
ليلى فاقت وفتحت عينيها ببطء.
نور الأوضة الأبيض دخل في عينيها، وسمعت صوت الجهاز جنبها.
لقت سليم قاعد على الكرسي وماسك إيديها، ووشه مرهق وعينيه مليانة خوف وقلق.
أول ما شافها صحيت، قام بسرعة وقرب منها:
“ليلى.. إنتِ كويسة؟ حاسة بإيه دلوقتي؟”
ليلى بصت له، وافتكرت الفيلا وسما ووالدته والكلام اللي سمعته، ودموعها نزلت من غير ما تتكلم.
قعدت على السرير بالعافية، وشالت إيديها من إيده وقالت بصوت متعب:
“هو كريم فين؟ كريم فين دلوقتي؟”
رد سليم بهدوء:
“كريم في الفيلا.. متقلقيش عليه.. مع تولين وبيلعب.. كويس والله.”
ليلى هزت راسها ودموعها نازلة:
“أنا عايزة كريم عشان نروح بيتنا.. عايزة أروح بيتنا أنا وأخويا.. مش عايزة أقعد هنا.”
سليم رد بهدوء:
“لما تحسي إنك كويسة هنرجع البيت مع بعض.. متقلقيش عليه.. ارتاحي بس دلوقتي.”
ليلى قالت بنبرة حادة، لأول مرة تتكلم مع سليم بالطريقة دي:
“أنا مش هروح بيتك ده تاني.. أنا هاخد أخويا ونرجع شقتنا ونعيش بكرامتنا.. شقتنا الصغيرة بكرامتنا أحسن من الفيلا بتاعتكم.. ولو على فلوس العملية وكل اللي إنت عملته معانا.. أنا هشتغل وأسددلك كل اللي عليا..”
سليم بص لها باستغراب:
“دين إيه اللي عليكي؟ هو في إيه يا ليلى؟ فهميني.. إنتِ حد ضايقك في الفيلا؟ ماما قالتلك حاجة زعلتك؟ قوليلي.”
ردت ليلى وهي بتعيط:
“أنا عايزة أخويا وبس.. من فضلك هاتلي أخويا دلوقتي.”
سليم حاول يهديها وقال:
“اهدي يا ليلى.. أنا وعدتك قبل كده إني مش هفرض عليكي حاجة.. لو مش مرتاحة في الفيلا، ممكن نروح مكان تاني، أو أجهزلك شقة تعيشي فيها إنتِ وكريم.. اللي يريحك هعمله.. بس فهميني إيه اللي حصل؟”
ليلى بصت في عينيه بدموع وقالت:
“اللي حصل كله كان غلط من الأول.. جوازنا كان غلط.. كل حاجة كانت غلط.. لو سمحت يا دكتور، أنا عايزة أخويا ونمشي من هنا.. ولما مشاكلك تتحل، لو عايز تنفصل عني ابعتلي أوراقي.. واعتبر إنك عمرك ما شفتنا.”
سليم اتصدم من كلامها.
هز راسه بحزن وقال:
“حاضر يا ليلى.. حاضر.. أنا هكلم تولين تجيب كريم هنا حالًا.. وهعملك كل اللي إنتِ عايزاه.. اللي يريحك.”
وخرج من الغرفة وهو حزين.
رجع مكتبه واتصل بتولين:
“ألو يا تولين.. هاتي كريم وتعالي المستشفى دلوقتي.. ليلى تعبانة وعايزاه.”
وقعد على المكتب لوحده، وبدأ يفكر في ليلى والحالة اللي وصلت لها.
بعد حوالي نص ساعة، باب مكتبه خبط.
كانت تولين داخلة ومعاها كريم.
كريم أول ما شاف سليم جري عليه.
تولين سألت بقلق:
“في إيه يا سليم؟ ليلى مالها؟”
سليم بص لكريم وابتسم بهدوء عشان ما يخوفش الولد.
كريم سأله:
“هي ليلى فين؟”
سليم ابتسم له وقال:
“ليلى كويسة.. هي بس تعبانة شوية ونايمة جوه.”
ومسك إيد كريم الصغيرة وقعده قدامه على المكتب، وسأله بهدوء:
“قولي يا كريم.. إنت وليلى كنتوا نايمين في أوضتك الصبح؟ ليلى نزلت تحت تعمل إيه؟”
رد كريم ببراءة:
“أيوه كنا نايمين.. أنا وليلى كنا نايمين.. وفي واحدة خبطت علينا جامد وقالت لها تنزل تكلم مامت الدكتور سليم بسرعة.. وليلى قامت بسرعة وقالتلي خليك هنا يا كريم متتحركش.. ونزلت ومطلعتش تاني.. أنا استنيتها كتير.”
سليم بص لتولين بصدمة.
بدأ يفهم إن والدته كانت هي اللي طلبت من ليلى تنزل، لكنه لسه مش عارف إيه اللي حصل بعدها.
تولين بصت له بدهشة:
“ماما كانت عايزة ليلى ليه؟ أنا مش فاهمة حاجة.. هي ليلى كويسة؟”
سليم مردش.
قام ومسك إيد كريم وقال:
“تعالى معايا يا بطل نروح نشوف ليلى.. هي عايزة تشوفك.”
أخد كريم وتولين وراحوا أوضة ليلى.
أول ما فتح الباب، ليلى كانت قاعدة على السرير ووشها شاحب، وبتحاول تلم حاجتها.
أول ما شافت كريم، دموعها نزلت وقامت.
كريم جري عليها وحضنها:
“ليلى.”
ليلى حضنته جامد وقعدت تبكي في حضنه:
“كريم حبيبي.”
تولين قربت منها وقعدت جنبها على السرير ومسكت إيديها:
“مالك يا ليلى؟ إيه اللي حصل؟ إنتِ كويسة؟”
ليلى هزت راسها وهي بتبكي في حضن أخوها ومش عايزة تتكلم.
سليم وقف عند الباب وبص عليهم.
قلبه كان موجوع، وشاف قد إيه ليلى وكريم متعلقين ببعض.
فهم إن ليلى مش هتتكلم قدامه.
قال لتولين بهدوء:
“تولين خليكي معاهم.. أنا شوية وراجع.”
وخرج.
ركب عربيته واتجه للفيلا.
طول الطريق كان بيفكر في اللي حصل، وكان عايز يعرف الحقيقة كاملة.
وصل الفيلا ودخل.
لقى والدته قاعدة في الصالون كأن مفيش حاجة حصلت.
أول ما شافته قامت وقالت:
“ها طمني.. البنت عاملة إيه؟”
سليم بص لها بقلق وغضب مكتوم وقال:
“إنتِ اللي تقوليلي عاملة إيه! إنتِ عملتي فيها إيه يا ماما؟ إنتِ نزلتيها من أوضتها ليه؟ إنتِ قولتيلها إيه خلاها تتعب وتدخل المستشفى؟”
والدته اتفاجئت من كلامه وقالت بارتباك:
“أنا؟ أنا معملتش حاجة.. أنا كنت عايزة أتعرف عليها.. عايزة أتكلم معاها.”
سليم قرب منها وقال:
“تتعرفي عليها ولا تضغطي عليها؟”
والدته سكتت للحظة، وبعدها قالت بعناد:
“أنا قولتلها تساعد الخدم.. فيها إيه يعني؟”
سليم اتصدم:
“تساعد الخدم؟ إنتِ كنتِ عايزة تشغلي مراتي هنا؟”
والدته ردت:
“في إيه يا سليم؟ ما هي كانت بتشتغل في المستشفى.. إيه الغريب إنها تساعد هنا؟”
سليم قال بحدة:
“إنتِ نسيتي إنها مراتي؟ نسيتي إنها شايلة اسمي؟ دي مرات ابنك وليها احترامها.”
والدته قالت:
“أنا بعمل كده عشان مصلحتك.. البنت دي مش من مستوانا، وكان لازم أبعدها عن حياتك قبل ما تتعلق بيها أكتر.”
سليم بص لها بحزن:
“تبعديها عن حياتي؟ إنتِ عارفة إن ليلى تعبت بسبب اللي حصل؟ أنا عمري ما هنسى اللي حصل لها.”
والدته بصت له بصدمة:
“مين البنت دي عشان تتكلم معايا بالطريقة دي عشانها؟ فوق يا سليم.”
سليم سكت شوية، وبعدين قال بثبات:
“أنا فعلًا فوقت يا ماما.. من النهاردة ليلى وكريم مش هيقعدوا هنا تاني. وأنا كمان مش هعيش في مكان مراتي ما لقتش فيه احترام. ومش هرجع هنا غير لما تعرفي إن ليلى دي مراتي وليها مكانتها في أي مكان تدخله.”
والدته قالت بصدمة:
“معقول هتسيب بيت أهلك عشانها؟”
سليم رد بثقة:
“أيوه، هسيب بيت أهلي عشان كرامة مراتي.. ليلى أمانة في رقبتي، وأنا مش هسمح لحد يقلل منها تاني، حتى لو كنتِ إنتِ يا أمي.”
وسابها ومشي.
ركب عربيته ورجع للمستشفى، وهو مقرر إنه يبدأ حياة جديدة مع ليلى وكريم بعيد عن أي ضغط ممكن يفرق بينهم.
حكاية سليم وليلى للكاتبة ملك إبراهيم
وصل سليم المستشفى وهو قلقان وخايف ليلى تكون تعبت تاني.
طلع لأوضتها بسرعة وفتح الباب، لكنه لقاها فاضية.
السرير فاضي، والأجهزة متشالة، والملاية مكرمشة.
اتخض.
الممرضة هناء قربت منه وهي شايلة ملف وقالت:
“ليلى صممت تاخد أخوها وتمشي يا دكتور سليم.. قالت إنها عايزة تروح بيتها. الآنسة تولين حاولت تكلم حضرتك وتليفونك مش بيرد، وراحت توصل ليلى وكريم بعربيتها عشان متسيبهاش لوحدها وهي تعبانة.”
سليم مسك تليفونه بسرعة، ولقى رسالة من تولين:
“سليم.. ليلى حالتها متعبة جدًا ومصممة ترجع بيتها هي وأخوها. أنا هوصلها البيت وهقعد معاها شوية لحد ما تهدى، وبعدها هكلمك.. متقلقش عليها، هي معايا.”
دخل سليم مكتبه وقفل الباب وقعد على الكرسي.
كان حاسس إن حياته اتلخبطت ومش عارف يصلح الأمور إزاي.
واضح إن ليلى اتأثرت جدًا باللي حصل، ومحتاجة وقت عشان تهدى وتقدر تتكلم.
بعد أسبوع..
ليلى كانت قاعدة في شقتها البسيطة القديمة هي وكريم.
الشقة كانت قديمة والحيطان محتاجة تجديد، لكنها كانت حاسة فيها بالأمان أكتر من الفيلا.
كانت بتحاول ترجع لحياتها القديمة، لكن كل حاجة كانت بتفكرها بسليم.
صوته لسه في ودانها، ووجوده كان شاغل تفكيرها ليل ونهار.
خصوصًا بعد ما تولين جت لها تاني يوم وحكت لها إن سليم ساب الفيلا بعد ما عرف اللي والدته عملته، وإنه راح يقعد في فيلته التانية، وكان عايز يتكلم معاها.
لكن ليلى كانت رافضة تقابله.
كانت حاسة إن وجودها لخبط حياته وخلاه يبعد عن أهله، وكانت حاسة بالذنب.
في إحدى الليالي، كريم سخن فجأة، وحرارته وصلت لـ39 درجة.
ليلى اتخضت ومش عارفة تعمل إيه.
كلمت هناء الممرضة وهي بتعيط:
“الحقيني يا أبلة هناء.. كريم سخن أوي.”
هناء كلمت دكتور عادل اللي كان بيتابع حالة كريم في المستشفى.
وبعد حوالي ساعة، ليلى سمعت خبط على الباب.
فتحت، ولقت هناء ومعاها دكتور عادل جاي بنفسه يكشف على كريم وشايل شنطته.
دكتور عادل كشف على كريم واطمن إن السخونية بسيطة ومش مرتبطة بالعملية، وكتب له دواء مناسب لخفض الحرارة.
هناء أخدت ليلى على جنب في المطبخ وقالت لها:
“أنا أول ما كلمت دكتور عادل وقولتله إن كريم تعبان، صمم ييجي بنفسه معايا يكشف عليه.. مرضيش يبعت حد.”
ليلى اتكسفت جدًا، خصوصًا إنها مش معاها فلوس الكشف.
بعد ما خلص الكشف، قعدوا في صالة الشقة البسيطة.
ليلى شكرت دكتور عادل:
“شكرًا يا دكتور عادل.. حضرتك تعبت نفسك وجيت لحد هنا.. شكرًا بجد.”
رد دكتور عادل بابتسامة:
“ولا تعب ولا حاجة.. ده واجبي.. وإنتِ متعرفيش كريم غالي عليا قد إيه.”
وبعد لحظة، سألها:
“أنا سمعت إن إنتِ والدكتور سليم.. يعني.. انفصلتوا؟”
ليلى ردت بسرعة:
“كل شيء قسمة ونصيب يا دكتور.”
دكتور عادل فهم من كلامها إنها لم تعد مع سليم، وسألها:
“واشتغلتي فين دلوقتي يا ليلى؟”
ردت بحزن:
“لسه.. هبدأ أدور على شغل جديد من أول الأسبوع إن شاء الله.. محتاجة شغل ضروري عشان مصاريف كريم.”
اتكلم دكتور عادل بحماس:
“وليه تدوري على شغل وتتعبي نفسك؟ أنا محتاج سكرتيرة للعيادة الخاصة بتاعتي، تكون شاطرة وأمينة زيك.. إيه رأيك تيجي تشتغلي معايا؟ مواعيدها هتكون مناسبة عشان تقدري تخلي بالك من كريم، وتقدري كمان تجيبيه معاكي العيادة عشان تكوني مطمنة عليه.”
ليلى بصت له بدهشة، وابتسمت لأول مرة من أسبوع:
“بجد يا دكتور ينفع؟ ينفع أجيب كريم معايا؟”
رد بثقة:
“طبعًا ينفع.. وممكن تبدأي من بكرة لو حابة.. ده عنوان العيادة، والمواعيد مكتوبة عندك على الكارت.. هستناكي بكرة.”
ليلى أخدت الكارت وهي فرحانة وحاسة إن ربنا بعت لها فرصة تساعدها هي وأخوها.
أما هناء فكانت قاعدة مش مرتاحة، لأنها كانت عارفة إن دكتور سليم ممكن يتضايق جدًا لو عرف إن ليلى اشتغلت عند دكتور عادل.
رواية الكاتبة ملك إبراهيم
بعد يومين..
ليلى بدأت شغلها في عيادة دكتور عادل.
العيادة كانت صغيرة ومرتبة في عمارة نظيفة.
ليلى كانت لابسة بلوزة بسيطة وقاعدة على مكتب الاستقبال، وبتستقبل المرضى بأدب.
ودكتور عادل كان سعيد إنها اشتغلت معاه، وبدأ يظهر جواه شعور قديم بالمنافسة تجاه سليم من أيام الجامعة، خصوصًا إن سليم كان متفوق عليه وقتها.
بعد كام يوم..
كان في مؤتمر طبي كبير في فندق كبير على النيل، وهيحضره عدد كبير من جراحين القلب في مصر.
وسليم كان من المقرر تكريمه في المؤتمر تقديرًا لمسيرته المهنية.
عادل كان مدعو للمؤتمر، وقرر إنه يصطحب ليلى معاه.
قال لليلى قبل المؤتمر بيوم:
“بصي يا ليلى.. في مؤتمر مهم ولازم أروح ومعايا السكرتيرة بتاعتي عشان تساعدني.”
وبعدها قال بلطف:
“أنا عارف إنك مبتحبيش الأماكن دي، بس بتمنى تيجي معايا عشان أحس بالدعم.. وجودك هيشجعني.”
ليلى وافقت، لأنها كانت شايفة إنه ساعدها وعايزة تدعمه.
سابت كريم عند هناء الممرضة في بيتها، وراحت المؤتمر مع دكتور عادل وهي لابسة فستان بسيط أسود، ومتعرفش إن سليم هيكون هناك.
المكان كان زحمة جدًا، لكنه منظم، وفيه صحافة وعدد كبير من الأطباء والجراحين.
ليلى كانت واقفة جنب دكتور عادل ومتوترة.
وفجأة الباب الكبير اتفتح، والناس سكتت وبصت ناحية الداخل.
شافت سليم وهو داخل بثقة، لابس بدلة أنيقة وقميص أبيض، وشكله مرهق لكن ملامحه كانت ثابتة.
الأنظار والكاميرات اتجهت ناحيته.
ليلى اتجمدت مكانها أول ما شافته.
وسليم رفع عينيه، وعينيه جت في عينيها فجأة وسط كل الناس.
اتصدم لما شافها واقفة جنب عادل.
وقف مكانه، وملامحه اتغيرت من الصدمة للدهشة في لحظة.
بقلمي ملك إبراهيم.. يتبع في الجزء الثاني عشر.

