
-
أنا آسف، بس أنا من حقي أتجوز، ومن حقي يبقى عندي طفل من صلبي.
_ أكيد من حقك، بس من حقي إني أطلق يوم ما تتجوز.
“مش عارفة جبت منين برود الأعصاب ده، بس أعتقد إن كفاية تضحية لغاية كده. طول عمري أنا اللي بضحّي. مش عارفة إزاي يعمل كده! ده أنا خبيت عليه إنه عنده مشكلة تمنع الإنجاب، وقلت له أنا اللي عندي المشكلة، ودلوقتي بيعايرني بحاجة مش عندي.”
- تمام أوي. اليوم اللي هتجوز فيه هطلقك.
_ وليه نستنى؟ تعالى معايا دلوقتي لأقرب مأذون وننهي الموضوع حالًا.
- براحتك.
“وفعلًا تم الطلاق. روحت البيت اللي كان في يوم بيتي، وبدأت ألم هدومي والحاجات بتاعتي، وكل حاجة أنا كنت مشترياها. مش من حق أي حد يستخدم حاجة أهلي تعبوا علشان يجيبوها.
خلصت وطلبت أوبر، وروحت بيتنا القديم، أو بمعنى أصح بيت أهلي. مكنش فيه حد بما إن بابا وماما شغالين. دخلت أوضتي ونمت كأني منمتش من سنة.
صحيت على حركة أمي وهي بتمشي إيديها على شعري. فتحت عيني، لقيتها بتعيط وهي بتبصلي بحسرة. عرفت إن الموضوع وصلهم. قومت بهدوء وطبطبت على إيديها.”
_ بتعيطي ليه يا أمي؟
- زعلانة علشانك يا بنتي. أنا آسفة، أنا اللي غصبتك تتجوزيه. مكنتش أعرف إنه كده.
“عيني دمعت. كنت قفلت الصفحة دي وقلت هبدأ معاه صفحة جديدة. مكنتش بحبه، بس كان مفهم أهلي إنه متعلق بيا، ومقدرتش أرفض طلبهم.
وفي نفس الوقت جرحت أكتر إنسان حبني بجد، حب طفولتي وشبابي. كان بيشتغل ليل نهار علشان يجيب شقة وييجي يتقدم، وكان يستحق إنه يتقبل.
كان صابر على كل الظروف الصعبة اللي بتعدي عليه علشان بس يوصل لي. وبكل أنانية مني اتخطبت، بس كان غصب عني. أمي كانت مريضة بالقلب، وتعبت لما قولت لا، وكان نفسها تفرح بيا.”
_ إنتِ أكبر من إنك تقولي كلمة آسفة. أنا مش زعلانة عليه. ربنا يبعد عننا كل شخص مش مناسب، ومنعرفش الخير فين يا أمي.
- ربنا يديكي على قد صبرك يا بنتي. هقوم أعملك لقمة ترم عضمك.
“بتمر الأيام بملل غير طبيعي، كأني عايشة في دوامة بتلف في نفس المسار، لغاية ما قررت: خلاص، أنا هنزل أدور على شغل.
وبما إني مهندسة ديكور، لقيت شركات كتير متوفرة، وبدأت أقدم في كل الشركات بحيث المتاح أتقبل فيه. وفعلًا بعد أسبوع تم قبولي، طبعًا تحت الاختبار، يعني في أي وقت ممكن ما أكملش.”
أول يوم شغل
“النهارده أول يوم. صحيت بحماس غير طبيعي، بس في نفس الوقت كان قلبي بيدق جامد، مش عارفة من التوتر ولا إيه.
لبست بنطلون قماش واسع أسود وشميز أبيض، وكأني سيدة أعمال وكده. نزلت وروحت المكان، وبجد الشركة كانت حاجة كده واو.
دخلت استلمت الشغل، واليوم مر بشكل سلس وجميل، لحد ما مدير القسم اللي شغالة فيه طلبني.”
“وقفت على باب مكتبه وأنا قلبي بيدق جامد. خبطت، وبعد كده فتحت الباب ببطء وهدوء. كان واقف ومديني ضهره.”
_ السلام عليكم… حضرتك طلبتني يا بشمهندس؟
- وعليكم السلام… حياة.
_ سيف؟!
- بشمهندس سيف لو سمحتي. وحضرتي هنا المدير. السؤال هنا: إنتِ بتعملي هنا إيه؟
_ أنا… أنا بشتغل هنا. سيف، أنا بجد آسفة على اللي…
قاطعها بصوت حازم:
- مش قولت بشمهندس؟ وياريت من غير ما تنطقي اسمي كمان.
“ابتسمت بحزن وسكت خالص.
ابتدى يقول الكومنت بتاعه على شغلي، واللي استغربته إن الشغل عجبه. ومدخلش حياته الشخصية في الشغل، ونقد شغلي زي ما كل الناس بتعمل.
بعد ما خلص، انسحبت ببطء من مكتبه، وأنا مقررة إني هقدم استقالتي وههرب.
لأول مرة في حياتي اختار الهرب مش المواجهة. كنت حاسة إني مش أنا، بقيت إنسانة ضعيفة وغير قادرة على إنها تواجه أخطاءها.
وفعلًا قدمت استقالتي وروحت بيتي. قفلت موبايلي بحيث لو الاستقالة متقبلتش محدش يرن عليا.
انعزلت في أوضتي وقررت إني أدور على شغل تاني. مش هوقف حياتي سواء على طليقي أو على سيف اللي المفروض إنه ماضي واتقفل وراح لحاله.
بس للأسف ملقتش شغل مناسب، فقررت أعمل الحاجة اللي طول عمري بحبها.
هرسم وأبيع لوحاتي.”
“عدّى شهر ونجحت نجاح باهر. لوحاتي بقت مشهورة جدًا والطلب زاد، لدرجة إني خلاص قربت أفتح معرض، بس ناقص شوية حاجات.
طليقي رجع ندمان وعايز يرجعلي، بس خلاص الندم مبقاش ينفع. مفيش أي خبر جالي من الشركة ولا عبروني أصلًا. يلا حصل خير.”
_ ماما، أنا نازلة.
- لا، تعالى ساعديني علشان في ضيوف جايين النهارده.
_ ضيوف مين يا ماما؟
- ملكيش دعوة، تعالى.
“بدأت ماما تجهز كمية أكل تكفي قبيلة بحالها.
بعدها دخلت لبست شوية، والباب خبط. ماما راحت فتحت، وأنا دخلت أوضتي.
بعد دقائق ماما نادت، واستغربت لما لقيت…”
_ بشمهندس؟ هو حضرتك بتعمل هنا إيه؟
- احمم… إيه يا حياة؟ عيب كده. معلش يا سيف يا بني، إنت عارف هي عفوية.
_ أنا آسفة معلش يا بابا، بس هو في إيه؟
- طيب يا حياة اقعدي.
“بصيت له باستغراب.”
- أستاذ سيف جه من شهر وطلب إيدك، بس أنا قولتله يستنى لما عدتك تخلص.
_ نعم؟! طلب إيدي إزاي يعني؟ وبعدين يا بابا؟
- اسكتي يا حياة واقعدي، اتكلمي معاه وبعد كده نشوف الموضوع ده.
“بابا سابنا وطلع.”
- احمم… أنا آسف. آخر مرة المقابلة مكنتش لطيفة، بس راعي اللي حصل. إنتِ كسرتي قلبي يا حياة، بس أنا متفهم إن اللي حصل كان غصب عنك.
“سكت لحظة وكمل.”
- لما سألت عليكي بعدها وعرفت إنك استقلتي، زعلت. وطلبت الـCV بتاعك. ولما عرفت إنك اتطلقتي فرحت، حسيت إن روحي رجعتلي. أنا لسه بحبك وشاريكي.
_ تقدر تحدد معاد مع بابا؟
- معاد؟ معاد إيه؟
_ معاد كتب الكتاب مثلًا.
تم بحمد الله.


