قصص وروايات

بدلتي من سوق الجمعه

سلوى استغربت جداً لأنه أول مرة يقول لها صباح الخير من غير تريقة، فردت عادي: “الحمد لله”.

فضل كآم يوم يحاول يقرب منها، يجيب لها شاي، يسألها محتاجة حاجة، بس هي كانت بتعامله رسمي جداً ومش مدياله فرصة.

في يوم، محمد كان سهران في الشركة بيخلص شغل متأخر، ونزل يجيب أكل من بره، وهو راجع شاف سلوى طالعة من محل الكشري اللي على أول الشارع لابسة مريلة المطبخ وبتكنس قدام المحل، كانت الساعة حداشر بالليل والدنيا برد.

محمد وقف مصدوم، مكنش متخيل إن السكرتيرة بتاعته بتشتغل في محل كشري بعد الشغل.

رجع الشركة وقعد يفكر، وتاني يوم سأل هنا بطريقة غير مباشرة: “هي سلوى ظروفها إيه؟”، فهنا قالت له إن أمها تعبانة جداً ومحتاجة عملية ومرتب الشركة مش مكفي وأنها شايلة البيت لوحدها.

هنا حكت له كل حاجة من غير ما تعرف إنه شافها في سوق الجمعة وفي محل الكشري.

محمد حس بالذنب أكتر وأكتر، وقرر إنه لازم يساعدها بس من غير ما يجرح كرامتها.

راح لصابر في سوق الجمعة وسأله عن سلوى، صابر قال له: “دي بنت جدعة ومتربية وأمها ست غلبانة، وبتشتري من عندي من وهي صغيرة”.

محمد روح وفضل يفكر طول الليل.

تاني يوم الصبح، طلب من سلوى تدخل مكتبه، وقال لها: “يا سلوى، أنا عايز أعتذر لك عن كل كلمة وحشة قلتها لك عن لبسك، أنا مكنتش أعرف ظروفك، وكنت إنسان مغرور ومش بفكر غير في نفسي، وأتمنى تسامحيني”.

سلوى اتفاجئت ودموعها نزلت غصب عنها، وقالت له: “أنا مش زعلانة منك يا استاذ محمد، أنا متعودة، ولبسي ده أنا فخورة به لأنه من تعبي وشقايا، بدلتي من سوق الجمعة بس ساتراني ومخليني أعرف أقف على رجلي وأصرف على أمي”.

محمد قال لها: “أنا عارف إني شفتك في محل الكشري، وعارف إن أمك كريمة تعبانة، أنا عايز أساعدك، اعتبريه سلف من مرتبك أو مكافأة”.

سلوى وشها احمر من الكسوف وقالت له: “لا، أنا مش عايزة صدقة من حد، أنا بشتغل وبكسب بعرقي، ومش محتاجة شفقة”، وقامت خرجت من المكتب وهي بتعيط.

محمد حس إنه لخبط الدنيا أكتر، فكلم هنا وقال لها: “أعمل إيه؟”، هنا قالت له: “سيبها تهدي، هي كرامتها عزيزة عليها قوي، ومتحاولش تساعدها بطريقة مباشرة”.

محمد فكر في فكرة، عمل إعلان عن جايزة الموظف المثالي في الشركة وقيمتها خمسين ألف جنيه، وخلي اللجنة تختار سلوى عشان هي فعلاً أكتر واحدة بتتعب وتستاهل.

يوم حفلة الشركة، طلع على المسرح وقال: “يا جماعة، إحنا النهاردة بنكرم أكتر موظفة مجتهدة عندنا، سلوى اللي علمتنا كلنا يعني إيه شرف ويعني إيه كرامة، وأن الواحد مش بلبسه الغالي إنما بأخلاقه وتعب”.

سلوى طلعت على المسرح وهي مش مصدقة، استلمت الجايزة ودموعها نازلة، وبصت لمحمد ولقيته بيبصلها باحترام.

بعد الحفلة، سلوى راحت له وقالت له: “أنا عارفة إن أنت اللي عملت موضوع الجايزة ده عشاني، شكراً، بس أنا هاخد الفلوس دي كسلفة وهسددهالك من مرتبي كل شهر”.

محمد ضحك وقال لها: “اللي تشوفيه، بس خليكي عارفة إن بدلتي من سوق الجمعة دي بقت أحلى بدلة شفتها في حياتي عشان لابساها واحدة بميت راجل”.

سلوى ضحكت لأول مرة قدامه من قلبها.

بعدها أمها كريمة عملت العملية ونجحت وبقت تقدر تمشي تاني، وسلوى بطلت شغل الكشري، ومحمد بطل يتريق على حد، وبقا يقرب من سلوى يوم بعد يوم، يفطر معاها ويتكلم معاها، وهي كانت لسه محافظة على كبريائها بس بقت تسمح له يقرب شوية بشوية.

وفي يوم، محمد عزم سلوى وأمها كريمة على الغدا في بيته، وكريمة قالت له: “يا ابني أنا راضية عن بنتي ليوم الدين، شايلاني وشايلة البيت وأنا عاجزة، وربنا هيكرمها عشان تعبها”.

محمد بص لسلوي وقال لها: “أمك ست عظيمة وإنتي طالعة لها، وأنا اتعلمت منك أن الرزق مش بالبدلة الغالية إنما بالستر والرضا”.

وفي يوم المطر كان شديد ومفيش مواصلات، محمد شاف سلوى واقفة تحت المظلة بتستنى وسيلة مواصلات، فوقف بعربيته وقال لها: “تعالي أوصلك”، هي رفضت في الأول بس المطر زاد والبرد كان جامد فاضطرت تركب.

طول الطريق كان ساكت، ولما وصلها قال لها: “شكراً إنك علمتيني أبص للناس بقلبي مش بعيني”.

ومن ساعتها محمد بقا يروح سوق الجمعة مع صابر يقعد معه ويشرب شاي، وبقا إنسان تاني خالص.

وصابر بقا يقول لسلوى: “الواد محمد ده ابن حلال وتغير عشانك يا بنتي”، وسلوى تضحك وتقول: “يا عم صابر متكبرش الموضوع”.

وفي الآخر، محمد طلب إيد سلوى من أمها كريمة، وكريمة وافقت وقالت له: “أنا هديك أغلى حاجة عندي، حافظ عليها”، ومحمد وعدها إنه هيشيلها في عينه طول العمر.

سلوى بصت له بدموع الفرحة وقالت له: “موافقة، بس بشرط تفضل متواضع وتحب الناس كلها زي ما بتحبني، وتنساش أبداً أن القيمة مش في ثمن الهدوم إنما في نظافة القلب والتعب الحلال”.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى