
ملامح معتصم رجعت لبرودها المعتاد. “تمام يا مدام هدى، أنا جاي.” بص لغزل نظرة أخيرة. “شغل بكرة في ميعادك يا مدام غزل.” غزل خرجت من المكتب وهي حاسة إنها تايهة. كلام معتصم لخبطها. غيرة؟ حب؟ وبعدين مين شيرين دي؟ في اليومين اللي بعد كده، غزل كانت بتروح تشوف والدتها، بس كانت بترجع للشركة تاني. كانت بتحاول تفهم معتصم، بس كان عامل زي الكتاب المقفول. كان بيتعامل معاها في الشغل بمنتهى الجدية، وفي نفس الوقت، كانت بتشوف نظراته بتراقبها من بعيد.
في يوم من الأيام، وهي قاعدة في مكتبها، سمعت صوت ضحك عالي جاي من مكتب معتصم. الباب كان مفتوح شوية، شافت معتصم وشيرين، نفس الست اللي كانت منتظراه قبل يومين، واقفين بيتكلموا وبيضحكوا. شيرين دي كانت ست جميلة أوي، لابسة طقم شيك، وباين عليها الثقة بالنفس. غزل حست بحاجة غريبة جواها، حاجة شبه النار اللي بتولع. إيه ده؟ هو بيضحك معاها كده ليه؟ هو مش كان بيغير عليها؟ طب دي مين؟
رجعت غزل لمكتبها، حاسة إن في حاجة بتخنقها. صوت ضحك معتصم وشيرين كان لسه بيرن في ودنها. هو نفس الضحك اللي عمرها ما سمعته منه معاها. ولا مرة، حتى في الأيام اللي فاتت دي اللي حسّت فيها إنه بيحاول يتقرب. كان دايماً جاد، أو هادي، أو حتى فيه نبرة تعاطف، بس عمره ما ضحك الضحك ده. قلبها كان بيتقبض. هي مين دي؟ إيه اللي خلاها تاخد منه الضحكة دي؟ الغيرة كانت بتتحرك جواها لأول مرة بقوة كده، غيرة ملهاش مبرر، بس ملهاش دعوة بالمبررات أصلاً.
فضلت قاعدة على مكتبها، بتحاول تركز في الشغل اللي قدامها، بس كل حرف كان بيتشقلب قدام عينيها. سمعت صوت خطوات بتقرب من مكتبها. رفعت راسها لقت شيرين واقفة قدامها بابتسامة واسعة، ابتسامة واثقة زيها. “أنتي غزل صح؟” قالت شيرين بصوت دافي بس فيه رنة ثقة. “أنا شيرين، مديرة التسويق. سمعت عنك كتير.” غزل قامت وقفت وبصت لها ببرود. “أهلاً. مدام غزل.” قالتها وهي بتشدد على كلمة “مدام”، يمكن عشان توصل لها رسالة أو عشان تتطمن نفسها.
شيرين ابتسمت ابتسامة خفيفة، كأنها فهمت الرسالة أو ما اهتمتش بيها. “مدام هدى قالتلي إن معتصم بيه معتمد عليكي أوي في الشغل. باين عليكي شاطرة.” “ده واجبي.” قالتها غزل بإقتضاب. “أكيد.” قالت شيرين وهي بتكمل ابتسامتها. “المهم، أنا جاية أقولك إن معتصم بيه طلب مني أجهزله ملفات اجتماع بكرة الصبح. فمحتاجة منك مساعدة بسيطة في تجميع بعض الداتا من الأرشيف.” غزل بصت لها بشك. هي سكرتيرة معتصم، وهو لو احتاج حاجة كان هيقولها هي. ليه يقول لشيرين؟ “هو قال لحضرتك ده بنفسه؟” شيرين ضحكت ضحكة رقيقة. “أه طبعاً. إحنا بينا شغل كتير مع بعض. بقالي سنين بشتغل مع معتصم هنا. يعني أنا عارفة كل كبيرة وصغيرة في الشركة.”
كلمة “سنين” دي كانت كفيلة إنها تزود النار اللي جوا غزل. يعني هي قديمة في حياة معتصم. “تمام. هشوف الملفات اللي محتاجاها وأجهزها لحضرتك.” “ميرسي أوي يا غزل. متتأخريش عليا لو سمحتي. معتصم بيه بيحب كل حاجة تكون جاهزة في ميعادها.” قالتها شيرين وهي بتتحرك وترجع لمكتب معتصم تاني، والباب اتسد وراها. حست غزل إنها بتغلي. قامت بسرعة ناحية الأرشيف، قعدت تطلع الملفات وهي بتفكر في كل كلمة قالتها شيرين. “بيني وبين معتصم شغل كتير”، “بقالي سنين بشتغل مع معتصم”. الكلام ده كان بيوجعها بشكل غريب.
بعد شوية، وهي راجعة من الأرشيف وفي إيديها كومة ورق، شافت معتصم وشيرين خارجين من المكتب، بيتكلموا وهما ماشيين ناحية الأسانسير. شيرين كانت بتبص لمعتصم بنظرة كلها إعجاب، وهو كان مبتسم ابتسامة هادية وهو بيسمعلها. “يا أستاذ معتصم!” نادت غزل بصوت عالي شوية. لف معتصم وبص لها، ابتسامته اختفت وبقت ملامحه جادة زي العادة. “في حاجة يا غزل؟” “الملفات اللي مدام شيرين طلبتها.” قالتها وهي بتبص لشيرين بتحدي. شيرين ابتسمت. “أه يا حبيبتي، اديهم لي. معتصم بيه مستعجل.”
“الملفات دي تخص شغل معتصم بيه، أنا هسلمها له بنفسي.” قالتها غزل وهي بتقدم الملفات لمعتصم. معتصم خد الملفات من إيديها وبص في عينيها. “شكراً يا غزل. متشكر أوي على مجهودك. تقدري تروحي دلوقتي.” شيرين ابتسمت ابتسامة خفية كأنها انتصرت في حاجة، ودخلت مع معتصم الأسانسير. غزل رجعت على مكتبها وهي حاسة بغضب الدنيا كله. مش هتسكت على اللي بيحصل ده. لازم تعرف مين شيرين دي. وإيه حكاية الضحكة اللي معتصم مبخلهاش عليها وبيديها لأي حد تاني.
في اليوم التالي، غزل بدأت شغلها بدري عن ميعادها. كانت بتراقب معتصم وشيرين. لاحظت إن شيرين بتدخل وتخرج من مكتبه كتير. وبتكلمه على التليفون وهو بيضحك. كل ده كان بيزود النار جواها. في نص اليوم، معتصم طلبها في مكتبه. دخلت وهي بتحاول تكون طبيعية، بس قلبها كان بيدق بسرعة. “غزل.” قالها معتصم وهو بيشاورلها تقعد. “أنا عايز أتكلم معاكي في موضوع مهم.” غزل قعدت وهي مستعدة لأي حاجة. “خير يا أستاذ معتصم؟” “أنا عارف إنك لسه مش متعودة على الوضع الجديد، وعارف إن في حاجات بتضايقك.” قالها وهو بيثبت عينيه في عينيها. “بس أنا بحاول أعمل اللي في مصلحتك.”
“مصلحتي إيه؟ إني أكون سكرتيرة عندك؟ ولا إني أعيش في بيت أنا مش مرحب بيا فيه؟ ولا إني أشوفك بتضحك مع أي حد في الشركة ومبتضحكش معايا؟” قالتها وهي مش قادرة تتحكم في نفسها. معتصم بص لها بصدمة، وبعدين ابتسم ابتسامة خفيفة. “يبقى أنتي كنتي بتراقبيني.” غزل وشها احمر. “أنا… أنا مش براقب حد. أنا بس بشوف اللي بيحصل حواليا.” قام معتصم وقرب منها، ومد إيده ولمس خدها بحنان. “أنتي بتغيري عليا يا غزل؟” غزل اتصدمت من لمسته ومن سؤاله. “أنا؟ أغير عليك أنت؟ وليه أغير عليك؟ أنت بالنسبة لي… مجرد…”



