عام

تميم رسلان ايه محمد رفعت 1

ثم سألته بتوجس والضيق من أفعاله يستحوذ بعينيها:_إمشي وريني أوضتها فين خليني أطمن عليها. ابتسم رغمًا عنه على كلماتها فتبعها ليوصلها للداخل. *****في أحد الأسواق الشعبية الخاصة بالفواكه والخضروات تنقلت من بائع لآخر لتستكشف الأسعار أولًا قبل الشراء مثلما قدمت إليها حماتها بالتعليمات المشددة بضرورة الشراء بأسعار منخفضة والحصول على فاكهة من الدرجة الأولى حتى وإن قضت يومها بأكمله بالشراء فلا بأس بذلك من وجهة نظر تلك المرأة البغيضة، أشعة الشمس المتأججة جعلتها تتصبب عرقًا حتى أصبح ريقها جافًا كالصحراء القاحلة، وقفت أمام أحد المحلات الخاصة بالعصائر المنعشة تتطلع لها بلعابٍ يسري لحاجتها الشديدة لارتشاف قطرات المياه الغير متوفرة حاليًا، تفحصت “وجدان” حافظة النقود الصغيرة البالية لتجد أن المال الذي تمتلكه لا يكفي إلا لشراء المستلزمات، أكملت طريقها خوفًا من أن تعنفها حماتها من نقص المال من بضعة الجنيهات التي ستحتسي بها العصير حينما تستجوبها عما فعلت بكل جنيه من المال!

اشترت المطلوب ثم حملت الحقيبة فوق رأسها متوجهة للعودة للمنزل.*****أغلق باب شقته وهبط للأسفل ليتناول طعام الإفطار قبل الذهاب لعمله بالورشة التي عمل بها منذ يومين بعد إلحاح من زوجته بأن يجد عملًا يسد به قوت يومهم ورغم رفضه الشديد لأي عمل كانت تجده له استطاعت أن تقنعه بالعمل مع عمها بالنجارة، طرق “جمال” باب شقة والدته بالطابق السفلي؛

ففتحت له شقيقته التي تكبره بثلاثة أعوام قائلة بتأفف:_ما المفتاح بره لازم ترن يعني؟!أغلق الباب من خلفه ليتابعها للداخل بسخرية من طريقتها بالحديث:_بحركك بدل ما إنتي قاعدة على السرير مابتتحركيش. جلست جوار والدتها مدعية الحزن الشديد لتبدأ اسطوانتها اليومية لقلب الطاولة على تلك المسكينة الغائبة لخدمتهم:_مابتحركش ليه ياخويا أمال مين اللي بينضف لأمك الحتة وبيشوف طلباتها، دا مراتك مابتنزلهاش إلا الظهر تأكل وتطلع، أنا مش عارفة هي ساكتلها ليه؟

انقلبت ملامحه للغضب فتطلع لوالدته التي رسمت الحزن على ملامحها ليردد بنبرة شرسة:_الكلام اللي “هدى” بتقوله صح يا ماما؟! هزت المرأة السمينة رأسها بتأييد على حديث ابنتها الكاذب:_هعمل إيه يا ابني ما أنا بقول يمكن الحمل تعبها ولا حاجة!! رفضت بشكلٍ قاطع ترك فرصة ولو صغيرة لاتماسه العذر إليها؛

فقالت بلهجة عدائية تفوح منها رائحة الكره والحقد تجاه زوجة أخيها:_وهي أول ولا آخر واحدة تحمل، ما أنا قدامك أهو معايا تلات بنات زي الفل ومدّلعتش نص الدلع اللي إنتي مدلعهولها ده، كانت حماتي الله يمسها بالخير بتقومني من الفجر معاها قبل ما تروح الغيط.

لطمتها “ألطاف” برفق حتى تسبك دور الحنان الزائف:_قفلي يابت على السيرة أصل تستقصدك الفترة اللي إنتي قاعداها لما جوزك يرجع من السفر وترجعي بيتك. وصل لدرجة خطيرة من الغضب؛ فنهض عن محله ليتجه للمطبخ المجاور لهم على بعد خطوات صارخًا بعصبية:_وجدان!

!؟؟ أشارت والدته بحنق والخبث يتمكن من وجهها اللئيم:_في السوق من ساعتها ولسه مرجعتش. لم تمرر “هدى” حديثها مرور الكرام فأضافت لتضمن إضرام النيران:_ماهي ما بتصدق تخرج عشان تروح لأمها من غير ما تعرف حد من البيت ولا تستأذن الراجل اللي هي على ذمته.

انقبضت عروق رقبته حينما طعنت رجولته بخبث؛ فجلس ينتظر عودتها ليعنفها بشدة كعادته حينما تأتيه شكوى منها فيأدبها بالضـ,ـرب المـ,ـبرح غير مكترث لحملها ولا لفقدانها أول جنينها بسبب اعتـ,ـدائه بالضّـ,ـرب المبرح عليها.*****سلكت الشارع الرئيسي حاملة الحقيبة على رأسها فانعطفت للشارع المنشود لبيت زوجها، لمحت والدتها تنظف الدرج الخارجي لمنزلها المتهالك فهي تسكن جوارها، انتبهت “آمال” لبنتها وهي تقترب منها حاملة فوق رأسها حقيبة السوق الضخمة؛

فأسرعت لتحمل عنها قائلة بصدمة والحزن يختبىء بلهجتها:_طلعتك السوق برضو، منها لله ألطاف بنت جواهر. التقطت “وجدان” أنفاسها بصعوبة؛ فأستندت على حافة الدرج بتعب ملحوظ، لتفرك بطنها بألم قائلة بلهجة هادئة حتى لا تثير حزن والدتها:_عادي يا ماما أديني بهوي نفسي بدل الخنقة دي.

اعترضت على كلامها بسخط وغضب ملحوظ بحديثها:_تهوي نفسك إيه، الكلام دا بأخر الحمل، إنتي لسه بالأول ولا البعيدة عايزة تسقطك تاني زي ما ابنها عمل قبل كده. نفضت “وجدان” جلبابها الأسود الفضفاض من الغبار، لتحاول تغيير الحديث فيما بينهما فقالت باستغراب:_بتكنسي السلم ليه، أمال فين مريمة؟

موسيقى هادئة تطغى على أجواء مكتبه البسيط المزين ببعض مزهريات الورد الأبيض الذي يعبر عن النقاء والراحة، حتى لون طلاء الحوائط الأبيض كان يمنحك الرؤيا للتخمين بشخصية صاحب هذا المكتب المميز ذو الذوق الرفيع، وبمنتصف هذة الغرفة المصنفة بترتيب دقيق مكتب دائري الشكل يكتسح معظم المساحة، كان يجلس على مقعده شابًا وسيمًا للغاية يتابع عمله بمهارة عالية وتدقيق بكل خط هندسي يرسمه بلوحته الهندسية لتصميم معمار الفيلا التي استلم العمل عليها منذ فترة قصيرة، صدح رنين هاتفه ليقاطعه عما يفعله، فرفعه “معاذ” بيديه وحينما رأى اسمها أعاد إغلاقه مجددًا بعدم رضا بوجود تلك الفتاة الجريئة لجواره، فكم ود أن ينهي خطبته بها من البداية ولكن أمام إصرار والدته المتكرر باختيارها الوثيق بها جعلته ينصاع لرغباتها رغمًا عنه، لذا قبل بتلك العلاقة بشكلٍ مجبر ولكنه غير راضٍ عن ذلك.

طرقات مزعجة تأكد من صاحبها، فوضع القلم من يديه بقوة ليرفع صوته المتعصب من حركات رفيقه الطفولية وكأنه كل صباح يقرع الطبول بمكتبه الهادئ:_إدخل يا سيف وبطل شغل العيال ده على الصبح. فتح الباب ليظهر من خلفه من يخبئ وجهه بالملف الذي يحمله، اقترب من المكتب فجذب المقعد المقابل له ثم جلس ليضع الملف أمام “معاذ” قائلًا بغضب مصطنع:_لا بقولك إيه هتعاملني كده يبقى شوفلك محامي تاني للشركة غيري:وحينما وجده عابس الوجه قال ببسمة ساخرة_واضح كده أن فرحة هانم لحقت تعكنن مودك كالعادة.

لوى فمه بسخطٍ على كلماته وخاصة من ذكره لاسم أكتر شخصية يمقتها:_حاسس إني مش هخلص من الكابوس دا يا سيف. تلاشت بسمته فيبدو أن المزاح ليس مرحبًا به تمامًا بمثل حالته، يشعر بالأسف على حالة صديقه فما فرض عليه ليس بعقاب يومٍ أو شهرٍ بل عقاب سيلاحقه على الدوام، بلل شفتيه بلعابه ليتمكن من قول كلماته المتكررة إليه ولكنه لم يمل عن قولها:_إنت لسه فيها يا معاذ، إنهي الخطوبة دي قبل ما الموضوع يتطور وهيبقى صعب بعد كده تسيبها.

تراجع “معاذ” بمقعده للخلف لينهض عنه متوجهًا للشرفة، فحرر أول أزرار قميصه ليتمكن من التنفس ليزيح الغصة المؤلمة التي تحتل صدره:_إنت أكتر واحد عارف أنه مش هينفع، مقدرش أجازف بمرض والدتي وبالوقت ده. نهض الآخر عن مقعده ليقف على مقربة منه قائلًا بهدوء وبكلماتْ مرتبة:_حاول تتكلم معها وتفهمها أنك محبتش فرحة ولا قادر تشوفهاابتسم بسخرية على بساطة رفيقه فربما عدم تعارفه الكافي على والدته لا يتيح له الفرصة بالتعرف على عنادها:_مش بالبساطة دي، أنا كدا هكون بوجهة نظرها بعاندها ومعتقدش هكون بالغباء الكافي عشان أرجع أبدأ حرب جديدة معها. جذب “سيف” الملف ليقدمه إليه بعصبية:_خلاص مـ,ـوت نفسك مع واحدة مش بطيقها.

ووضع الملف بيديه بغضب بادٍ بعينيه: _واتفضل إمضي الملف ده خليني أخلص شغلي وأمشي. تناوله منه باستغراب وهو يتفحص ساعة يديه _هتمشي بدري كده؟!أجابه بتوضيح وهو يتفحص هاتفه:_رايح زيارة لبيت “تميم”؛ مراته خرجت النهاردة من المستشفى.

انحنى بجسده قليلًا على المكتب جاذبًا القلم ليوقع الأوراق قائلًا باهتمامٍ:_مش دا صاحبك اللي مراته عملت حادث من سنتين؟!أشار له بهدوء فاسترسل الآخر حديثه بذهول:_هو عمل لها العملية ؟! التقط منه الملف، فقال وهو يتفحص توقيعه على الأوراق:_جالي من كام يوم عشان أحضر له أوراق بيع الأرض اللي حيلته عشانها بس محدش يعرف، دي هي فاهمه إنه مادفعش غير تكاليف العملية بس.

تملكه الذهول من حديثه ليعقب بتحذير:_بس كده حرام يا سيف، دي تجارة بالأعضاء!جذب حقيبته السوداء ليرتب ما يخصه بداخلها، ليجيبه بتوضيح:_اللي فهمته إن في ناس بتتبرع بأجزاء من جسمها بعد وفـ,ـاتها لأشخاص تستحق، فالدكتور اللي عمل لها العملية طلب مبلغ كبير من تميم عشان يوصله بالناس اللي تقدر توفرله قرنية متبرع، يعني هو مادفعش للمتبرع نفسه، هو دفع للدكتور.

تطلع له بإعجاب ظهر بلهجة صوته:_واضح إنه بيحبها أوي لدرجة إنه بيبيع الأرض اللي حيلته ويعمل كل ده عشانها. ابتسم” سيف” على تحليله الدقيق عن شخصية “تميم” دون أن يراه، فرفع يديه ليربت به على كتفيه بلهجةٍ غامضة نقلت له رسالة معينة عن ما يختبره:_الحب بيعمل أكتر من كده.

وتركه وتوجه للمغادرة والآخر شاردا بحديثه بقلب ممزق لما يعانيه لأجل عناد والدته بالارتباط بابنة خالته على ثقةٍ تامة بأنها تناسبه!*****جذبت المفتاح من حافظة النقود القماشية لتفتح البوابة الحديدية المتهالكة بعض الشيء، ثم حملت الحقيبة على رأسها من جديد لتكمل طريقها للأعلى، طرقت باب المنزل ببعض الألم الذي يجتاز موضع جنينها من فرط المجهود المبذول، فتحرك تجاه الباب بشعلة غضب تنهش عينيه.

بأن عليها التحمل فلقب المطلقة بئس المصير بالنسبة إليها، لذا عليها التحمل حتى ولو واجهت المـ,ـوت ألف مرة!*****وضعها على الفراش برفقٍ ثم دثرها بالغطاء جيدًا، سعادتها بالعودة للمنزل لا توصف وخاصة بعد غياب دام لأسابيع بعد الجراحة، جلس مقابلها ليمسك بيدها بقوة، وكأنه لا يصدق نفسه بأنها تراه.

.!تقابلت عيناها البنيتان بعينيه التي ترتل عشقها بجنون، طبع قبلة محملة بالاشتياق إليها على جبينها فأغلقت عينيها باستحياء._دعيت ربنا كتير أوي عشان اللحظة اللي ترجعي تشوفيني فيها من تاني. كلمات همس بها “تميم” وهو يحتضنها بجنون، تمسكت به والدموع تسري على وجهها دون توقف،لا تعلم أسعادة به أم حزنا على ما مروا به ولكن بالنهاية صارت بجواره وتراه، فقالت وهي تشدد من احتضانه:_وحشتني أوي يا تميم كنت خايفة العملية تفشل وم.

…وضع يديه أمام شفتيها مقاطعًا إياها من استكمال كلماتها ثم مرر أصابعه على وجهها برفق جعل جسدها يرتجف إشتياقًا له وللمساته، اقترب منها كالمشدوه وهو لا يرى سواها، لا يرى سوى من عشقها بجنون، أزاح حجابها بخفة ليقربها إليه ليغتنم من بحور عشقها بعالمهم السري، المزين درجاته بلؤلؤ عشقهما الخالص.

*****_______******الفصل الثاني حلم غامض!خطوات قصيرة تفصلها عن منزل والدتها، ورغم ذلك كانت تشعر بتثاقل قدميها، وكأنها تخطو بطريقٍ غير محبب إليها، تعلم جيدًا ما ستواجهه بداخل منزلها من كلماتٍ تحفيزيه تقودها للعودة للمرة التي تعدت الرابعة عشر، تكره سماع تلك الكلمات المتكررة بشكلٍ معتاد عن ما سيصيبها كلما بعدت عن منزل زوجها أو صممت على فكرة الطلاق منه،صعدت الدرج الخارجي للمنزل وهي تجر أحلامها المحطمة بزوج ظنت بأنها ستتمكن من تغيير جزء بسيط بشخصيته الضعيفة، فتنتهي آمالها الكبيرة مع كل مرة يرفع بها يديه عليها، تعبت من كثرة التوضيح والشرح لوالدتها بأنها لم تعد تحتمل العيش مع شخص كهذا، طرقت “وجدان” على باب المنزل والدمعات تشق طريقها على وجهها الممتلئ بالكدمات المؤلمة، ثواني مرت عليها كالدهر وهي ترى شريط حياتها معه، فكم فرصة قدمتها وستقدمها له؟

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى