
حطت إيديها المتعورة في إيده.
“وديني… وديني أي مكان بعيد عنهم.”
عمار قفل إيده على إيديها وجرها ناحية عربيته اللي كان راكنها بعيد.
وهو بيفتح لها الباب، همس لنفسه: “حقك عليا يا بنت عمتي… حقك عليا هيرجع.”
وركبوا العربية والفجر بيطلع.
سايبين وراهم بيت نيفين هانم اللي خلاص… النار هتقوم فيه أول ما الشمس تطلع.
يتبع…
—
الفصل السادس:
المفتاح لف في الباب. عمار فتحه ودخل الأول وولع النور.
الشقة كانت مقفولة بقالها سنين. ريحة التراب مالية المكان. عفش متغطي بملايات بيضا.
جميلة واقفة على الباب مترددة. خايفة تدخل.
“ادخلي.” قالها عمار بهدوء. “متخافيش.”
دخلت وهي حاضنة جاكيت بدلته عليها. عينيها بتلف في المكان. في هدوء.
عمار شال الملاية من على كنبة: “اقعدي. هترتاحي هنا الليلة دي.”
قعدت على طرف الكنبة زي العصفورة المبلولة. كف إيديها متخربش من الوقعة.
عمار دخل المطبخ، فتح الحنفية بعد ما كحّت من الصدا، وطلع علبة إسعافات أولية من الدرج. جابها وقعد على ترابيزة قصادها.
“وريني إيدك.”
“لا… أنا هعملها.”
“جميلة.” بص لها بصة خلتها تسكت.
مسك إيدها براحة ومسح الخربوش بقطنة وبيتادين. إيديه ثابتة والحنينة فيها واضحة.
جميلة كانت باصة في السقف، بتعض شفتها عشان متحسسوش إنها موجوعة. لأول مرة حد بيداويها. أمها الله يرحمها كانت آخر واحدة تعمل كده.
“خلاص.” لزق البلاستر وقام. “الحمام أول باب على اليمين. في ترينج رياضي بتاعي جديد في الدولاب، لسه بالتيكيت… كنت جايبه ومقاسه صغير عليا. خدي شاور والبسيه. هتلاقي نفسك بني آدمة.”
كلمة “بني آدمة” كسرتها. دموعها نزلت وهي قايمة رايحة الحمام.
“شكراً.” همست من غير ما تبص له.
—
بعد نص ساعة طلعت. لابسة الترينج، واسع عليها شوية، وشعرها مبلول ومتسرح. من غير جلابية الخدم، من غير تراب المطبخ. شكلها… بنت عندها 20 سنة. جميلة فعلاً.
عمار كان عمل شاي وحطه على الترابيزة. شايفها واقفة مترددة.
“تعالي اشربي شاي. مش هكلمك في حاجة النهاردة. نامي وبكرة يحلها ربنا.”
قعدت قصاده. مسكت كوباية الشاي بإيديها الاتنين. الدفا سرى فيها.
سكتوا دقيقة. بس الفضول كان هيقتل عمار.
“جميلة…”
“نعم؟”
“أمي… عملت فيكِ كده ليه؟” ساب الكوباية. “أنا لازم أفهم. أمي قاسية آه، بس مش للدرجة دي. مش مع بنت أختها.”
جميلة بصت في الشاي. الدموع رجعت تاني.
“عشان… عشان بتكره أمي. طول عمرها بتكرهها.”
عمار اتعدل في قعدته: “بتكره خالتي؟ ليه؟”
“عشان أبويا.” رفعت عينيها له. “عشان أبويا، اللي هو خالك، كان هيتجوز أمي الأول.”
الكوباية كانت هتقع من إيد عمار.
“إيه؟”
“أيوه.” هزت راسها. “ماما حكت لي قبل ما تموت. خالك الله يرحمه كان بيحب ماما، وراح خطبها. بس جدي رفض عشان كان فقير وقتها. بعدها بسنة، مدام نيفين هي اللي راحت اتقدمت له. عيلة غنية، وأبوها له اسم. خالك اتجوزها صالونات عشان يرضي أبوه.”
عمار ساند ضهره للكنبة كأنه مضروب على دماغه. عمره ما سمع الحكاية دي.
“وبعدين؟”
“وبعدين خالك قابل ماما صدفة بعد جوازه بسنتين. كان لسه بيحبها. واتجوزوا.” بلعت ريقها. “مدام نيفين عرفت. ومن يومها وهي شايلة من أمي. بتقول إنها خطافة رجالة. لما أبويا مات، ولما ماما بقت لوحدها ومريضة… مدام نيفين قالت دي فرصتها تشفي غليلها. تشفيه فيا أنا.”
الصمت نزل تقيل. عمار قام وقف راح للشباك. فتحه. هوا الفجر دخل. كان حاسس إنه بيتخنق.
“يعني أمي… بتخلص تار قديم. تار من 25 سنة… فيكِ أنتي؟”
“أيوه.” قالتها وهي بتمسح دمعة. “قالت لي أول يوم: أمك خدت مني جوزي، وأنا هاخد منك كرامتك.”
عمار ضرب كف على كف. لف لها وعينه فيها نار وألم.
“وأبويا؟ أبويا كان عارف؟”
“خالك الله يرحمه مات وأنا صغيرة. مظنش كان يعرف حاجة عن اللي بيحصل.”
عمار رجع قعد قصادها. لأول مرة يحس إنه مش عارف أمه. الست اللي ربته.
“جميلة… اسمعيني كويس.” مسك كوباية الشاي الباردة بتاعتها وحطها في إيديها تاني. “أقسم بالله، اللي حصل لك في بيتنا ده، مش هيتكرر تاني. ولا كريم هيقربلك، ولا أمي هتشوف ضفرك.”
“هتعمل إيه؟”
“هاخد حقك. وحق أمك.” عينه كانت بتلمع في الضلمة. “بس أوعديني، متخافيش مني. أنا مش زيهم. أنتي بنت عمتي… يعني لحمي ودمي.”
جميلة بصت له. الخوف اللي كان مالي عينيها من ساعة بدأ يهدى سنة. لأول مرة من أسبوعين… تحس بالأمان.
“هنام فين؟” سألت بصوت واطي.
عمار شاور على أوضة النوم: “دي أوضتي زمان. سريرها نضيف. أنا هفرش على الكنبة هنا. اقفلي عليكِ الباب بالمفتاح. محدش هيخش.”
قامت وهي ماسكة كوباية الشاي. قبل ما تدخل الأوضة وقفت في الطرقة.
“أستاذ عمار؟”
“قولي يا جميلة.”
“هو… هو حضرتك ليه بتعمل معايا كده؟ ممكن تسيبني وتكبر دماغك.”
عمار بص لها. شاف أمه فيها. شاف خالته الله يرحمها. شاف الظلم.
“عشان لو أبويا كان عايش، كان هيقطع رقبة أي حد يفكر يذل بنت أخوه.” قالها بجمود. “وأنا ابن أبويا.”
دخلت الأوضة وقفلت الباب بالمفتاح. سندت ضهرها عليه وانهارت في العياط. بس المرة دي… عياط براحة.
عياط واحدة حست إن ليها ضهر أخيراً.
بره، عمار كان واقف في الصالة الضلمة. طلع موبايله. مفيش ولا رسالة من أمه لسه… معنى كده إن كريم مبلّغش. لسه.
فتح الكونتاكت، ودور على اسم: “نيفين هانم”.
صوباعه كان متردد على زرار الاتصال.
هيواجهها إزاي؟ هيقولها إيه؟
قفل الموبايل ورماه على الكنبة.
الحرب دي مش هتخلص بمكالمة.
الحرب دي عايزة خطة.
بص لباب الأوضة المقفول.
“نامي يا جميلة… نامي من غير خوف النهاردة. من بكرة، كل حاجة هتتغير.”
يتبع…
—
الفصل السابع: المواجهة
الشمس دخلت من شباك الأوضة. جميلة فتحت عينيها ببطء. لأول مرة من شهور تصحى من غير صوت نيفين هانم.
قامت غسلت وشها وطلعت الصالة. عمار كان صاحي، قاعد بفنجان قهوة وملفاته قدامه بس مش مركز. أول ما شافها ابتسم ابتسامة خفيفة.
“صباح الخير. نمتي كويس؟”
هزت راسها: “أيوه… أول مرة من زمان.”
سكتت شوية وبعدين خدت نفس عميق:
“أستاذ عمار… أنا فكرت طول الليل.”
عمار حط الفنجان: “في إيه؟”




