقص!! ليه شايفني لسـاني طـويل ولا اي!! اما أنك أعمي البصر صحيح “..
” مش معقوله بجد!

“..
تركهـا وتحـرك تجـاه المبني و ظلت هي مكانها تنظـر تجاهه بغيـظ:
” بـارد… بس كاريزما “..
……………………………………….
في المسـاء عـاد عيسـى لمنزله أخيـرا ليجـد زوجتـه تجـلس في الداخل بجـوار والدته يتحدثان فأتجـه لغرفتـه بهـدوء يفتح اللابتوب الخاص بـه ممسكـا بهاتفـه فقد أتته مكالمه ينتظرها من بداية اليوم…
” مفيش حاجه اتبعـتت.. ”
” في خلال ثواني يا قـائد “..
انتـظر عيسـى دقيقـة أخري ثم اقتـرب يُشاهد تسجيـلات الكاميـرا الخاصه بمنزل سليـم…

تمعن بنظره وهو يـري سليـم يقتـرب منها حين نزع عنها تلك الذقن الإصطناعيـة، ظل يُشـاهد التسجيـلات الأقدم حتي أدرك بأنها كانت تخدعه بأنها رجل ربمـا ولكنهـا منذ يوم تقـريبا وهي تخلت عن تلك الثياب الرجالية بعد مناقشة حادة دارت بينهـم، ربما عندما اكتشف الطبيب حقيقتها..
” ايوا سايبها في بيته ليه مش فاهم!! “..
تحـرك عيسـى ذهابا وإيابا بالغرفـة وهو يُفكر بالطريقة التي سُيخبر بهـا خالد عن أمرها ولكنه في النهاية أخرج هاتفه ليتصل بـه…
” إزيك يا خـالد، و حنة أخبارها اي؟! “..

” كويسين الحمد لله، متقلقش بكرا الصبـح هنتحـرك، بس مش بالطيارة هنتيجي بالعربيـة “..
” لا.. تعالوا بالقطر، العربية سهل تتبعهـا “..
” تمام زي ما تشوف “..
” تعـال علي القـاهرة، هبعتلك عنـواني، خلي بالك كويس من حنـة، وراها ناس يا خالد يمكن لو وصلولها معرفش أجيبها تـاني “…
” ناس ميـن!؟! “..
” لما توصل هفهـمك كل حاجه، متقلقش رجـالتي حواليكم لو حصل اي حاجه هتلاقيهـم… ولما تيجي ليك أمانه عندي “..
سألها خالد بلهفه:
” زين!!! لقيتها؟! “..

” وصلت لمكانها، هي هنا في القاهرة بس لسه هروح أجيبها، بكرا هتشوفهـا “..
تهللت أساريـر خالد وعاد قلبه للحياة من جـديد..
” الحمد لله.. الحمد لله، هي كويسه صح؟! جرالها حاجه، كويسه يا عيسـى؟! “..
” قولتلك أنا يدوب وصلتلها يا خـالد بس هي كويسه متقلقش عليهـا، هي دلوقتي في حمايتي لحد ما أنت توصل، خلاص هانت يا صاحبي “..
” أنا مش عارف أشكرك إزاي يا عيسـى، بحمد ربنا علي الصدفه اللي خلتنا أصحاب.. مش هتأخر عليك هتحرك أول ما النهار يطلع، مش هتأخر “..
” ماشي خلي بالك.. سلام “..

أنهي عيسـى المكـالمة وتحرك للخـارج فأصطدم جسده بزمرد التي تراجعـت بصدمه وهي تصرخ:
” حـرامي… حرامي، إلحقـونا “..
” حرامي اي يخربيتك هتلمي علينا النـاس!! إهدي دا أنا!! “…
” بسم الله الرحمن الرحيم، أنت رجعت امتي يا عيسى!!
“لسه واصل، وخـارج عندي مشوار مهم”..
” رايح فيـن!!، جيت في اي وهتمشي في اي دلوقتي مش فاهمه!! “..
” ما قولت عندي مشوار “..
سألته بتعجب:
” في اي يا عيسـى مـالك؟! “..
” مفيش حاجه يا زمـرد قولت مره، عندي شغل مش فايق بس “..

تحـرك للخـارج ونـظرت هي في أثـره بحزن فهو لم يعاملها بتلك الطريقه من قبـل، كان حنونـا متفهمـا لعلاقتهم برغم كل شيئ، أكثـر منها حتـي برغم انه هو من أنقذهـا و لم يكـن مضطـرا أو مجبرا علي ذلك..
هل ملّ الأمر،أو شعـر بالإستياء منهـا لأجل تقبلها البطئ لعلاقتهم!
………………………
“كـانت صامته، علي عكس عادتهـا، ربما حزينـة من أفعـال والدها، أخرج هاتفـه يبحث عن رقم خالد وقد أرسله له عيسـى ثم هاتفـه ليأتيه الرد بعد دقائق..
” ازيك يا خالد، أنا منتصـر “..
” ايوا مهو عيسى بعتلي رقمك و مسجـله عنـدي، اي الأخبار”..

” والله الدنيا مش تمام في واحد هجم الصبح علي الشقـة وكان معاه سلا’ح، بس اتصرفت معاه و غيـرت المكـان اللي احنا فيه.. “..
” دا كدا المفروض تسيبوا بور سعيد خالص “..
” اه، غالبا هنرجع القاهرة أو اي حته تانيـه، المشكلة اننا متراقبين وعيسى بس كان عاوز يبعدهم لغاية ما يعرف مين وراهم و بما إنه عـرف خلاص فأظن هنرجـع، وجـودهم مع عيسـى هيخلي اي حد يفكر مليون مره قبل ما يقربلهم “..
” هو عيسى عرف مين!!! دا منبهني أخد بالي كويس من حنة بالذات! بس أنا مش فاهم اي اللي بيحصل بالظبط “..

” عيسى هيبقي يفهمك علشان أنا مليش أقولك، المهم دلوقتي حنة صاحية؟! عاوزها تكلم اختها “..
” حاضر هشوفهـا “..
تحـرك منتصـر تجـاه غرفـة فردوس يدق بابها وكذلك فعـل خـالد لتخـرج له حنـة تنظر له بتساؤل فقال بهدوء:
” دي أختك.. “..
ابتسمت حنـة بسعـادة واشتيـاق وأخذت الهاتف تضعه علي أذنهـا:
” فيفي!! حبيبتي أنتي كويسـه!! “..
علي الطرف الأخر نظرت فردوس بتعجـب عندما وجدته أمامها يمد يده لها بهاتفـه ولكن صوت حنة الصادر من الهاتف لم يعطيها مجال للأئلة لتصرخ بسعادة:
” حنـة!! “..
” أنتي كويسه؟! جرالك حاجه؟ “..

” أنا كويسه زي الفل، طمنيني أنتي عليكي، اي اللي حصل معاكي انتي بخير “..
” أنا الحمد لله، وحشتيني أوي يا فيفي وحشتيني، كنت مرعوبة عليكي، كنت حاسة اني بم\وت، لولا مساعدة عيسى الله أعلم كان اي اللي هيحصل من تاني “..
أجابتها فردوس بإمتنان:
” أنا مكنتش متوقعه إنه واخد باله مننا كدا بجد، أنتي عارفة ان هو اللي حط قدامي شغل الكافيه اصلا؟! كنت بقولك معجزة، و كمـان طلع عندي اخين غيره!! ”
” ايوا ما أنا عارفه وشوفتهم كمـان ”
“اي دا طيب احكيلي كل حاجه بسرعه”..

” لما نتقابـل نتكلم براحتنا “..
” لا ما إحنا براحتنا اهو ورانا اي يعني، احكيلي “..
نظـر لها منتصـر بضيق فها هي قد استولت علي هاتفه، ان اعطتهـا اختها الفرصـة للحديث فلن تتوقف قبل الصبـاح، ارتمي بجسده علي الأريكـة بمـلل و تركها للثرثرة كما تشاء..
وعلي جانب أخر نظرت حنة بحرج لخالد الذي ابتسم لها يقول بهدوء:
” خدي راحتك، أنا هدخل أنام و اعملي حسابك هنتحرك بعد الفجر علطول “..

تـركهـا خـالد لتبدأ حنة في إخبـارها بكـل ما حـدث و تقاطعهـا فردوس بمزاحها المعتـاد لتعـود الضحكات وأخير لوجـه حنـة ولكن لم تدم تلك السعادة عندما أخبرتها فردوس بأمر والدها و ما ينوي علي فعله بهـا وعن رغبته في أخذها لذلك العمل واستغلالها بهذه الطريقة البشعـة…
لم تُجيبهـا حتي و أنهت المكـالمه و خرجـت لتضع لتُعطـي خالد الهاتف ولكنها لم تجـده فوضعته علي الطـاولة ثم عادت تجاه غرفتها…
انتفضـت بسبب انقطـاع الكهرباء بشكل مفاجئ ليسـود الظلام بالمكـان حولهـا و تسمرت قدماها بالمكـان تنـادي بصوت خافت:
” خـالد!! دكـتور خالد أنت نايم ولا صاحي!! “..

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى