عام

زيف المشاعر بقلم سلوى عليبة

تحدث ساجد بجدية : أكيد ياطنط صفاء وهى لو مش عايزة تروح انا هجيبلها الكتب هنا تذاكر حتى عشان متنساش ولو فيه حاجه هساعدها فيها.
شعرت سارين بالغيرة من مشاعر أخيها التوأم لبسملة .فهى دائما ما تنتابها تلك المشاعر بالغيرة والحقد على بسملة ولكنها سرعان ما تطردها حتى لا تتمادى فى ذلك الشعور . فهى لم ترى من بسملة سوى الخير .وكذلك فهى لا تنكر أن رغم عشق أخيها لبسملة إلا أنه لا يرفض لها طلبا ودائما ما يغدقها بحنيته على الرغم من أنهم توأم حتى بأشكالهم .
حاولت بسملة المضى قدما الا أن تأتى الرياح بما لا تشتهي السفن .فلقد مرض أبيها بشدة وطلب أن يراها حتى لو أن الحديث معها سيرهقه ولكنه يريد أن يراها وبشدة .
تعقمت ودخلت إليه وعيناها لا ترى أمامها من كثرة الدموع. إقتربت منه وأمسكت يديه تقبلها من وسط تلك الأسلاك والأجهزة التى لا تعرف وظيفتها .تحدث بصعوبة وقال: أنا هتكلم ومتقاطعنيش تمام.
أومأت بالموافقة من وسط دموعها . فأكمل وقال:
إنت اللى طلعت بيها من الدنيا .معرفناش نخلف غيرك وحمدنا ربنا ورضينا. أنا عايزك تخلى بالك من نفسك .وكمان ساجد حد محترم وانا هبقى مطمن عليكى معاه.
فتحت عيناها بدهشة فأكمل وقال: ساجد رغم أنه صغير فى السن بس راجل وجه وقالى أنه بيحبك وعايزك فى الحلال وانا شايف انك مياله فأنا وافقت بس قولتله لما تخلص دراسة وتقدر تفتح بيت .أصبح يأخذ نفسه بصعوبة شديدة. فبكت بسملة بشدة وقالت: أرجوك يابابا خلاص متتكلمش. أمسك يدها وقال بحب : يمكن مااقدرش اتكلم تانى سيبينى. أكمل وقال: أنا عملتلك وديعة عشان دراستك وواحده تانيه عشان جهازك .بس اللى عايز أقولهولك إن كرامتك فوق أى حاجة .خليكى متسامحه زى ماانت بس لو حد حاول يقلل منك بلاش تسمحيله حتى لو كان مين .لأن يابنتى التنازل بيبدأ بكلمة وبعدين بيجى الباقى. خليكى فووق زى مانت طول عمرك .بس بأخلاقك ودينك.وخليكى دائما واثقه فى نفسك مادام مبتعمليش غلط . واخر حاجه نفسى فيها انك تحققى حلمى وتكون دكتورة أجمل دكتوره فى الدنيا. عايزهم يقولوا عبد الرحيم عرف يربي. أنا عارف ان مش مقياس تبقى دكتورة عشان يعرفوا انى ربيت. بس ده حلم نفسى فيه من زمان وانا عارف انك تقدر تحققيه.
أمرها بالإقتراب وقال من بين دموعها: خلى بالك من نفسك ومن مامتك .انتوا ملكوش غير بعض .
أجهشت بالبكاء وهى تحتضنه حتى سمعت صوت صفير الأجهزة فصاحت بشدة: لا يابابا عشان خاطرى متسيبنيش بالله عليك .هعمل اللى انت عايزه بس بلاش تسيبنى .
هرولت الممرضة ومعها الطبيب إلى حجرة العناية .سحبتها الممرضة بقوة حتى أخرجتها من الغرفة .
إرتمت بأحضان والدتها وهما يبكيان بانهيار .فلقد عرفت ماحدث لوالدها .
انتهت مراسم العزاء .وكانت بسملة فى عالم آخر .لم يتركها كلا من ساجد وسارين وكذلك والدتهم كانت هى الأخرى بجوار صفاء والدة بسملة. أتى كثير من أصدقائها بالمدرسة فهى محبوبة من الجميع . حتى معلموها حادثوها هاتفيا وعرضوا عليها المساعدة حتى تعبر تلك الأيام الثقيلة .
أثبت ساجد أنه بالفعل رجلا من ظهر رجل .فهو لم يتركهم وكان يلبى طلباتهم مع طلبات والدته .
حاول جاهدا أن يساند بسملة حتى يحفزها على مواصلة حياتها فهو يعلم مدى إرتباطها بأبيها.
تعمقت المشاعر لدى بسملة تجاه ساجد بعد موقفه معها .وكذلك ساجد كان يشعر بمسئولية شديدة تجاه بسملة خاصة بعد ماحدث. أما سارين فكانت تنمو بداخلها مشاعر غيرة قاتله من صديقة عمرها لإعتقادها أنها استحوذت على قلب توأمها ولم يبق لها مكان. ولا تعلم أن حب الأخت شئ وحب الحبيب شئ آخر وهما الاثنان لا يتعارضان أبدا. .

الفصل الثاني …

تمضى الأيام بحلوها ومرها .فوتيرة الأيام ليست بواحدة .فهى تختلف بإختلاف الظروف والأماكن حتى الشخصيات .
قررت بسملة المضي قدمًا حتى تحقق حلم أبيها والذى أصبح مستحوذًا على تفكيرها دون أى شئ آخر . لم تكن تعمل أى شئ غير صلواتها وقراءتها لوردها قبل المذاكرة وذهابها لدروسها وفقط .أصبحت قليلة الكلام كثيرًا.
إحترم ساجد هذا بشدة وترك لها مساحتها لكى تحزن على والدها كما تريد وأيضًا لن يبعد عنها مهما حدث.
جاءت أيام الإمتحانات وكان الجميع يشعر بالإضطراب حتى سارين التى لم تكن تعير أى شئ إهتمامًا.
كانت بسملة تشد على نفسها حتى أنها لم تكن تأخذ قسطا كافيًا من الراحة وكذلك ساجد والذى كان يواصل الليل بالنهار حتى يحقق حلمه.
مضت أيام الإمتحانات وهم يبذلون ما يستطيعونه حتى أتى إمتحان الكيمياء .فرغم صعوبته إلا أن بسملة خرجت وهى مطمئنة نوعًا ما .ولكنها وجدت ساجد على النقيض والذى كان جالسًا منكسًا رأسه بقوة.
ذهبت إليه دون تردد وقالت بلهفة :ما لك يا ساجد فيه إيه ،إيه إللي حصل مالك زعلان كده ليه؟
أجابها ساجد بحزن : مش عارف يا بسملة وأنا فى الإمتحان حسيت إن مخى اتمسح بأستيكة ومفيهوش أى معلومة.
نظرت إليه بإشفاق وقالت: إنت برضه منمتش بقالك كام يوم ياساجد وانا قلتلك إمبارح إنك تريح حتى ساعتين عشان مخك هو كمان يستريح شوية.
تحدث بألم وهو يحاول أن يمنع دموعه من الهبوط: خفت ،خفت يا بسملة ملحقش أراجع ودى مادة مهمة ولو ضمنتها هى والفيزياء يبقى الباقى سهل.
حركت رأسها دليلًا على رفضها وقالت: لا ياساجد غلط كل المواد مهمة ماحنا حتى فى العربي أو الانجليزى ممكن منعرفش نجاوب ومنجبش درجات .بس للأسف انت من كتر خوفك من المادة دى عملت حسابها قووى لدرجة أن هى اللى خانتك .
زفرت بقوة وقالت: قوم ياساجد وسيب كل حاجة ورا ضهرك وفكر فى اللى جاى وان شاء الله مش هتنزل فيها كتير ولا حاجه .انت بس من خوفك بتقول كده .
وقف معها كمسلوب الإرادة وهو ينظر للمدرسة من خلفة وكأن بها حلمه الذى يستشعر بضياعه من بين يديه.
إنتهت فترة الإمتحانات بما فيها ولكن للأسف كان ساجد يشعر بالإحباط وهذا قد أثر عليه فى ما تبقى من مواد رغم محاولات والدته وبسملة ولكنه لم يفق ولم يحاول أن يتدارك الأمر.
يجلس الجميع بعد فترة قليلة بإنتظار النتيجة والتى يضع الجميع يده على قلبه بسببها.
إتصل معلم بسملة للغة الإنجليزية بها وهو يهلل ويخبرها بمجموعها المرتفع والذى أشعره بالفخر. وعندما سألته عن ساجد وسارين فأجابها بحزن: للأسف يا بسملة كلنا اتصدمنا من نتيجة ساجد جاب 85٪ أما سارين فجابت ٧١٪ بس احنا كلنا عارفين سارين الدراسة آخر همها لكن ساجد كان شاطر وكلنا كنا متوسمين له أنه يجيب حتى ٩٨٪ زيك أو أكتر كمان.
زفرت بشدة وفرحتها قد خبت بسبب ساجد وقالت: شكرا يامستر وعلى العموم حصل خير .قدر الله وماشاء فعل.
خرجت لوالدتها والتى نظرت لوجهها ورأت الحزن عليه فتوقعت النتيجة فأخذتها بين أحضانها وقالت بمواساة: ولا يهمك يا حبيبتى انت تعبتى وأنا كنت شايفه ده .فاللى جبتيه أنا راضية بيه مهما كان.
خرجت من أحضانها وهى تبتسم بهدوء وقالت: لا ياست الكل الحمد لله أنا هحقق حلم بابا وهدخل طب.
صاحت صفاء بفرح وهى تقول: بجد يابوسى ،بجد يا حبيبتى هتحققى حلم باباكي .
ضمتها بسملة بفرحة وقالت: أيوه ياماما بجد .الحمد لله
نظرت إليها والدتها وقالت بريبة: أمال مالك زعلانه كده ليه ؟
زفرت بشدة وقالت بضيق: ساجد ياماما مجابش المجموع اللى نفسه فيه .وأكيد دلوقت قاعد محبط وعلى آخره.
شعرت صفاء بها وقالت : نصيبه يابنتى .وكمان ولا تعلمي يمكن اللى حصله ده خير من عند ربنا.
نظرت إليها بسملة بتوجس وقالت : خير إزاى بس ياماما ده كده حلمه ضاع ومش هيعرف يحققه خلاص.
تماما صفاء بيقين وقالت: ياحبيبتى كل قدر ربنا خير. يعنى مثلا مش ممكن كان يجيب المجموعة اللى نفسه فيه ويحصله أى حاجة. أو يمكن لو بقى دكتور ميقدرش برضه يحقق حلمه إن يكون له إسم وقيمة وساعتها يحس بالسخط .
زفرت بسملة بقوة وهى تقول بحيرة: طب أعمل إيه دلوقت أروحلهم ولا أقعد ولا إيه ؟
ربتت صفاء على كتفها وقالت بحنان: روحى ياحبيبتى وخليكى جنبه زى ماكان هو جنبك أيام شدتك .وكمان هو فى مقام خطيبك ولا إيه؟
ذهبت بسملة للشقة المقابلة لهم ودقت الباب على إستحياء .فتحت رباب والدول ساجد وسارين ويبدو على وجهها الحزن والإحباط. دخلت بسملة وهى تطأطأ رأسها وسألتها بتلعثم عن ساجد وسارين . خرجت سارين بتلك اللحظة ونظرت إلى بسملة نظرة لم تفهما أبدا . هل هى غضب أم حزن أم شئ آخر لا تعلمه ولكنها بالأخير ليست نظرة مريحة.
إقتربت بسملة منها وهى تقول بهدوء: مبروك ياسارين .

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى