
..سمت ابتسامة خجلى تحمل سعادة الدنيا على شفتي (جمانة) وهي تطأطئ برأسها أرضا وتفرك كفيها الباردتين في توتر عندما أُغلِق باب الغرفة من خلفها بهدوء وسمعت صوته الدافئ الحنون يهمس لها بشوق و حب :
– أخيرا بقيتي معايا .. بقيتي ملكي .. لوحدي وبس .
صرخ قلبها بين ضلوعها كنت دوما ملكك فارسي وليس الآن فقط، أما هي فظلت تتطلع لأرضية الغرفة في خجل ورهبة، أمسك كتفيها برقة وأدارها لتواجهه، رفع وجهها إليه وأصابعه تحيط بذقنها لتسبل أهدابها خجلا، ابتسم لخجلها ورقتها ثم همس ثانية :
– بصي لي يالؤلؤتي .. بتهربي بعيونك ليه ؟
رفعت جفنيها ببطء وخجل لتنظر في عينيه العميقتين وسوادهما الداكن ثم أسبلتهما مرة أخرى، داعبها قائلا :
– تؤ تؤ تؤ كده ما أقدرش .. بجد بصي لي وإلا …… وضحك ضحكة خافتة.
ابتسمت بخجل ونظرت إليه وإلى ابتسامته الرائعة على شفتيه قائلة بصوت خافت لا يكاد يسمع :
– وإلا إيه ..!
همس :
– يعني مش عارفة؟
هزت كتفيها ونفت بدلال :
– تؤ
اتسعت ابتسامته وقال :
– طيب ليه أشرح لك لما ممكن أوريكِ عملي ؟
ابتعدت عن يديه وخفضت رأسها قائلة بوجل :
– توريني ايه بالظبط ؟
ضحك ثانية وقال :
– أوريك باب الدولاب طبعا شكلك نسيتي مكانه .
ثم ضحك مرة أخرى بصوت أعلى، التفتت إليه مبتسمة ووكزته في كتفه هاتفة بنبرة طفولية :
– كده طيب ماشي وريني باب الدولاب .
أمسك كتفه متظاهرا بالألم وغمغم :
– آه ياني .. يعني من أولها بتدبحي لي القطة .. تعالي ياأمي ياحبيبتي شوفي ابنك حبيبك ( حسام ) بيتعمل فيه ايه !
ضحكت وردت :
– لا لا لا خلاص كله إلا ماما وزعل ماما أنا ماعملتش حاجة .. ليه بقى بتتهمنى زور.
ظل ممسكا بكتفه، تساءل بخبث :
– انا باتهمك زور ؟ طيب دي كتفي دي تشهد .. أنا هانزل دلوقتي على أقرب مستشفى وأعمل محضر إثبات حالة .
ضحكت برقة وقالت :
– طيب خلاص معلش بلاش المحضر المرة دي عشان خاطري .. خليها مرة تانية .
ضحك ضحكة مجلجلة ثم قال هامسا وهو يقترب منها :
– يعني خلاص نكنسل المحضر.
أومأت برأسها إيجابا فهمس :
– بس بشرط !
رفعت عينيها بتساؤل فهمس مرة أخرى :
– مفيش مرة تانية .
واستمر في الضحك، ابتسمت وقالت مشاغبة :
– ده بيعتمد عليك بقى لو كنت ولد مطيع وبتسمع الكلام.
فاقترب منها أكثر وأمسك وجهها بين كفيه الدافئتين ونظر في عينيها هامسا بحب :
– أوعدك .. أوعدك .. أوعدك.
أسبلت جفنيها وابتسمت ثم رفعت عينيها إليه ثانية لتبادله همسه :
– بإيه ؟
استمر بنفس النبرة قائلا :
– بإني هافضل أحبك طول عمري وملكك طول عمري وقلبي ليكي طول مافيه نبض وعيوني ماتشوفش غيرك ولا أسمع حتى صوت غيرك ولا أكون إلا ليكي لأني فعلا ومن أول لحظة بقيت ليكي .. ملكك .. خاص بيكي وعشانك وباتنفسك فهماني أنا ملكك ،، وكمان أنت ملكي .. لي .. لوحدي .. مش لحد تاني قبلي ولا بعدي.
أومأت برأسها هامسة في حب :
– لا قبلك ولا بعدك ياعشقي وجنوني وكل لحظات فرحي وكل آمالي وأحلى حلم حلمته واتمنيته.
قبل جبينها هامسا :
– كل ده .. كتير علي أوي.
أمسكت بكفيه اللذان يمسكان بوجهها وضمتهما بيديها ورفعتهما لشفتيها ولثمت كل منهما بقبلة رقيقة ثم رفعت عينيها إليه مرددة :
– حياتي كلها مش كتير عليك .. إنت اللي كتير علي .. فرحتي بيك وبوجودك وقربك كتير علي .. إنت حلمي والواقع اللي خلاني استغنيت عن عالم الأحلام وقررت أعيشه لأنك فيه .. لأنه أجمل من كل أحلامي .. بيك أنت .
صمتت وظلت تتطلع إلى عينيه، صمت هو أيضا يتطلع إليها وكل خلجة من خلجاته تنطق بالحب والعشق وعيناه تلمع بدمعة خفية ثم ضمها إلى صدره ووضع أذنها على قلبه لتستمع لدقاته تحت رأسها تكاد تهتف باسمها، قبل رأسها مرة أخرى قائلا :
– ربنا مايحرمني منك يا أحلى لؤلؤة وهبها لي ربنا .. مش عارف أرد أقول إيه غير إني أدعي ربنا إن دايما يجمعنا ويقربنا منه ومن بعض .
ثم أبعدها برفق مستطردا :
– يلا ورانا صلاة ولا ناسية ؟
ابتسمت وهي ترد :
– لا طبعا ودي حاجة تتنسي .. ربنا يبارك لي في حياتي معاك ياحبيبي هأغير هدومي وأجهز حالا .
داعبها بمشاغبة :
– مش محتاجة مساعدة في الفستان .. سوستة مثلا دبوس طرحة في كمية دبابيس في حجابك مش عارف هتشيليها إزاي .
دفعته خارج الغرفة هاتفة بمرح :
– لا ماتخافش هاقدر أساعد نفسي .
توقف وهي تدفعه ورفض الخروج هاتفا بدوره :
– طيب يابنتي استني وإنت بتطرديني كده هاتي لي حاجة البسها أنا كمان ولا هافضل بالبدلة ؟
تراجعت وقالت :
– طيب اتفضل شوف محتاج إيه وبالسلامة بقى .
ضحك حبيبها ونظر إليها معاندا فبادلته نظرته معاندة هي الأخرى فقال :
– بقى كده ..! مش بأقول ياعيني عليك يا ( حسام ) ياغلبان .
ومط شفتيه في حزن كالأطفال، ضحكت لحركته و همست مداعبة :
– لا لا خلاص يلا ياقطتي خدي اللي محتاجاه واطلعي بره عشان أنا كمان اغير ونصلي .
عاد يضحك وهو يردد :
– قطتي .. ماشي .
ابتسمت وهي تتطلع إليه يحمل ملابسه ويخرج من الغرفة . أغلقت الباب خلفه واستندت إليه بظهرها ضامة يديها إلى صدرها وتنهدت بسعادة متطلعة للأعلى ثم هسمت :
– الحمد لله .. يارب لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك .. أحمدك يارب على النعمة الكبيرة اللي اديتهالي .. يارب ماتحرمنيش منه أبدا .
********
أنهت (جمانة) تغيير ملابسها، لبست قميصا رقيقا مناسبا لرقتها فأظهرها أكثر أنوثة وجمالا ثم ارتدت فوقه الروب الخاص به، تطلعت لنفسها في المرآة راضية عن شكلها .. كانت تعلم أنها جميلة .. ربما ليست فاتنة .. لكن جمالها من النوع المميز الذي يلفت انتباه الآخرين بشكل لطيف كنسمة صيف باردة تداعب خيالك ليس جمالا عاصفا يعصف بكيانك .. لكن تبقى رقتها وعذوبتها تميزها،
رقيقة هي وناعمة بشعرها الكستنائي القصير وعيونها العسلية اللامعة، أهدابها الطويلة وأنفها الدقيق، شفتيها الممتلئتين بشكل جميل وملامحها الطفولية، التفتت لتحمل إسدال صلاتها وترتديه فوق ملابسها ثم توجهت لباب الغرفة، فتحته لتجد (حسام) جالسا على كرسي أمام الباب تفاجأت وتراجعت وهي تتنهد هاتفة :
– حرام عليك ياحسام خضتني .. إنت قاعد كده ليه ؟
ضحك كثيرا، نظرت إليه مغتاظة فحاول كتم ضحكته وقال لها :
– ماشوفتيش منظرك .. أعمل ايه ! بقى لك ساعة جوا فضلت واقف لحد ماتعبت جبت كرسي وقعدت أستنى لؤلؤتي اللي خايفة تطلع لي من محارتها .
تطلعت إليه بغيظ ثم ابتسمت بلطف وهي تغوص في عمق عينيه السوداوين فابتسم هو الآخر ونهض عن الكرسي واقترب منها متسائلا :
– إيه مش هنصلي ؟.. يلا بقى عشان أنا كده كتير علي .
نظرت إليه باستغراب وتساءلت :
– هو إيه اللي كتير ؟
رد عليها بهدوء :
– هأقولك بعد ما نصلي .
ثم ابتسم، فرشت سجادتين وتوجها إلى القبلة يؤمها حبيبها وزوجها، كبر ودخل فالصلاة فتبعته وبدأ بقراءة الفاتحة وماتيسر وهي تستمع له .. لم تكن تعلم أن صوته رائع هكذا في قراءة القرآن بخشوع وتدبر وتجويد .. تلاوته كانت رائعة جعلتها تنصت له وكأنها تسمع الآيات لأول مرة، أنهيا صلاتهما ووضع كفه على جبينها ودعا ( اللهم إني اسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه )، ابتسمت له قائلة :
– ماكنتش أعرف إن صوتك حلو أوي في القراءة كده .
بادلها ابتسامتها وهو يجيب :
– الحمد لله .. أنا درست تجويد مخصوص عشان كنت عاوز أقرأ قرآن صح يمكن ماوصلتش فيه لمرحلة متقدمة بس الحمد لله ولسه باتعلم .
أومأت برأسها وصمتت فابتسم مدركا لخجلها ومخاوفها، سألها مداعبا :
– مش هتقلعي الاسدال بقى وتيجي نتعشى ؟
احمرت وجنتاها بشدة و هي ترد :
– هاتعشى وأنا لابساه أصلي بردانة .
داعبها مغيظا إياها :
– ماتقلقيش لو لقيتي نفسك بردانة هادفيكِ .
ابتسمت بخجل مرة أخرى ولم تتحرك من مكانها فقام واقفا ثم جذبها إليه وربت على وجنتها برفق فطأطأت رأسها وبدأ بفك إسدالها ببطء وأنزله عن كتفيها، ثم ابتسم ابتسامة مشاغبة وقال مداعبا :
– ما إنت محجبة تحته أهو أمال برد إيه اللي بتحكي عليه ؟
ضحكت بخفوت وخجل فرفع وجهها إليه، نظر في عينيها الخجلى وظل صامتا .. طال صمته فأسبلت جفنيها وحاولت إفلات وجهها من بين يديه فلم يتركها ولم يتكلم .. رفعت عينيها إليه مرة أخرى فوجدته مبتسما فابتسمت هي الأخرى ثم همس مقربا شفتيه من أذنيها :
– أنا بأقول مش مهم عشا ولا ايه رأيك يالؤلؤتي ؟
أغمضت عينيها واحمر وجهها خجلا في صمت فهمس ثانية :
– طيب السكوت علامة الرضا .
ثم جذبها بين ذراعيه فاستكانت على صدره وهي تشعر بالطمأنينة والأمان، لتحلق معه في عالم كانت هي أميرته ومليكته .
********
– يارب .. يارب .. يارب .
أمسك (حسام) بيدها وضمها لصدره، مسح جبينها الذي بلله العرق وهو يدعو في سره ويملأه التوتر ثم قال لها :
– معلش يا حبيبتي اجمدي هانت أهي الدكتورة جاية حالا هما بس بيجهزوا
ثم قبل يدها التي يمسك بها، ابتسمت هي في ألم وحب ثم فجأة ارتفعت صرخاتها مرة أخرى .
********
أفاقت ( جمانة ) ببطء، حاولت فتح عينيها لكنها شعرت بثقل في رأسها وجفنيها فحاولت الكلام وكان كل ما صدر منها همهمة خافتة، نهض (حسام) بسرعة من مقعده واقترب منها، تحسس جبهتها برفق وناداها :
– جمانة حبيبتي صحيتي ؟ سامعاني ؟
سمعت صوته فحاولت فتح عينيها مرة أخرى ونجحت هذه المرة، باغتها الضوء فضيقت جفنيها لتراه يحني رأسه فوقها وينظر لها بحب وقلق فتساءلت بصوت خافت :
– أنا الحمد لله كويسة فين البيبي ؟ ماشفتوش ؟
ابتسم ( حسام ) و أجاب :
– أنا عارف، من كتر الانهاك رحت في شبه غيبوبة والدكتورة قالت نسيبك ترتاحي .. ماتقلقيش (ملك) بخير .
ابتسمت ورددت :
– (ملك) ؟!
أومأ برأسه ونظر لها قائلا :
– أيوة .. بس للأسف مش هتلاقي اللي يتجوزها في يوم من الأيام .
فتحت عينيها على اتساعهما وقد باغتها ما قال، شعرت بانقباض في قلبها وهتفت في ضعف :
– ايه ؟ ليه مالها ؟
ابتسم في خبث وهو يرد :
– لا أبدا .. بس بيقولوا نسخة مني .
وانطلق يضحك وهي تنظر له بغيظ ثم لم تلبث أن ابتسمت قائلة :
– دي على كده قمر والعرسان هيقفوا على باب البيت من بكرة
ضحكا سويا ثم أمسك كفها وطبع عليها قبلة حانية، ضمها لصدره وهو ينظر لعينيها بكل حب راسما في عينيها قصة عشق موشومة داخل قلبيهما .
الفصل الثاني
_______
جلست ( جمانة ) في صمت تتأمل سقف حجرتها، تتلألأ دمعة في عينيها، شاردة في عالم ذكريات ماضية لم تمحى من عقلها وقلبها أبدا، سمعت طرقة خفيفة على الباب فأجابت بخفوت وهي تمسح دموعها بكفيها كطفلة صغيرة :
– ادخل !!
دخلت شقيقتها ( لمياء ) بهدوء إلى الغرفة وتطلعت إليها بصمت فابتسمت ( جمانة ) وقالت لها :
– إزيك يالميا فينك من زمان مش بتيجي ليه ؟
ثم توجهت نحوها لتقبل وجنتيها برقة، سحبتها لتجلسها بجوارها على الفراش ثم تساءلت :
– إيه مال الجميل ساكت ليه يعني جاية تشوفيني عشان تفضلي ساكتة ؟
ابتسمت ( لمياء ) بحزن وقالت لها :
– جوجو ليه بتعملي كده ؟
استغربت ( جمانة ) وعادت تسأل :
– بأعمل ايه يالميا ؟
نظرت لها شقيقتها بعمق وهي ترد باستهجان :
– على طول قاعدة لوحدك ياماسكة كتاب يانايمة حتى ( ملك ) معظم وقتها مقضياه مع ماما .. جمانة حرام عليك اللي بتعمليه في نفسك وفي بنتك ده .. هي ذنبها ايه طيب تبعديها عنك كده ؟
دمعت عينا ( جمانة ) مرة أخرى وحاولت النطق لكن لم تخرج منها حروف مرتبة فصمتت وارتفع صوت بكائها، ضمتها شقيقتها لصدرها بسرعة وهي تربت على كتفيها وتمسح على شعرها برفق ثم همست :
– حبيبتي انا مش عاوزة أزعلك والله أنا زعلانة عليك .. إنت إختي ياجوجو أختي الصغيرة حبيبة قلبي .. جايز فرق السن بينا مش كبير للدرجة لكن كافي إني أحس إنك بنتي وإنك مسئولة مني ؟
استمرت ( جمانة ) في البكاء بصمت و إن خفتت حدة بكائها فمسحت ( لمياء ) بكفها على شعرها مرة أخرى وتعوذت من الشيطان، ابتسمت وهي تبعد شقيقتها عن صدرها وتنظر لها ثم تمسح دموعها بأصابعها هامسة :
– جوجو .. تفتكري هو سعيد باللي انت بتعمليه في نفسك وفي بنته دلوقتي ؟ فرحيه طيب .
ارتفعت حدة بكاء ( جمانة ) مرة أخرى وهي تقول بصوت باكي :
– مش قادرة يا لميا .. حاولت كتير ومش قادرة .. كل همسة .. كل نفس .. كل مللي في حياتي بيفكرني بيه .. بيفكرني بحبي له وحبه ليَّ بيفكرني بالسعادة اللي اتحرمت منها فجأة وأنا لسه مالحقتش أحس بيها .. مش قادرة .
ورمت بنفسها فوق وسادتها تبكي بصوت عال وتعانق دموعها الوسادة، أخذت ( لمياء ) نفسا عميقا تحاول به حبس دموعها وجذبت شقيقتها لحضنها مرة أخرى وهي تربت على رأسها برفق وتقرأ بعض آيات القرآن حتى هدأت، بعد دقائق قليلة أبعدت ( جمانة ) نفسها من بين ذراعي شقيقتها ومسحت دموعها بمنديل ثم قالت لها :
– معلش يا لميا عارفة إنك لما بتيجي لي هنا بانكد عليكي .. نفسي فعلا أخرج من اللي أنا فيه بس كل حاجة صعبة تخيلي كل ماتلفي يمين تشوفي ابتسامته .. تروحي شمال تسمعي ضحكته .. تنامي تلاقيه في أحلامك وتتخيلي نفسك في أمان حضنه .. تعبت يا لميا تعبت وملك كمان كل ماابص لها اشوفه .. شفتي شبهه ازاي يا لميا كل تفصيلة في ملامحها نسخة منه .
ابتسمت ( لمياء ) بحزن ثم ردت :
– ايوة كويس انك عارفة انك منكدة علي على طول .
صمتت للحظة تابعت بعدها :
– مش يمكن ربنا عوضك بيها ! هي جزء منه وكمان شبهه .. تعويض عشان تقدري تصبري وتعيشي وتدعي له دايما .. صدقيني ياجمانة إنت ما تعرفيش الخير فين وماتعرفيش لو كنتوا مع بعض دلوقتي كنتوا هتبقوا عاملين إزاي .. ثقي دايما إن ربنا اختار لك الصح واللي فيه خير ليكي لو علمتم الغيب لاخترتم الواقع حبيبتي صح !. يبقى نعيش واقعنا بحلوه وبمره ونتقبل كل لحظاته لأن ده هو الخير وهو قدر ربنا لينا حتى لو تعبنا منه أو كان صعب علينا لكن يفضل هو الخير اتأكدي من ده .
أومأت ( جمانة ) برأسها في صمت وقلبها تغلفه كلمات أختها بحنان ورفق وتتغلغل فيه بهدوء، فابتسمت ( لمياء ) و تساءلت :
-أمال ملوكة فين وحشت خالتو العفريتة دي ؟
ضحكت ( جمانة ) بخفوت وتنهدت مجيبة :
– مع ماما طبعا .. ماما تعبت معايا أوي يا لميا ما تاخديها تقعد عندك كم يوم تغير جو وتريح نفسها وأعصابها شوية .
ابتسمت ( لمياء ) و قالت بخبث :
– تريح اعصابها .. اعترفي عاوزة تعملي مصيبة وعاوزاني اخدها ها !
عادت (جمانة) للضحك ثم تنهدت و ردت :
– أنا مبسوطة أوي أنك جيتي النهاردة يالميا .. بجد كنت محتاجة أشوف حد .
ابتسمت (لمياء) بحنان ثم قالت :
– ياحبيبة قلبي طيب ليه مش بتخرجي أو تكلمي نورا .. على فكرة اتصلت بي أكتر من مرة تسألني عليكي وعلى موبايلك المقفول على طول ده ، نورا أعز أصحابك إن ماكانتش الوحيدة ياجوجو ليه مش بتخرجوا سوا تغيري جو وخدي ملوكة معاكي أهي تلعب مع ابنها شوية .
تنهدت ( جمانة ) وفكرت لثوان ثم اعتدلت في مجلسها قائلة :
– خلاص أنا هأكلمها وأتفق معاها وأشوف .. وحشتني والله كتير جدا بس هأعمل ايه بقى .
احتفظت (لمياء) بابتسامتها وهي تقول :
– خلاص تمام .. كلميها دلوقتي أو النهاردة بالكتير ماتتأخريش لأنها قلقانة عليكي جدا وماتنسيش تاخدي ملوكة بقى ها.
أومأت (جمانة) برأسها موافقة وهي ترد :
– طيب أوك .. بس ماقلتليش إنت جاية النهاردة زيارة عادية ولا الموضوع فيه إن ..؟
اعتدلت (لمياء) مواجهة شقيقتها ثم تكلمت بجدية :
– الحقيقة .. الموضوع فيه إن ولعل وكأن وكل حاجة .. ثم ابتسمت وهي تستطرد :
– أنا جبت لك شغل .
صمتت تنتظر رد فعل شقيقتها وتنظر إليها باهتمام .. علت الدهشة وجه (جمانة) لثوان ثم مطت شفتيها وتساءلت ببطء:
– ليه يا لميا ؟ ايه خلاكي تفكري إني عاوزة أشتغل وبعدين مين هيرضى يشغلني بالمؤهل بس من غير خبرة ؟
أجابت (لمياء) :
– من الناحية دي ماتقلقيش حبيبتي أنت أوك من غير خبرة بس دراستك وشهاداتك كفاية .. لغة وكمبيوتر وخبرة مش بطالة في التصميم غير دراستك للإدارة بجانب المحاسبة ودبلومة في الاقتصاد يعني كلها حوافز تخلي اللي يشوف السي في يعمل لك المقابلة .. وبالنسبة بقى لموضوع ليه جبت لك شغل فالسبب واضح وواحد لازم تخرجي من اللي انت فيه تشوفي الناس وتغيري جو وتنشغلي بأي حاجة وتطلعي من المود بتاعك وانطوائك ده .
اغرورقت عينا (جمانة) بالدموع وعضت شفتيها في ألم فربتت (لمياء) على كتفها وهي تكمل :
– لا لا لا جوجو احنا ماصدقنا أنا بأقول أعمل حاجة تشغلك وتبقي كويسة تقومي ترجعي تعيطي تاني عاوزة تزعليني ؟
مسحت (جمانة) دموعها وهي تهتف :
– لا والله يالولو مش قصدي دي دموع فرح على فكرة .. فرحانة أوي باهتمامك بي وقربك مني .. ربنا مايحرمني منك ياقلبي .. وعشان أثبت لك أنا موافقة ع الشغل ياستي .. قولي لي ايه المطلوب مني وأنا معاكي على طول .
ابتسمت ( لمياء) في فرح وضمت شقيقتها إلى صدرها وقالت :
– أيوة كده ياجوجو .. حبيبة قلبي رجعت تاني .. خلاص ياجميل أنا هاظبط الموضوع وهأكلمك أقولك على آخر الأخبار وأتفق معاكي هنعمل ايه.
فسارعت (جمانة) لسؤالها :
– طيب يالميا مش تقولي لي الشغل ده فين وعبارة عن ايه ؟
أجابتها (لمياء) :
– شوفي ياستي هي شركة كبيرة بتاعة واحد صاحب حمايا بس اللي بيديرها حاليا ابنه هو مهندس ومالوش في شغل التجارة بس عشان خاطر باباه بقى اتعلمها وحمايا كلم صاحبه بعد ماطلبت أنا منه يشوف لك شغل، قاللي إنه كلمه ومفيش عنده أي مانع وطلب السي في بتاعتك وأنا بعتها له ولسه منتظرين رده بس ماتقلقيش هو غالبا هيوافق، حمايا بقى ..
ابتسمت (جمانة) ثم سألت شقيقتها :
– طيب وابنه اللي ماسك الشغل حاليا مش هيعترض ؟
ردت ( لمياء ) :
– يعترض على مين يابنتي على باباه .. ماتنسيش إن باباه صاحب الشغل وهو مديره وبس هو أينعم الشركة حالها اتغير بعد لما مسكها واتقدمت كتير في السوق بس مايقدرش يقول لباباه لا .. ده أولا ثانيا بقى وده الأهم السي في بتاعتك مشرفة ينقصها بس الخبرة وهما أكيد عندهم متدربين في الشركة وأنت هتكوني أفضلهم لأنك اتعلمت حاجات كتير باستغرب لحد دلوقتي ليه مااشتغليش بيها .
طأطأت (جمانة) رأسها وردت في خفوت :
– ما إنت عارفة إن حسام كان رافض موضوع الشغل تماما وأنا ماكنتش أقدر أزعله خاصة اني ماكنتش محتاجة وحتى دلوقتي مش محتاجة بس أهو حاجة تشغل وقتي شوية .
يتبع…..
تابع الفصل الثاني
_________
ربتت (لمياء) على كتفها مرة أخرى وهي تقول :
– أنا عارفة ياجوجو ماشاء الله حسام كان مستواه كويس وحاليا ساب لك ميراث معقول .. بس تفتكري هيستمر للأبد من غير مايخلص .. دلوقتي الصيدلية بيديرها دكتور بييجي يوم وعشرة لا مش فاهمة ايه ده وانت حتى مابتسأليش عليها وسايباه براحته ومكتفية بالمبلغ اللي بتاخديه كل شهر منها، وحتى الأرض اللي في بلد والد حسام ماتعرفيش عنها حاجة غير الايراد اللي بييجي منها كل كم شهر ولا عارفة ده حقك ولا لا وسايبة إخواته من باباه يتحكموا فيها على الرغم من إن علاقتهم مع مامته مقطوعة تماما .. حبيبتي اقلقي على حاجتك وحاجة، بنتك شوية مش كده اصحي بقى وفوقي وشوفي حالك .. أنا مش بأقولك اشتغلي عشان محتاجة بس عشان تعملي حاجة مش كل الأيام تبقى زي بعضها، وليلك زي نهارك وبكرة زي امبارح عيشي وعيشي بنتك جنبك اخرجي شوفي الناس وبنتك الصغننة دي ذنبها ايه تتحبس كده .. عيشي حياتك ياحبيبتي الدنيا ماوقفتش ومش هتقف .. إنت بس اللي وقفتي الزمن بتاعك وهو لسه بيتحرك حواليكي .
صمتت (جمانة) وعادت إليها ذكريات الأعوام الثلاثة الماضية بعد وفاة ( حسام ) في ذلك الذي دمر سعادتها .. وطفلتها الصغيرة التي لم يتخطى عمرها الشهور الستة وقتها، الآن طفلتها على أعتاب عامها الرابع وهي تعيش معها وبعيدة عنها في نفس الوقت .. كم تألمت !. كم حزنت !. كم صرخ قلبها وأنّ بين ضلوعها !. كم تحملت وسادتها دموعها وتبللت بها !. كم من مرة حلمت به يضمها لصدره في حنان كما اعتادت وهي معه !. آهة صرخ بها قلبها انعكست على شكل تنهيدة حارة خرجت من بين شفتيها وهي تجيب بخفوت :
– أنا هاجرب يا لميا .. هاحاول .. ع الأقل عشان ملك وعشان أخرج من اللي أنا فيه وأشغل عقلي اللي قرب يتجنن بأي حاجة.
ابتسمت (لمياء) وتنهدت بارتياح وهي ترد :
– طيب كده تمام احنا متفقين .. هاعرف الأخبار وأكلمك ونشوف هنعمل ايه، دلوقتي ايه رأيك بقى ناخد ملوكة وماما ونخرج نتغدى برا ونتفسح شوية .
بادلتها (جمانة) الابتسامة وقالت :
– ماشي أوك .. بس ماقلتليش أنت أخبارك ايه ؟ من ساعة مادخلتي وانت عمالة تطبطبي علي وماطمنتينيش عليكي .. عاملة ايه وأخبارك مع أحمد ايه ؟
ارتسمت ابتسامة حزينة على شفتي (لمياء) سرعان ماتلاشت لتقول لأختها بسرعة كأنها تداري أمرا ما :
– كلنا كويسين أنا وأحمد وحمايا وكله اطمني .. خلينا فيكي انت أنا دلوقتي هاروح اقول لماما تجهز وتلبس ملك على ما أنت تلبسي ونخرج سوا ماشي !
صمتت (جمانة) فهي تعلم أن شقيقتها لا تريد أن تحملها آلامها مهما كان قدرها لكنها تغاضت عن الأمر وهي تعطي الفرصة لشقيقتها لتتحدث إليها وقتما ترغب، أجابت بابتسامة :
– أوك .. أنا هالبس أهو وإنت قولي لهم .
خرجت ( لمياء ) من الغرفة واستندت لبابها بظهرها وهي تتنهد ثم همست لنفسها :
– أقولك ايه ياجوجو .. إن حب عمري بيخوني .. ومش قادر يتحمل أو يصبر على إن مفيش ولاد لحد دلوقتي ونفسه يكون أب .. أقولك ايه بس وانت فيكي اللي مكفيكي ..
ثم ذهبت في صمت وخطوات بطيئة منكسرة لغرفة والدتها لتخبرها أن تستعد ليخرجن سويا ..
********
طوى (جلال الحسيني) جريدته ووضعها على المكتب أمامه ثم رفع فنجان القهوة ليرشف بعضه وهو يخاطب ولده قائلا :
– خلاص يا أدهم أنا اديت الناس وعد وطبعا مستحيل أخلفه، مدام جمانة هتيجي تشتغل في الشركة وشوف لها مكان في قسم الإدارة أوالمحاسبة وصدقني هتنفعك شوف السي في واحكم بنفسك .
زم (أدهم) شفتيه في ضيق و هو يرد :
– يا بابا حضرتك عارف إني مش باحب الطريقة دي في الشغل أو اختيار الموظفين واسطة بقى وكل واحد يحس إنه مميز وله ظهر في الشركة ويغلط أو يقصر وهو مطمن ده بالاضافة إني فعلا قرأت السي في ومفيش عندها خبرة خالص، يعني حضرتك هتجيب لي ست بيت تشتغل في الشركة عشان معرفة صديق عزيز.
عقد والده حاجبيه في غضب ووضع قهوته بعنف على المكتب ثم قام من خلفه وجلس أمام ابنه على الكرسي المقابل له وهو يقول :
– أدهم حاسب على كلامك، إنت عارف كويس طريقتي في الشغل وإن موضوع الواسطة ده مش بينفع معايا إلا لو فعلا الشخص يستحق الوظيفة لكن الظروف مش مساعدة إنه يلاقيها .
تراجع (أدهم) في مقعده وهو يفكر في صمت لثوان ثم رد على والده :
– تمام يا بابا أنا عارف طريقتك وإنت كمان عارف طريقتي وعارف برده إني دائما بأعمل إعلان لو مكان محتاج موظف عشان الشخص الصح والمناسب يكون في المكان المناسب وحضرتك حملتني مسئولية الشركة على الرغم إنها مش مجال دراستي ولا شغلي وأنا اتنازلت عن المهنة اللي باحبها عشان الشركة وعشان أكون جنب حضرتك ووافقت على طريقتي في الشغل واتفقنا على كده، دلوقتي حضرتك بتجبرني أشغل واحدة لمجرد إنها قريبة صديق وحتى السي في مش للدرجة وبدون خبرة تماما، مش مقتنع للأسف يا بابا .
قالها وهو يلف وجهه للجهة الأخرى ويتنهد في غضب مكتوم، صمت أبوه قليلا وهو يحاول أن يقلب الأمر في ذهنه ويقنع ولده بالأمر دون ضغط على الأقل حتى لا يسبب لها مشاكل في العمل بعدها ثم لم يلبث أن قال :
– أدهم يابني، أنا سعيد بكلامك جدا على فكرة، شوف يا أدهم مدام جمانة حاليا أرملة وبتراعي بنتها وفي نفس الوقت مؤهلاتها كويسة وتأهلها للعمل فعلا ناقصها بس الخبرة ولو كل حد عاوز يشغل موظفين طلب خبرة يبقى ماحدش
هيشتغل لأن عشان يكون عندك خبرة لازم ناس تشغلك وبالتالي تكتسبها، لو الكل رفض بدون خبرة الناس هتشتغل إزاي، الموضوع دايرة مقفولة ولازم إحنا كشركة محترمة يهمها الكفاءة أولا نخلي بالنا من الكفاءات وندور عليها، المسألة مش مسألة واسطة أو محسوبية، تفتكر لو ماكنتش شايف إنها تنفع تشتغل معانا كنت هاوافق ؟ ده شغل مش لعبة ولا تكية، اعتبرها فترة تجريب أو متدربة معانا ولو أثبتت جدارتها يبقى أهلا بيها أما لو لا خلاص الموضوع هيكون بايدك وتتصرف فيه بحرية، اتفقنا ؟
صمت (أدهم) قليلا وهو يفكر في الأمر ويديره برأسه ثم تنهد مستسلما و هو يجيب :
– ماشي يا بابا اتفقنا، هتشتغل معانا وهاخلي أستاذ محفوظ يتابعها بنفسه بس مع أول غلطة أو تقصير؛ هتكون برا الشركة.
تنهد (جلال) في ارتياح وقام يربت على كتف ولده وهو يقول :
– إنت كده تمام يا أدهم أنا هاكلم عمك شكري وأبلغه يبلغهم بموافقتنا عشان تيجي تقابلك وتستلم شغلها .
وافقه ابنه بإيماءة مستسلمة من رأسه عندما دق باب المكتب برفق فتطلعا إليه وهو يفتح ثم تطل منه والدته متسائلة بملل :
– لسه بتتكلموا في الشغل برده ؟ مش معقول ياجلال كل يوم بالشكل ده أنا مش بأشوف الولد خالص ولا عارفة أتكلم معاه .
ضحكا سويا ثم رد (جلال) مداعبا :
– ولد ! إلحق يا باشمهندس ماما بتقول عليك ولد، مهندس ومدير شركة أد الدنيا وولد.
وانفجر ضاحكا مرة أخرى فعقدت حاجبيها في غيظ وهي تدلف إلى الحجرة قائلة بنبرة متعالية :
– أيوة ولد، إيه هيكبر على مامته !
قام (أدهم) من كرسيه وقال لأمه وهو ينحني ليقبل يدها :
– هو أنا أقدر برده يا أمي .
زمت شفتيها في ضيق وهي تنهره :
– برده أمي ؟ مش هتبطل بقى الكلام الغريب ده يا أدهم ؟
رفع حاجبيه متظاهرا بالدهشة متسائلا :
– كلام غريب إزاي يا أمي ؟ دي عربية فصحى .
تنهدت في غيظ وقالت وهي تسحب يدها منه :
– خلاص يا أدهم ماهو كل مرة نتكلم في الموضوع وبرده تكرره وتعيده ونتكلم وتعمل نفسك مش فاهم، أوف زهقتوني، عموما أنا مش جاية أتسلى معاكم، أنا جاية أبلغك إن طنط ناريمان وعمك مصطفى وبنتهم دينا هيزورونا النهاردة ولازم إنت وسارة تبقوا موجودين .
والتفتت لزوجها مكملة :
– وطبعا مش هأوصيك يا جلال لازم تستقبلوهم معايا مش تعمل زي المرة اللي فاتت وتيجي وهما خلاص هيمشوا وتحرجوني معاهم ، أوك يا جلال ؟
هز زوجها كتفيه وتنهد قائلا :
– أوك يا فريدة
فعادت تخاطب (أدهم) :
– وطبعا يا أدهم إنت متعود تحرجني فحاول تخلف المرة دي وتيجي ع العشا ع الأقل إنت عارف طنط ناريمان بتحبك قد إيه ودينا كمان .
رد (أدهم) في ضيق حاول أن يخفيه :
– هأحاول يا أمي.
تنهدت في عنف ممتزج بالغيظ وقالت :
– مفيش فايدة أبدا، قولوا لي كنتم بتتكلموا في إيه كل ده ؟
أجاب زوجها :
– عادي يا فريدة ماتشغليش بالك، شغل كالمعتاد .
تدخل (أدهم) محاولا إغاظة والده :
– شفتي يا أمي هنشغل ناس في الشركة بالواسطة بقى عندنا سيستم جديد اسمه الكوسة ، هيعجبك.
عقد والده حاجبيه في ضيق وهو يقول :
– ايه يا أدهم إحنا من إمتى بنشغل ماما بمشاكلنا في الشغل ؟
ردت (فريدة) :
– إيه يا جلال مش عاوزني أعرف ؟ إنت من إمتى بتجامل حد في الشغل ياما طلبت منك تشوف شغل لأولاد أصحابي وكنت دايما بترفض، ايه اللي جد بقى ؟
قال (أدهم) مستمرا في إغاظة والده :
– أصلها معرفة أو قريبة عمو شكري يا أمي وإنت عارفة غلاوته عند بابا .
عقد والده حاجبيه في غيظ وهتف في ابنه بحنق :
– إيه يا أدهم إنت بتهدي النفوس وخلاص ولا إيه ؟
والتفت لزوجته التي قالت :
– أيوة قلت لي بقى عمو شكري ، عموما هنتكلم في الموضوع بعدين ياجلال، عن إذنكم أروح أشوف التجهيزات عشان الضيوف .
وخرجت غاضبة من الغرفة فالتفت (جلال) لابنه قائلا في غيظ :
– ليه كده يا أدهم ما إنت عارف مامتك ؟
ضحك (أدهم) في استمتاع وقال لوالده :
– واحدة بواحدة يا جلجل .
ابتسم والده من بين أسنانه وهو يرد :
– ماشي يا أدهم تترد لك، يلا بينا دلوقتي نشوف إيه موضوع الناس اللي جاية ده ؟
هتف (أدهم) بسرعة :
– معلش يا بابا هتضطر تشوف بنفسك لأني راجع الشركة حالا ورايا كذا حاجة مهمة ومش هأقدر أتأخر، أشوفك ع العشا بإذن الله.
أجابه والده :
– ماشي يا أدهم بس ماتتأخرش مش عاوزين ماما تزعل زي كل مرة .
رد (أدهم) :
– تمام يا بابا بإذن الله، يلا سلام بقى
وخرج مسرعا من الغرفة ومغادرا الفيلا كلها وكأنه يهرب من كارثة وفكر وهو يقود سيارته عائدا إلى الشركة أنه لن يعود على العشاء وهذا أمر مؤكد .
********
جلست (جمانة) تلاعب طفلتها وتضحكان سويا وأمامهما والدتها تتابعهما بحنان وسعادة وهي ترى صغيرتها تعود للضحك من جديد، دعت الله في قلبها أن يسعد ابنتها وينسيها أحزانها.
أما (جمانة) و (ملك) فكانتا تلعبان سويا وتبنيان برجا من المكعبات، (ملك) سعيدة للغاية بمشاركة أمها لها في اللعب وتضحك بفرح أما (جمانة) فكانت تتطلع لطفلتها بحب، شردت قليلا وعادت لها ذكرياتها مع زوجها الراحل وطفلته التي لم يرها تكبر أمامه لتصبح نسخة مصغرة منه حتى في ضحكته، تذكرت يوم زفت إليه خبر حملها، وقتها كان في عمله وسهر متأخرا في الصيدلية، عندما عاد للمنزل كان مرهقا للغاية والوقت تخطى منتصف الليل، إعتقد أن زوجته نامت ففتح باب المنزل برفق ودلف إليه في هدوء وبالفعل وجد الظلام يغلف المكان إلا من ضوء خافت قادم من غرفة الطعام فاتجه إليها مباشرة، عندما أطل برأسه للداخل وجد (جمانة) قد أعدت العشاء وتركته له على المائدة مع إضاءة خافتة مريحة للأعصاب، استغرب كثيرا ودلف للغرفة، تناول عشاؤه سريعا لأنه كان مرهقا وجائعا، أثناء تناوله العشاء وجد علبة متوسطة الحجم أمامه على المائدة وفوقها وردة حمراء فابتسم بحب والتقطها وفتحها، كانت تراقبه خلسة من خلف الباب ورأت ملامح الدهشة تعلو وجهه عندما وجد بداخل العلبة علبة أخرى أصغر حجما ومعها وردة أخرى فعقد حاجبيه مستغربا وعلت شفتيه ابتسامة دهشة ثم قام بفتح العلبة الثانية ليجد بداخلها دمية صغيرة لطفل ومعها وردة صغيرة معلق بها بطاقة مكتوب فوقها ( باقي من الزمن 7 شهور و12 يوم وأوصل، استنوني بإذن الله مش هتأخر )، لاحظت وقتها اضطرابه وارتعاشة يده وهو يحمل الدمية برفق كأنها وليده وعينيه تشعان سعادة فانطلقت عائدة لغرفتها وهي تعلم أنه سيأتي إليها، استلقت على فراشها تنتظره، وبالفعل وجدت باب الغرفة ينفتح برفق فأغمضت عينيها متظاهرة بالنوم، شعرت به يقترب منها على أطراف أصابعه فابتسمت بحب؛ إنه يعتقد أنها نائمة ولا يريد أن
يزعجها، استمرت في إدعاء النوم وهو يتمدد خلفها على الفراش ويمد يدا حانية تتحسس بطنها وتربت عليها بحنو بالغ، لثم هو شعرها ووضع رأسه على الوسادة وهو يلفها بذراعيه ثم راح في النوم، انتظرت لدقائق بعدها التفتت إليه ورفعت نفسها قليلا ترتكن على ذراعها، ظلت تتطلع إليه بحب ثم رفعت كفه وطبعت عليها قبلة ناعمة، همست :
– هيبقى عندي طفل تاني يشاركني فيك ياطفلي الكبير، إوعي تغير منه لأنه حتة منك ولازم تساعدني فيه أنا بأقولك أهو .
ثم اعتدلت مرة أخرى وراحت في نوم عميق، استيقظت في الصباح على رائحة عطرة تغمر الغرفة ووردة ناعمة تداعب وجنتيها ثم قبلة رقيقة على جبينها، عندما فتحت عينيها وجدته يتطلع إليها بحنان دافق وهمس :
– صباح الخير يا أحلى حاجة في دنيتي .
ثم ابتسم وأكمل مداعبا إياها :
– صباح الخير يا أم العيال .
اتسعت ابتسامته بعدها، فضحكت هي وردت بغيظ :
– بقى من أولها أم العيال، ماشي صباح الخير يا أبو العيال يابعلولتي .
ضحك هو الآخر ثم التقط كفها وطبع عليها قبلة وقال :
– أمال أم العيال وأم أبوهم كمان، ما تتخيليش أنا فرحان قد إيه ياجوجو ومستني اللحظة اللي أشيله فيها بين إيديا فيها وأقوله أنا أبوك ياولد ولازم تسمع كلامي .
ضحكت ثانية و شاكسته :
– يسمع كلامك من أولها إديله فرصة يتعرف عليك الأول .
ابتسم وتساءل بدهشة مصطنعة :
– ليه هو مايعرفنيش ولا إيه ؟
ثم خفض رأسه واقترب من بطنها، قال مخاطبا الجنين :
– اسمع يا ابني إنت تيجي الدنيا تبقى عارفني أنا بأقولك أهو ، أنا مين ؟ أنا بابا ، بابا مين ؟ بابا حسام ، ماشي ؟
ابتسمت في حنان وهي تطلع إليه ثم سألته :
– كلمت ماما راضية ياحسام وقلت لها ؟
أجابها :
– لا لسه مستنيكي تصحي ونفطر بعدين نكلمها سوا .
فحاولت أن تقوم وهي تكشف الغطاء من فوقها قائلة :
– أوك دقايق ويكون الفطار جاهز عشان نفرحها .
وجدته يعيدها للفراش وهو يهتف :
– ايه ايه رايحة فين ؟ فطار ايه اللي هتحضريه ؟ إنت من هنا ورايح أميرة .
والتفت خلفه يلتقط صينية وضع عليها طعام الإفطار وكوبين من العصير الطازج، وضعها أمامها على الفراش وهو يستطرد :
– فطارك جاهز يا مولاتي هتسمحي لحسام الغلبان يفطر معاكي ؟
ابتسمت بحنان وردت :
– اممممممم ، هنسمح له ، بس قول له ماياخدش على كده .
ضحكت وضحك معها ثم ضمها لصدره وطبع قبلة حانية على رأسها، تناولا الإفطار سويا، قاما بعده بالاتصال بوالدته وإخبارها كما اتفقا وكم كانت سعيدة وهي تعلم أنها قريبا ستحمل حفيدها الأول، عرضت على (جمانة) أن تذهب للإقامة معها فترة الحمل الأولى لترعاها ، كانت (جمانة) سعيدة للغاية بمعاملة والدة (حسام) لها فهي
تعتبرها ابنتها كون (حسام) وحيدها بدون أشقاء أو شقيقات إلا إخوته من أبيه والعلاقة بينهم لك تكن جيدة لتلك الدرجة، وسعدت أكثر عندما طلبت منها أن تقيم عندها لكن (حسام) رفض في البداية وقال أنه سيرعاها بنفسه وطلب من أمه أن تأتي هي لتقيم معهم فتؤنس وحدتها ويسعدون بها لكنها رفضت مغادرة منزلها وألحت على ذهاب (جمانة)، وافق بعدها (حسام) على مضض عندما علم أن حبيبته لا تمانع وبالفعل ذهبت لتقيم عندها هي وزوجها وكانت والدته كأم ثانية لها .
عند تلك اللحظة من ذكرياتها ارتسمت على شفتيها ابتسامة حزينة عندما تذكرت ما حدث لوالدة زوجها بعد وفاته ، كانت هي الوحيدة التي تغادر منزلها لأجلها وتأخذ طفلتها الصغيرة معها بشكل منتظم كل أسبوع ولم تقطع هذه العادة أبدا، عرضت عليها كثيرا والدته أن تأتي هي و (ملك) للإقامة معها لكنها رفضت وقالت أنها لن تترك منزل (حسام) أبدا بعدها أتت والدتها هي للإقامة معها ومراعاتها ……..
أفاقت من ذكرياتها على رنين هاتفها الجوال فقامت (ملك) مسرعة لتحضره وهي تقول ببراءة :
– ماما فون
ابتسمت (جمانة) وربتت على رأس طفلتها وهي تلتقطه منها، تطلعت لشاشته لترى من المتصل ثم اتسعت ابتسامتها وهي تقول لأمها :
– دي لميا ياماما .
ثم ضغطت زر الرد و قالت :
– السلام عليكم، إزيك يا لميا وحشاني .
ردت شقيقتها :
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، إزيك أنت ياجوجو ؟ أنا الحمد لله تمام ، انت وحشاني أكتر ، إزي ماما وملوكة حبيبة خالتو ؟
أجابتها :
– الحمد لله كلنا بخير يالولو مش ناوية تيجي بقى لي أسبوع ماشفتكيش ؟
قالت (لمياء) بعد تنهيدة :
– معلش ياجوجو انشغلت شوية إنت عارفة مش باطمن لحد في شغل المكتب ولازم أراجع كل حاجة بنفسي .
ابتسمت (جمانة) وردت :
– ماشي ياعم المهم ، طمنيني عليكي وعلى أحمد .
جاءها صوت شقيقتها بعد لحظة صمت :
– الحمد لله ياجوجو احنا كويسين ماتشغليش بالك بيه ، المهم أنا مش متصلة عشان أطمن عليكم بس ، عمو شكري كلمني من شوية وقالي إنه صديقه جلال الحسيني صاحب الشركة اللي قلت لك عليها وافق بعد ماشاف السي في بتاعتك واتفق مع ابنه على شغلك في الشركة وعاوزك تروحي بكرة تقابليه وهو هيتفق معاك على الوظيفة والمرتب وكده ، تمام ياجوجو ؟
شعرت (جمانة) بالرهبة لوهلة ثم تنهدت وردت على شقيقتها :
– تمام يالولو، مش عارفة ليه مخضوضة وقلبي مقبوض ومرعوبة وكل حاجة تمت للخوف والرعب بصلة .
ثم ضحكت بلا داعي لكنها سمعت صوت (لمياء) المطمئن يأتيها قائلا :
– ماتقلقيش ياجميل ، خليكي إنت بس شجاعة كده وجمدي قلبك ، أنا عارفة إن الموضوع صعب لأن أول مرة تشتغلي بس معلش مع التعود هتلاقي الموضوع سهل جدا ، لو تحبي أعدي عليكي الصبح أوصلك ياحبيبتي ماعنديش مانع ؟
فردت (جمانة) :
– لا خلاص يالولو انا هاروح بعربيتي وربنا يسهل .
قالت (لمياء) بعذوبة :
– ماشي ياقلبي هاكلمك بكرة بالليل أطمن عليكي وأعرف الأخبار، اديني ماما أسلم عليها بقى .
ناولت الهاتف لوالدتها وجلست تفكر في ذلك اليوم وما عساها أن تفعل أو تقول، دعت الله أن يمر على خير ويوفقها في ذلك العمل .
الفصل الثالث
_________
عاد (أدهم) للمنزل متأخرا قدر الإمكان وهو يأمل أن تكون الزيارة الموعودة قد انتهت حتى لا يلتقي بـ (دينا) أو والدتها وعندما ذهب ليوقف سيارته في مكانها المعتاد وجد سيارة أخرى متوقفة في موضعها فاستغرب كثيرا وظن أنهم مازالوا بالداخل، للأسف لا يعرف نوع سيارتهم وإلا لفر من المكان قد تكون سيارة والده الجديدة أو أخته لم يدر ماذا يفعل فقرر أن يأخذ جولة سريعة بالسيارة ثم يعود من باب الحرص، وعندما أغلق باب سيارته عليه مرة أخرى وهم بإدارة المحرك فتح باب الفيلا الرئيسي وخرجت منه (دينا) وأبويها مع والديه فشعر كأنه وقع في المصيدة ولا يمكنه الفكاك لمحته أمه فنادته بغضب مكتوم :
– أدهم ! اتأخرت كده ليه ؟ مش قلت لك إن دينا هتيجي النهاردة ؟
ترجل من السيارة على مضض ورسم ابتسامة مصطنعة باهتة على شفتيه وهو يقترب منهم وهز رأسه محييا وهو يجيب :
– معلش يا أمي غصب عني كان عندي شغل النهاردة كتير وللأسف ما قدرتش آجي زي ماوعدتك .
والتفت لـ (دينا) ووالديها مرحبا :
– إزيك ياعمو مصطفى، إزيك ياطنط؟ عاملة ايه يادينا وأخبار الكلية ايه ؟
رد عليه والد الفتاة :
– احنا الحمد لله كويسين يا أدهم إنت عامل ايه ؟ ينفع كده مش بنشوفك خالص ؟
أما (دينا) فمطت شفتيها في دلال ثم اقتربت منه للغاية حتى أنه تراجع خطوة للخلف وهي ترد بميوعة لم تعجبه :
– أنا كويسة يا أدهم بس زعلانة منك خالص، كل مرة نيجي مش بألاقيك وعلى طول شغل شغل ايه مش بتزهق ؟
تطلع إليها بملل وهو يرد في برود :
– معلش يادينا ظروف بقى .
ثم استدار محاولا الدخول للفيلا وهو يقول بسرعة :
– شرفتونا يا جماعة وآسف إني اتأخرت عليكم ، تتعوض مرة تانية إن شاء الله، بعد إذنكم عشان تعبان جدا من الشغل .
وانطلق مسرعا للداخل كأنما هناك أفعى تطارده، نظرت إليه والدته بغضب ولم تعلق في حين سلم والده على ضيوفهم وودعتهم (فريدة) حتى صعدوا إلى سيارتهم وانطلقوا بها ثم عادت للداخل كالإعصار تغلي غضبا، وجدت (أدهم) يخرج من المطبخ ويحمل كوبا من العصير يشرب منه في استمتاع فهتفت فيه حانقة :
– إيه اللي إنت عملته ده يا أدهم ؟ ينفع تحرجني وتحرج باباك بالشكل ده ؟ أنا عارفة كويس ومتأكده إن ماكانش عندك شغل مش بعيد تكون رحت تتمشى بالعربية في الشوارع لحد ماهما يمشوا ، ع الأقل لما جيت ولقيتهم كان المفروض تسلم عليهم بطريقة كويسة .
وضع (أدهم) كوب العصير على طاولة قريبة ثم جلس على مقعد يجاورها وهز كتفيه مخاطبا والدته :
– يا أمي ليه بتقولي كده ويعني من إمتى وأنا بأكدب ؟ أنا فعلا كنت في الشركة وجيت من هناك مباشرة على هنا وإنت عارفة كويس رأيي في دينا وأهلها أو بلاش أهلها نقول مامتها فما تجبرنيش أقابلهم عشان هابقى جلف زي ماشفتي كده .
عقدت والدته حاجبيها في غضب وكادت تصرخ في وجهه لولا أن تدخل والده محاولا تهدئة الموقف ومخاطبا ولده :
– أدهم يابني عيب تقول كده دول مهما كانوا ضيوفك ولازم تكون ذوق معاهم طيب ماهي سارة برده مش بتحب دينا وعلى الرغم من كده قابلتهم ورحبت بيهم واتعشت معانا ويادوب لسه طالعة من شوية تشوف مذاكرتها عشان عندها امتحان بكرة، إنت مش قادر تيجي على نفسك شوية عشان شوية اجتماعيات ؟ دول ناس معارفنا وبينا وبينهم بيزنس مهم وكبير وماعنديش استعداد أخسرهم وخصوصا عمك مصطفى لأنك بتدلع ومش بتطيق
دينا ، فاهمني يا أدهم ؟ بعد كده تتعامل معاهم بذوق وتكون موجود وترحب بيهم معانا مش تيجي في نص الزيارة أو بعد مايمشوا ، وده آخر كلام عندي .
كظم (أدهم) غيظه وهو يتطلع إلى والده لثوان في صمت ثم هز كتفيه في لامبالاة قائلا :
– هأحاول يا بابا مع إن إنت عارف إني مش باحب طريقة الاوامر دي بس عشان خاطرك .
فهتفت والدته في حنق :
– لا والله تصدق كريم واتنازلت واتعطفت علينا ….
فقاطعها والده مهدئا :
– خلاص يافريدة الموضوع خلص .
وأكمل مخاطبا (أدهم) :
– وانت اطلع شوف أختك واطمن عليها عندها امتحان بكرة و قلقانة منه ، وبكرة إن شاء الله مدام (جمانة) هتيجي الشركة ابقى شوف هتتفق معاها على ايه وبلغني، يلا تصبح على خير، يلا يافريدة نطلع ننام احنا كمان .
رمقته والدته بنظرة محنقة أخيرة ثم ذهبت خلف زوجها في حين مط هو شفتيه في ضيق وذهب ليطمئن على شقيقته الصغرى ، طرق باب غرفتها بهدوء وسمع صوتها تأذن للطارق بالدخول ففتح الباب برفق وأطل برأسه فقط وهو يقول بمرح :
– سارو، سمعت إنهم لغوا امتحان بكرة .
ضحكت شقيقته وهتفت :
– بجد حقيقي فعلا؟!
ألقت الكتاب الذي تحمله على مكتبها وقامت تتقافز في الغرفة كطفلة صغيرة وهي تصيح:
– هيه هيه هيه هيه .
دلف (أدهم) للغرفة وهو يضحك بشدة ثم قال :
– مجنونة هنقول ايه بس ؟ عاملة ايه يامجنونة في المذاكرة ؟
ابتسمت (سارة) بضيق :
– ماعرفتش أذاكر كويس ياسيدي وربنا يستر عليَ بكرة .
تساءل شقيقها بقلق :
– ليه كده في حاجة مش فاهماها ولا ايه ؟
ردت بغرور مصطنع وهي ترفع حاجبيها :
– لا طبعا من امتى بيبقى في حاجة مش بأفهمها لكن الست دينا ومامتها فضلوا ماسكين في لحد من شوية صغيرة لما كنت خلاص هاسيب لهم البيت كله مع انهم عارفين إن عندي امتحان بس تقول ايه بقى .
ومطت شفتيها في حنق فقال (أدهم) :
– معلش ياسارو هنعمل ايه بقى صاحبة مامتك وبيزنس باباكي قدرنا .
فضحكت بخبث وقالت :
– أيوة ياعم بس إنت نفدت بجلدك وأنا اللي ادبست، دي دينا كانت خلاص شوية وهتجنن إنك ماجيتش بس والله برافو عليك يمكن تحس على دمها بقى .
ضحك (أدهم) في غيظ وهو يقول :
– ياريت يابنتي تحس ، بس واضح إن مفيش دم والمصيبة إني مش عارف أتنفس في الموضوع عشان بابا والشغل اللي بينه وبين عمو مصطفى .
ردت شقيقته :
– معلش ربنا يعينك ويصبرك، بس قولي إنت معاك حق ماتبقاش طايق دينا الغلسة دي ، بس مفيش حاجة كده ولا كده طايقها ؟
وغمزت بعينها وهي تضحك فأمسك شقيقها بأذنها وشدها هاتفا :
– لا مفيش يالمضة وريحي نفسك وركزي في مذاكرتك أفيد لك .
ابتعدت وهي تبعد يده عن أذنها قائلة :
– آآآآه ، كده ؟ ماشي يا أدهم ، بس بجد اعترف فعلا مفيش حد ؟
نظر لها باستغراب وتساءل :
– هو لازم يبقى في حد في حياتي ؟ لما ألاقيها ياستي هأبقى أقولك .
نظرت له شقيقته الصغرى وهي تقول بجدية :
– أدهم انت عديت الـ 34 يعني اللي زيك المفروض ألاقي عفاريت صغننة كده بتنطط حواليه وتقولي ياعمتو بقى وكده ، بجد نفسي أعرف البنت اللي هتختارها دي هتكون عاملة إزاي ؟
ضحك باستخفاف وهو يقول :
– يابنتي ركزي في مذاكرتك واعتبري نفسك بنتي وقولي لنفسك ياعمتو ما أنا زي بابا برده .
أومأت برأسها في تهديد ثم غمغمت :
– ماشي ماشي وأنا أعملك إيه وانت زي بابا ما انت اللي عجوز وأنا لسه نونو صغنتوتة .
لكزها في كتفها برفق وهو يضحك قائلا :
– ماشي يابنتي روحي بقى ذاكري عشان يومك كده مش هيعدي .
ابتسمت وهي تومئ برأسها وفي هذه الأثناء في غرفة والديهما كانت (فريدة) تقول لزوجها بحدة :
– وايه حكاية جمانة دي كمان ؟ مش دي اللي شكري قالك شوف لها شغل ؟
عقد (جلال) حاجبيه وتنهد في ضيق وهو يجيبها :
– أيوة يافريدة هي وقلت لك مليون مرة ده شغلي وأعرف أديره إزاي وماتدخليش فيه .
ثم تركها ذاهبا للحمام الملحق بالغرفة، أغلق بابه خلفه في عنف أما هي فجلست تغلي وتتمتم :
– بقى كده يا جلال شغلك وماادخلش ! ماشي هنشوف .
بعد خروجه من الحمام بادرته قائلة :
– طيب ياجلال بما إنك ممكن تعين ناس معارفك في الشركة عاوزاك تشوف شغل لدينا هناك .
التفت لها مندهشا وردد :
– دينا ؟ بنت مصطفى ؟
ردت بغطرسة :
– أيوة ، هي خلاص في آخر سنة في الكلية وممكن تشتغل عادي .
فرد زوجها ومازالت الدهشة تعلو ملامحه :
– وليه أشغلها عندي ماهي عندها شركة باباها وهو قايلي إنه هيشغلها فيها لأن مسيرها تديرها في يوم من الأيام، وبعدين دي عندها 25 سنة ولسه في كلية تجارة وكل سنة باتنين وتلاتة أشغلها عندي ليه بقى ؟
فردت وبدأ صوتها يعلو :
– ياسلام ماانت مشغل واحدة أهو من غير إعلان لمجرد إن صاحبك طلب منك فلما أنا أطلب تعمللي الفيلم ده .
نظر لها بتهديد فحاولت أن تهدأ وتلتقط أنفاسها وهي تقول بهدوء ونعومة :
– ياجلال أنا عارفة إنها هتدير شركة باباها ومش محتاجة شغل وكلام فاضي من ده بس أنا عاوزة أقربها من أدهم ، إنت عارف كويس إن جوازهم هينفعك في شغلك وهيقوي العلاقة بينك وبين مصطفى ومش بعيد تدمجوا الشركتين مع بعض وخصوصا وإنت داخل على صفقة كبيرة زي ماعرفت ومحتاج مساندته ليك في السوق ،
فمابالك بقى لو كان حما ابنك أكيد هيقف معاك جامد أوي وغير كده بعد عمر طويل مصير الشركة وكل فلوس باباها تبقى ليها لأن زي ما انت عارف مالوش قرايب ومفيش غير دينا وناريمان يعني هتبقى لأدهم ولينا ، وإنت شايف ابنك منشف دماغه ازاي ومش عاوز يتجوز وعاملنا فيها مااعرفش ايه فلما تشتغل معاه هيقربوا من بعض ومش بعيد يحبها البنت جميلة ودلوعة وصغيرة وغنية عاوز إيه أكتر من كده ؟
أدار (جلال) كلام زوجته في رأسه لدقيقة كاملة ثم أجابها :
– بس إنت عارفة إن أدهم مش من النوع ده من الرجالة ومايفرقش معاه غنية ولا جميلة ماهي قدامه بقى لها كتير أهي وبتشوفي بيعاملها ازاي ده غير إني خليته يوافق على شغل قريبة شكري بصعوبة مع إن شهاداتها كويسة فما بالك بقى بدينا اللي احنا عارفين كويس إنها فاشلة ولا بتهتم بدراسة ولا شغل مستحيل هيوافق.
أشرق وجهها وهي تقول :
– سيبك إنت منه أنا هاعرف اخليه يشغلها المهم إنت تكون موافق ع الفكرة .
أومأ برأسه في استسلام و رد :
– موافق ياستي مصطفى بني آدم كويس أينعم دينا طايشة شويتين بس أدهم هيظبطها.
تراجعت في مقعدها وهي تبتسم في ارتياح ورضا .
********
في سيارة عائلة (مصطفى) أثناء عودتهم من منزل (جلال الحسيني) كانت (دينا) تقضم أظافرها وهي تقول في غيظ من المقعد الخلفي :
– شفتي أدهم مام ؟ شفتي عمل إيه وجاي متأخر ويدخل يجري على جوا مش هاين عليه حتى يسلم علينا بطريقة كويسة ، أوك يا أدهم انا هاوريلك إزاي تتعامل معايا .
ردت والدتها الجالسة في المقعد الأمامي بجوار زوجها :
– دودي احنا قلنا ايه ؟ من غير عصبية وبالهدوء كله يتحل ، أدهم دماغه ناشفة وعنيد ولازم تشوفي مداخله الصح وتدخلي منها ماتعكيش وتبقي هبلة وطايشة كده ، دونت ميس إت أب don’t mess it up .
فقال والدها الطيب :
– ياجماعة إنتو زعلانين ليه ؟ الولد بيعاملها زي أخته وعارف إننا مش أغراب احنا أكتر من أهل، وإنت ياناني عارفة كويس إنه مش هيتجوز دينا لأنهم مش شبه بعض فماتفضليش تحطي في دماغ بنتك الأفكار دي .
ردت (ناريمان) بعنف :
– أفكار ايه يامصطفى ماتقوليش انك عاوز تطيره من ايدينا وتقولي أخته وأهل دي ، أدهم مش هيتجوز غير دينا لو اطربقت السما ع الارض فبلاش الطيبة الزيادة دي عشان هتشلني كده .
أدار وجهه لها لثانية وهو ينظر لها بدهشة في حين قالت دينا :
– في ايه يا داد ما أنت عارف كويس إني لازم أتجوز أدهم شركة باباه هتبقى بتاعته وبسهولة ممكن أطير سارة من الميراث وتبقى ليه لوحده وبعدين تبقى لي أنا ، ماتنكرش إن شركتهم أكبر من شركتنا وإننا مستفيدين من الشراكة والبيزنس اللي بينكم أكتر منهم ، إدميت إت admit it .
رد والدها وهو لا يستطيع ابتلاع كلماتها :
– ايه يادينا الكلام الغريب ده ؟ هو احنا محتاجين ؟ انت محسساني انك مش عارفة تاكلي او تلبسي او تجددي عربيتك كل كم شهر ، أنا ماشفتش بنت مدلعة زيك وبنلبي لها كل طلباتها بالشكل ده غيرك وجاية تقولي شركته
ولي ولوحدي ، وبعدين إيه أنت ناسية آدم ؟ بتقولي هتخليه ياخد ميراث سارة طب وآدم متوقعة ايه معاه هو كمان ؟
خبطت والدتها جبهتها كمن فاتها أمر هام وتذكرته فجأة وقالت :
– يااااه احنا ازاي نسينا آدم ده هيبقى زي الشوكة ….
ردت دينا مقاطعة أفكار أمها :
– ماتقلقيش يا مام أنت ناسية طنط فريدة ولا ايه ؟ تفتكري انها هتخلي آدم ياخد مليم من ميراث باباه وعموما برده سو إيزي so easy نشيله برا الموضوع بس أوصل لأدهم الأول .
نهرها والدها قائلا :
– ايه الكلام ده يادينا ماتتكلمي بأسلوب كويس وبلاش الطريقة السوقية دي .
ردت على والدها وهي تهادنه :
– سوري داد ، مش قصدي أنت شور sure فاهمني .
تطلع إليها بنظرة غاضبة في مرآة السيارة الداخلية ثم نظر أمامه وقاد السيارة في صمت وهو يشعر بغضب كبير تجاه زوجته وابنته، لا يعلم لما تتصرفان هكذا وأين أخطأ معهما بالضبط ؟.
********
أتى الصباح وكل منهم في باله ما يشغله (جمانة) القلقة والتي لم تنم جيدا بسبب موعدها مع رب عملها الجديد فقامت من فراشها مبكرا وتطلعت من خلف نافذتها للشمس وهي تشرق بضوئها الذهبي، شعرت بدفئها على
بشرتها فتثاءبت في كسل وذهبت لتغسل وجهها وتحضر الإفطار ربما لأول مرة منذ زمن طويل لطفلتها ووالدتها، دعت الله أن يوفق شقيقتها (لمياء) ويرزقها بذرية تقر عينها بها فلطالما كانت بجوارها تشد من أزرها وتساندها .
قامت بتحضير الإفطار وأيقظت والدتها وطفلتها ثم جلسن يتناولن الإفطار سويا، في منزل (جلال الحسيني) استيقظ (أدهم) مبكرا كعادته للذهاب للعمل لكنه فوجئ بوالده مستيقظا ويرتدي بذلته فلما رآه ابتسم وحياه قائلا :
– صباح الخير يا أدهم ، أنا جاي معاك ومش هأخد عربيتي يلا نفطر سوا ونمشي .
فرد (أدهم) :
– صباح الخير يا بابا، صاحي بدري يعني وجاي معايا على طول، ماعملتش كده بقى لك كتير خير ؟
ثم ابتسم في خبث فتطلع له والده وهو يهز رأسه :
– ريح نفسك يا أدهم وماتعملش أفلام أنا جاي عشان أشوف مدام جمانة وأتفق معاها ع الشغل ، بصراحة مش مطمن لك.
قال (أدهم) :
– أيووووة، أنا كنت عارف كده، وياترى ماما ملاحظة اهتمامك الزايد ده ولا مش واخدة بالها عشان ممكن أنبهها يعني .
وضحك في مرح فبادله والده الضحك ثم قال :
– لا ملاحظة ريح نفسك ويلا بقى نفطر عشان ننزل ومانتأخرش .
جلسا على مائدة الإفطار سويا يتمازحان كأنهما صديقان حميمان بعدها انطلقا للعمل معا في سيارة (أدهم) حتى وصلا للشركة، صعدا لمكتبه الذي هو في الأصل مكتب والده الذي أخبره :
– اقعد انت ع المكتب يا أدهم أنا هاخليني هنا قدامك .
رد (أدهم) بسرعة :
– ليه يا بابا ؟ لا تعالى اقعد إنت على مكتبك عشان تتفق معاها وأنا هاتابع الحوار من بعيد .
فقال والده بلهجة قاطعة :
– أدهم اسمع الكلام ، أنا أصلا مش اللي هاتفق معاها ده انت اللي هتعمله بس عاوزك حيادي لاتديها زيادة عن اللزوم ولا تبخسها حقها زيادة عن اللزوم اتفقنا ؟! واتفاهم معاها بذوق عشان انا عارفك .
غمغم (أدهم) في تبرم :
– طيب ما تتفق إنت معاها يا بابا مادام شايف إني رخم أوي كده .
نظر له والده في غيظ وكأنه يقول : اصمت ونفذ ما آمرك به ثم ذهب ليجلس على أريكة أمام المكتب في انتظارها .
********
قادت (جمانة) سيارتها الصغيرة حتى وصلت للعنوان الذي أملته لها شقيقتها، لم تتوقع أن تكون الشركة بهذا الحجم، زاد الخوف بداخلها وكادت أن تتراجع وتعود للمنزل فرارا من المكان لكن في هذه اللحظة رن هاتفها النقال فانتبهت ونظرت لشاشته، وجدت اسم شقيقتها ، التقطت نفسا عميقا ثم ردت عليها :
– السلام عليكم، صباح الخير يالولو
جاءها صوت شقيقتها المطمئن :
– وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، صباح الورد ياجوجو، عاملة ايه ؟ إنت فين دلوقتي ؟
ردت (جمانة) :
– أنا قدام الشركة، ماقلتليش إنها شركة ضخمة أوي كده يا لميا ، أنا مرعوبة جدا .
فقالت (لمياء) :
– ياحبيبة قلبي ماتقلقيش، عمو شكري طمني وقال لي إن صاحبه جلال الحسيني هيقابلك بنفسه عشان تطمني مش ابنه بس يعني ماتقلقيش .
اتسعت عينا (جمانة) وهي تردد :
– بنفسه ؟ لاااا ده ابنه أرحم أنا كده اترعبت أكتر .
سمعت شقيقتها تضحك فاستطردت مغتاظة :
– بقى كده بتضحكي عليَ كمان ! ماشي يالولو لما أشوفك .
تماسكت شقيقتها بصعوبة وهي تطمئنها قائلة :
– يابنتي صدقيني هو أرحم من ابنه، ابنه ده كان زميل أحمد في الكلية وكان مشيبهم وعامل فيها زعيم وماحدش يقدر يكلمه ولا بنت حتى تبص له، بس أحمد بيقولي إنه محترم جدا مرعب شوية بس بيعامل كل اللي حواليه بذوق أما باباهم بقى فمن النوع الهادي التي تشوفيه تطمني له مباشرة يعني مش مرعب زي المهندس أدهم ده، فما تقلقيش خالص وخليكي واثقة من نفسك وإن ربنا هيكون معاكي بإذن الله، يلا أسيبك بقى عشان توصلي في ميعادك مش عاوزين مواعيد بايظة من أولها لازم تسيبي انطباع حلو وتكوني منضبطة .
تنهدت (جمانة) بعمق وودعت شقيقتها ثم غادرت سيارتها متجهة لمدخل الشركة، أبلغت مكتب الاستقبال بسبب وجودها فتم إبلاغ السيد (جلال) عن وصولها فأمر بصعودها مباشرة لمكتبه، دلها سكرتير الاستقبال لمكان المكتب فاتجهت في طريقها إليه ووصلت لمكتب السكرتارية حيث تجلس فتاة هناك، تنحنحت برفق لتجذب انتباهها، رفعت الفتاة عينيها إليها وتطلعت لها بنظرة سريعة متسائلة :
– أفندم ؟
ردت (جمانة) بصوت مرتبك :
– أنا جمانة أبو الفتوح المفروض عندي ميعاد مع الباشمهندس أدهم دلوقتي .
تطلعت إليها الفتاة بنظرة غريبة ثم مطت شفتيها على طريقة ليس هذا من شأني ثم رفعت سماعة الهاتف الداخلي وأبلغتهم بحضورها فسمحوا لها بالدخول، أشارت لها الفتاة تجاه باب المكتب ودفنت رأسها في الأوراق أمامها مرة أخرى وهي تقول :
– اتفضلي الباشمهندس وجلال بيه منتظرينك جوا .
هزت (جمانة) رأسها بلا داعي وهي تهمس :
– متشكرة جدا.
رفعت الفتاة عينيها إليها مرة أخرى بسرعة وهي تتابع خطواتها البطيئة الخجولة عندما توجهت للمكتب ثم طرقت الباب بخفوت وسمعت الصوت الحازم من الداخل يسمح لها بالدخول، أخذت نفسا عميقا وسمت الله في سرها وفتحت الباب بهدوء ودلفت للغرفة وجدت (أدهم) جالسا خلف مكتبه ووالده جالسا على أريكة في أحد أركان الغرفة ، تطلع إليها الاثنان بدهشة خاصة (أدهم) الذي لم يكن يتوقع أبدا أن تبدو هكذا، نعم كان يعلم عمرها لكنها تبدو في الواقع أصغر بملامحها الطفولية تلك ترتدي حجابا أنيقا محتشما وعباءة داكنة اللون ولا يوجد على وجهها ذرة واحد من مستحضرات التجميل، تساءل بداخله هل حقا لازال هناك فتيات بهذا الشكل ؟ كان يتوقع امرأة قوية لا ترتدي حجابا أو على الأقل ترتدي حجاب الفتيات الحديث هذا الذي لا يذكر اسمه وتغرق وجهها بكيلو من المكياج لكنها فجآته بهيئتها هذه ورقتها الملحوظة، لاحظ أن صمته طال وهو يتطلع إليها حينما تنحنح والده لينبهه وقام من مكانه ليرحب بها قائلا :
– مدام جمانة أهلا بيكي، اتفضلي استريحي .
لاحظ الرجل بفطنته أنها تكتف يديها بجوارها ويبدو عليها عدم الاستعداد لمصافحته ومن شكل ملابسها استنتج أنها لن تصافحه فلم يحاول مد يده لها، أما هي فطأطأت رأسها خجلا وهي تهمس :
– شكرا لحضرتك .
ثم جلست في المقعد أمام المكتب وجلس الوالد في المقعد المقابل، كان (أدهم) قد تجاوز دهشته فوجه حديثه إليها :
– أهلا بيكي مدام جمانة، الحقيقة هأكون صريح معاكي، التعيين هنا في الشركة عمره ماكان بالواسطة دايما لما نكون محتاجين حد يشتغل معانا بنعمل إعلان وبيتقدم للوظيفة كتير وبيفوز بيها الأفضل لكن …. السي في بتاعتك مشرفة جدا ينقصها بس عامل الخبرة واحنا مش هنعتمد عليه إنما هنعتمد عليكي إنت وفي نفس الوقت هتكتسبي هنا في شركتنا الخبرة اللي هتحتاجيها مستقبلا .
تطلعت إليه لثانية ثم خفضت عينيها وقالت بخفوت :
– إن شاء الله يافندم وشكرا لحضرتك .
تنهد وقال في حزم :
– طيب تمام نتفق بقى على مبادئ شغلك والمرتب وكده .
تم الاتفاق بينهم وتقرر أن تبدأ عملها مع بداية الأسبوع التالي أي بعد ثلاثة أيام، في نهاية المقابلة حياها السيد (جلال) و(أدهم) لازال يتطلع إليها باستغراب وكاد يقوم من مقعده ليصافحها أثناء مغادرتها المكتب لكن والده أشار إليه من طرف خفي أن يجلس كما هو، قال (جلال) :
– دلوقتي هأكلم سهام برا عشان تاخد ملفك لقسم المحاسبة والمسئول عنه الأستاذ محفوظ هيساعدك ويفهمك طريقة شغلنا إزاي ويوفر لك مكتبك في القسم ولو في أي مشاكل قابلتك تقدري تتناقشي فيها مع الأستاذ محفوظ وهو هيبلغنا بيها .
أومأت برأسها إيجابا وحيتهم شاكرة ثم خرجت من الغرفة في هدوء أما الوالد فاتجه للمكتب ورفع سماعة الهاتف الداخلي واتصل بسكرتيرته (سهام) ليبلغها المطلوب عمله ثم عاد وجلس على المقعد أمام المكتب وقال لابنه الصامت :
– هاي ياباشمهندس إنت رحت فين ؟
تطلع إليه (أدهم) لثوان كأنه لم يفهم ما قاله ثم انتبه فجأة فقال :
– ها !! ايه الست الغريبة دي ؟ أنا مش متعود ع المناظر دي الحقيقة .
تنهد والده بملل متسائلا :
– ايه مالها ياسيدي ؟ هو لازم الواحدة تبقى مالية وشها ألوان عشان تبقى عادية يعني ؟
رد (أدهم) بسرعة :
– لا مش قصدي الشكل بس يا بابا، حتى طريقتها في الكلام وهدوءها وكمية الخجل اللي كانت على وشها دي حتى مااتكلمتش في المرتب مع إني تعمدت أقول مرتب مش أوي وقبلت عادي جدا .
تطلع إليه والده في دهشة وخشي من تفكيره بهذه الطريقة فقاطعه بسرعة :
– ايه يا أدهم إنت هتقول شعر ؟ دي مجرد موظفة واشتغلت وخلاص .
رد (أدهم) وهو يهز رأسه :
– أيوة يا بابا ما أنا عارف أنا بس مستغرب .
صمت للحظة ثم استطرد متسائلا :
– صحيح يا بابا إنت ليه ماخلتنيش أسلم عليها ؟ اوعي تكون معجب وغيران .
وابتسم في خبث فقال والده وهو يهز رأسه بسبب استظراف ابنه ثم أجابه :
– لا يا فالح لأن واضح جدا من طريقة لبسها ووقوفها إنها مش بتسلم على رجالة فهمت ياعبقري!
اندهش (أدهم) للغاية وظهرت الدهشة واضحة على صوته وهو يتساءل :
– معقول ؟!
فقال والده محاولا إنهاء الموضوع :
– طيب نتكلم في الشغل بقى .
تساءل (أدهم) بسرعة :
– لحظة يا بابا قبل الشغل، كنت عاوز أسألك مفيش أخبار عن آدم ؟ وحشني فعلا وباحاول كتير أكلمه على رقمه اللي معايا مفيش رد .
تراجع (جلال) في مقعده وتنهد بحزن ثم قال :
– للأسف لا، أنا مش عارف أخوك بيعمل كده ليه وليه دايما بيبعد عننا لدرجة السفر والغربة بالشكل ده ولا حتى اتصال يعرفنا هو فين أو يطمنا عليه .
ظهرت نظرة حزن في عيني (أدهم) وتنهد مغمغما باستسلام :
– نفسي يرجع بقى وأشوفه ويعيش معانا تاني، بقى لي كتير ماكلمتوش وحتى مش عارف شكله زي ماهو ولا اتغير !
رد والده بنبرة حزينة :
– يلا ربنا يسامح اللي كان السبب.
نظر له ابنه بعتاب ولم يرد فهو يعلم أن أمه هي السبب في خروجه من منزل والده بعجرفتها وتعاملها المتعالي معه وفي النهاية اتهمته بسرقتها كأنه لص وليس ابن زوجها وأخو أولادها، وفي النهاية كادت أن تبلغ الشرطة لكن والده منعها وحذرها من مجرد التفكير في الأمر و(أدهم) نفسه لم يكن ليصدق شيئا كهذا عن أخيه الأكبر الذي طالما اعتبره مثلا أعلى يقتدي به، كان دوما يشجعه على الدراسة والتفوق ونصحه كثيرا بالعمل أثناء الدراسة ليكتسب الخبرات اللازمة حتى في أثناء دراسته فمن وجهة نظره لاشيء أفضل من الخبرة العملية، بعد اتهام والدة (أدهم) له
ترك المنزل بلا رجعة وحاول لقاءه بعدها كثيرا لكنه كان دوما يتهرب منه ثم بلغه بعدها نبأ سفره إلى كندا وهاهو غائب منذ ما يقرب عشر سنوات ولم يسمع عنه سوى مرة واحدة اتصل به فيها ليطمئن عليه وعلى شقيقته سارة ونتيجتها في الثانوية العامة .. أخرجه والده من شروده قائلا :
– أدهم يلا نشوف اللي ورانا وربنا يطمنا عليه قلبي حاسس إنه راجع قريب .
التفت إليه (أدهم) بعينيه الحزينتين وحاول أن ينسى ويتابع عمله .
الفصل الرابع
ــــــــــــــــــــــــــــ
بعد خروج (جمانة) من الشركة اتجهت لسيارتها وجلست فيها أمام الشركة ثم أخرجت هاتفها لتتصل بشقيقتها لتطمئنها بعد ثوان من بدء الرنين سمعت صوت (لمياء) تقول في لهفة :
– جمانة !! طمنيني عليكي عملتي إيه وخرجتي من الشركة ولا لسه ؟
ضحكت (جمانة) وردت على شقيقتها :
– طيب قولي السلام عليكم الأول .
(لمياء) بلهفة :
– السلام عليكم ياستي، ماتبقيش رخمة بقى وطمنيني .
أخذت (جمانة) نفسا عميقا وقصت على شقيقتها كل ما حدث وأبلغتها أنها ستتسلم عملها بدءا من الأسبوع القادم، كانت (لمياء) سعيدة جدا وهي تحادث لــ (جمانة) :
– أنا فرحانة أوي ياجوجو، ربنا يسعدك ياحبيبة قلبي وإن شاء الله تنبسطي في شغلك، تعالي بقى النهاردة وهاتي ماما وملوكة حبيبة خالتو عشان نتغدى سوا .
ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتي (جمانة) وهي تجيبها :
– ربنا يخليكي ليا يا لولو وما يحرمنيش منك أبدا، مش هينفع النهاردة بقى خليها يوم تاني بإذن الله؛ عشان يمكن بالليل أروح لماما راضية أطمن عليها وتشوف ملك زي كل أسبوع لأني فوت الأسبوع اللي فات، وأقولها كمان على موضوع الشغل .
ردت شقيقتها :
– ماشي ياحبيبتي ابقي سلمي عليها كتير وقولي لها خلينا نشوفها .
(جمانة) :
– إن شاء الله يالولو ، يلا سلام بقى .
أنهت المكالمة وقادت سيارتها عائدة لمنزلها، أبلغت والدتها بنتيجة المقابلة وموعد تسلمها العمل ثم قامتا بتحضير الغذاء سويا، جلس ثلاثتهن يتناولن طعامهن و(جمانة) ربما لأول مرة منذ فترة طويلة تعتني بطفلتها (ملك) بهذا الشكل، كانت الوالدة في منتهى سعادتها لرؤيتها صغيرتها (جمانة) تتحرر من بوتقة الحزن التي حبست نفسها فيها لمدة طويلة، بعد الغذاء عرضت (جمانة) على والدتها أن تذهب معها لوالدة (حسام) لكنها أخبرتها بأنها متعبة قليلا وتريد أن تستريح مما أثار قلقها وقررت تأجيل الزيارة لكن والدتها طمأنتها أنها فقط مرهقة وتحتاج لبعض النوم ثم حملتها سلاما لوالدة زوجها.
استعدت (جمانة) للذهاب وجهزت صغيرتها (ملك) التي كانت تتقافز فرحا كونها أولا ستخرج مع والدتها وأيضا ستزور جدتها، مرت (جمانة) على أحد محلات الهدايا لتشتري هدية لوالدة (حسام) ثم أكملت طريقها حتى وصلت للمنزل، فتحت (راضية) الباب لتجد قرة العين (ملك) والحبيبة (جمانة) فابتسمت وأفسحت الطريقة وهي تنخفض لمستوى الصغيرة وتفتح ذراعيها لتندفع بينهما (ملك) وهي تقبلها وتحتضنها بشوق هاتفة :
– ملوكة حبيبة تيتة وحشتيني، ينفع كده كل ده ما أشوفكيش ؟
ثم بدون أن تقف وهي مازالت محتضنة الصغيرة تطلعت ل(جمانة) بنظرة معاتبة :
– كل ده ياجمانة أسبوعين ما تجيش ! هانت عليكي ماما راضية ؟
خفضت (جمانة) عينيها وهي تقول بأسف :
– معلش يا ماما راضية إنت عارفة ظروفي وعارفة احساسي عامل إزاي أنا تقريبا حتى ماكنتش بأشوف ملك إلا وقت الأكل .
بدأت الدموع تتجمع في عينيها وقالت آخر كلماتها بصوت مخنوق فوقفت (راضية) وضمتها لصدرها، ربتت على كتفها في حنان مرددة :
– خلاص ياجوجو بلاش بكا عشان ماافتحش قصادك أنتو جايين تقعدوا معايا شوية مش عاوزين نفضل نعيط بقى، تعالي يلا أنا عملت لك البسبوسة اللي بتحبيها .
دخلتا لغرفة الجلوس وجلستا تتحادثان قليلا و(ملك) بين ذراعي جدتها وقد بدأت في التململ فابتسمت الجدة وقبلتها ثم سألتها :
– ملوكة نفسها تلعب مش كده ؟
أومأت الصغيرة برأسها في سعادة فقالت الجدة :
– طيب تعالي شوفي بقى تيتة راضية جابت لك إيه !
دخلت إحدى الغرف وعادت تحمل في يديها علبة كبيرة، جلست بجوار الصغيرة على الأرض والتي بدا عليها السعادة وقالت :
– تعالي يا ملوكة شوفي اللعبة اللي تيتة جابتها لك مخصوص .
فقالت (جمانة) بابتسامة :
– دايما مدلعاها يا ماما .
التفتت إليها الجدة و ردت بابتسامة حانية :
– هو أنا عندي مين غيركم ياجمانة من ريحة حسام، ربنا مايحرمني منكم .
ثم قامت من جوار الصغيرة وأكملت مخاطبة (جمانة) :
– تعالي ياجوجو نروح المطبخ نعمل حاجة نشربها ونجيب الشيكولاتة لملوكة .
صحبتها (جمانة) ووقفتا سويا تتحادثان أثناء بينما تعدان الشاي وأثناء انشغال الجدة بالتحضير سألتها في خفوت :
– عاملة ايه ياماما ؟ مش ناوية بقى تسمعي الكلام وتيجي تعيشي معايا أنا و ملك ؟
ابتسمت الجدة ابتسامة صغيرة يتخللها الحزن وردت :
– أنا كويسة الحمد لله يا حبيبتي، سيبك مني إنت عارفة إني مش هاقدر اسيب بيتي أبدا ، المهم طمنيني عليكم.
قالت (جمانة) :
– احنا الحمد لله كويسين يا ماما .
ثم ترددت قليلا ولاحظت الجدة ترددها فحثتها على الحديث قائلة بابتسامة :
– مالك يا أم ملك عاوزة تقولي حاجة ؟
ابتسمت (جمانة) وأجابت في تردد :
– أيوة ياماما، أنا بإذن الله ناوية أشتغل.
صمتت الجدة للحظة ثم التفتت إليها متسائلة :
– ليه ياحبيبتي إنت محتاجة شغل ؟؟ في حاجة محتاجاها ؟
ردت (جمانة) :
– مش احتياج مادي يا ماما قد ماهو احتياج نفسي، محتاجة أنشغل بحاجة لأني فعلا قربت أنهار ….
وبدأت الدموع تلمع في عينيها وسقطت إحداها على وجنتها وهي تكمل :
– قربت أفكر إزاي أكون معاه في أقرب وقت عارفة ده معناه ايه ؟
تركت السيدة الحنون ما في يديها و اتجهت إليها بسرعة لتضمها إلى صدرها وتربت عليها برفق وحنو مقاطعة :
– جمانة إيه اللي بتقوليه ده! أستغفر الله العظيم .
وبدأت تبكي هي الأخرى وهي تستطرد :
– أنا عارفة ياحبيبتي ، عارفة قد ايه كنت بتحبيه وقد ايه انتظرتيه ، عارفة الصدمة اللي كلنا عشناها لما الحادثة حصلت وعارفة كويس اللي حصلك أيامها بس خلاص وقت البكا انتهى ، عمر اللي راح ماهيرجع وعندنا حتة منه ملك ربنا يحميها ويسعد قلوبنا بيها.
ثم أبعدتها عن حضنها وهي تمسح دموعها بكفها وتكمل :
– خلاص ياحبيبة قلبي شوفي لو الشغل هيريحك اشتغلي ماتحبسيش نفسك بس خلي بالك من نفسك ومن ملك .
ابتسمت (جمانة) بارتياح في حيت سكتت الجدة قليلا كأنها تفكر في أمر ولاحظت (جمانة) ذلك فتساءلت :
– مالك يا ماما سكتي ليه بتفكري في ايه ؟
ظهرت نظرة قلق في عينيها وهي تطلع لـ (جمانة) لحظات أخرى في صمت ثم همست بحزن :
– جمانة عاوزة أسألك سؤال وتردي علي بصراحة .
وصمتت لترى رد فعل أرملة ابنها فوجدت عينيها تشجعانها على الحديث فأكملت :
– إنت ممكن تتجوزي تاني ؟
صدمت (جمانة) من السؤال وتراجعت بعنف كأنما دفعتها يد خفية وهي تحدق في السيدة بذهول ثم هتفت :
– ماما ايه الكلام ده ؟ انت تعتقدي إني ممكن أتجوز حد بعد حسام الله يرحمه أو حد ممكن يدخل حياتي أو قلبي بعده .
تطلعت لها السيدة بصمت لثوان ثم قالت في خفوت :
– انت هتشتغلي وهتقابلي ناس وانت لسه صغيرة وجميلة يعني كتير يتمنوكي وأكيد هيبقى لك زمايل في شغلك ….
قاطعتها (جمانة) قائلة حسما للأمر :
– ماتفكريش في الموضوع ده أبدا ياماما لأنه مستحيل يحصل ، مستحيل أي راجل تاني يدخل حياتي بعد حسام مستحيل يكون لملك زوج أم الله أعلم ممكن يعمل فيها ايه ، مستحيل أفكر في حد تاني غير حسام مستحيل .
صمتت الجدة وهي مازالت تتطلع إليها ثم غمغمت في تردد :
– توعديني ؟
تساءلت (جمانة) كأنها تريد التأكد مما سمعته :
– ايه ؟
قالت السيدة في تردد أكبر :
– توعديني إنك ماتكونيش لحد غير حسام .
تطلعت إليها (جمانة) وكم رقت لحالها، هذه السيدة المسكينة التي فقدت وحيدها وهو مازال شابا ومرتعبة من فكرة فقد زوجته وطفلته هي الأخرى، كانت تعلم داخل نفسها أن شيئا من هذا لن يحدث أبدا لذا طمأنتها قائلة وهي تمسك يدها لتقبلها :
– أوعدك يا ماما.
وابتسمت فعادت الدموع تتجمع في عيني (راضية) مرة أخرى فسارعت (جمانة) تداعبها قائلة :
– ماما خلاص بقى يلا ولا عشان عارفة غلاوتك عندي، دلوقتي ملوكة هتيجي تجري ورانا عشان الهوت شوكليت بتاعتها زي ماانت معوداها .
ابتسمت الجدة وهي تكمل تحضير الشراب الساخن للصغيرة وقالت عندما بدأت (جمانة) في مساعدتها :
– ربنا مايحرمني منكم أبدا .
اتجهت إليها (جمانة) وقبلت رأسها وعادتا للصغيرة التي جلست تلعب بلعبتها الجديدة وهي سعيدة للغاية فجلست الجدة بجوارها تلعب معها وهي تضحك كطفلة هي الأخرى و (جمانة) تراقبهما بسعادة حتى شدتها الجدة لتعلب معهما، قضت (جمانة) وطفلتها وقتا جميلا مع جدة الصغيرة ثم عادتا لمنزلهما، نامت (ملك) بين ذراعي والدتها وهي تتحدث مع أمها كانت تبدو مختلفة وقلقة بعض الشيء مما جعل والدتها تسألها عما بها :
– مالك ياجمانة ياحبيبتي في حاجة ضايقتك عند راضية ولا هي زعلتك
(جمانة) :
– لا أبدا ليه بتسألي السؤال ده ياماما
(الأم) :
– شكلك متغير من ساعة ما رجعتي قلقانة وسرحانة وزي مايكون في حاجة شاغلة بالك، انتم اتكلمتوا في ايه هناك بالظبط؟
(جمانة) :
– عادي يا ماما الكلام المعتاد ولعبنا مع ملك وجدتها جابت لها لعب جديدة برده كالمعتاد .
قالتها وحاولت الابتسام حتى لا تقلق والدتها أكثر فتطلعت إليها والدتها بصمت، لم تكن ترغب في الضغط عليها لتخبرها بما حدث هناك وجعلها تبدو هكذا وفي نفس الوقت كانت تريد الاطمئنان على صغيرتها فزمت شفتيها وأظهرت القليل من استيائها قائلة :
– ماشي ياجمانة لما تحبي تحكي أنا موجودة مادام شايفة انك بقى لك أسرار مع مامة جوزك الله يرحمه .
ثم وقفت لتخرج من الغرفة فاستوقفتها (جمانة) وأمسكت بيدها وهي تهتف :
– ماما وبعدين معاكي انت زعلتي ولا ايه، ياحبيبة قلبي فعلا مفيش حاجة ، هي بس ماما راضية قلقت من شغلي وخايفة ياخدني منها ويشغلني عنها وكده .. بس .
تطلعت لها والدته بصمت وكأنها تحاول سبر أغوارها واكتشاف صحة ما تقول من عدمها ثم تنهدت باستسلام قائلة :
– غريبة انها تقلق من حاجة زي دي، ايه علاقة الشغل بيها وبإنك تنشغلي عنها ده له وقته وده له وقته .
فكرت (جمانة) لثوان هل تخبر والدتها بوعدها لوالدة (حسام) أم لا وهل فعلا ستتفهم أمها الوضع وسبب الوعد الذي قطعته على نفسها .. ترددت كثيرا ثم فجأة قالت بسرعة وكأنها تخاف من التراجع :
– ماما راضية خايفة لا أنشغل عنها بسبب الشغل لأني ممكن اتجوز في يوم من الأيام لكن أنا وعدتها إن مستحيل ده يحصل ومستحيل حد يدخل حياتي بعد حسام الله يرحمه .
تطلعت لها والدتها فيما يشبه الصدمة، كانت تتساءل داخلها كيف يمكن لـ (جمانة) أن تقطع على نفسها مثل هذا الوعد وحولت تساؤلها لصوت مسموع طرحته عليها بغضب :
– إنت بتقولي ايه ؟ إزاي تعملي حاجة زي دي ؟
تطلعت لها (جمانة) بدهشة وهي ترى مشاعر الغضب مرتسمة على وجه والدتها ثم قالت :
– أعمل إيه يا ماما ؟ ما إنت عارفة كويس إني مستحيل أفكر في حد غير حسام .
ردت والدتها وغضبها يتصاعد :
كادت والدتها تصرخ في وجهها مجددا لولا أنها استوقفتها قبل أن تتكلم :
– لو سمحتي يا ماما الموضوع منتهي بالنسبة لي ولو هتضغطي علي بالشكل ده وكله بسبب الشغل يبقى بلاش منه وخليني في بيتي أحسن بدل المشاكل .
تطلعت إليها والدتها في صمت وعينيها يملؤهما الحزن والغضب في مزيج عجيب، كانت تريد أن تخرج ابنتها من شرنقتها التي فرضتها على نفسها، لن تقضي عمرها كله في الحزن على ما فات وفي نفس الوقت كانت غاضبة جدا بسبب ذلك الوعد، قررت أن تنهي الحديث في الموضوع الآن حتى تبدأ ابنتها في عملها وسيكون لها معها حديث آخر، وتوعدت (راضية) بحديث لن يرضيها أبدا لذلك قالت لابنتها في هدوء أقلقها :
– ماشي ياجمانة اعملي اللي انت عاوزاه .
والتفت لتخرج من الغرفة فلاحقتها (جمانة) بسرعة :
– ماما، الموضوع ده مايطلعش لحد ولا حتى لميا وطبعا مش هأوصيكي ان ماما راضية ماتعرفش هي مش ناقصة كفاية ابنها الوحيد اللي ضاع منها.
توقفت والدتها للحظات ولم تلتفت إليها وبدت كأنها تحاول هضم ما قالته ابنتها ثم ردت في النهاية :
– اللي انت عاوزاه .
واندفعت تغادر الغرفة في غضب، تراجعت (جمانة) في مقعدها وهي تتنهد بحزن ثم همست وهي تمسك سلسلة ذهبية تبدو كقلب صغير وتحتضنها بيدها :
– وحشتني ياحسام .. أوي.
ثم انحدرت من عينها دمعة ساخنة سالت على وجنتها لتحرق قلبها معها .
********
في اليوم التالي قررت (جمانة) أن تتصل بصديقتها الوحيدة (نورا) وتتفق معها أن تتقابلا وبالفعل هاتفتها وعندما سمعت صوتها ترد قالت بتردد وخجل :
– نوني أنا جمانة .
لم تصدق (نورا) أذنيها فصرخت في الهاتف :
– مش ممكن جمانة! حرام عليكي يابنتي كفارة ينفع كده كل المدة دي مااسمعش صوتك ولا أشوفك ؟
ابتسمت (جمانة) في ارتياح بعدما كانت خائفة من رد فعل صديقتها، أجابتها :
– معلش يانوني إنت عارفة الظروف وبعدين يعني أنا مااتصلش تقومي انت كمان تطنشي .
فضحكت صديقتها ضحكتها الصافية التي تسعد بها (جمانة) و ردت :
– لا يا شيخة الكلام ده لي أنا ؟ ماتفتحيش الورق القديم عشان هأقولك كلام وحش قال انا اللي مش با أسأل قال .
قالت (جمانة) وهي مازالت محتفظة بابتسامتها :
– خلاص خلاص خلي الورق القديم في الدرج، المهم إنت وحشاني جدا ونفسي أشوفك .
فرحت (نورا) للغاية وهتفت في سعادة واضحة :
– بجد ياجوجو هتخرجي ؟
(جمانة) :
– أيوة ياستي هاأتكرم عليكي وأخرج معاكي، ايه رأيك نتقابل في النادي وتجيبي ياسين معاكي وأهو يلعب مع ملك شوية دي مش بتشوف أطفال خالص .
(نورا) :
– بس كده ياسين وأم ياسين وعيلته كلها كمان المهم طمنيني عليكي عاملة ايه وازي ملوكة ولميا ومامتك ؟
(جمانة) :
– الحمد لله كلنا تمام وانتو الأخبار عندكو ايه وإزي شريف عامل ايه معاكي ؟
(نورا) ضاحكة :
– شريف ده حبيبي حبيبي سيبك إنت خلينا فينا أحسن، هنتقابل بكرة، تمام ياقمري .
بادلتها (جمانة) ضحكتها قائلة :
– تمام يانوني يلا سلام .
في اليوم التالي تقابلت الصديقتين وجلستا تتحادثان كما اعتادتا، جلست (ملك) مع (ياسين) الذي يكبرها بعام واحد يلعبان سويا، قصت عليها (جمانة) آخر أخبارها وخبر عملها الجديد وفرحت لها (نورا) للغاية، انتهى اليوم سريعا وعادت (جمانة) و (ملك) للمنزل، أعدت (جمانة) نفسها لبدء العمل في اليوم التالي، حضرت ما سترتديه وصلت ركعتي القيام ودعت الله أن يوفقها في عملها ثم قرأت وردها اليومي من القرآن ودخلت الفراش بجوار صغيرتها، طبعت على جبهتها قبلة دافئة ثم راحت في نوم عميق .
********
استيقظت (جمانة) على رنين منبه هاتفها في اليوم التالي فأطفأته سريعا خشية أن يوقظ صغيرتها ثم تثاءبت في كسل وقامت من الفراش، توضأت وصلت ركعتي الضحى ثم ارتدت ملابسها وخرجت من الغرفة لتعد لنفسها فنجانا من القهوة فوجدت والدتها واقفة في المطبخ تحضر لها الإفطار فقالت بدهشة :
– ماما! إيه اللي مصحيكي بدري كده .
ردت عليها والدتها بجفاف :
– طيب قولي صباح الخير الأول، وبعدين هأكون صاحية ليه، عشان أعملك فطار قبل ماتنزلي عارفة إنك مش هتعملي لنفسك .
احتضنت (جمانة) والدتها من الخلف وطبعت على كتفها قبلة وقالت في مرح :
– صباح الخير ياقمر، إنت لسه زعلانة ياماما ؟ ينفع كده أول يوم أروح فيه الشغل أنزل وانت زعلانة مني .
(الأم) :
– خلاص ياجمانة مش زعلانة ومش وقت كلام في الموضوع ده، يلا خدي ساندويتشاتك وعصيرك وروحي افطري.
(جمانة) :
– لا مش هأفطر إلا وست الكل معايا وتأكلني بإيدها كمان، استني هأعمل لنفسي فنجان قهوة ونفطر سوا .
(الأم) :
– براحتك عصير ولا قهوة ماهو إنت كل تصرفاتك من دماغك .
حزنت (جمانة) بسبب رد فعل والدتها عندما علمت بوعدها لوالدة زوجها الراحل، ليت أمها تعلم أنها تعنيه بالفعل، لكنها حاولت استرضاء والدتها فقالت :
– ماما عشان خاطري سيبك من الموضوع ده بقى دلوقتي وتعالي افطري معايا وهاشرب العصير ياستي عشان من ايديكي الحلوة، يرضيكي اروح شغلي وانت زعلانة افرضي بقى حصل لي حاجة وانت زعلانة مني .
نظرت لها والدتها بغضب و صاحت في حنق :
– جمانة بلاش الدلع اللي من النوع ده وماتحاوليش بقى يلا افطري وروحي شغلك ولما ترجعي لينا كلام تاني .
ثم تركتها وعادت لغرفة (جمانة) لتنام بجوار الصغيرة، تنهدت هي في حزن، تعلم أن غضب أمها لن يطول لكنها تحتاج لبعض الوقت لتبتلع الأمر ويمر وتنساه، كانت تود أن تتفهم أمها موقفها لا أن تغضب منها وتخاصمها، أن تشعر بما يعتمل داخلها ومشاعرها المرهقة وقلبها الموجوع على حبيب ذهب ولن يعود، تنهدت مرة أخرى ثم قضمت قضمتين من الشطيرة وشربت القليل من العصير وانطلقت ذاهبة لعملها وهي تدعو الله بالتوفيق.
وصلت للشركة وسألت عن الأستاذ (محفوظ) رئيس قسم الحسابات فدلوها إلى مكتبه، اتجهت إليه وعرفته بنفسها فابتسم مرحبا وقال :
– أهلا يا بنتي، جلال بيه موصيني عليكي، تعالي هأوريكي مكتبك وأفهمك المطلوب منك بالظبط .
أخذها واتجه به إلى مكتب يضم أثنين آخرين شاب وفتاة، أشار لمكتب ثالث فارغ قائلا :
– ده مكتبك إن شاء الله وزمايلك في المكتب المحاسب الأستاذ عصام ومدام هالة .
ثم خاطب الآخرين وقال :
– مدام جمانة زميلتكم الجديدة في المكتب، مش هأوصيك يا عصام تعرفها مبادئ الشغل وتساعدها لحد ماتفهم طبيعته وطبعا مدام هالة تساعديها في شغلها برده اتفقنا .
ابتسمت الفتاة وقامت لترحب بها :
– أنا هالة زميلتك هنا نورتينا إن شاء الله تلاقي الشغل سهل وتنبسطي معانا .
صافحتها (جمانة) بخجل وقام (عصام) مادا يده ليصافحها قائلا :
– أهلا بيكي مدام جمانة .
طأطأت رأسها خجلا وهي تمسك إحدى يديها بالأخرى وتغمغم في نبرة اعتذار :
– ربنا يخليك يا أستاذ عصام، آسفة أصلي مش بأسلم .
شعر (عصام) بالحرج وهو يتطلع لها في دهشة ثم قال في خفوت :
– لا ولا يهمك أهلا بيكي ولو احتجتي أي حاجة اسألي فورا وإحنا أكيد معاكي أول ماتستلمي الشغل بإذن الله .
ثم عاد خلف مكتبه وهو يختلس إليها النظرات بين حين وآخر ولازال يشعر بالدهشة في حين جلست معها (هالة) أمام مكتبها تتحدث إليها وتشرح لها مبادئ عملها في المكتب.
مر اليوم بسلام واندهشت (جمانة) كثيرا مما رأته وخبرته في يوم واحد في عملها، لم تكن قد تسلمت عملا فعليا لكن تابعت (هالة) و (عصام) في عملهما وهما يشرحان لها في بعض الأحيان ما يقومان به .
عادت للمنزل وهي تدعو الله أن تكون والدتها قد نسيت الأمر، قابلتها والدتها بابتسامة وسألتها عن عملها، تنهدت (جمانة) بارتياح عندما رأت ابتسامة والدتها وجلست تحكي لها عن يومها الأول وهي تداعب طفلتها، علمت أن أمها تناست الأمر ولم تنسه فقط لتسعدها وحمدت الله على قلب والدتها الحنون .
الفصل الخامس
ـــــــــــــــــــــــــــــــــ
مرت الأيام و(جمانة) تتعلم وتلتزم وتعمل، بدأت تتقن عملها، وشجعها زملاؤها كثيرا حتى أصبحت تفهمه جيدا، نشأت بينها وبين (هالة) صداقة جميلة لكنها كانت دوما تعامل (عصام) بنوع من الجفاء ازداد عندما شعرت بحاستها كأنثى أنه يعاملها بشكل مختلف عن (هالة) ويتقرب منها محاولا التعبير عن إعجابه بها بعدما علم أنها أرملة، لم تكرهه لأنه لم يكن سيئ الخلق أو لزجا أو لحوحا لكنها فقط تحاشت التعامل معه إلا في أضيق الحدود وكم كان هذا يحزنه، كان يراها هشة وضعيفة كأنها تحتاج دوما لمن يظللها بحمايته ويمدها بالأمان ولكن كلما حاول الاقتراب ليمارس هذا الدور وجد أنثى شرسة عنيدة منغلقة على نفسها تصده بحزم قاطع، لم يدري كيف اجتمعت تلك الرقة مع ذلك العنفوان وهذا الكم من الحزن والضعف مع الصمود البادي عليها في نفس الشخص لكنها حققت تلك المعادلة عن جدارة، ربما لم تكن فاتنة ككثيرات يعملن في الشركة لكنها كانت رقيقة للغاية ورقتها أكسبتها جمالا غير عادي بالفعل، كان الحزن المحفور في عينيها وموشومة به ملامحها يكسبها فوق جمالها جمالا آخر، جلس يتطلع إليها في ذلك اليوم بصمت وهي منكبة على مكتبها وأمامها ملف ضخم يخص حسابات تقوم بها لأحد فروع الشركة ، كان يشعر أنها مرهقة حائرة بعض الشيء خاصة وأنها لازالت مبتدئة ولا يدري لما كلفها مدير الشركة بحسابات ضخمة كهذه وكأنما يختبرها أو يتصيد لها خطأً ما فهي في كل الأحوال جديدة وكما علم منها بدون خبرة، شعر بالشفقة تجاهها فقام من خلف مكتبه واتجه إليها ثم سألها برفق وهدوء :
– مدام جمانة لو محتاجة مساعدة في الملف أنا أقدر أساعدك أنا عارف إن الفرع ده مشاكله كتير دايما وحساباتهم مش مظبوطة .
رفعت عينيها إليه وبدا فيهما الإرهاق واضحا لكن كان ردها حازما قاطعا جافا :
– شكرا يا أستاذ عصام، المدير كلفني بالحسابات دي ولازم أثبت جدارتي فيها من غير مساعدة .
حاول الحديث مرة أخرى ليقنعها بالمساعدة لكنها عادت تنظر إلى الأوراق أمامها معلنة انتهاء الحوار فالتفت عائدا إلى مكتبه في استسلام عندما التقت عيناه بعيني (هالة) التي ابتسمت في خبث، فأشاح بوجهه بعيدا عنها وعاد ليجلس خلف مكتبه في صمت لثوان أخرى وانشغل ببعض الأوراق أمامه عندما ارتفع رنين هاتف (جمانة) النقال فتطلعت إليه لترى اسم المتصل ثم عقدت حاجبيها في قلق وهي ترد :
– السلام عليكم، خير يا ماما إنت كويسة ؟
أتاها صوت والدتها باكيا عبر الأثير، فانتفضت (جمانة) في جزع وهي تصرخ :
– ماما إنت بتقولي ايه انتو فين ؟
تطلع إليها كل من (هالة) و (عصام) في قلق وإلى دموعها التي بدأت تنهمر على وجنتيها، وعندما بدأت تلملم أشيائها وتبحث عن حقيبتها وهي لا تكاد ترى أمامها سألتها (هالة) في قلق :
– مالك ياجمانة ؟ خير ايه اللي حصل ؟
ردت عليها (جمانة) بصوت باكي مختنق :
– ملك خبطتها عربية ودلوقتي في المستشفى، لازم أمشي حالا.
ظهر الجزع على وجهي (عصام) و(هالة) التي قامت من مكانها هاتفة في قلق بلغ مداه :
– ياخبر طيب هي عاملة ايه دلوقتي وإزاي ده حصل ؟
حملت (جمانة) حقيبتها وهي تندفع خارج المكان هاتفة :
– مش عارفة، مش عارفة .
تطلع (عصام) لــ (هالة) لحظات في صمت ثم غمغمت (هالة) :
– ياحبيبة قلبي، ربنا يكون في عونها وتكون البنت بخير.
واصل (عصام) صمته للحظات أخرى ثم قال بتردد وكأنه يسألها رأيها :
– المفروض حد يكون معاها في وقت زي ده ، أروح أوصلها وأطمن على البنت.
قالت (هالة) بتلقائية :
– أيوة يا عصام بالله عليك وكلمني طمني .
في هذه الأثناء كانت (جمانة) تنتظر المصعد وعندما وصل وفتح بابه اندفعت داخله دون أن تنتبه للشخص الخارج منه فاصطدمت به، رفعت عينيها لتلتقيا بعيني (أدهم) مدير الشركة الصارمتين، نظر لعينيها وأثر الدموع مازال بهما ثم قال في حزم :
– على فين حضرتك ؟ إحنا لسه في أول اليوم ما أظنش ميعاد الانصراف دلوقتي ؟ وفين الملف اللي سلمته لك عشان تخلصيه ؟
ردت عليه بتوتر وهي تحاول أن تتفادى الحديث لتسرع لابنتها :
– آسفة يافندم مضطرة أمشي دلوقتي ومن فضلك سلم الملف لأي محاسب تاني حاليا، بعد إذنك .
قال في غضب :
– انت كمان هتقولي لي أدي الشغل لمين ؟ ده انت حتى ماردتيش على سؤالي إنت سايبة شغلك ورايحة فين ؟ دي شركة مش تكية ومش معنى إنك اشتغلتي هنا بواسطة إنك تتصرفي على مزاجك من غير انضباط أو مراعاة لقواعد المكان اللي بتشتغلي فيه .
تطلعت إليها مصدومة من كلماته الجافة والتي لا داعي لها لكنها ردت في خشونة وحزم :
– خلاص حضرتك أنا آسفة إني اعتبرت شركتك تكية وماراعيتش قوانين المكان واستقالتي هتكون على مكتب حضرتك بكرة بإذن الله، بعد إذنك .
تحركت لتذهب للمصعد واندفعت داخله وهو يتطلع إليها مندهشا مما قالت ثم عقد حاجبيه في غضب عندما سمع صوت (عصام) ينادي باسمها قبل أن تغلق باب المصعد :
– مدام جمانة من فضلك استني .
التفت إليه والغضب يتجلى واضحا على ملامحه وعندما رآه (عصام) توقف أمامه لحظة وقال :
– باشمهندس أدهم إزي حضرتك ؟
لم يهتم (أدهم) بإجابة سؤاله وهو يهتف فيه غاضبا :
– في إيه يا أستاذ عصام هي الشركة بقت كافيه الناس تدخل وتخرج وقت ماتحب ولا إيه ؟
تطلع إليه (عصام) بارتباك وفوجئ بغضبه ثم أجاب :
– لا يافندم طبعا بس مدام جمانة بنتها حصلها حادثة وكنت هاعرض عليها أوصلها المستشفى وأكون معاها عشان بس نطمن ع البنت ومدام جمانة ماتسوقش وهي في الحالة دي .
انعقد حاجبي (أدهم) في ارتباك ثم تساءل في تردد :
– حادثة ؟
ثم رفع عينيه لـ (عصام) قائلا بلهجة قاطعة :
– طيب يا أستاذ عصام اتفضل انت على مكتبك دلوقتي .
قالها والتفت يضغط زر المصعد مرة أخرى عندما قال (عصام) في ارتباك :
– بس يافندم كنت ….
قاطعه (أدهم) في صرامة :
– قلت اتفضل يا أستاذ عصام على شغلك .
ولم يعطه فرصة للرد، دخل إلى المصعد ليهبط إلى جراج الشركة في حين خفض (عصام) عينيه في غضب مكتوم وعاد للمكتب، عندما رأته (هالة) تساءلت باستغراب :
– خير ياعصام مارحتش معاها ليه ؟
تطلع إليها في صمت، بدا الحنق على وجهه وهو يقول في غيظ :
– قابلت الباشمهندس أدهم ورفض إني أروح أوصلها ؟
(هالة) :
– رفض! ليه طيب كنا نطمن عليها ؟
(عصام) :
– مش عارف، حاجة تغيظ .
وفي الجراج توقفت (جمانة) أمام سيارتها مسرعة وظلت تبحث بارتباك عن المفاتيح في حقيبتها حتى وجدتها، دلفت إليها بسرعة وحاولت إدارة المحرك لكن السيارة الصغيرة لم تستجب، حاولت عدة مرات ونفس النتيجة فصرخت غيظا ثم خرجت منها وهي تكاد تركلها، اتجهت لمخرج الجراج لتبحث عن سيارة أجرة لتوصلها وقبل أن تصل للباب توقفت بجوارها سيارة فارهة وفتح زجاجها الداكن المجاور للسائق، سمعت صوت (أدهم) الآمر يقول في حزم :
– اركبي .
تراجعت وهي تنظر إليه بغضب ثم ردت وهي تحاول الخروج مرة أخرى :
– لا متشكرة، أنا هآخد تاكسي .
أخافتها نظرة عينيه عندما ردد في صرامة أكبر :
– قلت اركبي .
ثم لان صوته قليلا وهو يكمل في حزم :
– دلوقتي صعب تلاقي تاكسي خصوصا في المنطقة هنا، اتفضلي هأوصلك .
كانت (جمانة) تحترق، ترغب في اللحاق بصغيرتها وفي نفس الوقت لا تطيق الرجل لذلك قالت محاولة إنهاء الحوار :
– متشكرة يافندم أنا هاتصرف .
وبالفعل تقدمت عدة خطوات عندما لحق بها بالسيارة، فتح الباب الخلفي وقال برفق :
– اتفضلي يامدام جمانة، اعتبري نفسك في تاكسي، ويلا عشان نطمن على بنتك .
ترددت مرة أخرى ثم حسمت ترددها ودلفت بالفعل للمقعد الخلفي، تطلع إليها بصمت في مرآة السيارة الداخلية وكأنما فوجئ أنها فعلا جلست في الخلف لكنه تجاهل الأمر وبدأ في قيادة السيارة وهو يسألها :
– أي مستشفى ؟
أخبرته باسم المشفى والعنوان ولم تتبادل معه كلمة أخرى حتى وصلا للمكان وما إن توقفت السيارة أمام المستشفى حتى فتحت الباب بسرعة وهمت بالخروج فاستوقفها هاتفا وهو ينظر إليها في مرآة السيارة الداخلية :
– مدام جمانة لحظة من فضلك، بنتك اسمها ايه ؟
تراجعت للخلف وهي تتطلع إلى ظهره باستغراب ولاتزال ممسكة بمقبض الباب وتساءلت :
– حضرتك بتسأل ليه ؟
التفت إليها نصف التفاتة ورفع حاجبه في استخفاف قائلا :
– هيكون ليه ؟ هأركن العربية وآجي اطمن عليها عشان ع الأقل لما أرجع الشركة أطمن الأستاذ عصام لأنه كان واضح إنه قلقان جدا .
تطلعت إليه لحظة في صمت وحنق من تلميحه السخيف ثم أجابت باقتضاب :
– ملك حسام زيدان .
ثم خرجت من السيارة وأغلقت بابها خلفها بشيء من العنف، اتجهت بسرعة للمشفى في حين زفر هو بغيظ وحاول البحث عن مكان مناسب لسيارته، دخلت (جمانة) استقبال المشفى واتجهت للمكتب هناك، سألت الواقف بلهفة :
– من فضلك في بنت صغيرة جت من شوية اسمها ملك حسام زيدان في حادثة عربية ؟
راجع الرجل الأوراق أمامه ثم أجاب :
– أيوة فعلا حضرتك تقربي لها .
أسرعت تقول :
– أيوة أنا مامتها هي فين من فضلك .
أخبرها الرجل برقم الغرفة فاتجهت في خطوات أقرب للعدو للمكان المحدد، وجدت باب الغرفة مواربا ففتحته قليلا وأطلت برأسها في تردد خوفا مما توقعت أن تراه، وجدت صغيرتها راقدة في فراش المشفى الأبيض مغمضة العينين فانتفض قلبها وترقرقت دمعة في عينيها ثم دلفت للغرفة واتجهت للفراش، لم ترى والدتها التي تجلس على أريكة في ركن الغرفة والتي ما إن رأتها حتى هتفت :
– جمانة .
التفتت لها فوجدت آثار الدموع على وجهها وشعورا بالانكسار يغلفها فاتجهت إليها وألقت نفسها بين ذراعيها وهي تتساءل بصوت مهزوز :
– ماما ايه اللي حصل وملك عاملة ايه طمنيني عليها ؟
أخذت والدتها بيديها وأجلستها بجوارها على الأريكة وهي تضمها إليها وتحكي لها ماحدث :
– أنا السبب سبتها من إيدي وانا مش واخدة بالي وهي جريت مني .
ثم بدأت في البكاء وهي تكمل :
– ماتزعليش مني ياجمانة ماكانش قصدي .
وصمتت وهي تنهنه، لم تفهم (جمانة) ما حدث بالضبط لكنها ربتت على كتف والدتها وقبلت رأسها قائلة :
– معلش ياماما خلاص ماتعيطيش المهم إنها كويسة، طمنيني الدكتور قال ايه ؟
ردت الأم :
– الحمد لله يابنتي ، الدكتور قال شوية كدمات ورضوض بسيطة مفيش كسور ولا حاجة كبيرة ربنا ستر .
(جمانة) :
– واللي عمل الحادثة ياماما لحقتوه ولا هرب ؟
(الأم) :
– هو اللي جابنا المستشفى هنا يابنتي، راجل ذوق والله .
(جمانة) باستنكار :
– ذوق ؟ يعني يخبط البنت بالعربية ومش عاوزاه يعمل كده أنا هاوديه في داهية أصلا بس أطمن على بنتي .
قالت الأم بسرعة :
– يابنتي ماتظلميهوش، أنا غلطت وملك كمان غلطت وجرت قدام عربيته فجأة، حد غيره كان زمان بنتك لا قدر الله لكن حاول يفاديها وكانت عربيته هو هتعمل حادثة وتتقلب بيه ودخل في عربية الأستاذ حسين جارنا وربنا يستر عليه منه .
تطلعت إليها (جمانة) في صمت وقررت أن تفهم الأمر لاحقا بعد أن تطمئن على طفلتها، اتجهت لفراشها وانحنت تتطلع إليها، أوجع قلبها جرحا طويلا في جبهة الصغيرة وكدمات تظهر على وجهها بوضوح، انحنت وقبلت جبهتها برفق عندما دخل الطبيب للحجرة ومعه شخص آخر التفتت إليهما فقالت والدتها :
– ده دكتور إيهاب اللي استقبلنا وعمل اللازم ربنا يجازيه خير، وده اللي …
وصمتت في حرج فأكمل هو في أسف وهو يطأطئ رأسه :
– أنا اللي عملت الحادثة .
تطلعت إليه (جمانة) في غضب قاتل وودت لو تقفز وتتعلق بعنقه ولا تتركها إلا بعد أن يلفظ آخر أنفاسه، في هذه الأثناء فحص الطبيب الصغيرة ووصل (أدهم) للمكان ووجد به أناس كثر فتطلع إليهم بصمت، انتظر حتى سمع الطبيب يقول مطمئنا :
– الحمد لله، هي كويسة بس احنا اديناها مسكنات ومنوم عشان الألم ، مهما كانت طفلة حتى لو مجرد رضوض هتتعبها ، هامر عليها تاني بالليل بإذن الله.
ثم غادر الحجرة تصحبه دعوات الأم وشكرها، تطلعت (جمانة) للشخص الذي صدم طفلتها بسيارته ولم تشعر بوصول (أدهم) الذي تطلعت إليه والدتها في تساؤل، طال الصمت حتى قطعته (جمانة) موجهة حديثها لذلك الشخص محاولة أن تكسب صوتها بعض الهدوء لكن خرج على الرغم منها غاضبا معنفا :
– وحضرتك بقى وإنت ماشي ماكنتش بتبص قدامك ؟ أكيد كنت ماشي بسرعة لدرجة إنك عشان تهدي أو تقف كنت هتقلب عربيتك، إنتوا فاكرين نفسكوا إيه، إنت عارف لو كان بنتي حصلها حاجة ماكانش هيكفيني إعدامك إنت وكل اللي زيك، لأ كان هيبقى لازم أنفذ الحكم بإيدي .
بدا وجهها صارما وللحظة بدت مخيفة عنيفة تكاد تنقض عليه بالفعل لتمزقه كلبؤة اقترب أحدهم من صغارها لتتركه أشلاء لا يمكن التعرف عليها، تطلع إليها (أدهم) في دهشة، وفكر تلك المرأة مختلفة تماما عن التي تعمل معه، لا هدوء هنالك أو سكون أو خجل وإنما عاصفة هوجاء مقتحمة، قطع سيل أفكاره صوت والدتها وهي تحاول تهدئتها قائلة :
– يابنتي بلاش الكلام ده، اعرفي اللي حصل الأول وبعدين احكمي ع …..
قاطعت والدتها قبل أن تكمل وهي تشتعل غضبا :
– مش عاوزة أسمع، النيابة تبقى هي تسمع وتحكم .
تطلعت إليها والدتها فيما يشبه الذعر، منذ متى كانت طفلتها المدللة عنيفة مخيفة هكذا؟، أما الشخص الذي صدم الصغيرة فطأطأ رأسه أرضا وقال في خفوت واعتذار :
– اللي حضرتك تشوفيه، أنا معترف بغلطي وعارف إني كنت سايق بسرعة لظرف خاص لكن ماكانش ده الشارع المناسب لسرعة زي دي، وأنا حاولت أمنع الحادثة بس للأسف ماقدرتش .
نظرت إليه في نوع من الدهشة وإن كانت لازالت غاضبة، كيف لم يهدد أو يتوعد، كيف لم يهرب أو يخرج حتى بعد أن أوصلها للمشفى ولم تكن لتستطيع الوصول إليه، هل هناك شخص بتلك الأخلاق ولديه الإحساس الكامل بالمسئولية هكذا في هذا الزمن ؟ حتى (أدهم) تطلع إليه بنفس الدهشة، كان يعلم أنه لو في نفس الموقف لتصرف بنفس الطريقة لكن رؤية الأمر يحدث أمامه أورثته شعورا بالاستغراب نوعا ما واستنكر ذلك من نفسه ثم اعترف أنه نوع من الغرور أن يرى نفسه الشخص الوحيد الذي يقوم بالأمور الصحيحة، قاطع أفكاره مرة أخرى صوت الأم وهي تقول بهدوء بطريقة فهم منها أنها تحاول إثناء ابنتها عن إبلاغ الشرطة
– جمانة، اهدي كده وتعالي نقعد في جنينة المستشفى وتعرفي اللي حصل بالظبط لأن فعلا الموضوع مش مستاهل، اسمعي الأول وبعدين احكمي.
تطلعت إليها (جمانة) باستنكار، كيف تقول أن الأمر لا يستأهل إبلاغ الشرطة، لكنها استجابت لرغبة أمها واتجهت للصغيرة تتطلع إليها مرة أخرى بألم ثم طبعت قبلة ثانية على جبهتها اتجهت بعدها للخروج من الغرفة عندما لاحظت لأول مرة وجود (أدهم)، رفعت عينيها إليه باستغراب و تساءلت :
– باشمهندس أدهم حضرتك هنا ؟
كاد يجن، إنه هناك منذ بداية الحديث وهي لم تره إلا الآن، ابتسم في برود وهو يرد :
– أيوة هنا، من بدري .
قالت الأم :
– مش تعرفينا ياجمانة ؟
وهي تتطلع لـ (أدهم) بفضول فردت (جمانة) :
– ده الباشمهندس أدهم يا ماما مدير الشركة .
ظلت الأم تنظر إليه وإن امتزجت بنظرتها دهشة ظهرت بوضوح في صوتها وهي تسأل :
– مدير الشركة اللي بتشتغلي فيها ؟
ثم وجهت حديثها إليه :
– أهلا يابني، ماكنتش فاكراك صغير كده لما بنتي قالت لي على موضوع الشغل.
ابتسم في هدوء وهو يوضح :
– أهلا بحضرتك، أنا بأدير الشركة بس وهي ملك والدي في الأصل .
هزت الأم رأسها في تفهم فقالت (جمانة) وكأنها تنهي حفل التعارف ذاك :
– طيب يلا نشوف مكان نتكلم فيه وأعرف اللي حصل بالظبط بعيد عن ملك عشان مانزعجهاش .
كانت جافة فظة لكن تقبل الكل منها ذلك فهي أم مكلومة وموجوعة على طفلتها، اتجهوا جميعا لحديقة المشفى وقبل أن يجلس معهم (أدهم) استوقفته قائلة بهدوء بارد :
– متشكرة أوي ياباشمهندس، تعبت حضرتك معايا جدا تقدر ترجع الشركة وآسفة على العطلة اللي اتسببت فيها.
نظر إليها بهدوء لا يعبر عن الغيظ الذي يشعر به ورد ببرود هو الآخر :
– لا خلاص مش هارجع الشركة دلوقتي، عاوز أطمن ع البنوتة الصغيرة وأعرف اللي حصل بالظبط .
تطلعت إليه في دهشة وتساءلت ما الذي يهمه من الأمر ليبقى ويتابعه لكنها طرحت دهشتها جانبا واتجهت لتجلس في مواجهة الرجل وتبعها (أدهم) بجواره وإلى جوارها والدتها بدأت هي الحديث قائلة بصرامة بدت غريبة عليها وعلى صوتها الرقيق :
– ممكن نعرف إيه اللي حصل بقى ؟
ثم التفت لوالدتها تسألها باستغراب ممزوج بقليل من الاستنكار :
– وليه ماحدش بلغ البوليس ياماما ؟ أعتقد المستشفى في موقف زي ده بيبلغوا بنفسهم لأنها حادثة ؟
ردت والدتها في خجل :
– أنا قلت لهم إنها غلطتنا ومفيش داعي للبلاغ ياجمانة، لأني معترفة بغلطي وغلط ملك كمان.
ظلت ترمق والدتها باستنكار وهي مندهشة كيف تقول والدتها ذلك؟ أما الرجل فتطلع إليها لحظة في صمت للحظة ثم بدأ الحديث :
– أنا اسمي حسام عبد الرحمن صيدلي وصيدليتي آخر الشارع اللي حصلت فيه الحادثة في اليوم ده كان عندي جرد ولظرف خاص سهرت متأخر ومانمتش كويس وصحيت برده متأخر ونزلت مستعجل عشان ألحق شغلي …
قاطعته بفظاظة وقد استاءت لتشابه اسمه مع اسم زوجها :
– أنا ما طلبتش أعرف قصة حياتك يا دكتور أنا عاوزة أعرف ليه الحادثة حصلت ؟
شعر بالإحراج وهو يتطلع إليها في خجل ويكمل حديثه :
– أنا بس بأوضح إني كنت مستعجل واضطريت أسوق بسرعة …..
هنا قاطعه (أدهم) بحزم :
– بس ده مش مبرر عشان تمشي بسرعة زي دي في شارع سكني ضيق على حسب ماعرفت .
نظرت إليه (جمانة) بغيظ وهي تتساءل بداخلها ما به هذا الشخص ولما يدس أنفه في الأمر لمجرد أن قدم لي خدمة في حين صمت (حسام) للحظة هو الآخر وهو يتطلع إليه باستغراب وكأنه هو الآخر يتساءل عن سبب اهتمامه ووجوده من الأساس لكنه أكمل في أسف :
– أنا عارف ومعترف إني غلطت في موضوع السرعة ده ومستعد أتحمل نتيجة غلطي، بنت حضرتك لقيتها فجأة اندفعت قدام عربيتي، حاولت ألف بسرعة بعيد عنها ولأن الشارع صغير العربية لفت حوالين نفسها فجأة ودخلت في عربية راكنة وبنت حضرتك اتخبطت في شنطة عربيتي.
ثم صمت فقالت والدتها كأنها تكمل ما حدث :
– الغلطة مني كمان ياجمانة نزلت أنا وملك نشتري حاجات من السوبرماركت واحنا راجعين لقيتها بتجري فجأة وسابت ايدي ورايحة بسرعة على البيت، مالحقتش أمسكها بعدها ظهرت عربية الدكتور والحقيقة هو حاول يبعد بس الشارع زي ماانت عارفة وفي الآخر دخل في عربية الأستاذ حسين جارنا وماحاولش يجري ويسيب الموقف لا وقف في نفس اللحظة ونزل جري يشوف ملك والناس اتجمعت والأستاذ حسين عرف اللي حصل ونزل طبعا يشوف عربيته ما أنت عارفاه وماسابش الدكتور إلا لما أخد الكارت بتاعه ومضاه على إيصال تخيلي.
شعرت (جمانة) بنوع من الشماتة فهو وإن لم يكن الخطأ خطؤه تماما فهو يستحق ما سيحدث له من جارهم حتى يتوقف عن قيادة سيارته بسرعة في شوارع صغيرة داخل المدينة .. طال صمتها وهي تفكر وتقلب الأمر في رأسها وبدا لها الرجل آسفا حزينا وشهما كذلك والحوادث تقع، الكل كان ينظر إليها في ترقب وهي تفكر ، (أدهم) كان شبه متأكد أنها ستبلغ الشرطة بعدما حدث خاصة عندما رأى طريقة حديثها مع (حسام) في البداية ولأنه أيضا مخطئ، و(حسام) كان ينظر إليها في أمل وإن كان يتوقع تماما مثلما توقع (أدهم)، أما الأم فقد كانت تعرف ابنتها، قد تثور وتغضب عندما تخدش صغيرتها لكنها تضع كل شخص في موضعه وتقيم المواقف جيدا لذلك عندما نطقت (جمانة) أخيرا كان قرارها موافقا لما توقعته الأم :
– خلاص يادكتور حصل خير، أنا مش هأعمل محضر بس في نفس الوقت لازم توعد إنك تخلي بالك بعد وإنت سايق لأن أطفال الناس مش من السوبرماركت ولما يحصلهم حاجة هنروح نشتري غيرهم، المهم إن ملك الحمد لله إصابتها بسيطة .. وكمان هي غلطت.
رفع (حسام) عينيه إليها وهو لايصدق ماسمعه للتو أما (أدهم) فقد رفع حاجبيه في دهشة ثم لم يتمالك نفسه فهتف :
– مدام جمانة إنت متأكدة من قرارك ده ؟ الدكتور غلط ولازم يتعاقب .
نظرت إليه باستياء وهي ترد :
– أيوة يافندم متأكدة وعارفة بأعمل ايه والدكتور ماغلطش لوحده بنتي غلطت ووالدتي كمان تحب أقدمهم للنيابة معاه، الدكتور بس محتاج ياخد مخالفة سرعة.
نظر إليها في حنق في حين التفتت هي إلى (حسام) الذي كان ينظر بغيظ لـ (أدهم) وهو يقول :
– أنا متشكر جدا يامدام جمانة وأوعدكم إن فعلا الغلطة دي مش هتكرر ومصاريف علاج البنوتة أنا متكفل بيها طبعا دي أقل حاجة .
ردت (جمانة) ببرود :
– متشكرة يا دكتور حسام إحنا مش محتاجين حد يعالجنا إحنا نقدر الحمد لله وبنتي مسئولة مني .
شعر بالحرج وهو يقول :
– بس يامدام جمانة ده المفروض وواجب علي بما إني أنا اللي عملت الحادثة ومن فضلك ماترفضيش خليني ع الاقل أدفع تمن غلطتي .. وقبل ماترفضي أنا رايح حالا على الحسابات، بنت حضرتك اسمها ايه لأني ماسمعتش جدتها وهي بتقولهم عليه لما نقلناها هنا.
ظلت (جمانة) تطلع إليه في برود بدون أن تجيب على سؤاله وكادت تصرخ غيظا عندما دوى صوت (أدهم) مجيبا بدلا منها بهدوء :
– اسمها ملك حسام زيدان.
التفتت إليه في حنق وهتفت :
– باشمهندس أدهم أظن حضرتك شفت القرار اللي أخدته ومش من حقك تلغيه وأنا قاعدة كده .. مش من حقك تلغيه أصلا وأنا حرة يدفع هو تمن غلطته أو مايدفعهاش مش مشكلة حضرتك .
رد عليها بهدوء أكبر :
– الطبيعي إن أي حد يغلط يعتذر ويصلح غلطه أو يتعاقب عليه أو ع الأقل زي ماهو قال يدفع تمنه، اللي إنت بتعمليه ده دافع لأي حد إنه يغلط ويعتذر بكلمتين ويجري مادام مش هيتحاسب ولا يتغرم حاجة.
كادت تنفجر في وجهه عندا تساءل (حسام) فجأة :
– حسام زيدان ؟ دكتور حسام زيدان الصيدلي ؟
نظرت إليه بدهشة وهي تقول :
– أيوة، إنت تعرفه ؟
علت شفتيه ابتسامة خفيفة وبدا كأنه يستعيد ذكرى قديمة وهو يرد :
– أيوة طبعا، دكتور حسام ده دفعتي وكانوا كتير بيتلخبطوا بينا بس للأسف من بعد التخرج ماشفتوش، أمال هو فين؟ مسافر ولا ايه ؟
طأطأت (جمانة) رأسها في حزن في حين تطلع إليها (أدهم) في صمت وترقب لردها، ولكن أتى الرد من والدتها :
– حسام الله يرحمه يابني .
شعر (حسام) بالارتباك وقال في خفوت :
– أنا آسف، ماعرفتش للأسف، لأننا ماكناش أصحاب اوي، البقاء لله حضرتك .
استمرت (جمانة) على صمتها وردت الأم :
– البقاء والدوام لله يابني، حسام الله يرحمه مات من ييجي 3 سنين.
رد حسام وهو مازال على ارتباكه :
– لا حول ولاقوة إلا بالله، ربنا يرحمه .
هنا خرجت (جمانة) من صمتها قائلة بسرعة كأنها تود الهروب من أمامهم :
– بعد إذنكم، هأروح أطمن على ملك وأفضل جنبها.
انطلقت عائدة إلى الداخل ودمعة تسيل على وجنتها تتبعها نظرات (أدهم) في تعاطف واستغراب في نفس الوقت من تلك الضعيفة الحزينة المكلومة والتي كانت وحشا منذ دقائق قليلة، وتبعتها نظرات (حسام) في تصميم على المساعدة وشفقة على الزوجة التي فقدت زوجها وكادت تفقد طفلتها وبسببه، قالت لهما الأم :
– معلش اعذروها أكيد انتم مقدرين هي عاملة إزاي دلوقتي .
رد (أدهم) بسرعة :
– أكيد طبعا ربنا يكون في عونكم وإن شاء الله ملك تقوم بالسلامة .
قال جملته الأخيرة وهو ينظر لـ (حسام) شذراً لكنه لم يلحظ نظراته وقال :
– أنا مش عارف أقول ايه والله، اعتذاري مش كفاية أبدا وحتى موضوع مصاريف المستشفى.
وارتبك مرة أخرى وهو يردد للمرة المائة :
– أنا آسف جدا جدا .
ابتسمت الأم في وجهه وقالت :
– ربنا يخليك يابني إنت عملت اللي عليك وزيادة
ثم ترددت لحظة وهي تدير فكرة ما في رأسها طرأت في بالها فجأة لكنها قررت الصمت مؤقتا حتى تستشير (جمانة) ثم التفتت لـ (أدهم) مستطردة :
– وإنت يابني ربنا يجازيك خير على مساعدتك ووجودك مش عارفة أقولكم ايه .
علت ابتسامة جميلة وجه (أدهم) وهو يرد :
– على إيه حضرتك بس ؟ ده واجب، طيب هأستأذن أنا دلوقتي عشان أرجع الشركة وده كارت فيه رقم تليفوني الخاص لو احتاجتم أي حاجة كلميني فورا .
ورمى (حسام) بنظرة أخرى ثم انطلق مغادرا المكان، بعدها قال (حسام) :
– طيب حضرتك أنا هأروح دلوقتي الحسابات وبعدين هأرجع لأستاذ حسين نشوف مشكلة عربيته وآجي أطمن على ملك بالليل بإذن الله .
ردت الأم بسرعة :
– شكرا يابني ، ماتتعبش نفسك.
(حسام) :
– مفيش تعب ولا حاجة حضرتك ده واجب .
الأم :
– الله يكرمك يابني ويكون في عونك مع الأستاذ حسين .
ابتسم (حسام) وقال :
– بسيطة إن شاء الله، بعد إذن حضرتك.
ثم غادر المكان واتجهت الأم لغرفة الصغيرة (ملك) .
********
بعد مرور أسبوع بدأت الصغيرة في التحسن والحركة بشكل جيد بدون ألم، في خلال هذا الوقت لم تنقطع زيارات (حسام) وشراء الهدايا لها واللعب معها، كانت والدة (جمانة) سعيدة به للغاية وبحنانه على (ملك)، لم يكن يضايقها سوى طريقة (جمانة) الجافة في التعامل معه على الرغم من حنانه الذي يغدقه على الجميع، في نهاية الأسبوع كانت (جمانة) في المنزل تحضر بعض الأشياء لها ولوالدتها وتركت والدتها بصحبة الصغيرة، عندما عادت للمكان وجدت (أدهم) هناك فدخلت وهي تقول بلهجة جافة :
– السلام عليكم
رفع (أدهم) – والذي كان يداعب الصغيرة وهي تضحك بصوت عال – رأسه ورد السلام في هدوء في حين ردته الأم ثم قالت :
– تعالي ياجوجو الأستاذ أدهم الله يكرمه جاي يطمن على ملك وجايب لها حاجات كتير.
ثم التفت إليه تخاطبه :
– ماكانش له لازمة ده كله والله يابني .
ارتسمت ابتسامة على شفتيه وداعب رأس الصغيرة بحنان وهو يرد :
– بسيطة حضرتك، المهم الأميرة الصغيرة تقوم بالسلامة.
تطلعت إليه (جمانة) في صمت للحظات وهي تشعر بالغيظ من طريقته خاصة بعد موقفه الأخير معها في الشركة وكيف انقلب 180 درجة بعدما علم بالحادثة، كان من المفترض أن يغير موقفه وجهة نظرها فيه لأنه قام بما هو أكثر من الواجب لكنها كانت حانقة عليه فما كان منها إلا أن قالت ببرود :
– وتاعب نفسك ليه يا باشمهندس، كده كتير فعلا خصوصا إني استقلت من الشغل ومفيش داعي لأي حاجة حضرتك شايف إنها واجب تجاه الموظفين بتوعك.
اندهشت والدتها عندما صرحت بأمر استقالتها فهتفت :
– استقلتي ؟ هو انت لحقتي ياجمانة ؟
أما (أدهم) فتطلع إليها باستخفاف ثم قال كأنه يكلم طفلة صغيرة عنيدة :
– استقالة ايه يا مدام جمانة ؟ أنا ماوصلنيش حاجة ؟ وبعدين في شركتنا مش أي كلمتين يتقالوا في ساعة غضب يبقى معتد بيهم كأنهم ورق رسمي موقع يعني.
كانت تنظر إليه في غيظ وهو يبتسم ابتسامة عجيبة تجمع بين السخرية والاستخفاف وودت لو تلكمه في أسنانه ليغلق فمه ويتوقف عن الابتسام بتلك الطريقة، لكنها تركته واتجهت لصغيرتها فانحنت عليها ومسحت شعرها برفق وقبلتها فبادلتها الصغيرة القبلة عندما قالت مرة أخرى موجهة كلامها إليه :
– دول مش كلمتين يافندم ده كان قراري وأظن حضرتك فاكر اللي قلته لي وقتها وأنا نزلت على رغبة حضرتك واستقالتي الرسمية هتكون على مكتبك بكرة بإذن الله.
ظهر الحزم في عينيه فجأة وكأنما مل من لعبها لدور الطفلة العنيدة وقال بصرامة قاطعة معلنا انتهاء النقاش :
– مدام جمانة الموضوع منتهي وبما إن ملك الحمد لله بقت كويسة والدكتور كان هنا دلوقتي وصرح لها بالخروج النهاردة فإنت تكوني على مكتبك من بكرة بإذن الله.
علت الدهشة وجهها ثم مالبثت أن انقلبت لغضب وفتحت فمها لتتكلم لكنه قاطعها بإشارة حازمة من يده وجملة قاطعة صارمة أرهبتها :
– قلت الموضوع منتهي.
ثم التفت للصغيرة وانحنى ليطبع على جبهتها قبلة هو الآخر وسألها محاولاً إغاظة والدتها :
– ولا إنت ايه رأيك ياملك ؟ مش ماما ترجع الشغل عشان كل يوم وهي مروحة تجيب لك شيكولاتة وحاجات حلوة .
ضحكت الصغيرة بسعادة وأومأت برأسها أن نعم وقالت ببراءة بلهجتها الطفولية :
– ماما عاوزة شيكولاتة كل يوم .
شعرت (جمانة) بالحنان يتدفق داخلها فاحتضنت الصغيرة وهي تربت على شعرها هامسة :
– بس كده ؟ شيكولاتة وكل اللي تحبيه ياملوكة .
ورفعت عينيها بغيظ لـ (أدهم) الواقف بجوار الفراش فوجدته يبتسم ابتسامة ساحرة وفي عينيه نظرة حنان غريبة، شعرت أن الغيظ الذي كانت تشعر به ذاب فجأة وهي تتطلع لابتسامته ولأول مرة تنتبه لملامحه الرجولية الوسيمة وعينيه البنيتين العميقتين وذقنه النامية والتي بدا كأنه لم يحلقها منذ أيام، ضبطت نفسها تفكر بتلك الطريقة فخفضت عينيها سريعا وهي تؤنب نفسها وتستغفر، كيف نظرت إليه بهذا الشكل ؟ ثم وجدت نفسها فجأة تقول في خنوع بصوت خافت :
– شكرا ياباشمهندس على اهتمامك، إن شاء الله هأكون على مكتبي بكرة .
هنا كان النصيب الأكبر من الدهشة مرتسما على وجه أمها والبعض منها على وجه (أدهم) الذي لم يتوقع تراجعها عن قرارها بهذه السرعة وكان يستعد لجدال طويل معها لكن أسعده ذلك خاصة لما لمسه من شخصية عنيدة ثائرة بداخلها، أما الأم فنظرت لابنتها باستغراب وهي تتساءل كيف تراجعت عن قرارها الذي اتخذته وهي التي لم تفعل ذلك مطلقا من قبل، أما هي فبعد أن نطقت جملتها تلك امتلأت بموجة عاصفة من الغضب وهي تكاد تفتك بنفسها، ماهذا الذي قلته لن أعود أبدا، ارتسمت ابتسامة على شفتي والدتها وهي تنظر للحيرة المرتسمة على وجه ابنتها ثم قالت لتشق السكون الذي عم الغرفة :
– والله ياباشمهندس أدهم إحنا فعلا تعابينك معانا كل يوم تطمن على ملك بالتليفون ودي تالت زيارة ، يارب بس مانكونش معطلينك عن شغلك.
ارتسمت ابتسامة حانية على شفتيه وهو يتطلع لـ (ملك) قائلا :
– لا أبدا ولا تعب ولا عطلة المهم الأميرة تبقى بخير.
استغربت (جمانة) منه ومن حديث والدتها وأن هذه هي الزيارة الثالثة، إذن لما لم تره من قبل، هل كان يأتي وهي غير موجودة، وكان يهاتفهم يوميا ليطمئن عليها، رجل غريب، هنا سمعوا طرقة هادئة على باب الغرفة فقالت (جمانة) :
– ادخل .
كان القادم هو الدكتور (حسام) والذي ما إن رآه (أدهم) حتى نظر إليه شذرا كما اعتاد ولم يتكلم في حين ألقى هو السلام واستقبل الرد ثم اتجه لفراش (ملك) وعلى شفتيه ابتسامة عريضة وهو يسأل :
– ملوكة عاملة ايه النهاردة ؟
ارتسمت ابتسامة سعيدة على شفتي (ملك) وهي تمد يديها إليه فأمسك كفيها وانحنى ليقبل رأسها بحنان، كانت الأم تتطلع إليهم في سعادة وهي ترى الرجال بالغرفة يتصرفون بحنان غير عادي مع (ملك) وبدا وكأنها تبحث عن عريسا لابنتها منهما، أما (جمانة) فلأول مرة تقابل (حسام) بهدوء وبدون جفاء كالمعتاد فابتسمت ابتسامة صغيرة وهي تغمغم :
– ملوكة حبتك أوي يادكتور مش من عادتها تتعامل كده مع حد غريب .
– والله يا مدام جمانة أنا برده حبيتها جدا ، ملوكة بنوتة عسولة ورقيقة وتتحب .
ابتسمت (جمانة) في حين نظر إليه (أدهم) ولسان حاله يقول فعلا أتتغزل فيها أمامنا هكذا ؟، ثم ضبط نفسه يفكر بهذه الطريقة الغريبة فهز رأسه بعنف كأنما يخرجها منها وقال بسرعة :
– طيب ياجماعة أسيبكم أنا عشان عندي شغل.
والتفت لـ (جمانة) مخاطبا إياها :
– هتبتدي الشغل من بكرة يامدام جمانة كفاية تأخير الملف اللي سلمته لك لسه زي ماهو وماحدش غيرك هاينهيه .
ألقى التحية عليهم ونظرة أخيرة حانقة على (حسام) ثم انطلق مغادرا المكان بدون أن ينتظر ردها، تطلع (حسام) للباب الذي خرج منه (أدهم) للحظة ثم قال :
– واضح إن الباشمهندس مهتم جدا بملك، ذوق فعلا .
خرجت منه كلمته الأخيرة بطريقة غريبة لم تفهمها (جمانة)، فسرتها الأم في نفس اللحظة وابتسمت مرة أخرى، قامت (جمانة) تحضر أشياء (ملك) وتلملم ما تناثر هنا وهناك منها وبدأت تجهزها ليعودوا للمنزل، أصر (حسام) أن يوصلهم بنفسه لأن سيارة (جمانة) لازالت معطلة في جراج الشركة، طلب منهم أن يطمئن على الصغيرة بين حين وآخر، ترك لديهم رقم هاتفه في حالة احتياجهم لأي شيء.
************************************
الفصل السادس
***********
بعد استقرار الأمور وعودة (جمانة) لعملها قررت والدتها أن تصارحها بالفكرة التي طرأت في بالها بعد معرفة (حسام) لذلك انتظرت عودتها من عملها في ذلك اليوم وحضرت الغذاء، بعد انتهائهم من الطعام أحضرت اللعب المفضلة للصغيرة وتركتها منشغلة بهم ثم أشارت لـ (جمانة) أنها تريد الحديث معها، ذهبت (جمانة) خلف والدتها للمطبخ متسائلة وهناك سألتها :
– خير يا ماما في حاجة ؟
(الأم) :
– أيوة ياجوجو كان عندي اقتراح كده وعاوزة أتكلم معاكي فيه، تعالي نعمل كوبايتين شاي ونقعد نتكلم براحتنا.
(جمانة) :
– ماشي يا ماما.
وبعد أن اتخذت كل منهما مقعدا وهي تحمل كوب الشاي الساخن بين كفيها قالت الأم :
– جوجو أخبار الصيدلية ايه ؟
استغربت (جمانة) من سؤال والدتها واستغربت أكثر من كونها ليس لديها أخبار بالفعل عن صيدلية زوجها الراحل فردت بتساؤل :
– والله يا ماما مش عارفة، إنت عارفة إني مش باتابعها، بس ليه بتسألي عليها دلوقتي ؟
(الأم) :
– أبدا يابنتي بس مش ملاحظة إنك مهملة أوي في حاجتك إنت وبنتك سواء الصيدلية أو ميراث حسام من باباه الله يرحمه .
(جمانة) :
– هأعمل ايه يا ماما أنا لا بأفهم في الأدوية ولا شغل الصيدليات وكفاية إن دكتور هشام متابعها وبيبلغني بأي جديد بيعمله فيها.
(الأم) :
– بس ياجمانة كده كتير، ايه الاهمال اللي انت فيه ده ؟ وبعدين إنت واثقة أوي في هشام ده؟ ده مجرد جه عزا حسام الله يرحمه وبعدها عرض عليكي يمسك الصيدلية ومن يومها وهو فيها وماحدش يعرف عنه حاجة ولا بيعمل ايه ولا بيمشيها إزاي.
(جمانة) :
– أعمل ايه يا ماما طيب أروح بنفسي أشوف هو بيعمل ايه ولا أشوف حد تاني يمسكها على الرغم إني ما أعرفش حد تاني.
(الأم) :
– إزاي ماتعرفيش؟ أمال دكتور حسام الله يكرمه راح فين؟
(جمانة) باستغراب :
– دكتور حسام عبد الرحمن ؟ إزاي يا ماما يعني بعد حادثة ملك أقوله تعالى كمان امسك صيدلية جوزي؟ هو ده اللي أنت شايفاه أحسن من هشام ؟
(الأم) بتأكيد :
– أيوة ياجمانة شايفاه أحسن من هشام، كفاية ذوقه وأخلاقه اللي ظاهرة من يوم ماعرفناه، وكمان هو صيدلي وعنده صيدلية خاصة يعني بيعرف يديرهم كويس وبصراحة أنا مطمنة له عن هشام ده اللي ماحدش عارف عنه حاجة.
(جمانة) :
– غريب أوي تفكيرك يا ماما ، الدكتور خلاص علاقتنا بيه انتهت لحد كده ايه اللي يخليني أعرض عليه شغل أو أطلب منه حاجة تاني ؟
(الأم) :
– ع الأقل كلميه واطلبي منه يعمل زيارة كده للصيدلية ويشوف الشغل هناك ماشي ازاي وهشام ده أمين عليها ولا لا.
(جمانة) :
– طيب وأنا هأطلب منه بصفة ايه أصلا ده على فرض إنه هيوافق وييجي يتابعها فعلا.
(الأم) بابتسامة :
– أنا واثقة إنه هيوافق
تطلعت (جمانة) لوالدتها بدهشة أكبر وهي تتساءل :
– ليه واثقة يا ماما ؟
(الأم) :
– أولا لأنه ذوق وأخلاقه عالية ومش هيرفض يساعد ثانيا هو بيتمنى نطلب منه حاجة عشان موضوع الحادثة ونفسه يساعدنا بأي شكل.
تراجعت (جمانة) في مقعدها وهي تفكر في صمت وتقلب الفكرة على جميع الوجوه ثم في النهاية قالت لوالدتها :
– خلاص يا ماما ماشي، بس بشرط ; كلميه إنت واتفقي معاه إنه يتابع الصيدلية ولو حتى لفترة بسيطة ويشوف الشغل ماشي فيها إزاي ولو محتاجة حاجة يبلغنا عشان نظبطها.
ظهرت ابتسامة ارتياح على وجه والدتها وقالت بسرعة :
– أكيد هأكلمه، كمان شوية كده بعد المغرب أصلي واكلمه وأشوف رأيه ايه ؟
ابتسمت (جمانة) وهي تقول :
– ماشي ياماما، هأدخل انا بقى أريح شوية كده لأني مرهقة بجد.
(الأم) :
– طيب يا حبيبتي هأبقى أصحيكي ع المغرب برده عشان تصلي وتسمعيني وأنا بأكلمه.
(جمانة) :
– أوك ياست الكل، يلا أشوفك كمان شوية.
وابتسمت وهي تتجه لغرفتها وفي طريقها انحنت لتطبع قبلة على رأس صغيرتها التي كانت مستغرقة في اللعب، ثم دلفت إلى غرفتها وأغلقت الباب واستندت إليه وهي تتنهد بعمق، ثم اتجهت لفراشها وجلست عليه بهدوء، فتحت الدرج المجاور له وأخرجت منه كتيب مذكرات صغير فتحته والتقطت منه صورة صغيرة تجمع بين زوجها الراحل وطفلتها في أولى شهور عمرها، ابتسمت في حزن وكما هي عادتها سقطت دمعة من عينيها ثم التقطت قلما كان داخل المذكرات وفتحت صفحة بيضاء كتبت فيها :
( اليوم حبيبي كان يوم عمل مرهق جدا، كنت أتمنى أن أعود لأجد ابتسامتك تضمنى وكلمة أحبك تزيل بها تعبي، لكن سأقولها أنا لك .. أحبك )
أغلقت الكتيب وطبعت قبلة على الصورة ثم دستها داخله وأعادته للدرج بعدها راحت في نوم عميق .
********
في الموعد المحدد اتصلت والدة (جمانة) بالدكتور (حسام) وبعد السلام و السؤال عن الأحوال فاتحته في أمر إشرافه على صيدلية (حسام) زوج (جمانة) الراحل وأخبرته أنها و(جمانة) لا تعلمان عنها شيئا وترغبان في مساعدته، وكما توقعت الأم تماما سُعِد الرجل بالطلب كثيرا وأبدى استعداده للذهاب والمتابعة من اليوم التالي وأيدته الأم في ذلك وشكرته ودعت له، ثم كان الاتفاق أن تذهب (جمانة) للصيدلية يتبعها هو هناك ليتفقا مع (هشام) الذي يديرها على تنظيم العمل وبالفعل هذا ما حدث ففي اليوم التالي ذهبت (جمانة) لعملها كالمعتاد وقررت أن تستأذن قبل موعد الانصراف بساعتين لتذهب إلى الصيدلية لتنهي الأمر، تقدمت بطلبها للأستاذ (محفوظ) والذي ما إن لمحها تدلف إلى مكتبه حتى قال بابتسامة أبوية :
– بنت حلال، كنت لسه هابعت لك تيجي لي المكتب.
ابتسمت (جمانة) بخجل وتساءلت :
– خير يا أستاذ محفوظ ؟ كنت محتاجني في حاجة ؟
(محفوظ) :
– أيوة ده ملف بعته الباشمهندس أدهم للقسم هنا وعاوزنا نراجعه ونكتب ملاحظاتنا عليه وقال لي أديهولك بالاسم كده لأنه مبسوط جدا من شغلك في حسابات فرع الشركة اللي كلفك بيها قبل كده، يلا همتك بقى لأن الملف محتاجينه كمان ساعتين أنا عارف انه هيتعبك طبعا بس مستعجلين عليه وهو عموما مش هياخد وقت طويل، عاوزك تركزي معاه وتسيبي أي شغل تاني في ايدك.
(جمانة) بحرج :
– للأسف مش هأقدر يا أستاذ محفوظ، ده انا كنت جاية أستأذن من حضرتك أمشي بدري ساعتين عشان عندي مشوار مهم جدا ومش هأقدر أأجله.
(محفوظ) بتردد :
– بس يابنتي والباشمهندس أدهم هأقوله ايه ؟ هو قال إنك لازم تستلمي الملف وتخلصيه النهاردة ؟
(جمانة) :
– معلش بقى يا أستاذ محفوظ بلغه اعتذاري واضطراري للخروج بدري.
(محفوظ) :
– لا يابنتي إنت ماتعرفيهوش ساعة الغضب، روحي اعتذري له بنفسك واطلبي منه إذن الانصراف وربنا يستر.
(جمانة) في سرها ” يا الله ! هل سأضطر للتعامل معه وجها لوجه ؟ ” لكنها تساءلت بملل :
– يعني ضروري ماتنفعش حضرتك تاخد لي الإذن وتعتذر له ؟
(محفوظ) وهو يحاول التملص من الأمر :
– للأسف مش هينفع لازم تبلغيه اعتذارك عن مراجعة الملف بنفسك.
(جمانة) باستسلام :
– طيب هأروح له وربنا يسهل.
ثم اتجهت للطابق العلوي من مقر الشركة لتقابل مديرها، دلفت لمكتب السكرتارية وألقت السلام على (سهام) الجالسة خلف مكتبها، رفعت (سهام) عينيها إليها وابتسمت وردت السلام فقالت (جمانة) بارتباك :
– إزيك ياسهام هو أنا ممكن أقابل الباشمهندس أدهم دلوقتي؟
ظلت الابتسامة على وجه (سهام) وهي تجيب :
– الحمد لله ياجمانة إنت أخبارك ايه ؟ هو دلوقتي معاه تليفون مهم استني خمس دقائق كده وبعدين هأستأذن لك منه .
نظرت (جمانة) لساعتها في توتر ثم جلست على الكرسي المقابل لمكتب السكرتيرة وسألتها في قلق :
– تفتكري هيتأخر ؟
السكرتيرة :
– ما أعتقدش التليفون معاه من بدري .
ثم ابتسمت مرة أخرى وعادت لعملها، مرت الدقائق الخمس ببطء شديد و (جمانة) تتطلع لساعتها كل عدة ثوان، كانت تريد الوصول للصيدلية قبل الدكتور (حسام) لا العكس حتى تتفاهم مع (هشام) وتشرح له الموقف وكانت تتساءل إن كان سيتقبل متابعة (حسام) للصيدلية وهل سيمر الأمر بدون مشاكل أم لا ….
قاطع تفكيرها (سهام) وهي تنادي باسمها قائلة :
– جمانة !! جمانة !! ايه رحتي فين ؟
التفتت إليها (جمانة) بدهشة وهي تتساءل :
– ايه ؟ معلش سرحت شوية ؟ خلص المكالمة ؟
ابتسمت (سهام) وهي ترد :
– أيوة خلاص وبلغته إنك هنا ومنتظرك .
قامت (جمانة) من مكانها وقالت وهي تتجه للمكتب :
– شكرا ياسهام.
طرقت باب المكتب بهدوء وسمعت صوته الآمر يسمح لها بالدخول فترددت لحظة ثم أخذت نفسا عميقا وفتحت الباب ودخلت رفع عينيه من الأوراق التي كان يطالعها ونظر لها باهتمام وهو يقول :
– إزيك يا مدام جمانة ؟ ايه خير ؟ خلصتي الملف اللي بعته لك بالسرعة دي ؟
اغتاظت منه فهي لم تعلم بأمر الملف سوى منذ أقل من عشر دقائق لكنها ردت بهدوء :
– لا طبعا يافندم أنا جاية أبلغ حضرتك اعتذاري عن مراجعة الملف لأني مضطرة أستأذن بدري النهاردة ساعتين وأستاذ محفوظ بلغني إن حضرتك طلبت منه إن أنا اللي أراجع الملف وقال لي لو هتعتذري يبقى أبلغك الاعتذار بنفسي.
تطلع إليها في صمت أثار توترها أكثر، كانت تحاول تخمين ما يشعر به أو ما سيقوله الآن لكنها لم تستطع، تخيلت في ذهنها عدة سيناريوهات لرد فعله بعد كلامها سواء أن يغضب أو ينهرها أو يقول لها بضعة كلمات كالتي قالها لها من قبل أو أن يتجاهل الأمر تماما فهي ليست الوحيدة التي تعمل في الشركة لكنها لم تتوقع سؤاله التالي الذي نطقه في هدوء :
– وليه الأستاذ محفوظ قالك تبلغيني بنفسك؟ ليه مابلغنيش هو ؟
ترددت هل تخبره بما قاله الأستاذ (محفوظ) عن غضبه أم لا لكنها قالت في النهاية :
– الحقيقة مش متأكده بس يمكن لأن حضرتك كلفتني بالملف شخصيا فالمفروض أعتذر عنه بنفسي.
تساءل مرة أخرى في هدوء أثار قلقها :
– طيب وبتعتذري عنه ليه ؟
ازداد توترها وهي تعلم أن الأمر شخصي لكن مابيدها حيلة فأجابت :
– مضطرة أستأذن بدري يافندم.
تطلع إليها بنظرة صارمة وكأنه يقول ليست هذه هي إجابة سؤالي فتلعثمت ووجدت نفسها تقول باستسلام :
– حضرتك عارف إن زوجي كان صيدلي وكان عنده صيدلية، اللي بيديرها حاليا مااعرفش عنه حاجة ولا بيديرها إزاي فطلبت من دكتور حسام اللي حضرتك عارفه من أيام حادثة ملك إنه يتابعها وكده ومضطرة أروح هناك دلوقتي .
– ده موضوع شخصي مالوش بشغلي.
فهم حديثها وأنها تخبره بتهذيب أن لا شأن له بما يخصها خارج شركته، شعر بالغضب منها ومن نفسه أكثر، لمَ يهتم إن حتى تركت له كل ممتلكاتها ولمَ يقلق بشأن ذلك الرجل مع أنه اعترف داخله بأخلاقه الحسنة، دار هذا بداخله في ثوان قال بعدها معلنا انتهاء النقاش داخله ومعها :
– طيب يامدام جمانة، اتفضلي روحي مشوارك والملف هنا لحد بكرة.
رفعت رأسها شاعرة بالغيظ، إذن فيمكن للملف أن ينتظر وليس الأمر عاجلا كما أخبرها الأستاذ (محفوظ) ، ودون كلمة أخرى استدارت خارجة من المكتب وقبل أن تخطو خطوة واحدة كان يكمل في حزم وهو يدفن عينيه مرة أخرى في الأوراق امامه :
– بكرة أول حاجة تشتغلي عليها هي الملف ده وتسلميه لسهام بره بعد ماتخلصيه مباشرة .
لم تلتفت لكنها قالت بسرعة :
– بإذن الله، بعد إذن حضرتك.
وانطلقت خارجة من المكتب والذي تركت بابه مفتوحا بعد دخولها ثم أغلقته خلفها في هدوء، رفع رأسه يتطلع للباب الذي خرجت منه بصمت وهو يفكر لماذا يتعامل معها بهذا الشكل ولمَ يهتم لأمرها من الأساس؟! لم يجد إجابة لسؤاله ولم يحاول البحث أكثر فطرحه جانبا وهو يكمل عمله.
أما هي فخرجت من مكتبه مسرعة وألقت التحية على (سهام) وأخذت طريقها إلى حيث تقع صيدلية زوجها الراحل، أوقفت سيارتها أمامها مباشرة وترجلت منها متجهة للداخل، كان الدكتور (هشام) جالسا خلف مكتب جانبي يطالع جريدة يومية شهيرة ولم يشعر بقدومها فتنحنحت محاولة لفت انتباهه لوجودها رفع رأسه في ملل متطلعا للقادم وعندما رآها هب واقفا ورسم على شفتيه ابتسامة واسعة وهو يقول بترحاب كان واضحا جدا أنه مصطنع :
– ايه ده مش معقول ؟ مدام جمانة هنا ؟ نورتينا، اتفضلي
رسمت هي الأخرى على شفتيها ابتسامة باهتة وتساءلت :
– إزيك يادكتور هشام، أخبارك و أخبار الشغل والصيدلية ايه ياترى ؟
ابتسم بخبث مجيبا :
– طيب اتفضلي استريحي واشربي حاجة وبعدين نتكلم في الشغل.
نظرت إليه نظرة صارمة تلقاها هو بثبات فخفضت عينيها أرضا وهي تقول :
– معلش يادكتور أنا مش جاية أضايف هنا، أنا جاية أبلغك بموضوع مهم.
ضيق عينيه في تساؤل قلق فأكلمت :
– في واحد معرفة هييجي يتابع الصيدلية معاك شوية، زميل حسام الله يرحمه.
جز على أسنانه في غيظ لم يظهره ثم قال في توتر واضح :
– ليه يامدام جمانة هو أنا قصرت معاكم في حاجة ؟ ده أنا حتى بأجيبلك أخبار الشغل أول بأول ودايما بأجيبلك الحسابات تتابعيها .
أجابت بهدوء :
– أنا عارفة طبعا يادكتور وده مجرد حد معرفة مش هيكون موجود طول الوقت لأنه مشغول بصيدليته برده .
ثم أخذت نفسا عميقا مكملة :
– المهم عاوزة من حضرتك تتعاون معاه لأنه أكيد هيساعدك ويخفف الحمل عنك، إنت عارف إني مش بأفهم في شغل الأدوية ولا حساباتها والكلام ده فهتعتبره هنا مكاني.
رفع حاجبيه في دهشة وهو يتساءل بداخله : ألتلك الدرجة ؟ حسنا سنرى وترجم أفكاره قائلا :
– طبعا يا مدام جمانة دي صيدليتك وتشغلي فيها اللي إنت عاوزاه .
قالت بهدوء مهادنة :
– لا طبعا يادكتور حضرتك الخير والبركة وكفاية إنك شايلها بقى لك سنين.
اغتاظ وهتف بداخله : وهذا هو جزائي، تتركينها لآخر لكنه قال بدلا من ذلك :
– ربنا يخليكي يا مدام جمانة، ياترى ملك أخبارها ايه ؟ بقى عندها كم سنة دلوقتي ؟.
ردت باقتضاب لتشعره أنه لا دخل له بحياتها ولو بسؤال بسيط عن طفلتها :
– الحمد لله كويسة.
ولم تجب سؤاله الآخر فصمت في ضيق ، وعندما حاول جذب أطراف الحديث معها مرة أخرى محاولا الاستفهام عن الشخص الذي سيشاركه العمل وجد من يدخل بهدوء للمكان ملقيا السلام، رفعت (جمانة) عينيها إليه وردت سلامه في ألفة في حين رد هو بعدم تركيز ظنا منه أنه عميل واتجه إليه فقالت (جمانة) بسرعة :
– أعرفك يادكتور هشام .. ده كتور حسام عبد الرحمن اللي هيتابع الصيدلية مع حضرتك.
ابتسم (حسام) في هدوء واتجه لــ (هشام) الذي تطلع إليه في دهشة وابتدره (حسام) بالسلام مصافحا :
– إزيك يادكتور هشام، أتمنى مايكونش وجودي فيه أي ضيق .
وابتسم له ابتسامة لطيفة في حين ابتسم (هشام) في ضيق واضح وهو يصافحه قائلا :
– لا طبعا يا دكتور أهلا بيك.
كانت (جمانة) صامتة تتطلع إليهما وهما يتصافحان وتقارن بداخلها بين ابتسامة (حسام) الحقيقية وابتسام (هشام) التي تبدو مصطنعة تحمل كما كبيرا من الضيق والغضب لكنها تغاضت عن الأمر وقالت في هدوء معلنة عن رحيلها :
– طيب هأسيبكم أنا تتعرفوا وتتفاهموا على نظام الشغل مش هأوصيك يادكتور هشام.
ثم التفتت لـ (حسام) قائلة بامتنان :
– متشكرة جدا على وجودك يادكتور حسام أنا مضطرة أمشي لكن البركة في دكتور هشام طبعا وأنا مش هأقدر أفيدك في الشغل هنا ، ربنا يوفقكوا، بعد إذنكم.
ابتسم (حسام) مودعا في حين قال (هشام) ومازال الضيق ظاهرا عليه :
– مع السلامة يا مدام جمانة .
خرجت من المكان فالتفت (هشام) قائلا لزميله بضيق واضح :
– أهلا بيك يادكتور، ياترى تعرف مدام جمانة منين ؟
ابتسم (حسام) و رد بهدوء :
– معرفة قديمة يادكتور هشام.
تطلع إليه (هشام) محاولا الوصول لطريقة التعامل المثلى معه ولم يحاول كشف أوراقه له الآن فقال :
– طيب اتفضل معايا عشان أعرفك نظامنا هنا إزاي وباقي الشغل .
اتجه معه (حسام) لذلك المكتب الجانبي وبدأ العمل، في حين غادرت (جمانة) إلى منزلها وقصت على والدتها أثناء تناولهما الغذاء ماحدث في الصيدلية وختمت حديثها قائلة :
– عارفة يا ماما كان واضح جدا على دكتور هشام إنه متضايق من اللي حصل بس أنا عملت نفسي مش واخدة بالي، تفتكري فعلا بيعمل حاجة مش مظبوطة ؟
قالت والدتها :
– مش شرط ياجوجو، ممكن يكون حاسس بس إنك مش واثقة فيه أو إنه مش هيبقى مدير المكان زي الأول وبقى له فيه شريك، مع إني مش مستريحة له أصلا بس مفيش داعي لسوء الظن.
وافقتها (جمانة) بهزة من رأسها ثم اتجهت إلى غرفتها مع صغيرتها لتستريح من عناء ذلك اليوم .
مرت عدة أيام تابع فيها (حسام) الصيدلية بنشاط وهمة لم يعهدها في نفسه حتى في صيدليته الخاصة، كان قد ترك معظم مسئوليات صيدليته لشريكه فيها في أول أيام عمله في صيدلية (جمانة) ثم بدأ في تنظيم وقته وتنسيق العمل بينه وبين (هشام)، كان هو يعمل في وردية نهارية و(هشام) وردية ليلية تنتهي الساعة الثانية صباحا، كان يمر في أثناء عودته لمنزله من صيدليته الخاصة من أمام الصيدلية ليطمئن عليها ويتأكد من إغلاقها جيدا، في نهاية الأسبوع الثاني من عمله في المكان كان ذاهبا لمنزله مارا بالصيدلية كما اعتاد فوجدها مازالت مفتوحة قليلا وكأن (هشام) كان على وشك إغلاقها ثم عاد للداخل مرة أخرى، أصابه القلق فقرر أن يلقي نظرة، غادر سيارته واتجه لباب الصيدلية بهدوء، خفض رأسه ليمر أسفل الباب المعدني ويتطلع للضوء الخافت الصادر من الداخل، هم بمناداة (هشام) عندما وصلت لأذنه ضحكة أنثوية ماجنة بصوت منخفض من الغرفة الداخلية للصيدلية، تسمر في مكانه وعلت الصدمة وجهه ولم يعرف ماذا يفعل ؟ هل يدخل ليرى ما هنالك أم يقف مكانه بلا حراك، فكر لثوان أخرى بلغته فيها ضحكة ثانية وإن كانت أكثر مرحا كأن صاحبتها يدغدغها شخص ما، لم يستطع الحركة أو الانتظار فنادى بصوت عال يكسوه الحزم :
– دكتور هشاااام، حضرتك جوا !؟
مرت لحظات صمت شعر بها كدهر بعدها ظهر أمامه هشام من الداخل يصلح هندامه المبعثر قليلا ويمرر يده على شعره بتوتر مجيبا :
– دكتور حسام ؟ حضرتك هنا من إمتى وليه ؟
لم يدري (حسام) أيتساءل عمن بالداخل أم يرد على سؤاله وفقط ويترك كالأمر لينكشف تلقائيا، لكنه قال :
– أبدا كنت مروح وعديت من هنا لقيت الباب مفتوح وفي نور فقلقت؟ هو في حد هنا ؟
توتر (هشام) أكثر وتردد قبل أن يجيب :
– آآآآآ، لا لا مفيش أنا كنت بأراجع شوية حاجات كده وكنت مروح، اتفضل إنت روح وأنا هأخلص وأقفل .
نظر له (حسام) بغيظ وقال :
– لا لا شوف لو محتاج حاجة هأساعدك ونروح سوا .
هتف (هشام) بسرعة :
– لا مالوش لازمة تتعب نفسك دي حاجات خاصة بورديتي ومسئوليتي أنا هأخلصها وأمشي.
نظر له (حسام) مطولا وهو يتساءل أيقتحم الغرفة ليرى من بالداخل ويعرف سبب كذب (هشام) أم ينصرف ولا يسبب مشكلة في المكان في هذا الوقت، شعر أن (جمانة) لو علمت لما تحملت الأمر فآثر الصمت ونظر لـ (هشام) نظرة قال له من خلالها أنا أعلم ماكنت تفعله لكنني سأصمت الآن فقط ولكن حذار من تكراره، تلقى (هشام) الرسالة الصامتة بوضوح ونكس رأسه أرضا منتظرا رحيل (حسام) الذي قال في صرامة :
– طيب يادكتور هشام براحتك، بس لو سمحت ما تبقاش تتأخر بالشكل ده تاني، دي وصية مدام جمانة ولازم نحافظ لها ع المكان اللي استأمنتنا عليه، تصبح على خير .
قالها وغادر المكان بسرعة غير آبهٍ للرد.
الفصل السابع
**********
في اليوم التالي أنهت (جمانة) عملها على الملف الذي سلمه لها الأستاذ (محفوظ) حين وصولها ثم أعادته له فراجعه سريعا ثم ابتسم في إعجاب قائلا :
– ربنا يبارك لك يابنتي، شوفي إنت بقى لك معانا حوالي شهرين بس ماشاء الله ذكية وبتفهمي الشغل بسرعة وتخلصيه بسرعة يمكن أحسن من ناس كتير قدام هنا.
أطرقت برأسها في خجل وهي ترد :
– ربنا يخليك يا أستاذ محفوظ ده بفضل متابعة حضرتك وزمايلي مدام هالة وأستاذ عصام مش بيبخلوا علي بأي معلومة أو نصيحة، ربنا يجازيكم خير.
ابتسم (محفوظ) مرة أخرى لكن في حنان هذه المرة وعاد يقول :
– ومتواضعة كمان، يابنتي إنت تستاهلي كل خير، يلا هروح أسلم الملف للباشمهندس وإن شاء الله هيتبسط جدا .
قالت في سرها “هذا هو المستحيل بعينه، منذ وطأت قدماي الشركة وهو يحاول تصيد الأخطاء لي وجعل الأمور والعمل أكثر صعوبة “، لكنها ابتسمت في هدوء مجيبة :
– إن شاء الله .
وخالف (أدهم) توقعاتها عندما أعجبه بالفعل عملها وبلغ الأستاذ (محفوظ) بذلك، مرت أيام أخرى والعمل تارة صعب وتارة سهل وأخرى ممل، حتى ذلك اليوم، كان (أدهم) جالسا في مكتبه يراجع أوراق مناقصة جديدة تهتم بها الشركة، منهمك في عمله للغاية حتى أنه لم يشعر بـ (سهام) وهي تدلف لمكتبه وتنادي عليه إلا عندما مدت يدها أمام وجهه ملوحة لتلفت انتباهه وهي تهتف :
– باشمهندس !!!!
تراجع للخلف ورفع عينيه بسرعة ليجدها فعقد حاجبيه في غضب وهو يسأل في صرامة :
– ايه ده يا آنسة سهام ؟ في ايه ؟ وايه الطريقة دي ؟
ارتبكت (سهام) بشدة مجيبة :
– والله ياباشمهندس حاولت ألفت انتباهك كتير بالتليفون الداخلي والباب خبطت حضرتك ماسمعتش وناديت كتير وبرده …
قاطعها محاولا إنهاء الأمر فهو يعلم أنه كان منغمسا لأذنيه في الملف الموجود أمامه :
– خلاص خلاص، في ايه ؟
أشارت لهاتفه النقال وأجابت :
– موبايل حضرتك رن حوالي ست مرات وحضرتك مش واخد بالك خالص، قلت أنبه حضرتك يمكن في حاجة مهمة.
عقد حاجبيه وهو يتطلع للنقال في عدم فهم وهمس :
– موبايل ؟
ثم وكأنما انتبه فجأة فسألها :
– إنتِ سمعتيه من برا؟
أومات برأسها إيجابا فقال :
– طيب متشكر يا آنسة سهام اتفضلي على مكتبك.
انسحبت من مكتبه في هدوء في حين أمسك هو بهاتفه وتطلع للرقم الذي بالفعل اتصل عليه ست مرات، لم يكن يعرف الرقم وهو في الغالب لا يهتم برقم لا يعرفه لكنه ولسبب ما لم يعلم ماهو هذه المرة ضغط زر الاتصال، استمع للرنين على الجانب الآخر لثوان ثم فتح الخط وسمع الصوت :
– السلام عليكم .
اندهش وشعر بقلبه ينبض بقوة، لا يمكن أن ينسى هذا الصوت أبدا لذلك تساءل بلهفة :
– آدم !؟
جاءه صوت أخيه يجيبه مازحا :
– طيب رد السلام الأول يا أخي.
لم يشعر بنفسه وهو يقفز من خلف مكتبه ويتساءل بلهفة أكبر :
– آدم إنت في مصر ؟
سمع ضحكته التي اشتاق إليها ثم صوته الحنون الحازم دوما :
– هتفضل مجنون مهما كبرت والناس قالت عليك عقلت، أيوة ياسيدي في مصر.
تنهد (أدهم) تنهيدة ارتياح طويلة واستمرت اللهفة الشديدة في صوته وهو يسأله :
– إنت فين دلوقتي؟ هأجيلك حالا.
شعر بابتسامة أخيه من صوته وهو يجيب :
– أنا في فندق (—-) .
قال بسرعة وهو يلتقط مفاتيح سيارته :
– طيب أنا جايلك حالا.
ثم تذكر أمرا فسأله قبل أن يغلق الخط :
– آدم كلمت بابا ؟
شعر بضيق شقيقه عندما صمت للحظة ثم أجاب :
– لا لسه، تعالى إنت دلوقتي وبعدين نبقى نكلمه.
تضايق (أدهم) هو الآخر لكنه لم يظهر ضيقه وأنهى المكالمة قائلا :
– طيب مسافة السكة وأكون عندك.
ثم انطلق بسرعة ذاهبا لأخيه، دخل الفندق وسأل في الاستقبال عنه وقبل أن يجيب موظف الاستقبال سمع من خلفه صوته الحنون يناديه بشوق :
– أدهم.
التفت إليه بلهفة ولم يصدق عينيه وهو يملأهما بصورة أخيه ثم انطلق ورمى نفسه بين ذراعيه هاتفا :
– آدم وحشتني، وحشتني جدا جدا .
ثم نظر في عينيه معاتبا وهو يكمل :
– ينفع كده يا آدم؟ تغيب عننا ده كله وتتعبنا معاك وتقلقنا عليك.
جذبه أخيه من يده واتجه لأحد أماكن الجلوس في الاستقبال وهو يقول :
– تعالى بس يا أدهم، نقعد ونطمن عليك الأول وبعدين نبقى نتعاتب.
اتجه معه (أدهم) في استسلام وأخذ كل منهما مجلسه، لاحظ (أدهم) وجود طفل صغير يجلس بجوار (آدم) ويبتسم لهما في هدوء لايناسب سنه فتساءل عن هويته ورفع عينيه بذات التساؤل لأخيه، ربت (آدم) على رأس الصغير في حنان وقال :
– يوسف ابني.
علت الدهشة وجه (أدهم) وهو يتطلع للصغير وهو يردد :
– ابنك ؟
ثم رفع عينيه لأخيه وهو مازال يردد :
– ابنك ؟
علت ابتسامة وجه (آدم) وهو يجيب :
– أيوة يا أدهم ابني، ايه يابني غريبة ولا ايه ؟
نفض (أدهم) دهشته وهز رأسه قائلا :
– مش قصدي ، بس إنت اتجوزت إمتى ؟ وليه ماقلتش ؟ ومصرية ولا منين بالظبط ؟
تنهد (آدم) بعمق ثم أجاب :
– عادي اتجوزت في كندا زميلة من هناك بعد سفري بحوالي سنة وماقلتش لأني يمكن كنت غضبان أو زعلان أو عاوز أبعد وخلاص.
استغرب (أدهم) وعاد يقول :
– بس إنت كلمتنا من ييجي سنتين ليه ماقلتليش إنك اتجوزت وكمان عندك ولد، ابن أخويا ؟
وابتسم وهو يمد يده لـ (يوسف) فتطلع إليه الصغير في تردد ثم رفع عينيه لوالده الذي ربت على كتفه مشجعا وهو يخاطبه قائلا :
– عمو أدهم يا يوسف، سلم عليه .
اتجه الصغير لـ (أدهم) ومد يده بهدوء مصافحا فابتسم (أدهم) من طريقته و شده إليه وقبل رأسه ثم أجلسه بجواره وهو يقول لوالده :
– ابنك طالع لك يا آدوم، رزين وعاقل وخجول.
ثم قبل رأس الصغير مرة أخرى وأكملَ وهو يتطلع لعينيه الزرقاوين :
– إنما إيه القمر ده ؟ أنا هآخده معايا النادي بقى وأقول ابن أخويا أهو .
ابتسم (آدم) بحنان وهو يتطلع لصغيره الذي يحمل ملامحه هو العربية الوسيمة وعيني والدته الزرقاوين وشعرها الكستنائي وبشرتها البيضاء النقية ثم سمع (أدهم) يتساءل :
– أمال فين مامته ؟
رفع عينيه لأخيه وامتلأتا بالحزن ثم أجاب :
– مامته الله يرحمها.
شعر (أدهم) بالأسى على حال أخيه وعقَّب :
– الله يرحمها، احكي لي بقى كل حاجة من يوم ماسبتنا لحد النهاردة.
ثم فكر للحظة وأكمل :
– ولا أقولك إحنا نكلم بابا ونروح البيت وتحكي لنا كلنا هناك، إيه رأيك؟
عقد (آدم) حاجبيه وقال في حزم :
– أدهم إنت عارف ردي على سؤالك يبقى مالوش لازمة تسأله.
شعر (أدهم) بالحزن لكن أخاه أكمل وهو يرى الضيق على وجهه :
– إحنا هنتغدى النهاردة سوا هنا ونتكلم وأعرف أخباركم وربنا يسهل بعدها.
(أدهم) :
– طيب وبابا ؟ مش هتكلموا ؟ ده هيتجنن عليك يا آدم حرام كده .
(آدم) :
– أكيد هأكلموا بس إديني فرصة أستقر الأول.
(أدهم) :- مفيش داعي للكلام ده يا أدهم لأن إنت عارف كويس من إمتى، وعارف كويس ايه اللي حصل ورد فعل بابا كان إزاي ، أنا مش زعلان منه لدرجة إني مش هأكلمه لكن محتاج فرصة أجهز نفسي فيها ع الأقل نفسيا إني أتكلم معاه.
(أدهم) بلهجة حزينة :
– ليه يا آدم ؟ إنت مصمم تفكرني ومصمم تحاسب بابا مع إن ….
صمت للحظة ثم أكمل :
– مع إن مش هو السبب، أنا مش هادي لأمي العذر لأني فاكر كويس اللي حصل أيامها ، بس بابا مايستاهلش منك كده، إنت ماشفتش حالته بعد ماسبت البيت ولا بعد ماوصلنا خبر سفرك، ولا قد إيه حزن لما عرف إنك كلمتني عشان تطمن علينا وعلى سارة ومااهتميتش تكلمه، لازم تديله العذر وتسمعه وتسامحه حتى لو شايف إنه غلط، كلنا بنغلط المهم مانستمرش والمهم كمان اللي قدامنا لما نعترف بغلطنا يسامحنا.
(آدم) بعد لحظة تفكير :
– ربنا يسهل يا أدهم، مش كل حاجة بتتحل في دقيقة، يلا عشان نتغدى وأعرف أخباركم.
(أدهم) مع ابتسامة حزينة خفيفة :
– ماشي يا آدم براحتك.
ثم أمسك يد (يوسف) الصغير ونهض مخاطبا إياه :
– يلا يا جو لما نشوف آخرتها مع بابا إيه.
جلسوا جميعا على مائدة في مطعم الفندق وبعد طلب الطعام تحدث (أدهم) مع (يوسف) الصغير قائلا :
– ايه يا يوسف بتتكلم عربي ولا مش هنعرف نتفاهم ؟
ابتسم (يوسف) وقال بالعامية المصرية :
– لا بأتكلم ياعمو ومصري كمان.
علت الدهشة وجه (أدهم) والذي ظن أن الصغير لو افترض أنه يتحدث العربية فستكون فصحى وضعيفة في أحسن الأحوال أما أن يتحدث لهجة والده العامية فكان هو الأغرب، لكنه طرح دهشته جانبا وهو يبادله ابتسامته قائلا :
– ايه ده ؟ ماشاء الله ياجو ده إنت طلعت مصري أصيل أهو.
تحدث (آدم) مخاطبا أخاه :
– لورين كانت مهتمة إن يوسف يتكلم عربي كويس وبلهجتنا كمان، كانت دايما حريصة إننا نختلط بالجالية العربية والمصرية خصوصا هناك، وكان لها أصحاب مصريين كتير.
(أدهم) بتساؤل :
– لورين ؟
(آدم) :
– أيوة، مامة يوسف، حتى لما جينا نختار اسمه قالت عاوزة حاجة وسط تنفع هنا وهناك، مقبولة عند المصريين وفي كندا.
(أدهم) :
– احكي لي بقى ليه سافرت وعملت ايه هناك وإزاي اتعرفت على مامة يوسف ، عاوز أعرف كل حاجة.
تراجع (آدم) في مقعده وتنهد ثم أجاب :
– طيب نتغدى الأول بعدين نطلع الجناح فوق ونتكلم براحتنا .
أومأ (أدهم) برأسه موافقا ثم تناولوا طعامهم وصعدوا لجناحه، طلب (آدم) من ابنه أن يدخل غرفة النوم ويلعب هناك، أطاعه الصغير بشكل مدهش حتى أن (أدهم) تطلع إليه وهو يغادرهم ويغلق الباب خلفه ثم التفت لأخيه متسائلا :
– يوسف ده عسول أوي بس غريب، هادي جدا مااتكلمش كلمتين على بعض حركته مش مناسبة لسنه.
(آدم) بابتسامة أبوية حنون :
– يوسف من وهو صغير وهو هادي وخجول جدا، لورين كانت دايما بتحاول تخليه اجتماعي زيها ويختلط بالناس لكن كان بيفضل في وسط أي جروب هادي وساكت ومايتكلمش إلا لو حد وجه له كلام مباشر، كتير كنا بنعتقد إنه مريض أو أوتيستيك بس هو بخلاف انطوائه طفل عادي جدا وممتاز في دراسته ومع الأطفال في سنه اختلاطه معقول.
(أدهم) :
– معلش يمكن مشتت بين أب مصري وأم كندية ومش عارف يستقر مع مين فيهم .
قالها وابتسم محاولا إغاظة أخاه الذي بادله الابتسامة وهو يهز رأسه قائلا :
– مفيش فايدة فيك هتكبر وتبقى مدير وبرده مشاغب زي الأطفال .
ضحك (أدهم) بصوت عال و رد :
– ماشي ياكبير، المهم واحد عاقل والتاني مجنون عشان التوازن برده ….
ثم اتخذ مظهرا جادا وهو يستطرد :
– نتكلم جد بقى، احكي لي بالتفصيل الممل عملت ايه من ساعة ما سبتنا؟
رد (آدم) وهو يحاول اتخاذ وضع جلوس مريح :
– ماشي ياسيدي نبتدي من الأول، إنت طبعا عارف أنا سبت البيت ليه، لما مشيت ماكانش قدامي مكان ألجأ له ولا حد أعتمد عليه حتى شغلي كان مع بابا وبالتالي رجوعي له مش هيحصل، رحت للراجل اللي كنت بأعتبره زي والدي، دكتور محمد أستاذي في الجامعة وقتها، ولأنه كان قريب مني جدا حكيت له كل حاجة وهو ربنا يجازيه خير ساعدني ووقف معايا وجاب لي شقة إيجار في عمارة واحد قريبه، فضلت فترة هنا بأتابع شغلي في الجامعة لحد ما دكتور محمد عرض علي فكرة السفر والشغل في كندا، كان موفر لي فرصة كويسة هناك وفعلا، كنت حاسس إن كل الخيوط اللي بتربطني بهنا انقطعت تقريبا فانتهزت الفرصة وسافرت، هناك اشتغلت واكتسبت خبرة عمري ماكنت هاكتسبها هنا، اتعلمت أكتر واستفدت أكتر واتعرفت على لورين، كانت زميلتي في الشغل وفي نفس الوقت شعلة نشاط تمشي على قدمين، بتشارك في فعاليات كتير جدا يمكن على مستوى كندا ككل، تعرف عرب كتير جدا ومصريين كمان، قالت لي إنها زارت مصر مرة واحدة وانبهرت بكم العراقة فيها وماصدقتش كمية الإهمال الموجودة كمان، كانت سعيدة جدا إنها اتعرفت على مصري جديد اللي هو أنا، ومع الوقت حسيت بمشاعرها ناحيتي بتختلف، وحسيت إني أنا كمان بأحس معاها بشعور مختلف، وإنت عارف أخوك دوغري ومش بتاع لف ودوران، عرضت عليها الجواز والمفاجأة إنها وافقت فورا، واتجوزنا وبعد سنة بالتمام ربنا رزقنا بيوسف ونقلنا أونتاريو وعشنا فيها خمس سنين كانت أجمل فترة عشتها وحسيت فيها باستقرار، بعدها …
صمت (آدم) لحظات وكأنه يستجمع أفكاره ويداري حزنا طفى على السطح ثم أكمل :
– بعدها اكتشفنا إن لورين عندها كانسر وللأسف لما عرفنا كانت الحالة متأخرة والمرض بدأ ينتشر فعلا، هي كانت كتير بتتوجع بس كانت عايشة على المسكنات اللي وصلت معاها لحد الإدمان أحيانا وكانت مخبية موضوع آلامها عننا كلنا، بعدها بسنة ماتت لورين وسابتني أنا ويوسف، جده وجدته كانوا من أجمل الناس اللي عرفتهم وطبيعي بنتهم تكون جميلة زيهم، كانوا تعويض لحاجات كتير اتحرمت منها، ولما أخدت قرار الرجوع لمصر عشان يوسف يتربى ويتعلم هنا، كنت خايف جدا من رفضهم لكن شجعوني وقالوا لي الزيارات مش هتتقطع أبدا سواء هنا أو هناك وإني أعمل اللي شايف فيه مصلحة ابني، وبس ياسيدي خلصت التزاماتي هناك وودعت أصحابي وجبت ابني وجيت، وكنت أنت أول واحد أفكر أتصل بيه.
استمع إليه (أدهم) في صمت يتخلله بعض الحزن، حزن لما ألّم بأخيه واضطراره لترك موطنه، حزن لغربته وبعده عن أهله ثم فراق زوجته، لكنه قال في النهاية :
– تعبت كتير يا آدم بس ربنا عوضك بزوجة حبتك وابن يسعدك، ربنا يجعله ذرية صالحة، واضح إنك كنت بتحبها.
فكر (آدم) في كلمة أخيه ثم رد :
– هو مش الحب المعروف اللي انت بقى تفضل تفكر في اللي بتحبه وتسهر وتحلم بيه ومااعرفش ايه ، أنا لقيت معاها حاجة تانية، سكينة واطمئنان واحتواء، حاجة كنت محتاجها وهي كانت معطاءة فيها لأبعد حد، ببساطة علقت قلبي بيها وحس إن هي السكن بتاعه.
(أدهم) :
– ربنا يرحمها ويخليلك يوسف.
(آدم) :
– آمين يارب .
(أدهم) بتساؤل متردد :
– مش هتكلم بابا بقى وتطمنه عليك ؟
(آدم) بعد برهة صمت :
– بلغه إنت يا أدهم وأنا هنا مش هاروح بعيد.
(أدهم) :
– ليه كده بس، إنت غبت عنه كتير ووحشته أكتر، من حقه تكلمه إنت وتفرحه برجوعك.
(آدم) :
– أكيد هاكلمه وهاشوفه كمان، بس بخصوص إني رجعت تقدر تقوله إنت، أنا لسه محتاج أظبط أموري هنا وبأفكر أفتح مكتب صغير كده على قدي عشان شغلي.
(أدهم) بدهشة :
– مكتب ؟ إنت في ايه يا آدم ؟ يعني مش عاوز تبلغ بابا برجوعك وقلت ماشي لكن كمان مش عاوز ترجع شغلك في الشركة ؟ بص دي مش مسألة شغل بس ده شركتك إن شاء الله بعد عمر طويل وليك فيها زيي بالظبط، ومش من حق أي حد يرفض وجودك فيها.
(آدم) :
– إنت بتهزر يا أدهم، إنت فاكر إني ممكن أرجع أي مكان يربطني بـــ ….
ولم يكمل جملته لكن أخاه فهم ما أراد قوله وشعر بالحنق لذلك هتف في غضب :
– يربطك بمين يا آدم؟ بي ولا بأبوك ولا أختك وأهلك ؟ دول اللي مش عاوز ترتبط بيهم ؟
(آدم) :
– ماتفهمنيش غلط يا أدهم إنت عارف قصدي كويس.
(أدهم) وهو مازال حانقا :
– لا للأسف مش عارف، مالك؟ كنت فاكرك أعقل من كده وبأقول مثلي الأعلى ، جاي في الآخر عاوز تقطع رحمك يا آدم، آخر حاجة كان ممكن أتصورها إنك توقف حياتك وعلاقتك بأبوك وإخواتك عشان موقف ضايقك حتى لو من أمي.
(آدم) بتردد :
– يا أدهم افهمني المسألة مش قطع رحم حاشا لله إني أعمل حاجة زي دي، المسألة من أولها لآخرها حرج، صعب بالنسبة لي أرجع مكان خرجت منه قبل كده شبه مطرود وكان هيجيلي فيه البوليس كمان.
(أدهم) بضيق :
– مفيش داعي تفتح الموضوع ده تاني ومفيش حاجة اسمها حرج، أنا ماقلتلكش ارجع البيت أنا بأتكلم عن الشركة وشغلك فيها، يا آدم إنت اللي علمتني ألف باء تجارة واقتصاد ومناقصات جاي دلوقتي تقولي لا هاشتغل لوحدي ومش راجع معاك، وعلى فكرة الشركة دلوقتي أنا اللي بأديرها وبابا بقى له حوالي 5 سنين بييجي زيارات سريعة لو في حاجة مهمة محتاجة وجوده وخلاص والباقي بيتابعه من البيت يعني هتشتغل معايا أنا ياسيدي.
(آدم) وقد سأم من كثرة الحديث في هذا الأمر :
– خلاص يا أدهم ربنا يقدم اللي فيه الخير، مش جاي تشوفني عشان نتخانق سوا.
قام (أدهم) من مكانه واتجه إلى أخيه، جلس بجواره وربت على كتفه وهو يقول :
– أنا مش بأتخانق ياآدومة وانت عارف، أنا نفسي ترجع زي الأول تبقى معايا وتساندني وتشجعني وتقف جنبي، شوف من غير كلام كتير أنا هأبلغ بابا إنك رجعت النهاردة وهأديك فرصة أسبوع تستقر فيها سواء نفسيا أو ماليا أو حتى موضوع السكن ومش هأغصب عليك ترجع البيت تاني وبعدها هأستناك في الشركة ومفيش نقاش، أينعم إنت الكبير بس أنا بأقولك أهو.
ثم ابتسم وهو يشير بإصبعه في وجهه محذرا، فحرك أخاه يده وهو يبعد إصبعه قائلا في مرح :
– طيب بس بلاش الصباع ده.
ضحكا سويا ثم وقف (ادهم) وقال وهو يتطلع للغرفة التي يلعب بداخلها يوسف :
– بابا هيفرح أوي بيوسف، هو عنده كم سنة يا آدوم؟
(آدم) :
– 8 سنين .
(أدهم) ضاحكا :
(أدهم) :
– أتجوز مين ياعم خلي الطابق مستور، قال جواز قال، وسارة ياسيدي مطلعة عيني وزي العسل زي ماهي،
(آدم) بدهشة :
– خلي الطابق مستور؟ ايه يا أدهم اعترف في ايه ؟
(أدهم) وهو يضحك :
– مفيش يابني بس مالقيتش الواحدة اللي تقدر تحركني لسه، أعمل ايه يعني ، قلبي قفله مصدي .
(آدم) بابتسامة :
– ربنا يرزقك باللي معاها المفتاح ، يلا بينا نروح لجو عشان زمانه زهق لوحده.
واتجها للغرفة الجانبية التي جلس فيها (يوسف) يلعب ويشاهد التلفاز، مضى (أدهم) بعض الوقت مع أخيه وطفله ثم عاد للمنزل بعدها وهو يفكر كيف سيخبر والده بعودة (آدم) !.
الفصل الثامن
**********
اجتمعت عائلة (الحسيني) على طاولة العشاء وكل منهم يأكل من طبقه في صمت وتعتمل بداخل عقله فكرة مختلفة عن الآخر، كان (جلال) يفكر في ولده البكر الذي لا يعلم عنه شيئا منذ مدة، حزينا لفراقه وأكثر حزنا لسبب الفراق نفسه، يتعمق حزنه ويزداد ألمه كلما طال الفراق ومقاطعة ولده له ولأخوته، أما الأم (فريدة) فكانت تفكر في طريقة تقنع بها ولدها (أدهم) أن يترك (دينا) ابنة صديقتها تعمل معه في الشركة، تعلم أن ابنها عنيد ولا يطيق الفتاة لكنها تحاول جاهدة إيجاد طريقة تصلح لإقناعه، و(أدهم) كان لا يأكل تقريبا وهو يعبث بالطعام في طبقه محاولا إيجاد طريقة يخبر بها والده أن أخاه (آدم) قد عاد من سفره الطويل، الوحيدة التي كانت تفكر وتتساءل عما يفكرون به جميعا كانت (سارة) والتي داعبت شقيقها متسائلة :
– ايه ياباشمهندس انت هنا ولا رحت فين ؟
رفع (أدهم) عينيه إليها للحظة في صمت ثم ابتسم ابتسامة خافتة وهو يجيب :
– هنا وعندي خبر هيفرحك …. يفرحكم .
تردد في صيغة الجمع التي بالضرورة لن تضم والدته فهي لن تسعد بعودة أخيه من سفره، بعدها سأله والده :
– خير يا أدهم خبر ايه ؟
أما سارة فداعبته محاولة إغاظته قائلة :
– إوعي تكون طبيت ياكبير ؟
هز رأسه وهو يبتسم في حين نهرتها والدتها بعصبية :
– ايه يابنت الكلام ده ! اتكلمي كويس وبلاش ألفاظ السواقين دي.
ردت (سارة) ضاحكة :
– احم احم ، سوري يا ماما.
أما (أدهم) فأجاب بابتسامة مترددة :
– ريحي نفسك ياسارة وعموما كنت نفسك تبقي عمتو أديك بقيتي عمتو أهو.
اختفت ابتسامتها وهي تتطلع إليه بدهشة لم تكن أقل من دهشة والديه والتي تحولت لسؤال صارم من والده :
– قصدك إيه يا أدهم ؟
أجابه (أدهم) بسرعة حاسما أمره :
– آدم رجع من السفر يابابا .
لمعت عينا والده بمزيج مدهش من الحزن والفرحة، فرحة بعودة ولده الذي اشتاق إليه وحزن أنه يعلم من ابنه الآخر وليس من (آدم) نفسه، أما (سارة) فقالت بسعادة :
– ايه ده معقول آبيه آدم رجع ؟ امتى وهو فين ؟ واحشني جدا .
أما والدته التي توقع رد فعلها قامت من مقعدها وهي تضع شوكتها في الطبق بعنف قائلة بعصبية :
– أنا طالعة ارتاح.
اتجهت للطابق العلوي دون أن تنظر إليهم ودون أن يردوا عليها فقط تطلعت إليها سارة بدهشة، سأل (جلال) ابنه :
– إنت عرفت إزاي إنه رجع ؟ شفته ولا كلمك ؟ وهو عامل ايه ؟
(أدهم) مبتسما للهفة والده :
– هو كلمني يابابا وشفته ، وهو الحمد لله كويس و…..
تردد قليلا في الإفصاح عن زواجه وعن وجود ابنه فاستحثه والده :
– و إيه يا أدهم ؟
(أدهم) :
– آدم اتجوز وعنده ولد.
علت الصدمة وجه والده ممتزجة بألم واضح، في حين صرخت (سارة) بفرحة واستغراب :
– إيه اتجوز وعنده ولد؟ يعني أنا عمتو؟ أخيرا .. أحمدك يارب .. كنت فقدت الأمل خلاص .
قالتها وهي تنظر لأخيها مغيظة إياه لكنه لم يلتفت لدعابتها وهو يتطلع لوالده بقلق عندما تمتم في تساؤل لم ينتظر إجابته :
– اتجوز وخلف كمان ؟
ثم رفع عينيه لولده وسأله :
– وهو فين دلوقتي يا أدهم ؟
(أدهم) بقلق على والده :
– قاعد في فندق (…..) لحد مايلاقي شقة مناسبة.
(جلال) بحزن :
– شقة ؟
أما (سارة) والتي كانت طفلة عند رحيله فتساءلت باستغراب :
– شقة ؟ ليه يا أدهم هو مش هييجي يعيش معانا ؟
ثم ابتسمت وحسبت أنها فهمت الأمر فاستطردت :
– ولا مدامته مش عاوزة ؟
رد (أدهم) بخفوت :
– مراته ماتت ياسارة.
وهكذا توالت الصدمات، بدا الانزعاج على وجه (سارة) وعلى وجه الأب اختلط بالألم والحزن مع شعور هائل بالشفقة على ولده الذي فقد أولا أمه ثم زوجته، لكنه تماسك وسأل (أدهم) في حزم :
– طيب يا أدهم خلص أكلك والبس عشان هنروح له حالا.
تطلع إليه ولداه في دهشة لكن (أدهم) لم يعلق أما (سارة) فألحت كطفلة صغيرة :
– بابا ممكن آجي معاكم، واحشني بجد وعاوزة أشوف ابنه .
انتظر (أدهم) رد والده الذي تطلع لـ (سارة) قليلا ثم هز رأسه موافقا وقال :
– ماشي ياسارة اجهزي يلا.
********
وصل (جلال الحسيني) للفندق الذي يقيم به ولده مع (أدهم) و (سارة) وبعد تقديم نفسه في الاستقبال صعد لغرفته، وأمام الباب تردد، يريد طرقه، أن يضم بكريه بين ذراعيه، يعوضه ما فات، لكنه يخشى رد فعله عندما يراه، هل سيتقبله أم لا ؟ تطلع إليه (أدهم) شاعرا بما يعتمل داخله أما (سارة) فنظرت لوالدها بقليل من الدهشة وهي تتساءل :
– إيه يابابا مش هتخبط ؟
أفاق من شروده على سؤال ابنته فتطلع إليها لحظة في صمت ثم طرق الباب طرقات خافتة خجولة سمع بعدها صوت ابنه من الداخل يجيب بسرعة :
– لحظة واحدة.
شعر بالاشتياق والحنين يغزو قلبه، التوتر بدأ يعتلي ملامحه وتجعد وجهه في قلق، لحظات أخرى وانفتح الباب ليظهر وجه (آدم) البشوش وهو يعتقد أنها خدمة الغرف، لكنه فوجئ بوالده وأخويه، ظل يتطلع إلى عيني والده في صمت وفي خيال كل منهما دار حوار تبادلته أعينهما ولم يفصح عنه اللسان ولا تكفيه كلمات، حوار امتلأ بالشوق، بالحزن، بالدموع المحبوسة في مآقيها، بالحنين، بالذكريات الحلوة والمرة، وبالسعادة، طال الصمت والذي كان من الغريب أن (سارة) لم تقطعه كعادتها لكنها بقيت تطلع لكليهما باستغراب و فقط لم تتكلم وكأنها رغبت أن تستمر محادثة الأعين تلك وصمتت إجلالا لها، كان (أدهم) هو من تساءل فجأة :
– ايه يا آدم، ايه يا بابا، هنفضل واقفين هنا كتير ؟
كان يريد قطع حديث الذكريات بين العيون الذي لاشك أنه يحمل بعض المرارة والتي لن تكون في صالح لقاءهما سويا، التفت إليه (آدم) ببطء وشرود ثم أفاق على صوت والده الهامس :
– آدم !
– طيب خلي المشاعر الحلوة دي جوا بدل ماحد يشوفنا ويفهمنا غلط .
انسلخ (آدم) من بين ذراعي والده ببطء فشعر الأب بانسلاخ روحه معه، كان يحاول إفساح الطريق لهم ليدخلوا لكن والده لم يترك كفه وهو يدخل للغرفة ويملأ عينيه بملامح ابنه التي طالما اشتاق إليها، سلم (آدم) على (سارة) الصغيرة وهو يداعبها ويشد خصلة من شعرها القصير قائلا بحنان :
– كبرت ياسارو وبقيتي آنسة محترمة، فين الشعر المنكوش الكيرلي بتاع زمان ؟
ضحكت (سارة) بطفولة وهي ترد :
– منكوش ايه بقى، إحنا خلاص تخطينا المرحلة دي من زمان.
أما (أدهم) فضحك هو الآخر و قال :
– يابني آنسة ايه ؟ دي أخوك الصغنن بس إنت مش واخد بالك، مش شايف عاملة ايه في شعرها 2 سم أقصر وتبقى حلاقة جيش .
نظرت إليه (سارة) في غضب طفولي في حين وكزه (آدم) في كتفه موبخا وهو يربت على رأسها قائلا :
– بس إنت خليك في دقنك اللي بتحلقها في السنة مرة، سيبلي أنا القمر الحلو ده، وحشتيني يا سارو أوي .
ظل والدهم يتطلع إليهم في حنان وشوق لتلك الأوقات السعيدة التي كانوا يتشاكسون فيها وهم صغار ، كان (آدم) دوما حنونا متفهما يتعامل مع أخويه بحنان أبوي وخاصة الصغيرة (سارة) على العكس من (أدهم) المشاكس دوما، تساءل الأب بعد لحظات :
– فين ابنك يا آدم ؟
التفت إليه ولده يملأ عينيه بملامح والده المجهدة والتي ارتسم عليها اشتياق واضح ثم رد :
– نايم يا بابا، متعود ينام بدري خاصة إنه هيصحى بدري الصبح عشان مواعيد الدراسة قربت وعاوزين نشوف له مدرسة كويسة.
(الأب) :
– طيب عاوز أشوفه، حتى لو نايم مش لازم أكلمه.
تطلع إليه ولديه في صمت في حين قالت (سارة) :
– وأنا كمان عاوزة أشوفه .
التفت إليها أخويها ثم نهض (آدم) من مقعده وأشار لهما أن يتبعانه وهو يتجه لغرفة جانبية فتبعاه بصمت وهو يفتح باب الغرفة بهدوء شديد ويطل منه مشيرا ناحية الفراش في أحد أركانها، دلفوا إلى الداخل بخفوت، تطلع الأب للصغير النائم في فراشه كملاك بحنان شديد أما (سارة) فاقتربت من الفراش تتطلع إليه عن قرب ثم مسحت بأصابعها على شعره برفق وطبعت قبلة حانية على جبهته وعادت إلى جوارهما ثانية، لم يتحرك الأب من مكانه وظل يتطلع للصغير كأنما التصقت عيناه به ، عيناه التي امتلأتا بمشاعر كثيرة متضاربة، حب وحنان، شوق وشفقة ممتزجة بعطف لذلك اليتيم الصغير الذي ذكره بابنه الأكبر والده، لم يفق من شروده إلا على جذبة حانية من يد ابنه (آدم) تنبهه ليخرجوا من الغرفة، التفت إليه بشرود ثم تبعه للخارج، تحدثوا كثيرا وحكى لهم (آدم) الكثير مما مر به، الكثير عن غربته وزوجته وطفله، فضفضة لم يتوقع من نفسه أبدا أن ينطق بها خاصة لوالده الذي اعتصره الغضب والحزن منه في يوم ما، يوم شعر فيه بمرارة اليتم للمرة الثانية بعد فقدانه لوالدته وهو بعد رضيع، كان وقت الفجر قد اقترب ولم يشعروا جميعا بمرور الوقت إلا عندما رفع الآذان الأول في مسجد شهير قريب فتنحنح (أدهم) قائلا :
– ياخبر الفجر هيأذن وإحنا مش حاسين بالوقت، يلا يابابا عشان تروح ترتاح وآدم أهو موجود وهيزهقك من هنا ورايح، وعدني إنه هييجي يقف جنبي في شغل شركتنا زي زمان .
قالها كأنما يؤكد على أخيه وعده السابق، فتطلع إليه لحظة في صمت طال حتى قال الأب :
– بتفكر كتير ليه يا آدم ؟ مش عاوز تشتغل في شركتك كمان؟ طيب البيت وقلنا ماشي إنما الشركة دي بتاعتك إنت وأخواتك وماحدش يقدر يخرجك منها .
اندهشت (سارة) من كلام والدها لكنها لم تتدخل في حين رد (آدم) :
– مش بأفكر ولا حاجة يا بابا ، ربنا يسهل بإذن الله ألاقي مكان كويس نعيش فيه أنا وجو وبعدين نشوف موضوع الشغل .
لم يعقب والده على موضوع سكنه ذلك فهو يعلم أن ابنه لن يعود لفيلا زوجته مهما حدث وله الحق في ذلك، فقال :
– موضوع السكن محلول يا آدم لي أصحاب كتير في المقاولات هأعرف أجيب لك مكان يليق بيك .
ارتسمت ابتسامة باهتة تحمل لمحة ساخرة على شفتي (آدم) وهو يغمغم :
– المهم مكان أرتاح فيه.
فهمه والده جيدا أما (أدهم) فشعر بقليل من الغضب لكنه يعلم جيدا أنه لا حق له في ذلك فاكتفى بالصمت، (سارة) اكتفت بمتابعة حديثهم في صمت ممتزج بالدهشة لكنها أخذت قرارا بداخلها أن تعلم السبب فيما يحدث الآن ولمَ يرفض أخوها الإقامة معهم ؟ اقترح (آدم) أن يصلوا سويا في مسجد الفندق فمازحه (أدهم) هاتفا :
– ايه ده رحت كندا ولسه برده عم الشيخ ؟
نظر إليه (آدم) كأنه ينظر لطفل صغير طائش ورد بسخرية :
– ليه هو اللي بيصلي اليومين دول يبقى شيخ ؟.
لكزه أخاه في كتفه وهو يشعر بالغيظ ثم قال :
– طيب يلا ياسيدي عشان الإقامة قربت.
والتفت لشقيقته مستطردا :
– سارة خلي بالك على جو على مانيجي .
ابتسمت (سارة) في حنان وهي تنظر لغرفة الصغير مجيبة :
– ماتقلقش .
ذهبوا للصلاة في حين اتجهت (سارة) لغرفة (يوسف) وجلست متكئة بجواره تتطلع إليه بحنان وهي تنتظر عودتهم لتصلي هي الأخرى .
********
كانت الشمس تعانق السحب وترسل بضوئها الأرجواني على الموجودات عندما دلف (جلال) وابنه وابنته من باب الفيلا، وجدوا (فريدة) في استقبالهم والحنق والغضب مرتسم بأشد صوره على وجهها، تطلعوا إليها جميعا في صمت ممتزج بالقلق خاصة عندما صاحت في غضب :
– والله؟ لسه فاكرين ترجعوا دلوقتي ماكنتوا تخليكم معاه أحسن.
أشار (جلال) لولديه في حزم قائلا :
– أدهم خد أختك واطلعوا ارتاحوا، شوية كده وانزل الشركة يا أدهم.
(أدهم) بتوتر حاول إخفاؤه :
– لا يا بابا أنا هاروح الشركة دلوقتي، بعد إذنكم.
وانطلق مغادرا المكان هاربا من إعصار يعلم جيدا أنه انطلق من عقاله، المهم أن يغادر الفيلا حتى ولو لم تفتح الشركة أبوابها بعد، أما (سارة) فازداد فضولها أكثر وأكثر بعدما رأت رد فعل والدتها على زيارتها وأخيها ووالدها لأخيها الأكبر (آدم) لكنها فضلت الانسحاب الآن فاتجهت صاعدة لغرفتها بصمت يتبعها والدها الذي صرخت زوجته فيه :
– جلال، أظن أنا باكلمك.
التفت إليها قائلا بهدوء صارم :
– فريدة عاوزة تتكلمي يبقى نتكلم في أوضتنا وبهدوء من غير صوت عالي، مش هنفرج الشغالين علينا.
شعرت بالغيظ ينهشها لكنها استجابت إليه علها تشفي غليل قلبها، تبعته لغرفتهما وما إن دخلتها وأغلق الباب خلفهما حتى هتفت بصوت عال :
– أدينا بقينا لوحدنا ياجلال، ممكن أفهم في ايه بقى ؟ وابنك ناوي على ايه؟ هييجي يعيش معانا هنا تاني هو ومراته وابنه ؟
تطلع إليها في حنق، كان حزينا بسبب ماعلمه عن ابنه وامتزج حزنه بالغضب الشديد عندما رأى طريقة تفكير زوجته، أحيانا يفكر كيف اختارها لتكون أما ثانية لـ (آدم) بعد رحيل أمه لكن يعود فيقول أنه خطؤه منذ البدء وعليه تحمل نتائجه خاصة وأن ابنه وابنته يحبان أخاهما كثيرا تنبه من شروده على صوتها الغاضب يتساءل ثانية :
– جلال ، أنا بأكلمك.
رد عليها بجفاء واقتضاب :
– ريحي نفسك يافريدة آدم مستحيل يرجع بيتك مع إنه بيت أبوه ومراته مش هتشوفيها لأنها ماتت الله يرحمها وما أعتقدش إنك هتشوفيه أو تشوفي ابنه أصلا.
كان بعض الارتياح قد ظهر على ملامحها مما أثار غضبه أكثر لكنها قالت :
– وهو أنا قلت مايجيش يعيش معاك، إنت باباه يعني.
زم شفتيه بمزيد من الغضب مكملا كلامها :
– وده بيتك يافريدة وهو مستحيل يرجع فيه بعد اللي عملتيه قبل كده.
(فريدة) بدفاع :
– عملت ايه ياجلال إنت عارف إني اتسرقت وهو الوحيد اللي كان متاح له يدخل أوضتي مع أدهم وسارة مش حد تاني والشغالين اتفتشوا وأوضهم اتفتشت كلها يومها وأدهم مستحيل يعمل حاجة زي كده وسارة كانت صغيرة يبقى مين …..
قاطعها بغضب أخافها :
– فريدة الموضوع ده لو اتفتح تاني هتكون نهايته وحشة خليه مقفول أحسن وإياكي تفكري في حاجة زي دي أو تتكلمي فيها مع حد تاني وكفاية أدهم اللي شوهتي صورة أخوه مثله الأعلى قدامه.
(فريدة) وهي مازالت تدافع عن نفسها :
– قلت لك ياجلال إن مفيش حد تاني ممكن …….
قاطعها مرة أخرى بإشارة حازمة من يده وهو يمسك ذراعها بيده الأخرى هاتفا بحدة و صرامة :
– الموضوع ده مش هيتفتح تاني يافريدة فاهماني ولا لا ؟ جلال الحسيني اللي عمل لك خاطر زمان وضيع ابنه منه عشر سنين لحد مااتجوز وخلف وابنه كبر وهو مايعرفش مش هيعمل خاطر المرة الجاية، ماتخليش غيرتك وأنانيتك تخليكي تعملي أي تصرف تندمي عليه بعدين.
(فريدة) بغضب :
– إنت بتهددني ياجلال ؟ وعشان مين ؟
(جلال) بمزيد من الغضب وهو يترك ذراعها :
– ده مش تهديد يافريدة، إنت عارفة كويس إني مش بتاع تهديدات وإن اللي بأقوله بأنفذه فورا، حافظي على بيتك وخليكي في حالك ومالكيش دعوة بابني.
تطلعت إليه في غضب، كانت تعلم كم هو محق، وتعرف أن غضبه عندما ينطلق من عقاله لا يمكن الإمساك بلجامه أو السيطرة عليه فآثرت الصمت ولو بشكل مؤقت ثم تصنعت الاهتمام قائلة :
– خلاص ياجلال، ماليش دعوة بيه ولا بابنه، إنما هو هيعيش فين طيب وهيشتغل إزاي مادام مش عاوز يبقى له علاقة بينا ؟.
نظر لها في صمت، كان يعلم غرضها تماما من تلك الأسئلة فقطع الشك باليقين وأعطاها ما أردات حتى ينتهي الأمر :
– هيشوف شقة يافريدة والشغل هيشتغل في شركته طبعا ولا عاوزاه يدور على شغل وهو ماله موجود.
شعرت بالغيظ يأكلها، من أين ظهر لها ؟ ألم يهاجر ويترك البلد من سنين ؟ مالذي أعاده لينغص عليها حياتها ثانية ؟ ظهرت مشاعرها وأفكارها على وجهها بوضوح لأنها كانت أقوى من أن تخفيها ببراعة وقرأها (جلال) جيدا لكنها قالت بعد فترة قصيرة من الصمت :
– يعني هيشتغل في الشركة عند أدهم ؟
كانت نظرته قاتلة في هذه اللحظة لكنه أجاب في هدوء يخفي عاصفة تصول وتجول بداخله :
– مع أخوه يافريدة مش عنده، آدم له فيها زيه زي أدهم بالظبط ويمكن أكتر، ماتنسيش إنه بناها معايا لحد ماوصلت للي هي فيه دلوقتي.
لم تحاول الاعتراض فهي تعلم جيدا أنه يستفزها بقوله لذلك آثرت السلامة وأنهت الموضوع :
– طيب ياجلال، عملت إيه في موضوع شغل دينا؟ كلمت أدهم ؟
تركها تغير الموضوع كما أرادات فهذا يريحه أكثر وأجاب :
– لا لسه ماكلمتوش.
تساءلت في دهشة :
– ليه لسه ياجلال الموضوع كلمتك عليه من شهور وأنا كل ده فاكراك بتمهد لأدهم الفكرة.
هز كتفيه بعدم اهتمام و رد :
– ابقي كلميه إنت يافريدة، أظن إنك قلت لي أسيب الموضوع عليكي وماقلتليش إني هأدخل فيه.
شعرت بالغيظ لكنها تماسكت فهي لا تريد إفساد الأمر معه لذلك قالت :
– خلاص ياجلال أنا هأكلمه، هتنام دلوقتي ؟
اتجه لدولاب ملابسه وفتحه موليا إياها ظهره مجيبا باقتضاب :
– أيوة هأنام.
(فريدة) :
– طيب هاسيبك تستريح.
ثم تركت الغرفة متجهة لحديقة الفيلا بعد أن أمرت بتحضير فطورها ولم تهتم حتى بسؤال زوجها أو ابنتها عن احتياجهم للفطور أم لا، كان عقلها مشغولا بطريقة لتفتح بها موضوع عمل (دينا) في الشركة مع (أدهم) بل وتقنعه به، أما (جلال) فقد انتظر خروجها من الغرفة وابتعادها عنها ثم أمسك هاتفه النقال واتصل بأحد الأرقام المسجلة لديه، انتظر قليلا ليستمع للرنين في الجهة الأخرى ثم أعقبه صوت مرح يهتف في صخب :
– جلجل، مش معقول وأخيرا افتكرتنا.
شعر (جلال) بالحنين لصاحب الصوت وعلت ابتسامة شفتيه وهو يجيب :
– إبراهيم، إزيك، لك وحشة.
(إبراهيم) بمرح :
– لا ياشيخ، لو كنا وحشناك انا والشلة كنت زرتنا ولا حتى سألت علينا، إنما إنت بعدت ولا بتسأل ولا بتهتم.
(جلال) وهو يعلم طيبة قلب صديقه فهو على الرغم من استيائه من المقاطعة التي كانت (فريدة) أحد أسبابها إلا إنه كان يحادثه بمرح أزاح عنه ثقلا :
– معلش يا إبراهيم إنت عارف المشاغل والحياة بتاخد الواحد لدرجة إنه بينشغل عن أقرب الناس ليه، وأنا مااقدرش أنساكم أبدا، إنتوا عشرة عمري.
(إبراهيم) وهو يرفع الحرج عن صديقه أكثر :
– ماشي ياعم ربنا يعينك، المهم طمني عليك، وإزي الولاد؟
(جلال) :
– الحمد لله كلنا كويسين وإنت وولادك عاملين ايه ؟
(إبراهيم) :
– احنا تمام بس محتاجين نشوفك، ماريا بقى عندها بيتر وميرا ويوسف عنده إبراهيم الصغير.
(جلال) :
– ماشاء الله ربنا يخليهم.
ثم تردد لحظة حسم بعدها أمره قائلا :
– إبراهيم كنت قاصدك في خدمة.
(إبراهيم) :
– خير ياحبيبي؟ يعني اتصال مصلحة ! ماشي.
قالها وضحك فبادله (جلال) ضحكته ثم قال :
– يا إبراهيم ماتقولش كده إنت عارف إني مش بالجأ إلا ليكم وقت الشدة.
(إبراهيم) وهو يطيب خاطره :
– عارف ياجلجل ولا يهمك ، خير اؤمرني ؟
(جلال) :
– عندك أي عمارة فيها شقق فاضية بس تكون كويسة في مدينة نصر ؟
(إبراهيم) :
– أيوة عندي، في عمارة جديدة يادوب هأخلص تشطيبها كمان أسبوعين بالكتير في الحي الثامن، بس لمين ؟
(جلال) :
– آدم ابني رجع من السفر وعاوز له شقة كويسة ومش عاوزه يلف كتير وفي نفس الوقت تكون قريبة من الشركة.
(إبراهيم) :
– بجد ؟ رجع إمتى الواد حبيبي ده؟ ماشفتوش من أيام ماساب البيت عندك.
(جلال) :
– يادوب لسه راجع من يومين وإنت عارف إنه مش هيرجع الفيلا فعاوز له حاجة على ذوقك بقى.
(إبراهيم) :
– بس كده، عيوني ليه، نفسي أشوفه اتجوز ولا لسه ؟
(جلال) :
– أيوة اتجوز برا واحدة كندية بس اتوفت من ييجي سنة كده ورجع عشان يستقر هنا، هيشتغل مع أخوه في الشركة ويشوف مكان مناسب يعيش فيه هو وابنه، مش هأوصيك بقى.
(إبراهيم) :
– ماتقلقش ياجلال، اديني بس فرصة أسبوع تكون واجهة البرج قربت تخلص والشقة اتشطبت لأنهم لسه بيفنشوا فيها بس هيأخد شوية وقت على ما الاسانسيرات تشتغل .
(جلال) :
– ماشي ياحبيبي، هأكلمه وأقوله إنها منك إنت، أنت عارف إنه بيعزك وبيثق فيك.
(إبراهيم) :
– خلاص ماشي تمام، خليه يعدي علي في أقرب وقت نشوف العقود .
(جلال) :
– وبالنسبة للسعر ماتكلموش فيه بقى يا إبراهيم، الموضوع ده معايا.
(إبراهيم) :
– ياسلام ولو مني له هدية ماتدخلش إنت، آدم ده في معزة ماريا و يوسف.
(جلال) :
– ربنا يخليك لي يا إبراهيم، كنت عارف إني دايما أقدر أعتمد عليك.
ثم أنهى المكالمة في بعض المجاملات وهو يشعر بالارتياح يغمره، فهاهو يقترب من ولده أكثر ويحاول أن ينسيه موقفه السابق وتخاذله في نصرته، دعا الله أن يقبل ولده وأن يعيده إلى كنفه مجددا.
*******************************
الفصل التاسع
*********
عاد (أدهم) للمنزل من عمله مرهقا للغاية فهو لم ينم طوال الليل ويعمل منذ الصباح الباكر وضغوط العمل كأنما تعمدت أن تزداد اليوم، كان الوقت متأخرا خاصة أنه سهر في الشركة عدة ساعات بعد انصراف الموظفين والساعة تخطت منتصف الليل، لم يتوقع أن يجد والدته مستيقظة تشاهد التلفاز الكبير في استقبال الفيلا وكأنها تنتظره، شعر بالدهشة وتوجس خيفة، لابد أنها تنتظره بالتحديد، شعر بالقلق من الأمر الذي تنتظره بسببه وتمنى من الله ألا يسبب بينهما مشكلة من أي نوع، أغلق الباب خلفه فالتفتت والدته ناحيته، ابتسم ابتسامة واسعة وأقبل نحوها وملامح وجهه تنطق بالإرهاق، رأته والدته بهذا الشكل وعلمت أنها اختارت الوقت المناسب لتحادثه بخصوص عمل (دينا) في الشركة، فهو مجهد يشتاق للراحة ولن تلح كثيرا قبل أن يستسلم حتى ينال قسطا من الراحة، وطالما أخذت منه وعدا حتى وإن لم يرده فسوف يفي به، بادلته الابتسامة ومدت يدها إليه قائلة :
– أدهم تعالى ياحبيبي، شكلك مرهق.
اتجه إليها وأمسك بيدها وجلس إلى جوارها على الأريكة المريحة وغاص فيها محاولا الاسترخاء، أسند رأسه لمسند الأريكة وأغمض عينيه في تعب وهو يرد :
– جدا يا أمي، الشغل النهاردة كان صعب خاصة إني مانمتش بالليل.
مسحت على شعره برفق ولم ترد معلقة على سبب عدم نومه فهي لا تريد استثارته وتعلم مكانة أخيه عنده لذلك تجاهلت الأمر وقالت بحنان :
– معلش ياحبيبي ربنا يعينك، بكرة آدم ييجي يشتغل معاك ويساعدك.
فتح عينيه وتطلع إليها في دهشة، منذ متى تتحدث أمه عن أخيه برفق وهدوء هكذا، لكنها استطردت لتنهي دهشته :
– حبيبي عاوزة منك طلب.
تخطى دهشته وعلم أن السبب في سهرها سيظهر الآن، فاعتدل في مجلسه وأعطاها انتباهه متسائلا :
– خير ياحبيبتي محتاجة حاجة ؟
صمتت لحظة ثم حاولت اختيار كلماتها حتى لا تغضبه :
– أيوة ياحبيبي محتاجة منك خدمة عشان عمو مصطفى.
اندهش مرة أخرى، أما هي فكانت تعلم أن اقتران طلبها برجل يحترمه (أدهم) سيقلل من حدته فأكلمت :
– دينا بنت عمو مصطفى، باباها تعب معاها نفسه تتعلم الشغل عملي وتنزل معاه الشركة بس بتنزل يومين وترجع تتدلع وماتروحش الشغل، إنت عارف إن شركة باباها مصيرها لها بعد عمر طويل وباباها نفسه يبقى عندها الكفاءة والخبرة الكافية اللي تخليها تمشي الشركة بعده صح، المشكلة إنها دلوعة وهو كمان مدلعها ومش بيرفض لها طلب ولو قالت تعبت أو مش عاوزة بيسيبها.
ظلت الدهشة محفورة على وجهه وهو يتساءل :
– طيب وايه المطلوب مني يا أمي ؟
(فريدة) ببطء :
– المطلوب منك ياحبيبي شدة ودن وشوية حزم تخليها تتعلم الالتزام.
(أدهم) باستغراب :
– أنا اللي هاشد ودنها ؟ مش فاهم يا أمي وضحي من فضلك .
(فريدة) :
– أيوة يا أدهم، عاوزين نشغلها في شركتنا في أي حاجة مناسبة لتعليمها، بحيث تتعلم الالتزام وإن المكان ده مش هتتدلع فيه زي شركة باباها، ولو غلطت أو قصرت هتتحاسب، وأنا متأكدة إنها هتلتزم عندنا لأنها بتحترمك وبتقدرك.
(أدهم) وقد غلى غضبا لكنه لم يظهره :
– مستحيل يا أمي، أنا آسف، دينا مش بتاعة شغل أصلا، وحتى شكلها وطريقة لبسها مش مناسب لشركتنا، ولو اشتغلت عندنا هيحصل مشاكل بينا وبين عمو مصطفى لأني هاعاملها زي أي موظف وبالتالي الآنسة دلوعة مش هتتقبل .
(فريدة) محاولة التحدث بهدوء :
– عشان خاطري ياحبيبي، طنط ناريمان نفسها البنت تتعلم حاجة تستفيد بيها ونفسها حد يسيطر عليها، باباها مدلعها بزيادة ومش بيحب يضغط عليها إنما إنت هيبقى معاك الحق في أي حاجة بتعملها معاها في الشغل لأنها بتشتغل عندك مش في شركتها.
(أدهم) بلهجة حازمة قاطعة :
– معلش يا أمي اعفيني من الموضوع ده، الشركات كتير أصحاب عمو مصطفى وبرده ممكن يشغلوها ويسيطروا عليها ويعلموها .
(فريدة) وقد بدأت العصبية تتسلل لصوتها :
– ايه يا أدهم دي أول مرة منك حاجة تخص الشغل، بتحرجني مع طنط ناريمان وكمان باباك مع عمو مصطفى .
(أدهم) منهيا الحوار :
– طيب إنت قلت بنفسك أهو، في الشغل، وشغلي مش باحب حد يتدخل فيه خصوصا يا أمي إنك عارفة إني مش باطيق دينا أصلا فعاوزاني اشغلها معايا وكمان احتك بيها واشد لها ودانها، لا آسف مش هأقدر.
ثم وقف وأمه تكاد تشتعل غضبا وهو يكمل :
– تصبحي على خير يا أمي.
وانطلق صاعدا لغرفته فاستوقفته أمه قائلة بعصبية :
– للدرجة دي يا أدهم طلبي سهل ترفضه، بأقولك الراجل اللي بتحترمه محتاج منك خدمة تقوم ترفض بسهولة كده وبرده عشان حاجة شخصية المفروض مالهاش علاقة بالشغل، لما بييجوا يزورونا بتعاملهم بطريقة مش ظريفة وقلت ماشي مشاعرك وإنت حر فيها، لكن ده يعتبر بيزنس مالوش علاقة بحاجة تانية، واحدة هتبقى موظفة عندك تعاملها زيها زي أي واحدة تانية وحتى لو غلطت تعاقبها زيها زي غيرها.
كان الأمر منتهيا بالنسبة لـ (أدهم) والنقاش فيه لن يغير من رأيه فلم يعلق كثيرا واكتفى بقول :
– تصبحي على خير يا أمي، وانسي الموضوع ده خالص.
انفعلت والدته أكثر وهتفت :
– أدهم لما أكون بأكلمك تقف وتكلمني وباحترام وذوق وعينك معايا.
شعر بالغضب فهاهي تستغل احترامه لها، التفت إليها في صمت ونظر إليها فاستطردت بعصبية :
– إنت فاكر عشان بتدير الشركة إنها بقت بتاعتك خلاص تتحكم وتؤمر فيها براحتك ؟ دي شركة باباك يا أدهم وشركتي أنا وأختك كمان ومن حقي أأمرك وتنفذ حتى في الشغل مادام يعتبر مالي ، فاهمني ولا لا ؟
صمت (أدهم) لثوان كأنما يهضم ماقالته ثم نطق أخيرا بهدوء :
– نسيتي إن آدم له في الشركة كمان، حاجة تاني يا أمي ؟
ذهلت السيدة من تجاهل ابنها التام للأمر وكادت تفقد أعصابها أكثر لولا بقايا من عقل منعتها طلبا للتهدئة حتى يرضخ في النهاية فحاولت الالتفاف حول الأمر :
– خلاص يا أدهم أنا هأكلم باباك وهو يشوف شغله معاك.
رفع (أدهم) حاجبه في استخفاف وهو يثق بقرار والده قائلا :
– طيب يا أمي وأوعدك لو بابا وافق دينا هتيجي تشتغل في الشركة من بكرة.
برقت عيناها في ظفر فهاهي حصلت على وعدها، وهي تعلم تماما أن والده موافق منذ البداية فأشاحت بوجهها قائلة :
– خلاص يا أدهم هأكلم بابا ونبقى نشوف.
ثم التفتت إليه منبهة :
– وماتنساش وعدك لأن أنا عارفة إن بابا مش هيتأخر وهيساعد مصطفى.
عقد حاجبيه في ضيق، فهو لم يضع في حسبانه تلك النقطة لكنه قال :
– طيب يا أمي مش هأنسى، بعد إذنك.
لم ترد وتركته يصعد لغرفته وهو يشتعل غضبا ويكاد يسقط من التعب .
********
في اليوم التالي علم (أدهم) كم كان مخطئا عندما أخبره والده أنه يرغب في عمل (دينا) في الشركة كخدمة بسيطة لصديقه العزيز والدها، وللمرة الثانية يضطر لأن يقبل بعمل أحدهم بدون استحقاق كامل من وجهة نظره على الأقل، لكنه في النهاية رضخ لرغبة والده متجاهلا علامات الانتصار التي انطبعت على وجه والدته وكأنها تغيظه بها، وفي نفس الأسبوع حصلت (دينا) بالفعل على عمل مناسب لها في الشركة حرص فيه والده أن يكون أقرب مايمكن من ابنه ليحدث الاحتكاك بينهما بشكل مباشر في أغلب الأوقات، وطبعا كانت (دينا) تكاد تطير فرحا بحدوث مارغبت به ومنذ اليوم الأول وهي تحاول نصب الشباك حوله مستخدمة شتى الطرق التي تعتقد أنها يمكن أن توصلها لقلبه وبالتالي ثروته على الرغم من جموده وصده الدائم لها، أحيانا بطريقة فظة للغاية لكنها دوما أكثر تجمدا وبرودة من ثلوج القطب الشمالي وكل مايهمها هو الوصول لبغيتها في النهاية .
وعلى الجهة الأخرى وبعد محاولات إقناع عديدة بين (أدهم) وأخاه (آدم) لقبول الشقة من صديق والدهما ومن والدهما استسلم (آدم) للأمر وقبلها كهدية من والده الذي أخبره أنها ليست هدية بل هي من حقه ومن ماله كذلك، استقر به وبصغيره الحال وسجله في مدرسة قريبة من شقته ومقر الشركة أيضا واستقرت الأمور، وكان اليوم هو أول يوم يعود فيه (آدم) للشركة ولمكتبه الذي تركه فيها منذ سنوات طوال، كان (أدهم) أكثر سعادة ربما من والده وأخاه لعودة (آدم) للشركة والعمل معه ومر بنفسه عليه يومها صباحا ليصطحبه تاركا سيارته وهو يخبره أنه سيوصله بنفسه ذهابا وعودة ، كان (آدم) يتطلع إليه في صمت وحب وذهب معه سعيدا للعمل، انتهى اليوم وقد استقر كل في المركز المناسب له وعاد (آدم) مديرا لحسابات الشركة والمسئول الأول عن دراسات الجدوى والمناقصات بها وعضوا في مجلس إدارتها، أما (جمانة) فأنهت عملها الذي كان شاقا في ذلك اليوم وتوجهت مسرعة للنزول ، ذكرى ميلاد صغيرتها اليوم وهي تريده يوما استثنائيا، ربما لن تقيم لها حفلا لكن سيخرجون سويا ويقضون يوما ممتعا في إحدى مدن الملاهي الشهيرة بصحبة (نورا) وطفلها، لذلك ما إن انتهت مواعيد العمل الرسمية حتى اتجهت للمصعد وضغطت زر استدعائه وهي تبحث عن الهاتف ومفاتيح السيارة في حقيبتها حتى وجدتهما، ضغطت أزرار الهاتف بسرعة حين وصل المصعد وفتح بابه فاندفعت داخله وهي ترفع الهاتف إلى أذنها لكنها اصطدمت بشخص داخله وسقط هاتفها أرضا مفككا، نظرت للهاتف بحسرة ثم رفعت عينيها لترى الشخص الذي اصطدم بها وكسر هاتفها ولم يعتذر فارتطمت عيناها بالعينين البنيتين الساخرتين والشفتين اللتين انحنى أحد طرفيهما لأعلى في ابتسامة ساخرة صغيرة أصابتها بالحنق أعقبه التعليق الأكثر سخرية :
– مدام جمانة برده؟ مش تبصي قدامك .
صمتت للحظة ثم ردت في حنق :
– باشمهندس أدهم، معلش ماخدتش بالي كنت مستعجلة.
وحاولت الانحناء لتجميع الهاتف المفكك لكنه سبقها وجمعه وركبه وفتحه وأعاده إليها مستمرا في سخريته وهو يستطرد :
– اتفضلي جت سليمة المرة دي
التقطته ثم هزت رأسها في غضب، استدارت تنظر للجهة الأخرى عندما سمعت صوتا يقول في دهشة :
– جمانة ؟؟ معقولة ؟
التفتت مرة أخرى في استغراب لتنظر للرجل الآخر الواقف بجوار (أدهم) والذي لم تلحظه في البداية لغيظها ثم رفعت حاجبيها في دهشة وهي تهتف في نوع من السعادة :
– دكتور آدم مش ممكن ؟ إزي حضرتك ؟
وصل المصعد لجراج الشركة وفتح بابه فخرجت منه (جمانة) يتبعها (أدهم) ثم (آدم) الذي بدت سعادة حقيقة على وجهه تعادلها دهشة كبيرة على وجه أخيه حين قال :
– أنا الحمد لله إنت عاملة ايه وأخبارك ايه في الدنيا ؟؟
(جمانة) بسعادة من استعاد ذكرى جميلة :
– الحمد لله يادكتور وحضرتك عامل ايه؟ ماسمعناش عن حضرتك من ساعة ماسافرت وسبت الكلية.
(آدم) بترحيب :
– الحمد لله تمام أهو الحال ماشي سافرت كندا وكنت هناك طول الفترة اللي فاتت ويادوب لسه راجع من حوالي أسبوعين.
ثم علا وجهه قليل من الدهشة وهو يستطرد متسائلا :
– إنت بتشتغلي هنا ؟؟ ماكنتش أعرف إن حسام ممكن يخليكي تشتغلي في يوم من الأيام .
قالها وابتسم في حين ظهرت نظرة حزن عميقة في عينيها وهي تجيب :
– حسام الله يرحمه يادكتور.
(آدم) بارتباك حزين :
– لا حول ولاقوة إلا بالله، الله يرحمه، وإنت عاملة ايه دلوقتي؟
(جمانة) بهدوء لا يعبر عما يعتمل بداخلها :
– الموضوع بقى له أكتر من 3 سنين ومعايا ملك نسخة من باباها.
(آدم) برقة :
– ماشاء الله ربنا يخليهالك.
إلى هنا وغيظ (أدهم) كان قد وصل لأوجه فقاطع حديثهما قائلا بنبرة شبه غاضبة :
– إنتو تعرفوا بعض منين يا آدم ؟
التفت إليه (آدم) وهو يجيب بابتسامة :
– جمانة كانت طالبة عندي في الكلية يا أدهم وكانت نابغة فعلا، بتساعدني كتير في شغلي وعلى الرغم من إنها كانت تخصص محاسبة إلا انها درست اقتصاد وإدارة، بتعشق حاجة اسمها تجارة بجميع تخصصاتها وساعدتني كتير في الماجستير بتاعي أيامها .
ارتسمت ابتسامة رقيقة على وجه (جمانة) وهي تقول في خجل :
– ربنا يخليك يا دكتور كل اللي اتعملته كان من حضرتك، حضرتك شجعتني كتير وكنت السبب في إني أوصل لمرحلة متقدمة في دراستي.
استمع (أدهم) لوصلة المديح تلك بغيظ واغتاظ أكثر عندما وجد أخاه يخاطبها باسمها مجردا غير مصحوب بأي لقب، وتملكه الغضب عندما ضبط نفسه وللمرة الثانية يفكر بهذا الشكل، ودعتهما (جمانة) واتجهت لسيارتها الصغيرة، لم تحاول معرفة الصلة بينهما أو سبب وجود (آدم) في مقر عملها مع مديرها، في حين أنهما اتجها لسيارة (أدهم) وبداخلها أدار (أدهم) محركها وقال متسائلا محاولا عدم إظهار فضوله :
– ماكنتش أعرف إنك بتكلم الطلبة بتوعك كده يا آدوم، ولا ناس وناس !
ثم ضحك مداريا مشاعره، أما (آدم) فقابل تساؤله ببساطة وهدوء وهو يرد بابتسامة :
– لا طبعا ناس وناس، جمانة كانت من الناس المتفوقة اللي بتحب دراستها وتشجع اللي حواليها عليها، شعلة نشاط في الجامعة والكل كان يعرفها ويعرف شغلها وكمان مرشحة تبقى في الاصطاف بس حسام خطيبها أيامها الله يرحمه كان رافض مبدأ الشغل تماما.
(أدهم) بتساؤل :
– غريبة إنها تشتغل بعد وفاته، لأن باين عليها كانت بتحبه.
(آدم) وهو يستعيد ذكرى :
– كانوا بيحبوا بعض جدا وقابلهم عقبات كتير في فترة خطوبتهم لحد ماربنا وفقهم واتجوزوا … ثم التفت لأخيه مكملا :
– طبيعي جدا تشتغل عشان ع الاقل تلاقي حاجة تشغل وقتها بيها مش هتفضل عايشة على ذكراه للأبد وتحرم نفسها من كل حاجة خصوصا إنها صغيرة في السن.
نظر إليه (أدهم) نظرة ذات مغزى محاولا من خلالها استشفاف مايدور بخلد أخيه لكنه لم يستطع فاكتفى بأن انطلق بالسيارة خارجا للطريق حين سأله (آدم) :
– هي بتشتغل في الشركة من إمتى ؟ وبتشتغل فين بالظبط ؟
(أدهم) أجاب باقتضاب :
– في الحسابات مع أستاذ محفوظ، بقى لها حوالي 3 شهور.
ابتسم (آدم) وقال :
– طيب تمام يعني معايا، هتنفعني جدا في شغلي ، تلاقيك مش عارف تستغل طاقاتها كويس.
رمقه (أدهم) بنظرة غيظ جانبية واكتفى بالصمت وهو يوصله لمنزله حيث ينتظره (يوسف) مع مربيته.
********
انتظم (آدم) في عمله، عاد لمكتبه القديم المجاور لمكتب والده والذي هو حاليا مكتب أخيه (أدهم)، كانت سعادته جمة بعودته بين أهله ثانية خصوصا (أدهم) والذي مازال ينظر إليه كمثل يُحتذى به، استقرت الأمور بشكل عام حتى أتى يوم تلقت (جمانة) اتصالا هاتفيا من دكتور (حسام) الذي يدير صيدلية زوجها الراحل يخبرها أنه بحاجة للقائها لأمر هام حينها تساءلت (جمانة) :
– خير يادكتور حسام في إيه ؟ قلقتني ؟
أجاب (حسام) بسرعة :
– معلش يامدام جمانة الكلام مش هينفع في التليفون لازم أشوفك ضروري ومش هينفع أستنى لحد الميعاد الشهري.
ردت (جمانة) وقلقها يزداد :
– طيب يادكتور هاعدي على حضرتك في الصيدلية بعد مااخلص شغلي بإذن الله.
هتف :
– لا مش هينفع في الصيدلية، ممكن مكان تاني؟
أجابت في حزم :
– للأسف مش هينفع أقابل حضرتك في مكان خلاف مكان الشغل يادكتور، طيب ممكن أجي صيدليتك بس يكون الموضوع باختصار من فضلك.
تردد قليلا ثم حسم أمره :
– برده مش هينفع، زميلي في الصيدلية حاليا متواجد باستمرار بسبب انشغالي بصيدليتك ومش هينفع أتكلم قدامه، ممكن طيب أي مكان وتكون والدتك معاكي لأن الموضوع مهم جدا ومايحتملش تأجيل؟
ترددت هي الأخرى وفكرت قليلا ثم ردت :
– طيب يادكتور حسام، هأكلم ماما وأرد على حضرتك.
وتم كان اللقاء في أحد المقاهي على النيل، بعد السلام وقليل من اللعب مع الصغيرة (ملك) قال (حسام) :
– معلش يامدام جمانة إني قلقتك بس فعلا الموضوع لازم يتحسم فورا.
نظرت إليه بتساؤل صاحبه صوت والدتها قائلا :
– خير ياحسام يابني قلقتنا ؟.
سحب نفسا عميقا ثم أجاب :
– دكتور هشام، بصراحة ومن غير لف ودوران تقدري تقولي …. بيسرقك.
قال كلمته الأخيرة في شيء من التردد في حيت تطلعت المرأتان إليه فيما يشبه الصدمة، هتفت الأم :
– قلبي كان حاسس إنه مش مظبوط بس كنت بأكذب نفسي وأقول إن بعض الظن إثم.
أما (جمانة) ففكرت لثوان ثم تساءلت بحزم :
– طيب يادكتور إيه الدليل على كده ؟ وإزاي أقدر أواجهه بسرقته أو حتى أبلغ البوليس وآخد حقي منه ؟ حضرتك معاك دليل ؟
أجاب (حسام) بسرعة وكأنه حضر ماكان سيفعله ويقوله مسبقا :
– طبعا في دليل يامدام جمانة.
ثم ناولها الحقيبة التي كان يحملها وهو يكمل :
– هنا هتلاقي كل الأوراق اللي تثبت لك كده، دكتور هشام بيتعامل مع شركات أدوية معينة وبياخد منهم نسبة عشان التسويق وعينات مجانية بكميات كبيرة وفي النهاية بيبعها في السوق السودا، الورق هنا هتلاقي المفروض العقود والاوراق الرسمية الخاصة بتعاملات الصيدلية وشيكات باسمه لقيتها بالصدفة في ملف نسيه جوا درج المكتب باسمه من شركة أدوية مشهورة مع أوراق تثبت حصوله على عينات ضخمة زي ماقلت لك ..
ثم تردد مرة أخرى فحثته (جمانة) أن يكمل :
– في حاجة تانية يادكتور حسام ؟
قال في خجل وتردد :
– شوفي أنا مش عاوز أخوض في حاجة زي دي بس للأسف ده مكان شغل وملكك واللي بيحصل فيه من وراكي من حقك تعرفيه، كله حرام في حرام، دكتور هشام بيعمل خلطات خاصة وبيبيعها الخلطات دي عبارة عن حاجة تأثيرها شبيه بالمخدرات، غير سمعة الصيدلية اللي بقت زي الزفت في المنطقة بسبب … علاقاته النسائية واللي أحيانا بتكون في الصيدلية نفسها .
رفعت (جمانة) حاجبيها وتراجعت للخلف في صدمة في حين حوقلت الأم وهي تشهق ثم قالت :
– حسبي الله ونعم الوكيل، يعني احنا استأمناه عليها يقوم يعمل كده ! يسرق ويسوء سمعة المكان ويتاجر في الحرام كمان، هو في بني آدمين كده؟
ثم التفتت لـ (حسام) قائلة بامتنان :
– ربنا يكرمك يابني ويجازيك خير إنك نبهتنا.
أما (جمانة) فقد كانت صدمتها كبيرة، لم تكن تعلم ببرائتها وعالمها المنغلق أن هناك نوعية من البشر بهذا الشكل، وأيضا أسوأ، تلقت الصدمات واحدة تلو الأخرى وما أحزنها أكثر من أن يسرقها هو استغلال المكان في المحرمات ، تطلعت وقتها لـ (حسام) بامتنان هي الأخرى وقالت بلهجة حازمة قدر الإمكان لكن خرجت على الرغم منها مرتبكة :
– شكرا يا دكتور حسام، الحقيقة مش عارفة أقولك إيه ولا أشكرك إزاي، كل اللي أقدر أقوله جزاك الله خيرا، أنا بإذن الله هاراجع الاوراق دي وكمان هأعرضها على أختي المحامية وأكيد هأبلغك هنعمل ايه لأني هاحتاج مساعدتك طبعا.
رمقها (حسام) بنظرة حنون لم تلحظها و رد :
– أكيد يا مدام جمانة، أنا معاكي في أي تصرف هتعمليه وهاساندك طبعا ماتقلقيش.
شكرته مرة أخرى وافترقوا على موعد للاتفاق على التصرف حيال هذه المشكلة، عندما عادت (جمانة) ووالدتها للمنزل عكفت على مراجعة الأوراق التي أعطاها إياها (حسام)، ساءها كثيرا أن وجدتها جميعا صحيحة ، شعرت بنوع من الغباء أن سلمت أمرها لشخص غير موثوق به سرقها وارتكب الحرام وأساء لسمعة صيدلية زوجها الراحل وبكل صفاقة، في نفس اليوم التقت شقيقتها وأبلغتها بالأمر وأطلعتها على الأوراق فأكدت لها صحتها من الناحية القانونية وأكدت عليها أنها ستدعمها في مواجهة ذلك السارق.
قررت (جمانة) أن تواجهه بدون أن تبلغ الشرطة حتى لا تسوء سمعة المكان أكثر وأن تطرده من الصيدلية شر طردة وهذا ماقامت به بالفعل بعدها بيومين، اتجهت للصيدلية بصحبة شقيقتها بعدما اتفقت مع (حسام) أن يتواجد في ذلك الوقت ثم دلفت للمكان متلفتة حولها حتى وقع بصرها علي (هشام) الذي ما إن رآها حتى قام من مكانه كالمعتاد واتجه إليها بسرعة مرحبا بلهجة ناعمة خبيثة :
– مدام جمانة، أهلا بحضرتك، مش عادتك تزورينا بس أكيد زيارتك غالية عندنا.
لم يمد يده ليصافحها كما اعتاد بعدما أحرجته أول مرة حاول فيها ذلك لكنه مدها لشقيقتها والتي لم يكن يعرفها فتطلعت إليها في صمت ثم رفعت عينيها إليه بنظرة ملؤها الغضب شعر به هو فسحب يده قائلا في حرج مصطنع :
– أأأأ أنا آسف حضرتك برده مش بتسلمي؟
أجابت (لمياء) في صرامة :
– أنا الأستاذة لمياء أبو الفتوح المحامية أخت مدام جمانة.
علت ابتسامة صفراء شفتيه في صمت حين دلف (حسام) للمكان في خطوات سريعة وتطلع للجميع، رحبت به (جمانة) في هدوء بعد أن ألقى السلام وعرفته بشقيقتها ثم قالت :
– دكتور هشام من فضلك كنا عاوزين حضرتك في موضوع مهم.
شعر (هشام) بالقلق، ونظر لـ (حسام) بغل وحقد إلا أن الأخير أدار وجهه الناحية الأخرى في نوع من القرف، تساءل :
– خير يا مدام جمانة في حاجة مزعلاك في الشغل هنا ؟.
ردت بحزم :
– أيوة في يادكتور هشام.
ثم أخرجت الأوراق التي أعطاها لها (حسام) من قبل وقذفت بها له متسائلة بصرامة شديدة مخالفة لشخصيتها :
– ممكن تفهمني ايه ده ؟؟ وايه اللي بيحصل في الصيدلية من ورايا وايه اللي الناس بتقوله ع المكان هنا بسبب حضرتك ؟
تراجع (هشام) للخلف في وجل وهو يتطلع إلى الأوراق التي ألقت بها أمامه على المكتب في توجس، نقل بصره بينهم والذي استقر على (حسام) في كره ثم قال بلهجة هجومية بها بعض التوتر :
– انا مااعرفش ايه ده ومااعرفش الدكتور قالك ايه او شوه صورتي عندك إزاي بس ربنا عالم أنا باعمل ايه عشان الصيدلية دي تفضل مفتوحة وشغالة باسم حسام الله يرحمه وربنا عالم إني ….
قاطعته (جمانة) بصرامة مختلطة بالاشمئزاز :
– بس ماتجيبش سيرة ربنا، الأوراق اللي قدامك دي حسابات الصيدلية اللي كنت مخبيها وهي سليمة أنا راجعتها بنفسي والأستاذة لميا راجعتها يعني ماحدش بيحاول يلبسك تهمة، قبل ماآجي هنا مشيت في الشارع وسألت على صيدليات قريبة ماحدش من اللي سألتهم قاللي على الصيدلية هنا وكلهم دلوني على واحدة تانية في آخر الشارع، ده معناه ايه ؟ والمصيبة الكبيرة آخر واحدة سألتها ست كبيرة ولقيتها بتقوللي في هنا اتنين بس روحي الصيدلية اللي في آخر الشارع بلاش اللي هناك دي وشاورت على هنا، عارف ليه يادكتور ؟
ابتلع ريقه الذي جف بصعوبة بالغة وهو يحدق فيها بصمت فأكملت :
– عشان الدكتور اللي هنا مصاحب البلطجية وبيديهم مخدرات وبيجيب فيها ستات ؟ وبقى له سنين ع الحال ده وأنا نايمة على وداني يا …. دكتور !
ثم أخذت نفسا عميقا تبرد بها غضبها قليلا قبل أن تستطرد في حزم :
– للأسف يادكتور هشام خيبت ظني فيك وخليتني أندم على الثقة اللي اديتهالك، لكن الحمد لله ملحوقة والغلط ممكن يتصلح بإذن الله، دكتور حسام هيعمل جرد للصيدلية وحضرتك هتكون موجود، وبكرة آخر يوم ليك فيها، ولا بارك الله لك في اللي سرقته منها وأسأت لسمعة المكان اللي استأمنتك عليه بسببه.
ثم قامت من مكانها وهي تشير لشقيقتها التي قالت بلهجة شديدة :
– دكتور هشام مفيش داعي أقول لك إن ببساطة كان ممكن تكون بايت في القسم النهاردة وأنا عارفة أنا بأتكلم عن ايه كويس، لكن جمانة رفضت وشايفة إن ده بيسيئ للمكان أكتر فنزلت على رغبتها، إنما أي محاولة منك لعمل أي مشكلة سواء للصيدلية أو لدكتور حسام كل الأوراق دي هتكون في القسم بعدها مباشرة وسهل جدا نجيب شهود على عمايلك السودا، الجرد هيتم النهاردة وينتهي النهاردة وياريت مانسمعش عنك تاني لا خير ولا شر.
ثم قامت بدورها وهو يتطلع لكليهما بصمت متوتر ثم زم شفتيه في غضب وهو يهتف :
– قولوا لي كده بقى ، شغلت الصيدلية وخليت لها اسم في السوق وجايين أنتو والبيه تألشوني منها، ايه البيه عجبه الحال وعاوز يستفرد بيها وبيك ياهانم وإنت عاجبك مش كده بس أنا مش هأسكت على ………..
ولم يتم جملته، لقد شعر (حسام) بالغضب الشديد من تلميحه المهين فأمسك بياقة قميصه جاذبا إياه من كرسيه ثم دفعه للحائط خلفه وهم بأن يلكمه في فكه، لولا أن صرخت (جمانة) بخوف وهتفت (لمياء) فيه :
– دكتور حسام أرجوك، مفيش داعي تلوث ايدك مع البني آدم ده.
ظل (حسام) ممسكا بياقته ويده مرفوعة كأنه سيهوي بها على وجهه في أي لحظة و (هشام) يتطلع إليه في خوف واضح، ثم مالبث أن مد (حسام) يده الأخرى ليمسك ياقته بكلتا يديه ليهزه بعنف وهو يصيح به في غضب :
– والله العظيم لولا وجودهم كنت عرفتك شغلك ياجبان، بص لنفسك عشان تعرف حجمك قد إيه يا … يادكتور.
ثم دفعه ناحية الجدار بعنف فاصطدم به وهو يتأوه، التفت للسيدتين خلفه معتذرا برفق :
– أنا آسف بس فعلا لازم يتربى .
ثم التفت يرمقه بنظرة صارمة توتر لها بدن (هشام) وهو يكمل :
– مش هأدي فرصة لواحد زبالة يحس إنه انتصر بكلمتين هايفين زيه.
ظلت (جمانة) تطلع إليه في وجوم وقلق امتزج بشعور غريب بالأمان، أما (لمياء) فقد شكرته وأثنت على أخلاقه واتفقت معه على ماسيقوم به، ظلت (جمانة) صامتة بعدها حتى حان وقت ذهابها وشقيقتها، فشكرت (حسام) على صنيعه ووقوفه بجانبها بخفوت واتجهت مع شقيقتها لسيارتها.
وصلتا لمنزل (جمانة) فأصرت أن تصعد شقيقتها معها قليلا، وبالمنزل كانت الصغيرة قد نامت والأم بالانتظار في قلق، قصتا على والدتهما ما حدث وما إن أنهتا حديثهما حتى قالت الأم بابتسامة :
– والله دكتور حسام ده الله يبارك له، راجل ذوق وشهم وأخلاقه عالية، كفاية موافقته على إنه يشتغل في الصيدلية مع إنه عنده واحدة وغير كده يكشف المصايب اللي كانت بتحصل فيها ويساعد في حلها.
صدقت (لمياء) على كلامها قائلة :
– فعلا يا ماما، ربنا يجازيه خير، انسان مهذب.
أما (جمانة) فصمتت للحظة ثم عقبت :
– بس شفتي يا لومي لما كان هيضرب دكتور هشام ؟ أنا اترعبت ساعتها، قلت هيتخانقوا ويضربوا بعض وتبقى مصيبة.
ابتسمت (لمياء) وهي تتذكر موقف (جمانة) و ردت :
– أيوة لاحظت خوفك، ياجوجو ياحبيبتي امسكي نفسك شوية، إنت دلوقتي بتشتغلي وهيبقى في احتكاك أكبر بالناس لازم تكوني أجمد من كده، وبعدين دكتور حسام لما شافك خفتي كده وأنا قلت له بلاش مسك نفسه الحمد لله، مع إني كان نفسي يدي لهشام ده بوكس يكسر له سنانه بعد الكلام الزبالة اللي قاله.
فكرت (جمانة) للحظة في كلام شقيقتها ثم ابتسمت قائلة :
– معاك حق والله يالومي، بس أعمل ايه مش متعودة على الحاجات دي، بس عارفة لو كان اداله بوكس كان ممكن يغمى علي.
قالتها وضحكت فبادلهتها والدتها وشقيقته الضحكة ثم قالت لها والدتها :
– جوجو معلش ياحبيبتي هاتعبك وأنت راجعة مرهقة، ممكن تعملي لنا شاي وتجيبي الكيك اللي عملتها النهاردة.
ثم وجهت كلامها لـ (لمياء) :
– هتعجبك يالولو بالشيكولاتة.
ضحكت (لمياء) و هتفت :
– لا خلاص أنا كنت هأقوم بقى أروح بس مادام فيها شيكولاتة يبقى خلاص، يلا ياجوجو.
ابتسمت وقامت متجهة للمطبخ مداعبة :
– ماشي عشان خاطر الضيفة المبجلة اللي بنشوفها في الأعياد بس.
بعد ذهابها التفت (لمياء) لوالدتها متسائلة بخبث :
– ايه ياست الكل، بتوزعي جوجو ليه؟
ابتسمت الأم في حنان وهي تجيب :
– أبدا يالولو، كنت عاوزة أعرف رأيك في دكتور حسام ؟
اندهشت (لمياء) لجواب والدتها فردت بتساؤل :
– رأيي فيه إزاي ياماما ؟
قالت الأم محاولة إظهار عدم الاهتمام :
– يعني ، أصلي حسيت إنه مهتم بجمانة وإنت شايفة بيساعدنا وواقف جنبنا إزاي .. بصراحة حاسة إنه معجب بيها .
تطلعت إليها ابنتها في دهشة، ثم ضحكت في خفوت وهي تقول :
– غالبا كده يا ماما، نظراته بتقول وتصرفاته، كفاية إنه كان هيضرب هشام لمجرد إنه لمح بالكلام بطريقة مقرفة على علاقة بينه وبين جمانة ولما لقاها خافت هدي وسكت.
ارتسمت السعادة على وجه الأم وقالت :
– أنا كنت حاسة، دكتور حسام بني آدم كويس وأخلاقه عالية، شهم وخدوم، وحسيت إنه معجب بيها، ربنا يهديكي يابنتي ويرزقك باللي فيه الخير ويسعدك.
رددت (لمياء) :
– اللهم آمين.
ثم فكرت لثوان وهي تكمل :
– بس يا ماما مااعتقدش إن جوجو ممكن تفكر في حد غير حسام الله يرحمه، ع الأقل دلوقتي، بتتعامل معاه عادي جدا كأن في كل مرة أول مرة تشوفه.
ردت الأم :
– مش مهم دلوقتي أو بسرعة يالولو، كل حاجة في وقتها، المهم إني مبسوطة إنه معجب بيها، ماحدش عارف بكرة ممكن يحصل ايه !.
وافقتها (لمياء) بإيماءة من رأسها حين عادت (جمانة) تحميل صينية ضخمة عليها أكواب الشاي وأطباق الكيك وهي تقول ضاحكة في مرح :
– اتفضلي يامولاتي التشوكليت كيك اللي جنابك بتحبيها.
بادلتها (لمياء) الضحك، وجلسن يتسامرن لفترة، لم تشعر أيا منهن بالسعادة منذ مدة طويلة كما شعرت بها الآن .
***********************************
الفصل العاشر
**********
وتتساقط الأيام سريعا كما تتساقط أوراق الشجر في موسم الخريف، صفراء جافة او يانعة، كانت (جمانة) في كل يوم تتقدم في عملها أكثر وتتعلم أكثر وكأنما عودة أستاذها السابق (آدم) أعطتها دافعا أكبر للإنجاز و هو دوما يشجعها ويحاول استغلال طاقاتها لأقصى درجة بل ويستشيرها في الكثير من الأمور حتى وإن لم تكن في صميم اختصاصها في الشركة، وكانت هي رائعة، جذبت انتباه الجميع بنشاطها الجم وعملها المميز المتقن وبالإضافة لذلك فهي ملكة قلوب رقيقة تنثر الرفق حيثما ذهبت، نما إعجاب (أدهم) تجاهها أكثر وإن لم يظهر عليه، كان دوما يشعر أنها مختلفة مميزة عن كل أخرى قابلها ولذلك فهي تستحق مساحة أكبر من اهتمامه، وقدرا أكبر من سخريته ولسانه اللاذع، ولم يكن يقتصد في أي منهما معها، مثيرا غضبها واستيائها سعيدا بذلك للغاية، بدت في أحيان كثيرة تلك السخرية كرد فعل دفاعي يصرف به طيفها الذي بات يزور عقله كثيرا، أما (آدم) فكان في كل مناسبة يذكر إعجابه بها وبعملها ونشاطها وبداخله يعترف بإعجابه بها كأنثى، رقيقة وحانية ومجنونة، نعم كان يراها مجنونة ومتقلبة المزاج، ومزاجيتها تلك كانت جذابة للغاية، نمت بينها وبين العديد من العاملات في الشركة صداقة تخطت مرحلة الزمالة خاصة زميلتها في المكتب (هالة) وسكرتيرة الشركة (سهام)، وعلى العكس والنقيض تماما من (جمانة) كانت (دينا) تثير نفور الكثيرين من العاملين في الشركة خاصة (أدهم) وتثير الحسد في قلوب كثير من العاملات هناك، وشهوات الرجال بملابسها وجسدها الذي تتفنن في إبراز مفاتنه، كانت تتعامل مع الجميع بغطرسة وكأنها مالكة المكان وكثيرا ماحدثت بينها وبين (أدهم) مشكلات تعامل معها فيها كأي موظف بالشركة مما كان يغيظها أكثر لكنها دوما تتمادى في الأمر وكأنها تضمن أنها لن تذهب لأي مكان مهما فعلت، تساندها والدة (أدهم) وترسمان الخطط سويا لإيقاع ابنها في حبائلها، كثيرا ما كانت تحاول دخول مكتب (أدهم) بدون استئذان مما سبب الكثير من المشكلات بينهما لكنها حاولت ألا تتأثر بها، وفي يوم قررت الذهاب إليه بأي حجة والاقتراب منه أكثر، في مرات عديدة كانت تأتيها أفكار جنونية كي يتزوجها (أدهم) لكنها لا تلبث تتراجع خوفا من رد فعله أما اليوم ففكرت في المخاطرة وتنفيذ إحداها، اتجهت لمكتبه بملابسها التي أمرها (أدهم) بأن تتحشم فيها قليلا فهذا مقر عمل له قواعده وكان أقصى ماوصلت إليه هو أكمام أطول قليلا وبنطالا من خامة مختلفة غير مااعتادته، لكن الملابس كانت لاتزال تكاد تتفجر حول جسدها الأنثوي، نعم كانت جميلة للغاية وأنوثتها التي أثارت الحسد واضحة للعيان، ولكن حتى الأفعى الرقطاء تملك جمالا غير عادي، اتجهت للمكتب تتمايل في خطواتها بشكل متعمد تدير رؤوس كل من يقابلها وتعلو شفتيها ابتسامة مغرورة فهي تعرف ماتفعله بجسدها في الجميع ويعجبها ذلك جدا لكن نظرة القرف كانت ترتسم على وجهها دوما كأنها تقول أنا أتعطف ببقائي معكم هنا، ألا ترون كيف تنازلت لأصبح في هذا المكان !، فتحت الباب فرفعت (سهام) عينيها إليها ولم تبتسم لكنها لم تهتم بل اتجهت إليها وقالت بلهجة مهادنة تشبه فحيح الأفعى :
– ساسو، إزيك يابيبي، وحشاني كتير، مش بتسألي ليه ياوحشة إنتي، دي صحوبية أربع سنين كلية؟
نظرت لها (سهام) بغيظ فهي لم تكن أبدا صديقتها لكنها رسمت ابتسامة متكلفة على شفتيها وهي ترد :
– معلش بقى يادينا إنت عارفة الدنيا بتاخد الواحد بمشاغلها.
لم تهتم (دينا) لردها لكنها تطلعت لمكتب (أدهم) وتساءلت بلهجة موحية :
– هو أدهم جوا ؟
ازداد غيظ (سهام) فدفنت وجهها في الأوراق أمامها مجيبة :
– أيوة الباشمهندس أدهم جوا .
تعمدت أن تضيف اللقب لاسمه لتوضح لـ (دينا) أن هذا مقر عمل وليس المنزل كي تناديه بهذا الشكل، لكنها لم تلحظ ذلك أو تهتم له بل اتجهت للمكتب تتهادى في خطواتها وهي تصلح من ملابسها الضيقة كأنها تزيدها ضيقا وقبل أن تمد يدها لفتح الباب فوجئت بـ (سهام) تقفز من خلف مكتبها هاتفة :
– ايه ايه رايحة فين يا دينا؟
التفت إليها بحدة قائلة :
– ايه رايحة فين دي؟ هادخل له طبعا.
ردت (سهام) بحدة أكبر :
– لا طبعا ماينفعش، عاوزة تدخلي يبقى أبلغه الأول وهو يسمح بدخولك إنما كده ماينفعش.
تطلعت لها (دينا) بنظرة قاتلة ثم همست بصوت كالفحيح :
– إنت بتهزري يا سهام تستأذني لمين ؟ لي أنا ؟ أدهم ده في حكم خطيبي وقريب هتبقى رسمي جاية تقولي لي تستأذني عشان أدخل له.
أجابت (سهام) في عناد :
– ولو يادينا خطيبك ده في البيت وبرا الشغل إنما هنا لا، أنا كده بأعمل شغلي.
في هذه اللحظة ارتفع رنين الهاتف الداخلي لتتجه إليه (سهام) مسرعة وترفع سماعته قائلة :
– أيوة ياباشمهندس.
وفي نفس اللحظة دلفت (جمانة) للمكان وهي تحمل في يدها ملفا ضخما بدا من الواضح مدى اهتمامها به، رأتها (دينا) فنظرت لها بقرف شديد أما (سهام) فرفعت عينيها إليها وابتسمت وهي تجيب (أدهم) :
– أيوة يافندم لسه داخلة حالا أهي .. حاضر هأدخلها فورا.
علت ابتسامة صافية شفتي (جمانة) وهي تقول :
– إزيك ياسهام عاملة ايه ؟
بادلتها (سهام) ابتسامتها وهي ترد :
– الحمد لله ياجوجو، يلا الباشمهندس أدهم منتظرك.
التفتت (جمانة) لتتجه لمكتب (أدهم) وفوجئت بـ (دينا) الواقفة أمامه فابتسمت لها قائلة :
– إزيك يادينا ؟
لم ترد (دينا) على سؤالها بسرعة بل تطلعت إليها لحظة بنظرة تكاد تفتك بها ثم ردت :
– كويسة.
تطلعت لها مرة أخرى بنظرة شملتها من قمة رأسها حتى أخمص قدميها وعلت وجهها لمحة استهزاء بما ترتديه، لم تهتم (جمانة) بنظرتها على الرغم من أنها فهمتها جيدا، لكنها اتجهت للمكتب وطرقت الباب برفق، سمعت صوته الحازم من الداخل كما اعتادت يسمح بالدخول ففتحت الباب ودلفت للمكان بهدوء وكما هي العادة أيضا تركته مفتوحا، تطلع إليها وهي تخطو إلى داخل المكتب أمامه وشعر كأنها لا تمشي على الأرض بس تنساب فوقها كقطرة ندى فوق زجاج نافذتك في الصباح، لم يفكر كثيرا في الأمر فهو مؤخرا ما أكثر ما يضبط نفسه وأفكاره تتجه نحوها بطريقة شاعرية غريبة لم يعتدها لذلك تعود أن يطرح تلك الأفكار جانبا دوما ويشغل نفسه فقط بالعمل، فقط ابتسم لها ابتسامة ساحرة لمحتها (دينا) من الخارج ففتك بها الغيظ أكثر وهي التي لم تحظ منه بنصفها حتى، لكنها لم تكن تنوي الابتعاد الآن فجلست في مقعد مجاور للمكتب علها تستمع لما يقولون وكان أكثر ما أثار استغرابها أن (جمانة) تركت الباب مفتوحا و (أدهم) نفسه لم يعترض على ذلك كأنما اعتاد الأمر، تطلعت لها (سهام) بنظرة استهجان ولم تحاول أن تكلمها حتى لا تلفت انتباه (أدهم) لوجودها بل اكتفت بالعودة لعملها، أما في الداخل فقد قال (أدهم) :
– أهلا مدام جمانة اتفضلي.
ابتسمت (جمانة) ابتسامة باهتة وهر ترد :
– شكرا يافندم اتفضل حضرتك ده الملف.
التقطته منها وفتحه أمامه وتطلع إليه وهو يقلب بضعة أوراق فيه ثم تساءل بدون أن يرفع عينيه نحوها :
– ها إيه ملاحظاتك ع الموضوع ؟
ردت بعملية :
– العملية عموما فيها مكسب كبير أنا عملت شوية تعديلات على عرضنا في ملف المناقصة واستشرت فيها دكتور آدم وكان موافق جدا على التعديلات دي ، المقلق بس الشرط الجزائي للشركة الأم، لو أخلينا بأي جزء في الاتفاق الشرط الجزائي هيتطبق علينا فورا وده نوعا ما مخيف لأن مش كل الظروف مضمونة أو سهل إننا نتحكم فيها، كلمت دكتور آدم على أساس نظبط عرضنا وفي نفس الوقت نتفاهم مع الشركة برا بخصوص الشرط ده ونعدل في شروطه بحيث مايحصلش ظلم لأي طرف سواء إحنا أو هما .
لم يدر لما شعر بالضيق عندما ذكرت عملها مع أخيه أو إعجابه بعملها لكنه طرحه جانبا وهو يبتسم معجبا بما قالته أثناء تطلعه للأوراق مركزا مع التعديل الذي قامت به وكان إعجابه ذلك واضحا في صوته وهو يقول :
– هايل يامدام جمانة بجد، التعديل ممتاز فعلا وفكرتك كمان هايلة.
ثم رفع عينيه إليها و أكمل وهو لايزال محتفظا بابتسامته :
– إن شاء الله بعد المناقصة ماترسى علينا لأني واثق من شغلك وأفكارك هنعمل اجتماع مع الشركة ونتناقش في موضوع الشرط الجزائي.
علت السعادة وجهها فهي قد أدت عملها كما ينبغي ولم تدري هي الأخرى لما كان دوما رضى (أدهم) عن عملها محل سعادتها لكنه فسرته بأنها تثبت جدارتها بعد ما قاله لها في بداية عملها في الشركة وهذا بالتأكيد يسعدها، ردت بسعادة واضحة :
– شكرا يافندم ربنا يخليك، كله بتشجيع حضرتك ومساعدة وتشجيع دكتور آدم.
شعر بالضيق مرة أخرى لكن هذه المرة ظهر جليا على ملامحه مما أقلقها خاصة عندما قال :
– هو إنت بتشتغلي مع آدم على طول ولا ايه ؟؟ هتشككيني في قدراتك كده ؟ التعديلات دي فكرتك إنت ولا هو ؟
أجابت بسرعة :
– لا يافندم التعديلات فكرتي طبعا، لكن عرضتها على دكتور آدم عشان آخد رأيه، لأن طبعا الشغل ده مش من اختصاصي حتى لو بأفهم فيه وهو في الأول وفي الآخر أستاذي.
تطلع إليها لحظة في صمت قرأت في عينيه نوع من الغضب لكنه لم يظهر على صوته وهو يقول :
– امممممم، طيب ياريت مادام أنا اديتك الملف تعرضي تعديلاتك علي الأول بعد كده، وبعدين ناخد رأي دكتور آدم كخبير طبعا.
شعرت بالحرج فردت في خفوت :
– حاضر يافندم، بأعتذر لحضرتك.
فورا أصابه تأنيب الضمير وفكر، هل هذه غيرة ؟ لمَ عاملها بهذا الجفاء على الرغم من اجتهادها وذكائها في العمل ؟ ما الذي يدفع رجلا لمعاملة امرأة بخشونة عند ذكرها لرجل آخر في حضوره ولجوئها إليه إلا إذا كانت غيرة ؟ شعر بالحنق وازداد غضبه أكثر لوصوله بتفكيره لتلك النقطة، أما هي فكانت تنظر أرضا وبين كل فينة وأخرى ترفع عينيها إليه منتظرة قراره شاعرة بالحزن من طريقة تعامله معها على الرغم من إنجازها والذي مدحه أخاه وهو شخصيا في البداية، أتراها أخطأت عندما عرضت الأوراق على أخيه أولا ؟ ولكن ما الخطأ في ذلك ؟ فهو أيضا من مديري الشركة وفي جميع الأحوال سيعرض عليه الملف، لم تدري ماذا تفعل فتنحنحت لافتة انتباهه، رفع عينيه إليها يتأملها في صمت، كانت نظرة عينيه العميقتين غريبة للغاية، شعرت بالدفء يغزو قلبها وحمرة الخجل تعلو وجنتيها فأطرقت برأسها أرضا مرة أخرى، تأملها هو لثوان ولم يدرك أن هناك عينين غاضبتين تتابعان نظرته تلك في أحد الديكورات ذات السطح العاكس في غرفة السكرتارية، عيني (دينا) التي رأت في عينيه مالم يفهمه هو أو تلمحه (جمانة) نفسها، فازداد حنقها وكادت تدخل إليه لولا بقايا عقل حذر خبيث منعتها من التصرف بحماقة، أما في الداخل فقد نظر (أدهم) لـ (جمانة) وقال بهدوء بابتسامة مشجعة محاولا استعادة ملامحها المرحة بدلا من الارتباك الذي سببه لها :
– طيب يامدام جمانة، شكرا ع التعديلات الهايلة دي، بإذن الله المناقصة بتاعتنا، اتفضلي إنت على مكتبك.
أومأت برأسها إيجابا و ردت :
– العفو يافندم، بعد إذن حضرتك.
قالتها وخرجت من مكتبه بهدوء وهو يتابعها بعينيه ثم فوجئ بجسد يقتحم الفراغ بين عينيه وبينها رفع عينيه للأعلى لتقع على وجه (دينا) فعقد حاجبيه في غضب ظهر جليا على ملامحه لكنها لم تبالي به وتقدمت للأمام عندما اندفعت (سهام) خلفها هاتفة فجأة :
– آنسة دينا من فضلك.
التفتت إليها في غضب فقال (أدهم) :
– خلاص ياسهام اتفضلي إنت.
بدا على صوته الحنق وظهرت نظرة غضب في عينيه رمق بها (سهام) التي تراجعت للخلف في وجل وهي تومئ برأسها اعتذارا في حين ظهرت الشماتة على وجه (دينا) وهي تنظر إليها قائلة بعينيها : “أرأيت ؟”..
دلفت دينا للمكتب وأغلقت الباب خلفها فتطلع إليه (أدهم) في صمت ثم رفع عينيه إليها متسائلا بحزم :
– خير يا دينا ؟
وفي الخارج كان الحنق والغيظ يرتسمان بوضوح على وجه (سهام) فسألتها (جمانة) :
– مالك ياسيمو ؟ مين مزعلك ؟
ردت (سهام) بحنق واضح :
– البني آدمة اللي اسمها دينا دي، قال إيه خطيبي وأدخل براحتي .
شعرت (جمانة) بشعور غريب، كأنه مزيج من الدهشة والحزن والاستغراب، كيف لتلك الملونة أن تخطف قلب رجل صارم جاد مثل (أدهم)، لكنها عادت تتساءل بدهشة :
– هي خطيبته ؟
أجابت (سهام) بغيظ :
– أهي بتقول، وانت شفتي بنفسك لما دخلت ماقالش حاجة.
قالت بلامبالاة :
– خلاص هما أحرار مع بعض، هاروح أنا على مكتبي.
قالتها وغادرت المكان بسرعة وفي الداخل كان (أدهم) يقول لـ (دينا) :
– خير يادينا ؟ أحنا مش قلنا قبل كده في الشركة نهتم بقوانين الشغل ونراعي المكان كويس ؟
ردت مهادنة بدلال وهي تقترب منه :
– معلش يا أدهم، أنا كنت جاية من شوية أصلا وبعدين البنت اللي برا منعتني بطريقة مش لطيفة وجت جمانة دي دخلت وأنا قاعدة برا منتظرة كل ده.
كاد يهتف فيها غاضبا للمرة المليون أن هذا مقر عمل لكنه اكتفى بالصمت والتطلع إليها وإلى ماترتديه في صمت حانق ثم خفض عينيه وانشغل بالأوراق أمامه، فاقتربت أكثر تحاول الالتفاف حول المكتب لكنه رفع عينيه إليها مرة أخرى بنظرة تحذيرية صارمة أخافتها فترددت لثانية ثم تراجعت، جلست أمامه على المكتب وهي تضع إحدى ساقيها على الأخرى وهو ينظر لها في صمت فقالت بدلال :
– المهم انا كنت جاية أعزمك على حفلة في الفيلا عندنا، داد وقع عقد جديد مع شركة أكواريوم الانجليزية وعاملين بارتي كبير وطبعا لازم تيجي.
دفن عينيه في الأوراق مرة أخرى وهو يرد باقتضاب :
– معلش يا دينا مش هأقدر آجي.
وقفت مرة أخرى ثم مالت بجسدها على المكتب ضاغطة عليه وتركت عطرها النفاذ يتسلل لأنفه حتى أنه رفع عينيه إليها مندهشا وازداد دهشة من جرأتها حين مدت كفها تمسك بيده والأخرى ترفع ذقنه تجاهها لينظر إليها ممانعة بدلال أكبر :
– تؤ تؤ تؤ .. مش هينفع تعتذر كل ….
قاطعتها انتفاضته وهو يسحب نفسه بمقعده للخلف ناظرا إليها بغضب حتى كادت تسقط فوق المكتب لولا أن استندت إلى يديها في آخر لحظة فنظرت إليه بدهشة وهي تهتف :
– في ايه يا أدهم ؟
قال في غضب مكبوت :
– هو ايه اللي في ايه ؟؟ آنسة دينا ده مكان شغل وأنت عارفة كويس إني مش باحب الحركات دي، ومش معنى إننا معارف يبقى تتعاملي معايا كده، سواء في الشغل أو برا الشغل.
شعرت بالغضب فقالت متصنعة الحزن :
– خلاص يا أدهم أنا آسفة، إنت عارف إني باحب …
صمتت بطريقة مدروسة بعدما قالت كلمتها لينظر لها مرة أخرى باستهجان فأكملت بعد تظاهرها بكتمان مشاعرها :
– بأعزك جدا ومام وداد توtoo ، سو so لازم تيجي لأن كل البيزنس مِن الكبار جايين وأونكل جلال وأنطي فريدة جايين برده.
تطلع إليها لحظة أخرى في صمت غاضب ثم عاد يقلب في الأوراق أمامه معلنا انتهاء اللقاء قائلا في هدوء :
– ربنا يسهل يادينا، اتفضلي على شغلك دلوقتي.
ظلت تنظر إليه لثوان أخرى ثم قامت من أمامه تتهادى في خطواتها مرة أخرى، وهي تعلم أنه لا ينظر إليها مما أغضبها أكثر، خرجت من المكتب وأغلقت بابه خلفها فرفعت (سهام) عينيها إليها في حنق لتجد عينيها المتحديتين كأنها تقول : ” أرأيت؟ لا تمنعيني مرة أخرى “، ثم انطلقت عائدة لعملها الذي قلما تقوم به.
في نهاية اليوم عادت لمنزلها لتجد والدتها جالسة في حديقة الفيلا تشرب الشاي وتتصفح إحدى مجلات التجميل باهتمام وما إن لمحتها حتى لوحت لها بيدها ونادتها :
– مام، أنا جيت.
رفعت (ناريمان) عينيها لابنتها ثم ابتسمت وهي تتأملها وردت :
– دونا حبيبة مام، تعالي ياقمر، ايه الجمال ده، أدهم شافك النهاردة كده.
كانت (دينا) تسير باتجاه أمها عندما عبست على مجيء ذكر (ادهم) وهي تجيبها :
– يس مام ، شافني، بس لايك نوثينج like nothing .
مطت والدتها شفتيها باستغراب وهي ترفع أحد حاجبيها قائلة :
– ايه ده بجد يادونا ؟ ليه مش بيشوف ؟ يو آر سو هوت You are so hot .
هزت (دينا) كتفيها في دلال وهي ترد متحسسة جسدها المثير :
– أنا عارفة، مام أنا زهقت بجد، هي إز سو بورينج He is so boaring .
هزت والدتها رأسها يمينا ويسار بمعنى النفي قائلة :
– نو نو يادونا، لازم تكوني صبورة، إنت عارفة تفكير أدهم على الرغم من إنه ابن فيري بس كان متأثر أوي بأخوه آدم وده تفكيره رجعي جدا، ماتستعجليش عشان توصلي.
تأففت (دينا) وهي تنفخ في ملل ثم قالت :
– مام إنت عارفة إني مش هأسيبه، بس النهاردة لاحظت حاجة غريبة.
عقدت والدتها حاجبيها وهي تتساءل :
– لاحظتي ايه يابيبي ؟
هزت كتفيها مرة أخرى وهي تجيب :
– أبدا واحدة لوكال كده بتشتغل عندنا في الشركة بس هو مهتم بيها أوي وآدم كمان، وعلى طول بيشجعوها، رحت له المكتب النهاردة عشان أعزمه ع البارتي بتاعة داد لقيتها دخلت من غير ماتراعي وجودي كأنها في شركتها وهو بيعاملها بطريقة آي ديدنت لايك إت I didn’t like it ، ومن برا وأنا مستنياها تخلص كلام معاه على ملف بتشتغل عليه لقيته بيبص لها بطريقة ماعجبتنيش برده، كأن هي لايكس هير He likes her على الرغم من أنها أرملة أصلا وعندها ليتل جيرل Little girl .
صمتت والدتها لثوان وهي تفكر في كلام ابنتها ثم سألتها :
– إنت متأكدة من الكلام ده يادونا ؟ هو فعلا معجب بيها وفي بينهم ريليشن شيب Relationship ولا من خيالك.
أكدت (دينا) بسرعة :
– نو مام أم ديفنتلي شور I’m definitely sure .
ازداد انعقاد حاجبي (ناريمان) وهي تفكر بالأمر في حين قالت (دينا) :
– بس أنا عندي فكرة تخليها تبعد عنه، وانسOnce إنها تتأكد من إن في حاجة بيني وبينه ومش مجرد خطوبة بس لازم تعرف إنها علاقة كاملة، هينزل من نظرها لأنها لوكال أصلا وكمان هتقف عند حدها وتعرف إنه مش بتاعها ده بتاعي أنا ماين Mine .
قالت كلمتها الأخيرة في مزيج من الطمع والغل فتطلعت لها والدتها بإعجاب و ردت :
– نايس يادونا، قولي لي فكرتك.
اقتربت بمقعدها من والدتها وهي تخبرها بفكرتها التي لمعت لها عينيها جشعا وإعجابا بذكاء ابنتها وخبثها، وافقتها أن تضعها حيز التنفيذ عندما يحين الوقت المناسب لها.
********
جاء يوم الحفل، كان يوما صاخبا في منزل (مصطفى) حرصت (دينا) أن يبدو كل شئ كاملا فاخرا، انتقت فستانا باذخا يظهر من جسدها الفاتن أكثر مما يخفي، بدون أكمام مفتوح الظهر ذا لون أحمر ناري أظهر بياض بشرتها النقية، ينسدل على جسدها في نعومة وتظهر منه ساقها اليمنى في إغراء زائد، تركت بعض شعرها الطويل ينسدل على ظهرها الغض ورفعت بقيته ليغفو على جبهتها ووجنتيها في أنوثة، كانت في أبهى صورة، أرادت أن تكون الأجمل والأنثى الوحيدة في المكان، وبالفعل أدارت رؤوس كل الرجال حتى الأجانب وكبار السن، وعلى الرغم منه ولمجرد المجاملة لرجل يقدره ذهب (أدهم) مع عائلته، بدا وسيما للغاية في بذلة سوداء أنيقة، وذقنه غير الحليقة دوما تزيده خشونة ووسامة في أعين الفتيات، عندما دلفوا للمكان أقبلت (دينا) تتمايل حتى يخيل للناظر أنها ستسقط جانبا في أية لحظة تصحبها والدتها التي ارتدت فستانا كاشفا غير مناسب لسنها هي الأخرى، أومأت برأسها لـ (أدهم) فقال :
– إزي حضرتك ياطنط ؟
ثم تطلع لـ (دينا) بنوع من التقزز وبحث بعينيه سريعا عن (مصطفى) حتى وجده فغمغم :
– بعد إذنكم، هاروح أبارك لعمو مصطفى.
وتركهم وانصرف مسرعا كأن شياطين الأرض تطارده، أثار ذلك حنق (دينا) بالطبع وكادت تنفعل لولا أن شدت والدتها على يدها وهي ترحب بباقي أسرته وتصحبهم لطاولة مميزة في المكان، تركتها (دينا) ووقفت تتطلع لـ (أدهم) الذي يقف مع والدها ويبتسم له ابتسامة صافية أحنقتها أكثر حتى شعرت بإصبع يمر على ظهرها العاري في جرأة فانتفضت وسمعت صوتا متخابثا يقول :
– دونا، بتفكري في ايه ؟ ماتحاوليش يابنتي.
أعقبتها ضحكة ساخرة أغاظتها أكثر، فالتفتت لصاحب الصوت تنهره :
– تيام !!- يووووه تيام قلت لك بطل بقى الهبل ده، والحمار اللي مش عاجبك ده مليونير و هيكون لي يعني هيكون لي.
تراجع خطوة للخلف وهو يتأمل جسدها في جرأة وبعينين نهمتين، أشعرتها نظراته بالتقزز فأدارت ظهرها إليه تتطلع لـ (أدهم) الذي لم تجده حيثما تركته فأدارت عينيها تبحث عنه عندما مرر (تيام) كفه هذه المرة على ظهرها هاتفا :
– دونا ارحمي نفسك يابنتي مش هيعبرك، ده أصلا مابيفهمش.
التفتت تتطلع إليه للحظة في تفكير ثم قالت :
– تيوم كويس إنك لابس أسود عاوزة منك خدمة.
نظر لها في خبث ثم رد :
– امممممم موافق بس بشرط.
تساءلت بملل :
– شرط إيه ؟
هز كتفيه بعد اهتمام وهو يجيب :
– هتيجي الأسبوع ده السخنة معايا، رايحين كلنا والشلة عاوزاكي، هنقضي يومين حلوين وترجعي، قلتي ايه ؟
قالت بسرعة :
– أوك شور Sure هآجي، المهم عاوزاك في حاجة.
وأشارت له ليقترب منها فهمست في أذنيه ببضع كلمات تراجع بعدها وهو ينظر إليها في دهشة هتف بعدها في استغراب :
– ياااه للدرجة دي ؟ عموما نو بروبلم يادونا، هو أنا أطول.
تحركت وهي تقول :
– طيب تمام، هاعمل حاجة وارجعلك .
وانطلقت مسرعة إلى حيث والدتها وأشارت لها بإشارة اتفقتا عليها مسبقا اتجهت بعدها والدتها لطاولة عائلة (الحسيني) وضحكت وهي تتطلع لـ (سارة) قائلة :
– ايه ياسارة، قومي ارقصي مع أي حد، قاعدة هنا مع العواجيز وسايبة الشباب.
ضحكت (فريدة) في حين عقد (جلال) حاجبيه في ضيق وردت (سارة) بهدوء :
– معلش ياطنط، إنتي عارفة إني مش بأرقص غير مع أدهم بس، وهو مشغول مع أصحابه في الحفلة.
ضحكت (ناريمان) مرة أخرى وهتفت بصوت عالٍ :
– ياسلام بس كده، حالا أجيبلك أدهم مع إني شايفة إنك زي القمر وشباب كتير هتجنن عليكي.
أشاح (جلال) بوجهه في ضيق ولم يعلق في حين قالت (فريدة) :
– سارة قومي ارقصي مع أي حد ماتبقيش متخلفة.
رمقها زوجها بنظرة حانقة ثم قال في حزم :
– سارة حبيبتي لو حابة تقومي شوفي أدهم فين وروحي له، مش مع أي حد.
تبادلت (فريدة) و (ناريمان) نظرة غاضبة ولم تعلق أيا منهما عندما كان (أدهم) يقترب من طاولتهم بهدوء فأشارت له (ناريمان) قائلة :
– ايه يا أدهم؟ كده سايب سارة لوحدها وانت عارف انها مش بترقص مع أي حد؟ خدها وارقصوا شوية بدل ماهي قاعدة مع العواجيز كده.
قالتها وغمزت (فريدة) لتضحك كلتاهما مرة أخرى، اقترب (أدهم) من شقيقته وانحنى أمامها مادا يده إليها قائلا بلهجة مداعبة :
– ممكن الأميرة الجميلة تسمح لي بالرقصة دي ؟
ابتسمت (سارة) في سعادة وهي تضع كفها بين أصابعه مجيبة :
– أكيد طبعا.
ثم قاما ليرقصا سويا، أوصت (دينا) مصورو الحفل أن يلتقطوا ما أمكن من الصور لـ (أدهم) أثناء رقصته مع شقيقته واتجهت هي الأخرى لترقص مع صديقها (تيام) بحميمية شديدة أثارت غيرة معظم الرجال في الحفل، وأثارت أكثر ضيق والدها عندما انتبه لها، فاتجه نحوها بغضب لكن زوجته وقفت في طريقه تحادثه في أمر مصطنع لتكمل (دينا) خطتها بنجاح، تركت (دينا) نفسها ليجذبها (تيام) لأحد الأركان الهادئة في الحديقة يتابعهما أحد المصورين ليلتقط لهما صورا عديدة وفيديوهات كما طلبت منه لتنفذ خطتها.
انتهى الحفل ببذخه ونفاقه ومشاعره المصطنعة ومجاملاته الزائدة، وبقيت (دينا) مستيقظة للفجر تثرثر مع والدتها عن نجاح الجزء الأول من خطتها بدون جهد يذكر، وتنتظر الصباح لتكمل باقي الخطة.
***********************************
الفصل الحادي عشر
*************
في اليوم التالي للحفل حصلت (دينا) على صورها مع صديقها وصور (أدهم) مع شقيقته، تأملت الصور جيدا بعين دقيقة واختارت منها خمس صور ونقلت الفيديو الخاص بها لهاتفها، ارتدت ملابسها واتجهت بعدها لسيارتها مارة بوالدتها الجالسة في الحديقة فانحنت لتقبلها من وجنتها قائلة :
– مام، هاروح لبوسي عشان اتفق معاها تظبط الصور، سي يو See you .
بادلتها والدتها القبلة وردت مبتسمة :
– أوك يادونا، سي يو تو، ابقي قولي لي الأخبار.
انطلقت خارجة من الفيلا وهي تلوح بيدها هاتفة :
– شور مام، باي.
قادت سيارتها حتى وصلت لحي راق، توقفت أما إحدى الفيلات الأنيقة به وهي تهاتف صديقتها وسرعان مافتحت بوابة الفيلا لتدلف إليها بالسيارة، ترجلت منها واتجهت لباب الفيلا الذي فتح قبل أن تصل إليه وظهرت على عتبته فتاة قصيرة نوعا رقيقة الملامح ترتدي ملابس منزلية قصيرة وترفع شعرها الناعم على شكل ذيل الحصان، مدت ذراعيها لـ (دينا) التي اقتربت منها لتمسك بيديها وتتبادلان قبلتين في الهواء وهي تهتف :
– دوني مش ممكن، أخيرا افتكرتيني، أكيد وراكي كارثة.
قالتها وضحكت فبادلتها (دينا) الضحك وقالت وهما تدخلان للفيلا :
– كارثة كبيرة يابوسي، عاوزة منك بيج فيفر Big favor .
قادتها (بوسي) لغرفتها بالطابق العلوي للفيلا وهي تتساءل :
– شور يادوني.
ثم جلستا على مقعدين كبيرين في غرفتها مكملة :
– ها، واتس يور بيج فيفر What’s your big favor ؟
أخرجت (دينا) من حقيبتها الصور الخاصة بها وبـ (أدهم) و أوضحت :
– بما إنك أشطر ديزاينر شفتها عاوازكي تظبطي لي الصور دي.
التقطت منها الصور وتطلعت إليها ثم رفعت حاجبيها في دهشة متسائلة :
– ايه ده ؟ ده أدهم ؟ وايه اللي انت عاملاه مع تيام ده يامجنونة إنت؟
اقتربت منها (دينا) وهي تجيب :
– أيوة أدهم، هابقى احكي لك بعدين المهم عاوزاكي تظبطي الصور بحيث صور أدهم مع سارة أبقى أنا مكانها وصور تيام معايا يبقى أدهم مكانه، ها هتعرفي تعمليهم كويس ولا أدور لى على حد تاني؟
نظرت لها باستخفاف قائلة :
– ايه السؤال الاهبل ده ؟ طبعا أعرف، بس قبل مااعمل حاجة عاوزة اعرف التفاصيل.
تأففت (دينا) وهي ترد :
– طيب هاحكي لك وانت بتشتغلي لي عليهم.
قامت (بوسي) متجهة لمكتب في أحد أركان الغرفة لتعمل على تعديل الصور وهي تقول :
– طيب يلا، شكلك مستعجلة.
جلستا تثرثران أثناء تعديل الصور حتى انتهت المهمة فهتفت (بوسي) :
– يامجنونة يا دينا، كل ده عشان أدهم، ومين دي أصلا اللي تعمل لك قلق؟
أجابت (دينا) بحقد :
– حتى لو مفيش منها خوف، إنت عارفة إني مش باحب اسيب حاجة متعلقة أو ممكن تعمل مشكلة بعدين، لازم أزيحها من طريقي بأي شكل.
تساءلت (بوسي) :
– طيب مش خايفة أدهم يعرف وتبقى مشكلة ؟
هزت كتفيها بلامبالاة وهي تجيب :
– وايه اللي هيعرفه؟ مااعتقدش انها ممكن تقوله ولا سهام حتى تفتح معاه موضوع زي ده، ده عاملهم فيلم رعب يابنتي في الشركة.
ثم ضحكت بسخرية، ثم أكملت بكره :
– أدهم ده بتاعي وبس واللي تفكر تقرب منه نهايتها على ايدي.
شعرت (بوسي) بنوع من القلق لكنها لم تعلق وتركت (دينا) تلملم أشياءها وترحل عائدة لمنزلها، بعد وصولها اتجهت من فورها لوالدتها وجلستا تشاهدان التعديلات التي قامت بها صديقتها على الصور لتتحول تماما لشكل مختلف أعجب والدتها للغاية حتى أنها واتتها فكرة جديدة تزج بـ (أدهم) نفسه بالأمر وتجبره على الزواج من ابنتها، فكرت بعرض الصور على والدة ووالد (أدهم) ليجبره والده على الزواج من ابنتها لكن الأفعى الصغيرة لم تعجبها الفكرة، لم تكن تريده مجبرا خاصة أنه سيكذب الأمر، كانت تريده مدلها بحبها عاشقا ذابلا يجري خلف تراب قدميها مقبلا، فصمتت والدتها على مضض وتركت لها محاولة جذبه إليها.
********
في اليوم التالي اتجهت (دينا) لعملها بالشركة واختارت وقتا تعلم فيه بوجود (جمانة) في مكتب (أدهم) لتتجه إليه وتقابل (سهام) لتكمل خطتها، ارتدت في ذلك اليوم ملابس مثيرة ضيقة، كانت تعلم أن (أدهم) لن يراها فلم يهمها، كل ما كان يشغل بالها هي (جمانة) ومدى تأثير فتنتها عليها والصور التي ستجبرها على مشاهدتها، دلفت لمكتب (سهام) لتجدها منكبة على عدة أوراق أمامها تطالعها في اهتمام، اقتربت منها في هدوء ثم رسمت ابتسامة ود مصطنعة على شفتيها وهي تقول :
– سيمو إزيك؟
هتفت (سهام) بداخلها “أصبحنا وأصبح الملك لله” ثم رفعت رأسها تنظر لـ (دينا) وما إن لمحت ماترتديه حتى عقدت حاجبيها في ضيق ظهر واضحا على صوتها وهي :
– أهلا يادينا الحمد لله، باشمهندس أدهم مشغول بالمناقصة الجديدة ومنتظر دكتور آدم و مدام جمانة.
اتسعت ابتسامة (دينا) وعلقت :
– لا لا أنا مش جاية لأدهم، أنا جاية أقعد معاكي شوية وافرجك على صور حفلة دادي من يومين، كنت عاوزاكي تيجي طبعا بس أنا عارفة إنك مش بتسهري وباباكي بيتضايق مش كده.
شعرت (سهام) بالغيظ من تكلف (دينا) وتصنعها وإدعاءها وجود صداقة بينهما لكنها قالت بهدوء :
– معاكي حق طبعا يادينا، بابا راجل محافظ جدا.
وضغطت على كلمتها الأخيرة لتغيظها لكنها لم تهتم، بل فتحت حقيبتها وهي تخرج منها عدد من الصور وتجذب كرسي لتجلس بجوارها قائلة :
– تعالي بقى وقولي لي رأيك في فستاني، ماليش صحاب هنا غيرك ياسيمو وباتبسط معاكي.
ابتسمت (سهام) مجاملة وهي تعلم كذب (دينا) الواضح، التقطت منها الصور لتشاهدها عندما دلفت (جمانة) للمكان وهي تحمل ملفا ضخما في يدها باهتمام وما إن لمحتهما حتى ابتسمت كعادتها وألقت السلام الذي ردته (سهام) بحبور واكتفت (دينا) بإيماءة من رأسها قالت بعدها :
– إزيك ياجمانة؟ تعالي شوفي الصور دي، كانت بارتي حلوة أوي في الفيلا عندنا عشان دادي مضى عقد جديد مع شركة انجليزية كبيرة، كان نفسي تكونوا كلكم موجودين.
احتفظت (جمانة) بابتسامتها وتساءلت :
– سهام هو دكتور (آدم) جه ولا لسه ؟
ردت (سهام) :
– لا لسه.
(جمانة) بابتسامتها الصافية :
– طيب خليني أشوف الصور معاكي.
واتجهت تجلس بجوراها لتشاهدا الصور سويا، كان البذخ واضحا في كل صورة، من ديكورات الحفل للبوفيه الخاص بها حتى ماترتديه النساء ويتأنق به الرجال، فجأة في أثناء تقليب الصور ظهرت صورة تجمع بين (دينا) و (أدهم) وهو يراقصها بحميمية شديدة، حيث يظهر ظهرها ووجهه للصورة، هي تضع رأسها على كتفه، يتلاحم جسديهما بطريقة غير لائقة، ويداه مستقرتان على أسفل ظهرها العاري، تراجعت كل من (سهام) و (جمانة) في نوع من الصدمة، صدمة لرؤية صورة كهذه بهذا النوع من الجرأة والتبجح ولرؤية رئيسهما الصارم الذي تكنان له كل احترام بهذا الشكل الغير لائق على الإطلاق، تطلعت (دينا) إليهما ولـ (جمانة) بالتحديد في شماتة ومالت تتطلع للصور متسائلة باهتمام مصطنع :
– ايه مالكم يابنات في ايه ؟
ثم أصدرت صرخة اعتراض مستنكرة وهي تنظر للصورة، جذبتها من يد (سهام) وهي تتظاهر بالإحراج قائلة :
– ياخبر، معلش دي صورتي انا وأدهم مش صور تبع الحفلة، للأسف المصور لقطها مخصوص وقالي كنتو تحفة مع بعض، قلت هاخليها عشان أدهم يشوفها بعدين.
وما إن سحبتها حتى ظهرت أسفلها صورة أكثر إثارة للاشمئزاز تجمع بينها وبين (أدهم) في وضع لا يليق مطلقا حتى أن (جمانة) أطلقت شهقة واتسعت عينا (سهام) في تقزز، وعندما تأكدت (دينا) من رد فعلهما اصطنعت هي الأخرى شهقة مصحوبة بخجل لا يليق بها وهي تهتف :
– ياخبر، مش ممكن ايه جاب الصور دي هنا بس؟
تطلعت إليها الفتاتان في صدمة وهي تسحب الصورة لتظهر أخرى أسفلها مشابهة لها لتعود فتهتف :
– ياربي مش ممكن، المصور ده كان مستقصدني أنا وأدهم بقى.
ألقت إليها (سهام) كالملسوعة ببقية الصور وهي تهتف بنوع من القرف:
– كفاية كده خدي الصور يادينا.
تظاهرت بالأسف وهي تلمح الشرود يرتسم على وجه (جمانة) و ردت :
– أوه، سوري يابنات، مش كان قصدي تشوفوا الصور دي، لأن دي حاجة تخصني أنا وهو بس، عموما في فيديوهات برده للحفلة لازم تشوفوها، معايا اتنين ع الفون بجد نفسي أعرف رأيكم في ستايل الحفلة والثيم اللي اخترته، كله كان ذوقي.
ثم أمسكت بحقيبتها باحثة عن هاتفها والفتاتان تتطلعان لبعضهما البعض في صمت، أخرجت هاتفها وفتحته، قامت بتشغيل أحد الفيديوهات وناولته لـ (سهام) التي نظرت إليه بلامبالاة، كان الفيديو ينقل ديكورات الحفل والكاميرا تجوب وجوه الحضور وتلتقط صورهم، حتى ظهرت (دينا) من بعيد يجذبها شخص ما يرتدي بذلة سوداء لأحد الأركان الهادئة في الحديقة وهي تضحك بدلال بدا واضحا، ويبدو أن المصور قد أعجب بها وكيف لا وهي تبدو كفتنة مجسمة تسير على قدمين فقام بتقريب الصورة مظهرا تفاصيل فستانها من أسفل لأعلى ومركزا على مابداخل الفستان من جسد مثير، حتى دخل صاحب البذلة السوداء بين عدسة الكاميرا المقربة وبين جسد (دينا) وهو يضمها إليه ويقبلها وتبادله هي القبلة في شغف، كان ظهر الرجل هو الواضح للكاميرا في حين تلتف ذراعاها حول عنقه ويحيط هو جسدها بذراعيه، ما كان من (جمانة) بعد أن رأت المشهد حتى قامت من مقعدها تنظر إليها بنوع من التقزز بدا واضحا في عينيها، في حين تظاهرت هي بالبرود وعدم الفهم وتساءلت :
– مالك ياجمانة، مش هتكملي الفيديو؟
ثم مالت تنظر للهاتف في يد (سهام) والكاميرا لازالت تظهر المشهد ثم تراجعت وهي تشهق وتخطف الهاتف من (سهام) وتهتف بذهول مفتعل :
– مش ممكن، الفيديو ده انا ماشفتوش قبل كده، المصور ده بيستهبل، مركز معايا أنا وأدهم أوفر أوي لدرجة يصور حاجة زي دي بيننا، أنا هاوديه في داهية.
تطلعت إليها (جمانة) في صمت وهي تستغفر ربها بقلبها في حين قالت (سهام) وملامح الصدمة تبدو على وجهها :
– دي حاجة تخصكم يادينا، ماكانش المفروض حاجة زي دي نشوفها إنتم أحرار مع بعض.
ردت في أسف :
– أكيد ياسهام معاكي حق، بس مش عاوزاكم تاخدوا فكرة وحشة عني أو عن أدهم، أحنا في حكم المخطوبين ومهما حصل بينا ولأي درجة فده بسبب الحب، غصب عننا حتى لو اتصرفنا بطيش.
فهمت الفتاتان تلميحها وشعرت (جمانة) بالضيق يكاد يخنقها ولم تدري له سببا، ظهر الاشمئزاز واضحا على ملامحها مما جعل (دينا) تتأكد من نجاح خطتها تماما، فقامت تلملم الصور عندما دخل (آدم) المكتب وفوجئ بوجود الثلاثة فقال :
– السلام عليكم، إزيك ياجمانة؟ عاملة ايه ياآنسة سهام ؟
وتطلع لـ (دينا) وملابسها بتساؤل وضيق ظهر جليا في لهجته وهو يتساءل :
– حضرتك بتشتغلي معانا في الشركة ؟
تطلعت إليه باستخفاف وقالت :
– ايه إنت مش فاكرني يا آدم ؟
استنكر (آدم) مخاطبتها له بتبسط هكذا مما دفعه ليعقد حاجبيه مجيبا في حزم :
– لا للأسف مين حضرتك ؟
اقتربت منه ووقفت أمامه كأنها تستعرض مفاتنها قائلة :
– أنا دينا، مش معقول تكون نسيتني.
تساءل :
– دينا بنت عمو مصطفى ؟
أومأت برأسها إيجابا وشعرت هي بالنصر كأنها تقول لـ (جمانة) : أرأيت نحن عائلة فلا تتدخلي بيننا، في حين ردد (آدم) :
– دينا؟ وبتقولي لي آدم كده عادي ؟ مفيش أونكل ولا حتى آبيه ؟ فرق السن بيننا أكتر من 13 سنة ولما سافرت كنت شبه طفلة.
ردت بسخرية :
– وماله يا أونكل، سي يو.
وتخطته مغادرة المكان بسرعة، كان الوجوم مرتسما على ملامح كل من (سهام) و (جمانة)، بعد انصراف (دينا) اتجهت (جمانة) لـ (آدم) وقالت وهي تناوله الملف الذي تحمله :
– اتفضل يادكتور آدم ده الملف، ظبطت التعديلات زي مااتفقنا وضفت شوية حاجات ياريت تطلع عليها مع الباشمهندس أدهم وتبلغوني لو محتاجة تظبيط أكتر، بعد إذنك.
وتخطته هي الأخرى لتغادر المكتب بخطوات سريعة وهو يتطلع إليها بدهشة، ثم التفت لـ (سهام) متسائلا :
– آنسة سهام هو ايه اللي حصل ؟ مالها جمانة ؟ هي دينا زعلتها ؟
هزت (سهام) كتفيها بلا داعي وردت بسرعة :
– لا لا، يمكن نسيت حاجة أو تعبانة.
تطلع إليها (آدم) محاولا فهم ما يدور حوله لكنه لم يصل لشيء فأومأ برأسه، واتجه لمكتب (أدهم)، طرق الباب ثم فتحه ودخل، فرفع (أدهم) رأسه إليه وابتسم مرحبا وعندما لاحظ أنه وحده تساءل :
– أمال مدام جمانة فين ؟
هز (آدم) كتفيه في عدم فهم وأجاب :
– رجعت مكتبها مش عارف مالها، لما جيت كانت قاعدة برا مع الآنسة سهام ودينا بنت عمو مصطفى ولما شافتني ادتني الملف وقالت لي أراجعه معاك وطلعت تجري من قدامي زي مايكون في عفريت بيجري وراها .
عقد (أدهم) حاجبيه وهو يتساءل :
– مع دينا ؟ ودينا كانت برا بتعمل ايه ؟
رد (آدم) بهزة أخرى من كتفيه :
– مش عارف، يلا نشوف اللي ورانا عشان عاوزين نخلص من المناقصة دي على خير باقي أسبوع بس وتنتهي وعاوزين نلحق نقدم عرضنا.
صمت (أدهم) لحظات أخرى ثم أومأ برأسه وهو يشعر بالحيرة ثم يبدأ العمل مع أخيه على الملف.
وفي الخارج رمت (سهام) بجسدها على كرسيها وتنهدت بضيق، كانت تشعر بحزن على رب عملها، ذلك الرجل الصارم الحازم الذي اعتقدته دوما مثالا للأخلاق والانضباط تجده بهذه الصورة التي أسقطته من البرج العالي الذي أنشأته له وجعلت إقامته فيه، كانت تعتبره كأخ أكبر يعتمد عليه أكثر من مجرد رئيسها، تراجعت للخلف في مقعدها وهي تجول بعينيها في المكتب في ضيق ثم التقطت منديلا تمسح به وجهها ومالت تلقيه في سلة القمامة أسفل مكتبها عندما وقعت عيناها على تلك الصورة، أول صورة تجمع بين (أدهم) و (دينا) أثناء رقصهما سويا، التقطتها وتطلعت إليها لحظة بقرف شديد ثم ألقتها داخل أحد أدراج المكتب حتى تعيدها لـ (دينا) في وقت لاحق.
********
يبدو أن اليوم لم يكن لينتهي بسهولة فلا يكفي الضيق الذي تعرضت له صباحا حتى لاحقها غيره، أثناء عودة (جمانة) من عملها في سيارتها وهي تقودها شاردة حزينة لا تدري سببا لحزنها علا صوت هاتفها ليخرجها من شرودها، التقطته وتطلعت لاسم المتصل لتجده والدتها، شعرت بالقلق الشديد ودعت الله أن يكون خيرا، أوقفت سيارتها إلى جانب الطريق وأعادت الاتصال بوالدتها التي أخبرتها أن أخا زوجها الأكبر سيأتي لزيارتهم الليلة لأمر هام، شعرت (جمانة) بالقلق أكثر ولم تدري ما تفعل سوى الانتظار حتى يحين الموعد المنشود، بعد صلاة المغرب وصل الضيف ورحبت به والدتها :
– أهلا ياحاج عبد الرحمن اتفضل، منورنا والله.
رد (عبد الرحمن) :
– البيت منور بأصحابه يا حاجة أم لميا.
قدمت إليه كوبا من العصير البارد قائلة :
– اتفضل ياحاج، دقيقة وجمانة هتيجي.
التقط منها الكوب وهو يرد :
– تسلم ايدك ياحاجة.
رشف منه رشفة عندما دخلت (جمانة) وهي تصطحب صغيرتها (ملك) لتسلم على عمها، ألقت السلام وقالت مرحبة :
– إزيك ياحاج عبد الرحمن وإزي الجماعة في البلد؟ يارب تكونوا كلكم بخير، سلمي على عمو ياملوكة.
ابتسم الرجل ومد يده للصغيرة التي شعرت بالرهبة فالتصقت في أمها فحثتها لتسلم عليه قائلة :
– عمو ياملك أنا عارفة إنك ماشفتيهوش من زمان.
ثم التفتت معتذرة :
– معلش ياحاج، أصلها خجولة شوية.
ظل محتفظا بابتسامته وهو يرد :
– معلش يا أم ملك بكرة تتعود علينا.
تلاقت نظراتها مع والدتها في تساؤل ثم قالت لـ (ملك) :
– طيب ياملوكة روحي العبي في اوضتك شوية واتفرجي ع التي في .
خرجت (ملك ) مسرعة من الغرفة وكأنها خائفة من أمر ما، في حين قال الحاج في حزم :
– ندخل في الموضوع على طول يا حاجة أم لميا، أنا جاي أطلب إيد أم ملك لأخويا كمال، وطبعا هيكون لها بيتها ومهرها وكل اللي تطلبه زيها زي أي عروسة بنت بنوت وأحسن كمان.
اتسعت عينا المرأتين في ذهول لطريقته أولا ثم لطلبه، لم تستطع (جمانة) الكلام أما الأم فهتفت :
– إنت بتقول ايه ياحاج ؟ كمال أخو حسام الله يرحمه اللي متجوز من سنين؟
أفاقت (جمانة) من الصدمة على كلمات والدتها المستنكرة فسألت هي الأخرى :
– ايه اللي انت بتطلبه ده ياحاج عبد الرحمن؟ حضرتك بتتكلم جد ؟
رفع الحاج حاجبيه في استهجان وهو يجيب :
– أمال جاي من السفر عشان أهزر معاكي يا أم ملك؟ وبعدين ياحاجة أم لميا فيها ايه لما يكون متجوز في الشرع يحق له مثنى وثلاث ورباع المهم يعدل بينهم وكمال أخويا مقتدر ويفتح بيتين و تلاتة.
شعرت (جمانة) أنها لو تحدثت فستقول كلاما ثائرا خارجا عن حدود اللياقة فاحتفظت بفمها مغلقا وتركت لوالدتها دفة الحديث، ردت الأم وهي لاتزال مندهشة وخاصة بعدما قاله الحاج :
– ياحاج هي مسألة مقتدر ولا لا ؟ إنت عاوز بنتي تبقى زوجة تانية وعلى ضرة ؟ لا ياحاج اللي ماارضاهوش لبنتي ماارضاهوش لغيرها.
رد الحاج :
– ومالها الزوجة التانية ياحاجة إذا كانت بشرع ربنا ولسبب، مرات أخويا عاملة زي الأرض البور مابتخلفش، متجوز من أكتر من ست سنين ولا حبلت ولا مرة، وأم ملك أهي ماشاء الله زي الفل بعد كم شهر كانت حبلة وجابت العيل وعقبال ماتجيب لكمال إن شاء الله.
ازدادت صدمة (جمانة) ودهشة والدتها من أسلوب (عبد الرحمن) وطريقة كلامه، وعندما حاولت والدتها الرد أشارت لها بالصمت فقد شعرت (جمانة) أنها لا تعبر جيدا عما بداخلها فاجتهدت في انتقاء كلماتها وهي تقول بأكبر قدر أمكنها استحضاره من الهدوء في صوتها :
– يا حاج اللي بتقوله ده ماينفعش، حتى لو حضرتك بتدور على واحدة عشان الولاد لأخوك أنا ماانفعش، الأولاد دول رزق ونعمة زيهم زي أي حاجة تانية لما ربنا بيريد إنها تحصل بتحصل وفي الوقت المناسب ليها لا قبل ولا بعد، وكون إننا نلف وندور عشان ناخد رزق مش مكتوب لنا ده مفيش منه أي فايدة، ده بالاضافة إني مستحيل أقبل اكون زوجة تانية، ده أولا، ثانيا بقى أنا مش هأتجوز بعد حسام الله يرحمه والموضوع منتهي بالنسبة لي من زمان فياريت ياحاج تخلينا أهل أحسن وبلاش نزعل من بعض إنتم أهل حسام وأعمام بنتي ويهمني وجودكم في حياتها، أعمامها وبس ياحاج لأن ماحدش هيحل محل أبوها.
تطلع إليها الرجل في صمت بعدما أنهت حديثها وبدا أنه يفكر في أمر ما جعله يقول بعدها ببطء وكأنه يزن كل حرف قبل أن ينطق به :
– يعني إنت مش عاوزة ترجعي تبقي واحدة من العيلة تاني يا أم ملك ؟
استغربت سؤاله وطريقة تفكيره وتفسيره لرفضها بهذا الشكل وبدا ذلك واضحا في كلامها عندما ردت :
– ياحاج أنا دايما هافضل جزء من عيلة حسام الله يرحمه، اللي بينا مش بس نسب ده صلة دم وملك بنتكم وهتفضل دايما منكم.
قال بنفس اللهجة :
– طيب يا أم ملك احنا مش هنغصبك على حاجة إنت مش عايزاها طبعا، بس في حاجة تانية تهمنا وكانت هتفضل لنا بجوازك من كمال.
تطلعت إليه في تساؤل وشعرت بنوع من الإهانة في كلامه لها كامرأة فاستطرد :
– أرضنا .. ورث حسام أخويا الله يرحمه من أرضنا، ماينفعش تبقى لحد تاني والأرض عندنا مابنملكهاش لحريم، وطبعا لو اتجوزتي يبقى الأرض بقت لجوزك وده مستحيل نوافق عليه.
وللمرة الثانية تشعر هي ووالدتها بالصدمة، لتفكيره ولكلامه الذي يختاره بعناية ليعبر به وكأنه يبغي إهانتهما عن عمد، ألجمت جملته (جمانة) فلم تستطع الرد أما والدتها فقالت بعصبية :
– ياحاج انا مش عارفة أقولك ايه، إنت جاي النهاردة عشان تهيننا، شوية عاوز تجوزها لأخوك وشوية تانية الأرض ومابنملكش لستات وكلام مالوش أي لازمة، الأرض ياحاج اتوزعت بشرع ربنا على ملك ومامتها وعليكم ونصيب ملك منها مامتها وصية عليه وده ملكهم بالشرع والقانون وماحدش يقدر ياخده منهم.
كان أبرد من الثلج وهو يرد :
– ياحاجة أنا لاقصدي إهانة ولا حاجة ماتفهمونيش غلط، كل مافي الموضوع إن طلبي لإيد أم ملك لأخويا كمال كان عشان الذرية والأرض ولما هي رفضت يبقى نتكلم في اللي يهمنا اللي هي الأرض، إنتم الأرض ماتفرقش معاكم في حاجة إنما عندنا أهم من الولد ومابنفرطش فيها أبدا، وأنا مش جاي لا سمح الله أقولكم هاخدها منكم، لو مفيش جواز يبقى تبيعوها لنا وتاخدوا فلوسها تعملوا بيها اللي انتم عايزينه، ها قلتوا ايه ؟
كانت (جمانة) لا تزال تعاني أثر الصدمة لكنها تبادلت نظرة مع والدتها لترى فيما تفكر ثم أجابت بصوت لا يكاد يسمع :
– طيب ياحاج أنا ماعنديش مانع، حضرتك تقدر تشتري الارض وقت ماتحب مادام هي اللي تهمك ونفضل عيلة واحدة من غير مشاكل.
ظهر الارتياح جليا على وجهه ثم ابتسم وقال :
– كويس حيث كده نبقى متفقين، السيولة اللي معانا دلوقتي قليلة ع الارض شوية بس احنا عيلة والكلام ده مايفرقش بيننا وعموما في أي وقت لو احتجتوا حاجة احنا تحت أمركم.
سألته الأم بسرعة قبل أن تتكلم (جمانة) :
– بكام ياحاج ؟
ظهر بعض التوتر على ملامحه لكنه أجاب بهدوء :
– تلتميت ألف جنيه.
كادت (جمانة) أن ترد بالموافقة لكنها والدتها أمسكت بيدها وقالت قبل أن ترد مرة أخرى بشئ من الحدة :
– إزاي الكلام ده ياحاج؟ الأرض دي ماتقلش عن مليون جنيه، دي أرض غنية وكبيرة إنت كده بتاكل مال اليتيم ياحاج.
تطلعت إليها (جمانة) في دهشة ثم هتفت :
– ماما !
صاحت الأم بحدة أكبر :
– بس ياجمانة إنت كمان بتستهبلي ولو فرطتي في حق بنتك وحقك ربنا هيحاسبك …
ثم التفتت للرجل مكملة :
– حرام كده ياحاج عبد الرحمن، مش كفاية الملاليم اللي بتبعتوها لنا كل موسم على انها إيراد الأرض كمان عاوزين تاخدوها مننا بالقوة وبتراب الفلوس، هي وصلت لحد كده ياكبير العيلة ؟
ازداد توتر الحاج لكنه لم يتراجع وقال :
– والله ده اللي عندي ياحاجة، انتم رفضتوا الجواز وكده كان هيبقى لها اكتر كمان من اللي ليها دلوقتي، يبقى خلاص أرضنا مادام ماتهمكوش في حاجة ناخدها واحنا أولى بيها وماقلناش ببلاش دي بتمن حلو أوي.
ظلت الأم ضاغطة على يد ابنتها لتمنعها من الكلام وهي ترد بعصبية شديدة :
– خلاص ياحاج لا جواز ولا بيع، الأرض بتاعتنا وهتفضل بتاعتنا ومش عاوزين منكم حاجة غير الايراد بتاعها وخلاص.
قابل الرجل عصبيتها ببرود وقال بحزم :
– لا ياحاجة ماهينفعش الكلام ده، بنتك لو اتجوزت يبقى ارضنا ضاعت مننا، ايه اللي يضمن لنا إنها ماتديهاش لجوزها ولا تبيعها لأي حد عشان تاخد فلوسها وتجيب لنا شريك في أرضنا، يا جواز يا حاجة يا تبيعوها لنا.
كان رد الأم حازما صارما :
– لا ياحاج لا جواز ولا بيع وورينا هتعمل ايه ؟
تطلعت (جمانة) لوالدتها في دهشة فهي ترى منها جانبا لم تره من قبل، جانبا قويا حازما أشعرها بالأمان في كنفه لكن كلمات الرجل التالية هوت بها أرضا في عنف بعد الأمان الذي شعرت به لوهلة، فقد قال ببرود :
– في حل تالت ياحاجة بس مش هيعجبكم أكيد، بنتنا تيجي تعيش معانا ونشتري نصيب أمها وبس وأهي تعيش مع عمها وتعوضه الذرية ولما تكبر تتجوز حد من العيلة ويبقى أرضنا لينا وزيادة.
كانت هذه هي الضربة القاصمة التي كانت الأحق بالنصيب الأكبر من الدهشة والصدمة ترجمتها (جمانة) وهي تشعر بقلة الحيلة في سؤال خافت :
– قصدك ايه ياحاج ؟
أجاب في حزم :
– قصدي أبقى انا الوصي على ملك وأهو أنا عمها وأولى بيها من جوز أمها.
صرخت (جمانة) في وجهه :
– جوز مين ياحاج ؟ انت عمال تتكلم من ساعة ما قعدت وكلامك كله إهانة وافتراضات ماحصلتش ولا هتحصل وعمال تبني عليها أوهام وتصدقها.
ثم هبت واقفة وهي تكمل في حدة :
– شوف ياحاج، بنتي هتفضل معايا وماحدش ممكن يقرب لها وإلا نهايته هتبقى على ايدي ، والأرض هتفضل بتاعتنا وجواز مفيش لا من كمال ولا من غيره.
قال في برود غير مبال بصراخها :
– يبقى بينا وبينك المحكمة يا أم ملك وبنتك هتبقى معانا في أقرب وقت ممكن حتى لو علمنا ايه عشان ناخدها، مادام الفلوس مهمة عندك أوي كده يبقى إحنا نتصرف ونحافظ على أرضنا بمعرفتنا.
ثم قام يلملم عباءته ويرفعها على كتفه متجها لباب المنزل، توقف مرة أخرى والتفت إليهما قائلا :
– فكري تاني يا أم ملك وشوفي مصلحتك ومصلحة بنتك فين بالعقل.
ثم انصرف تاركا جبل الصمت يتهدم على رأسيهما، بعد خروجه انهارت (جمانة) على مقعدها ولم تدري ماتفعل سوى البكاء، كانت دموعها سياطا تنهال على قلب والدتها لتمزقه فاقتربت منها وضمتها بين ذراعيها ثم همست وهي تربت عليها :
– ماتخافيش ياجمانة ماحدش يقدر يعمل حاجة ولا ياخد ملك مننا.
هتفت من بين دموعها :
– أنا تعبت يا ماما، تعبت أوي وقلبي وجعني أوي، اتحرمت من أكتر حد حبيته ودلوقتي بيهددوني يحرموني من الحاجة اللي اتبقت لي منه، وعشان الفلوس، خلاص خليهم ياخدوا الارض ولو ببلاش مش عاوزاها المهم بنتي تفضل في حضني، يااااارب.
ظلت الأم تربت على كتفها وقالت محاولة تهدئتها :
– ياجمانة مايقدروش يعملوا حاجة، لو اتنازلتي عن حقك انت حرة لكن كمان ده حق بنتك اللي انت مسئولة عنه قدام ربنا، ماتخليهوش يضيع منك وحافظي لها عليه.
بكت أكثر وهي ترد :
– حق ايه يا ماما ؟ دول عاوزين ياخدوها نفسها، ربنا عالم بحالي وعارف اني هاعمل كده غصب عني، المهم بنتي تفضل معايا.
أخذت والدتها نفسا عميقا تطفئ به النار المستعرة في جوفها ثم قالت مرة أخرى :
– جمانة ماتتسرعيش، مش من حقهم ياخدوها وأعلى مافي خيلهم يركبوه، أنا هاكلم لميا وأخليها تيجي ونشوف القانون في صف مين، صدقيني ما يقدروش، اوعي تضعفي وتتنازلي عن حقك وحق بنتك أبدا وكلنا معاكي ماتخافيش.
استكانت بين ذراعي والدتها وإن لم تكف دموعها عن الانهمار أويسكن قلبها عن الوجع .
الفصل الثاني عشر
************
جلست تتأمل زوجها النائم في حزن، لكم ودت أن يشعر بها أو يفكر في قلبها المنهك والمحمل بالأثقال كما يفكر في نفسه وفي أبوته المكتسبة، والتي يظنها ضائعة، لم تدر ما تفعل لكنها أرادت أن ينتهي الأمر وتوشم الحروف بنقاطها، أن يسيل دم قلبها الذبيح في صدرها حتى تنهض من رماد نفسها المحترقة مرة أخرى بعيدا عنه، بعيدا عن حب ظنته يوما يستحقه، وقلب دفن نفسه بين ضلوعه هو ليطعنه في النهاية بغدر، قررت أن تفاتحه في الأمر لكنها مشتتة بين اليوم وغد وبعد غد ومستقبل بعيد، مشتتة بين تناسي الأمر وتجاهله وبين إيقافه عند حده وإنهائه، رن هاتفها فجأة مقاطعا نهنهات محبوسة بين ضلوعها فالتقطته سريعا لتكتم أنفاسه كما هي مكتومة في صدرها وتطلعت لاسم المتصل لتجد (جمانة)، عقدت حاجبيها في قلق فقد تأخر الوقت، خرجت من الغرفة متجهة لمكتبها وهي تفتح الخط لتجيب شقيقتها :
– السلام عليكم، خير ياجمانة في حاجة ؟
أتاها صوت شقيقتها الباكي ترد :
– الحقيني يا لميا هياخدوا مني ملك.
ردت بسرعة شاعرة بالصدمة :
– اهدي بس وفهميني مين دول اللي هياخدوها ؟ ماتخافيش ياحبيبتي.
أتاها الصوت الدامع يمزق نياط قلبها :
– أهل حسام، عاوزين ياخدوها عشان ميراثها من أرض باباها، الحقيني يا لميا.
تطلعت للساعة أمامها لتجدها تخطت منتصف الليل بدقائق فقالت بحنان :
– خلاص خلاص اهدي ياجمانة انا جايالك حالا، ماتخافيش ياحبيبتي ماحدش هيقدر ياخدها منك طول ما أنا موجودة، اهدي بقى وماتوجعيش قلبي عليكِ.
سمعت صوت شقيقتها تهدأ قليلا وبدا وكأنها تمسح دموعها بكفيها شعرت بالحنان يغزو قلبها فقالت :
– معلش ياحبيبتي أنا مسافة السكة وأكون عندك إن شاء الله.
ردت (جمانة) بصوت أكثر تماسكا :
– لا خلاص يالولو، خليكي للصبح ماتخرجيش لوحدك دلوقتي أنا بس كنت خايفة وعاوزة أفضفض ولما سمعت صوتك حسيت بالأمان.
علت ابتسامة شفتيها وهي تجيبها :
– لا ياقلب لولو ماتخافيش علي، أنا جاية أهو، يلا سلام مؤقت.
أغلقت الخط وهي تحمد الله أن أرسل إليها ما يشغل بالها ويؤخر المواجهة بينها وبين زوجها ولو لساعات، ارتدت ملابسها على عجالة واتجهت نحوه، قبلت رأسه بحنان وهي تداعب شعره هامسة :
– أحمد، أحمد ؟
فتح عينيه بصعوبة وتطلع إليها بنصف عقل فهمست ثانية :
– معلش ياحبيبي، جمانة كلمتني ومنهارة، عندها مشكلة كبيرة مع أهل حسام الله يرحمه، أنا هانزل أروح لهم وهابيت هناك النهاردة، ماشي يا أحمد ؟
لم تشعر به مهتما لكنه قال بصوت ناعس وكأنه يريد أن يسكتها ليعود لنومه :
– طيب يا لميا.
شعرت بالحزن نوعا فهو لم يهتم أو حتى يعرض عليها أن يوصلها في هذا الوقت المتأخر لكن جاوبها صمته كما اعتادت، اتجهت خارجة من الغرفة بهدوء وقبل أن تغلق الباب سمعت صوته النائم يقول :
– خلي بالك من نفسك يا لميا.
لم تدري أتسعد أم تحزن، هل هو مهتم حقيقة ؟ أم يقوم بما يعتقد أنه نوع من الواجب؟ لم ترغب في مواصلة التمعن في تلك الأفكار السوداوية، فاتجهت سريعا إلى سيارتها وقادتها لمنزل شقيقتها بسرعة مستغلة خلو الشوارع النسبي في هذا الوقت، فتحت لها والدتها الباب وهي تهتف :
– لميا مالكيش حق تيجي في وقت زي ده ؟ أمال أحمد فين ماوصلكيش ؟
ردت بسرعة :
– معلش يا ماما، أنا قلقت أوي على جوجو وأحمد راجع متأخر من الشغل وكان تعبان جدا صعب علي سبته نايم والناس برا عادي الوقت مش متأخر للدرجة دي.
هزت الأم رأسها في عصبية قائلة :
– طيب أختك وبأقول عليها طايشة تقومي أنت كمان تعملي زيها ؟ انا كلامي معاكي بعدين أما نشوف آخرتها وكل واحدة فيكو ماشية بدماغها كده.
قبلت رأس والدتها و ردت :
– خلاص بقى ياقمر ماتزعليش، جوجو ماهانش علي الاقيها بتعيط كده واسيبها، هي فين بقى ؟
أشارت الأم للداخل وأجابت :
– جوا في الليفينج.
اتجهت (لمياء) بخطوات واسعة لغرفة المعيشة لتجد (جمانة) جالسة على الأريكة وهي تضم وسادة صغيرة تدفن فيها وجهها وجسدها يهتز، كان من الواضح أنها تبكي وبحرقة شديدة فاقتربت منها بسرعة وربتت على كتفها لتلفت انتباهها، رفعت (جمانة) رأسها لتجد عيني (لمياء) الحنونتين فازداد انهمار دموعها وهي تمسك بكفها، جلست (لمياء) بجوارها وضمتها إليها، كانت تتمنى أن تشق صدرها وتدخلها بين ضلوعها بالقرب من قلبها لتشعرها بالأمان، تركتها تفرغ دموعها لدقائق في صمت ثم أبعدتها ومدت يدها بمنديل تمسح عينيها الذابلتين وقالت بحنان :
– خلاص ياجوجو بقى، مش قلت لك ماتقلقيش، احكي بقى بالتفصيل.
في هذه اللحظة دخلت الأم الغرفة وهي تحمل كوبين من الحليب الدافئ لطفلتيها، كان قلبها موجوعا هي الأخرى ولم تدري كيف تقسم الوجع بينهما، وضعت الصينية على طاولة الغرفة وجلست أمامهما قائلة :
– خلاص بقى ياجمانة، أختك جت لك أهي وهتقول لنا فعلا يقدروا ياخدوها مننا ولا لا.
أومأت (جمانة) برأسها وانطلقت تحكي لشقيقتها تفاصيل ماحدث بينها وبين أخي زوجها الراحل، كانت (لمياء) صامتة تستمع باهتمام كبير لكل تفصيل وتكتفي بتمتمة أو إيماءة من رأسها حتى انتهت (جمانة) من الحديث فقالت :
– ايه البني آدم ده ؟ ده ماحاولش حتى يجمل كلامه ويتكلم بذوق.
ثم ربتت على كتف شقيقتها وهي تكمل :
– ماتقلقيش يا جوجو ماحدش يقدر ياخد ملك منك أبدا، وحتى لو حد ممكن ياخدها فالأولى بيها ماما بعدها مامة حسام الله يرحمه مش أعمامها خصوصا إنها حتى لسه ماكملتش 7 سنين.
مسحت (جمانة) دموعها وتساءلت في أمل :
– بجد يا لميا ؟
أومأت برأسها إيجابا وهي ترد :
– أيوة طبعا بجد، أعمامها ياخدوها بمناسبة ايه أصلا، قانونا البنت حضانتها معاكي بعدين الزوج في حال وجوده بعدين مامتك إنتي بعدين مامة الزوج وهكذا، مش معقول أي قاضي هيتخطى دول ويحكم لعمها بالوصاية وأنت أولى بيها في سنها ده.
سألت مرة أخرى :
– يعني ممكن ياخدوها لما تكبر ؟
حاولت (لمياء) طمأنتها فأجابتها :
– مش وقت تفكير في الكلام ده، المشكلة هنحلها في أقرب وقت بإذن الله ومفيش حد هياخد منك ملك أبدا، اطمني ياحبيبتي.
تساءلت (جمانة) في خوف :
– افرضي عملوا أي حاجة عشان ياخدوها، خطفوها أو لفقوا لي حاجة، أنا خايفة يا لميا.
شعرت بالشفقة تجاه شقيقتها فردت بسرعة :
– ليه يعني هي سايبة ولا ايه ياجوجو ؟ يابنتي صدقيني ماتخافيش أنا معاكي وماحدش هيقدر يقرب منك او من ملك.
تطلعت لشقيقتها في امتنان، وسكن قلبها قليلا فقامت لتقبل رأسها وقالت :
– ربنا يخليكي لي يا لميا، مش عارفة من غيرك كان ممكن أعمل ايه !.
ابتسمت (لمياء) لكن الأم بقلبها شعرت أن ابتسامتها كسيرة يتخللها حزن مدفون في أعماق ابنتها والذي قلما تظهره، فقررت أن تتحدث معها وترى مابها، أمرت ابنتها الصغرى بأن تهدأ وتدخل لتنام بجوار طفلتها ثم أخذت بيد (لمياء) واتجهت لغرفتها لتنام معها، في الغرفة سألتها بوضوح وبدون مواربة :
– لميا، إنت مالك ؟ في حاجة مش طبيعية.
شعرت (لمياء) بالتوتر ثم أجابت :
– مالي يا ماما ! ما انا كويسة اهو.
شعرت بعيني أمها تسبر أغوارها وتكشف عما بقلبها فطأطأت رأسها أرضا لكن والدتها رفعت وجهها إليها وقالت :
– هتخبي علي يا لميا؟ احكي لي، أحمد قال لك إيه تاني زعلك ؟
ظهر الحزن جليا على وجه (لمياء)، لم تحاول أن تدرايه أو تحجبه عن والدتها التي لطالما احتوتها وكانت رفيق قلبها والصدر الحنون الذي ارتوى بدموعها والكف الرؤوف الذي طالما ربت على شعرها ليشعرها بالأمان ويمحو آلامها بلمسته، حتى وإن كبرت وشعرت باستقلالها لازالت تشعر بحاجة للارتماء بين ذراعي أمها والبكاء حتى تنضب دموعها ويصيب جفنيها وقلبها الجفاف وتتوقف نبضات خافقها الكائن بين الضلوع، لمعت دمعة في عينينها الحزينتين وهي تقول بخفوت :
– أحمد ماقلش حاجة وياريته يقول، علاقتي بأحمد في تدهور مستمر، بيفكر في الولاد بشكل غير عادي، بدأت أصدق إن مش ده السبب الوحيد اللي بيخيله يفكر في غيري لكن فعلا في علاقة أصلا بينه وبين واحدة تانية.
علت الصدمة وجه الأم وهي تهتف :
– واحدة تانية ؟؟ إنت اتأكدتي من كده يالميا ولا دي مجرد شكوك؟
(لمياء) بألم :
– اتأكدت ياماما، رسايل بينهم ع الموبايل واللي كان مستحيل آخد بالي منها لولا الرسايل اللي بتوصلني انا كمان.
الأم بتساؤل :
– إنت كمان إزاي ؟
(لمياء) ردت بحيرة تعتلي وجهها :
– رسايل بتجيلي إن أحمد في علاقة بينه وبين واحدة تانية وإني المفروض أبص في موبايله وهالاقي الدليل، إنت عارفة ياماما إن كان مستحيل أفكر إن ابص في موبايله من باب الشك أو حتى اشيك وراه زي الستات مابتعمل، لكن ماتعرفيش حسيت بإيه لما تيجيلي رسالة تقولي جوزك مابقاش ليكي انسحبي بهدوء أحسن والدليل على موبايله يبقى أتجنن، بقيت زي الطفلة الصغيرة اللي تاهت من مامتها في الشارع ومش عارفة تعمل ايه او تروح فين، أنا المحامية المشهورة الكبيرة اللي اسمها له شنة ورنة وبترعب الناس في المحاكم، بقيت حاسة بالضياع ومشتتة ومش قادرة أستوعب ولا أتصرف، كتير فكرت إن حد بيحاول يوقع بينا لكن في الآخر أخدت قرار إني أشوف بنفسي، واتصدمت لما لقيت إني الوحيدة اللي عايشة في وهم، حتى حمايا عنده فكرة عن الموضوع ولما حس إني متغيرة سألني وقلت له لقيته بيبص في الأرض ويسكت، اعتراف صريح ياماما.
أنهت كلامها ومع كل جملة كان صدرها يضيق أكثر وحروفها تضيع ودموعها أبت إلا أن تكمل حزنها وتحفر خطوط ألم على وجنتيها لتستقر بملوحتها ومرارتها على شفتيها الجافتين كصحراء عطشى للمطر، كان نشيجها قد بدأ يعلو وأنفاسها تتقطع فقامت والدتها من مكانها وجلست بجوارها تضمها لصدرها وتربت على رأسها في حنان شاعرة أن الخنجر المغروس في قلب ابنتها إنما هو في صدرها هي، لم تدري ماذا تقول لكنها حاولت تطييب خاطرها فقالت برفق :
– حبيبتي يالميا، ومااتكلمتيش من زمان ليه؟ كنت قولي لي وفضفضي يمكن نلاقي حل للموضوع مع بعض ونحط النقط ع الحروف بدل العذاب اللي إنت عايشة فيه ده، أنا هأكلم الحاج شكري وأتفاهم معاه بخصوص لعب العيال اللي بيحصل ده.
انتفضت (لمياء) بين ذراعي أمها وهي تسحب نفسها للخلف قائلة بسرعة وهي تمسح دموعها بكفيها :
– لا يا ماما، الموضوع ده بيني وبين أحمد، أنا وهو بس اللي هنتفاهم فيه ونحله، مادام في حاجة ……
صمتت لثانية ثم أكملت بألم :
– ما دام في حاجة ناقصاه معايا يبقى نتكلم ونشوف حل بدل ما الكبار يحلوا لنا مشاكلنا، أحنا مش أطفال وأنا مش محتاجة حد يدافع عني.
على الرغم من ضيق والدتها بما قالت، لكنها كانت تعلم جيدا طريقة تفكير ابنتها الكبرى التي تحملت المسئولية معها وكانت بمثابة أم أخرى لشقيقتها بعد وفاة والدهما، الابنة القوية الصلبة التي عانت الكثير ومازالت صامدة لتتلقى ماهو أكثر، الابنة التي تزوجت زواجا تقليديا عشقت بعده زوجها حتى النخاع وسكرت بكلامه حد الثمالة، الابنة التي تملك زوجها ذراتها وفتات قلبها وتحكم في موجات عقلها، طفلتها التي حلمت أن تكون أما لأطفال من حبيبها فإذا بها تتفاجأ بحلمه أن تكون أطفاله من أنثى غيرها، قررت أن تنزل على رغبة ابنتها فهي تعلم كم هي عنيدة، وتعلم كم هي أهل لأن تتحكم في الأمر وتسيطر عليه وتنجو من الصدمة بقوة حتى وإن زلزلت كيانها، ربتت على كتفها مرة أخرى وقالت بحنو :
– طيب يالميا، أنا هأسيبك تتصرفي وأيا كان تصرفك والقرار اللي هتاخديه أنا موافقاكي عليه لأني واثقة في تقديرك للأمور وعارفة ايه اللي تقدري تتحمليه.
ربتت والدتها على كتفها وهي تبتسم بإعجاب، هاهي الابنة والأم، الشقيقة التي تحمل حنان الكون بأكمله وتودعه شقيقتها، تعتبرها طفلتها على الرغم من فارق السن البسيط بينهما والذي لا يتعدى خمس سنوات، قامت من مكانها وانحنت تقبل رأسها هامسة :
– مش عارفة أقولك ايه يا لميا، ربنا يخليكي يابنتي ويسعد قلبك ويعوضك خير، قادر على كل شئ والأمل فيه كبير.
ابتسمت (لمياء) ابتسامة خفيفة وردت :
– ونعم بالله والحمد لله على كل حال، يلا يا ماما تصبحي على خير.
(الأم) بحنان :
– وإنت من أهله ياحبيبة ماما.
ثم مدت يدها تطفئ النور المجاور للسرير وهي تحاول جبر قلبها المكسور على ابنتيها.
********
دخل الحاج (عبد الرحمن) من باب منزل العائلة الكبير في إحدى قرى أحد أكبر محافظات الدلتا ليجد شقيقه (كمال) في انتظاره وما إن رآه حتى أقبل عليه متسائلا بلهفة :
– حمدالله ع السلامة ياحاج، اتأخرت كده ليه ؟.
نظر له الرجل بلامبالاة وأجاب :
– ولا اتأخرت ولا حاجة يا سي كمال، مسافة المشوار.
تبعه (كمال) حتى جلس بجواره على أريكة كبيرة في ردهة المنزل وتساءل ثانية وهو يحاول كبح جماح لهفته :
– ها ياحاج عملت ايه ؟ وافقت ع الجواز ؟
تطلع إليه الحاج بصمت وهو يشعر بمدى اندفاع شقيقه ولهفته التي لا داعي لها ثم أجابه :
– لا يا سيدي، وبعدين مااحنا كنا متوقعين إنها مش هتوافق.
عقد (كمال) حاجبيه في ضيق ثم قال في عصبية وصوته بدأ يعلو :
– وليه بقى يعني، ناقص ايد ولا رجل عشان الهانم بتاعة مصر ترفض، ولا مش في مقام سي حسام؟
نهره شقيقه قائلا :
– اتهد ياكمال ووطي صوتك، اللي يهمنا الأرض لا هي ولا غيرها، وأنا هددتها ناخد البنت منها وهنشوف آخرتها ايه معاها يمكن توافق.
قال بلهفة :
– تفتكر ياحاج ؟
سأله الرجل بسرعة :
تنهد الحاج وقال منهيا النقاش :
– هنشوف ياسيدي لسه الموضوع مااتقفلش.
قالها ونهض من مكانه ليدخل لغرفته في الطابق السفلي يتابعه زوجين من العيون، أحدها بلهفة وأمل والثاني مليء بالدموع والحزن والألم، ثم قام (كمال) ليصعد لطابقه في المنزل وعلى أولى درجات السلم تلاقت عيناه مع عيني زوجته الباكيتين فنظر لها في صمت ثم أدار وجهه وأكمل صعوده متجها لغرفة نومه غير آبه لها أو لدموعها.
********
في اليوم التالي في الشركة اتجه (آدم) لمكتب أخيه وألقى السلام على (سهام) بهدوء ثم دخل لأخيه الذي ابتسم له مرحبا وهو يقول :
– آدوم، فينك ياعم؟ بقي لي نص يوم ماشفتكش.
ثم ضحك فبادله أخاه الضحك ورد :
– أيوة عارف إني مش بأسأل بس يلا الدنيا مشاغل بقى، أوعدك بعد كده أسأل عليك كل 3 أو 4 ساعات.
رد (أدهم) :
– لا برده كتير، يابني ده إنت حبيبي لازم أشوفك كل نص ساعة وإلا ضغطي يوطى، مكتوب لي قبل وبعد الأكل.
(آدم) بضحكة صافية :
– خلاص ياعم هأعملك مني كبسولات.
(أدهم) بحنان تبعته ضحكة مرحة :
– وأنا موافق بس خايف أخد أوفر دوز .
(آدم) بشقاوة :
– لا ماتقلقش ده أنا فيتامين مش مؤذي خالص.
(أدهم) يعابثه :
– خلاص يادوك، كده أنا اطمنت.
حاول (آدم) الحديث بجدية فتماسك وقال :
– المهم يا أدهم عاوز منك طلب كده هينفعني جامد.
بدا الاهتمام على وجه (أدهم) وهو يتساءل :
– خير ياحبيبي ؟
أجابه (آدم) :
– جمانة!
رفع (أدهم) حاجبيه وقال في سخرية :
– اشمعنى ؟
هز (آدم) رأسه وابتسم مغتاظا من أخيه :
– هاها، ايه هي قافية ؟
رد (أدهم) بسخرية مرة أخرى :
– الله، مش إنت اللي قلت اسمها وسكت، القافية تحكم بقى .
تنهد (آدم) بغيظ وقال :
– ماشي يا أبو قافية، المهم عاوزها معايا في مكتبي.
عقد (أدهم) حاجبيه هذه المرة وشعر بشيء في قلبه لم يألفه من قبل فتساءل :
– عاوزها في مكتبك إزاي ؟
اندهش (آدم) لكنه أجاب :
– هيكون إزاي يعني؟ هأخليها مديرة مكتبي والمساعدة بتاعتي، هاعمل أنا وهي فريق عمل.
ظل حاجبي (أدهم) معقودين وتغلغل بداخله غضب لم يدر له سببا، لم يكن يملك جوابا محددا لطلب أخيه فسأله :
– طيب سألتها ؟ يمكن ماتوافقش، أو تكون مبسوطة في مكانها الحالي.
نهض (آدم) من كرسيه وأجاب بسرعة :
– ياسيدي انا متأكد إنها هتوافق، المهم مدير الشركة يدينا الأوك.
شعر (أدهم) بقلة الحيلة، كان يريد الرفض لكنه لا يملك مبررا له فصمت مفكرا ثم رد أخيرا :
– عادي يا أدوم لو شايف إنها هتساعدك وشغلكوا مع بعض هيفرق مفيش مشكلة.
ابتسم (آدم) وبانت سعادته على وجهه بشكل أثار قلق وتساؤل (أدهم) خاصة عندما قال :
– شكرا يابوص، هاروح لها بقى اشوف رأيها ايه ؟
كان (آدم) بالطبع يقصد رأيها في العمل معه في مكتبه الخاص لكن (أدهم) شعر بها وكأنه يريد أن يعرف رأيها في زواجه منها، ولمرة أخرى يشعر بالغيرة ممتزجة بالحنق والغضب من نفسه، لاحظ (آدم) شروده فسأله :
– مالك يا أدهم ؟
رفع عينيه إليه ورد بسرعة :
– لا مفيش، ابقي بلغني الأخبار.
(آدم) :
– طيب تمام، هاروح لها أنا بقى.
(أدهم) وهو يشعر بالغيظ :
– تروح لمين يابني، اطلبها تيجيلك مكتبك.
مط (آدم) شفتيه بلا اهتمام وقال :
– عادي يعني ما تفرقش.
رد (أدهم) بسرعة :
– ع الأقل عشان تتكلم براحتك مش هتسألها في وسط زمايلها.
(آدم) بتفكير :
– تصدق معاك حق.
ثم ابتسم وقال يغيظه :
– والله و طلعت بتفهم يا أدهم.
رد (أدهم) يغيظه هو الآخر :
– ها ها، وعبقري كمان.
ضحك (آدم) ثم قال :
– طيب هات التليفون أما أكلم أستاذ محفوظ أقوله يخليها تيجيلي المكتب.
ناوله (أدهم) الهاتف ثم شرد في أفكاره، بعد ثوان أفاق على صوت أخيه يقول بتساؤل :
– عارضة؟ ماتعرفش ليه يا أستاذ محفوظ ؟ .. طيب خلاص .. لا مش مشكلة ممكن الموضوع يتأجل .. مع السلامة.
ثم أغلق الخط لتقابله عيني أخيه المتسائلتين ولمح فيهما قلق لم يألفه من قبل، قال مجيبا على سؤال لم يُسأل :
– ماجاتش النهاردة، أستاذ محفوظ بيقول اتكلمت واعتذرت وقدمت عارضة النهاردة.
استغرب (أدهم) غيابها والذي لم يعتده وشعر بقلق غريب يغزو قلبه، حاول أن يطفئ لهيبه لكنه لم يستطع، ولمح أخاه كل ذلك مرتسما بوضوح على وجهه، لم يحاول أن يسأله عما به فقد كان القلق يغزوه هو الآخر.
قال لأخيه بعد صمت :
– إن شاء الله خير، عموما لما تيجي هأكلمها في الموضوع وأشوف رأيها.
تطلع إليه (أدهم) في شرود ثم أومأ برأسه وهو يرد :
– أوك يا آدم، ابقي بلغني عشان نزود لها المرتب بما إنها هتبقى مديرة مكتبك.
أجاب (آدم) :
– تمام، هاروح أنا بقى اراجع أوراق المناقصة دي، عشان هتتبعت بعد يومين إن شاء الله.
أومأ أخاه برأسه مرة أخرى في حين اتجه هو عائدا لمكتبه.
الفصل الثالث عشر
************
في نفس اليوم كانت (لمياء) قد قررت أن تقطع الشك باليقين وتنهي الأمر ستواجه زوجها وتحسم المعلق بينهما ليكف عذاب قلبها المرهق، استيقظت مبكرا و تناولت فطورها مع والدتها وشقيقتها وابنتها ثم سلمت عليهما عائدة لمنزلها، اليوم هو إجازة زوجها ولن تذهب لمكتبها لذلك ستعود للمنزل وتجده هناك بالتأكيد، وصلت للبيت ودلفت إليه بهدوء فوجدت حموها يتناول فطوره وحيدا على طاولة المطبخ، اقتربت منه وربتت على كتفه قائلة بحنان :
– صباح الخير يا بابا، انت عملت الفطار لنفسك ؟ كنت استناني شوية.
ابتسم الرجل في حب وأجاب :
– صباح الورد يا أستاذتنا، اقعدي افطري معايا بقى ودوقي البيض بتاعي.
بادلته ابتسامته وقالت :
– أكيد لذيذ، بالهنا والشفا يا بابا، هو أحمد لسه نايم ؟
أجاب :
– مااعتقدش، سمعت صوته من شوية بياخد شاور.
ابتسمت مرة أخرى ثم اتجهت لغرفتها، دخلت بهدوء فوجدته جالسا على الفراش يلف نفسه بمنشفة كبيرة ويجفف شعره بأخرى في يده، نظرت إليه وابتسمت، شعرت بالحنين إليه، بالشوق لصدره وتربيتة يده لتشعرها بالأمان، لم يكن الوقت مناسبا لتفيض مشاعرها نحوه فهي تريد إنهاء الأمر لذلك قطعت سيل أفكارها واتجهت إليه وهو يتطلع إليها مبتسما جلست بجواره وسألته :
– أحضرلك الفطار ؟
أجاب بنفس الابتسامة :
– لا هأفطر مع نسيم.
شعرت به يطعن قلبها في الصميم، كذبته، لم تصدق أنها سيتركها يوم أجازته ليقضي اليوم مع صديقه، بل سيقضيه مع الأخرى، فقالت في حزم :
– طيب معلش يا أحمد ياريت تلبس هدومك وتستنى شوية، عاوزاك في موضوع مهم، معلش مش هأخرك على صاحبك.
شعر بالقلق من لهجتها فتساءل وهو يحاول أن يمسك كفها :
– خير يا لميا ؟ هي جمانة كويسة ؟
أومأت برأسها أن نعم وقالت :
– الحمد لله، الموضوع اللي هأكلمك فيه يخصني أنا وإنت مش جمانة يا أحمد، ياريت بس تلبس وتستناني على ما أغسل وشي .
رد ببعض العصبية :
– خير يا لميا، هو نكد ع الصبح، ارحميني بقى مش كل ماتشوفي وشي تضربي البوز الخشب وتفتحي أي خناقة.
ثم قام من مكانه متجها للدولاب، فتحه بعنف وهو يهتف :
– أنا نازل، مش ناقص قرف حتى يوم الأجازة مافيهوش راحة.
وجدت أن عدوى العصبية قد انتقلت إليها وهي تقول :
– أحمد من فضلك، لا نكد ولا غيره، هو موضوع واحد وأخير هنتكلم فيه ونحط النقط ع الحروف وبعدها هترتاح.
نظر إليها بقلق فاتجهت للحمام وغسلت وجهها بالماء البارد الذي اختلط بدمعة سالت على وجنتها دون أن يراها أحد، عادت إليه لتجده يزرر قميصه فاتجهت للأريكة في ركن الغرفة وجلست عليها، أشارت إليه ليجلس بجوارها، كانت تريده قريبا تستشعر رائحة الندى على جسده، يلامسها دفئه ولو من بعيد، اتجه إليها وجلس بجوارها، الآن ستعلم من الكاذب، أخرجت هاتفها وفتحت الرسالة ومدت يدها به إليه وسألته :
نظر إليها ولم يفهم، شعر بالقلق وتساءل في داخله : ما الذي تقصده ؟ أما هي فبعد لحظة صمت استطردت :
– عاوزة إجابة صريحة يا أحمد وصدقني هأقدر أتعايش مع الموقف وأتقبله.
ثم رفعت الهاتف بالرسالة أمام عينيه وسألته :
– ممكن تقول لي إيه الرسالة دي ؟
لم يحاول التقاط الهاتف منها بل قرأها بعينيه سريعا وشعر بالبرودة تغزو أطرافه، توتر وهو يجيب :
– مااعرفش، ايه الكلام الفارغ ده؟
لم تعلق بل مدت يدها إليه وقالت :
– طيب ده كلام فارغ، ممكن موبايلك ثواني.
سأل بعصبية :
– عاوزاه ليه ؟
ردت بهدوء :
– أبدا، إنت بتقول الرسالة دي كلام فارغ، عاوزة تقولي الرسايل المقرفة اللي على موبايلك برده كلام فارغ ولا بجد ؟
اتسعت عيناه وازدادت عصبيته وهو يهتف :
– انت بتفتشي في موبايلي يا لميا؟ من امتى ؟ وانا نايم على وداني وفاكرك الاستاذة المحامية المتحضرة الواثقة من نفسها، طلعتي بتعملي زي الستات الجاهلة اللي بتفتش ورا أزواجها.
قابلت عصبيته ببرود شديد وقالت :
– ممكن الموبايل.
تطلع إليها لوهلة في دهشة، لما هي باردة هكذا؟ أين الحب والوله الذي كان يسكن ملامحها؟ أتراها تعلم بالفعل وتصدق؟ قال بعد تفكير :
– إنت عاوزة ايه يالميا ؟
ردت بهدوء :
– عاوزة نحط النقط ع الحروف، أعرف أنا بقيت فين في حياتك ؟ عاوزة القلق والألم والخوف اللي عايشة فيه ينتهي.
استنكر هاتفا :
– قلق وألم وخوف ؟ معايا يالميا ؟
لمعت في عينيها دمعة صامتة لم تشأ لها أن تظهر أمامه فيستشعر ضعفها وحبها لكنها أجابت :
– أيوة معاك يا أحمد، إنت شفت الرسالة بنفسك، وأنا شفت رسايل أقل وصف لها إنها قذرة على موبايلك، أهملتني وتقريبا عايشة أنا وباباك لوحدنا، ياشغل يا أصحاب ياالله أعلم ايه كمان ؟ ايه يخليني اصبر أو اقيدك، احنا اللي كان بيربط بينا خلاص، انقطع من عندك فمالوش داعي أفضل متمسكة بيه، الأفضل أسيبه عشان ع الاقل قلبي الموجوع يستريح شوية وانت تشوف حياتك ومستقبلك والولاد اللي نفسك فيهم مع اللي بعتتلي الرسالة.
شعر بالغضب فانتفض واقفا وهو يهتف بها في عصبية :
– انت أكيد اتجننتي يالميا، لمجرد إن حد بعت لك رسالة مالهاش لازمة تقومي تهاجميني بالشكل ده وتقولي لي نبعد وإنت قطعت وإنت عملت، كنت فاكرك أعقل من كده.
وقفت أمامه وردت بهدوء حازم :
– بلاش سياسة خدوهم بالصوت دي يا أحمد، إحنا الاتنين أعقل وأكبر من كده، بتنكر ليه؟ ماتقوليش لسه باقي عليَ، لو كنت باقي ماكنتش تخون، وماتقولش لا ماعملتش، انت حتى وانت بتنكر صوتك مهزوز وواضح في عينيك.
زم شفتيه وظهر الغضب جليا على وجهه وهو يضم قبضتيه بشدة، شعرت بالخوف فتراجعت خطوة للخلف، لكنه اقترب منها بسرعة وأمسك ذراعيها بعنف صارخا في وجهها :
– عاوزة ايه يالميا؟ عاوزة اعتراف ؟ عاوزة تسمعي مني بودانك إني باخونك واني باحب واحدة تانية ؟ طيب يالميا، انا فعلا باحب واحدة تانية ومش بس باحبها انا اتجوزتها وخدي دي كمان، هي حامل في الشهر الخامس، مبسوطة كده يا أستاذة يا كبيرة ؟
كال لها لكمات كلماته حرفا حرفا متتابعة حتى انهارت وتكسر قلبها فتاتا من الألم، ثم تركها مبتعدا يملؤه الغضب، لم تدر ماذا تفعل، هل كانت تتمنى أن ينكر ويصر على إنكاره، أن يرجوها، أن يبثها حبه ؟ أن يسخر حتى من أفكارها ومخاوفها ؟ ربما، لكن أن يلقي بقنابله تباعا في وجهها وبتلك القسوة هذا مالم تتوقعه، شعرت بقبضة قاسية تعتصر قلبها فينزف دموعه، صمتت تتطلع إليه وهو يلهث من شدة الغضب بعد تلك القنابل المدوية التي فجرها لسانه، وقبل أن تتمكن من منعها سالت دمعة حارقة من عينيها، لمحها هو فلان قلبه، اقترب منها لكنها تراجعت للخلف بسرعة وهي تمد يدها لتمسح دمعتها، تنهد وقال :
– ليه كده يالميا ؟ أنا ماطلبتش حاجة وحشة أو حرام؟ أنا نفسي أكون أب ومن حقي أكون أب، ماقلتش لأني مش عاوز أجرحك، وباقي عليكي حتى لو مش مصدقة، ابني هيبقى ابنك وتشوفيه وتربيه زي مامته بالظبط، مش عاوزك تسيبيني.
كان قلبها يبكي وهي تحاول التماسك، حاولت الكلام فخرج صوتها دامعا وهي ترد :
– أنا ماقلتش حرام يا أحمد، إنت خبيت عليَّ ماكنتش صريح، مااديتنيش حرية الاختيار، عاملتني بقلة اهتمام لمجرد إنك عاوزني أفضل معاك، ديكور، أكسسوار، المهم إني موجودة، بس للأسف زي ما إنت من حقك تدور وتسعى عشان تكون أب انا كمان من حقي أكون أم وأسعى لتحقيق الحق ده، كل الدكاترة قالوا إن مفيش حاجة فينا احنا الاتنين تمنع الحمل، لكن نصيبنا كده، إنت مارضيتش بنصيبك على الرغم من إني سكت وكل ده لأني بحبك، لكن مادام إنت دورت ع اللي ناقصك، أنا كمان من حقي أدور ع اللي ناقصني، وكمان بتقولي ابني هو ابنك، ليه هتاخده من مامته، هتكسر قلبها هي كمان زي ماكسرت قلبي، ابني يا أحمد هيكون ابني من دمي وكنت أتمنى إنه يكون من دمك، لكن ربنا ما أرادش وإنت ماصبرتش.
شعر بالتوتر وتساءل :
– قصدك ايه بالظبط يا لميا ؟
ردت في هدوء ظاهري :
– قصدي الطلاق يا أحمد، وهي كلمة محددة وواضحة مش هأجملها أو أختار غيرها، إحنا مالناش نصيب نكمل مع بعض، يبقى كل واحد يشوف حياته ويمشي في طريقه لوحده، واضح إن من الأول حياتنا كانت خطين متوازيين وبالخطأ حصل بينهم نقطة تقاطع لكن في النهاية كل خط بيرجع يمشي في مساره الطبيعي موازي للتاني وبعيد عنه.
توتر أكثر لكنه لم يجب، لم يكن يتوقع أن يأتي يوم وتطلب فيه زوجته الانفصال عنه، تلك التي كانت تذوب له عشقا وتتمنى رضاه في كل لحظة، تلك العملاقة القوية التي كانت أنثاه هو، والضعيفة دوما بين ذراعيه، هل يصدق؟ ها هي تقف أمامه الآن تتحداه وتطلب منه الفراق، لكن هل يوافق ؟ بل هل يمكنه ذلك ؟
طال صمته فحثته قائلة :
نظر إليها لثوان أخرى ثم التقط سترته وارتداها، عاد ينظر إليها في المرآة وقال مخاطبا إياها عبرها :
– لميا أنا مش هاخد على كلامك دلوقتي، أنا خارج واقعدي مع نفسك وأنا كمان هاقعد مع نفسي، راجعيها في القرار اللي أخدتيه، وبلغيني بعدها.
ثم التفت إليها واقترب منها وهو يكمل :
– فكري في اللي بينا، ومش هاقول كان لأنه لسه موجود، وقفي عقلك شوية وخلي لميا الحنونة الأنثى اللي حبيتها هي اللي تقرر.
********
بعدها بيومين تم الطلاق في هدوء، بكت (لمياء) ونزفت دموعها أنهارا، بكت كما لم تبك من قبل وكما لن تبكي بعد اليوم، ظنت أنها أقوى لكن بعد نطقه لكلمتي : أنت طالق؛ انهار بداخلها شيء ما جعل حمم دموعها تنصهر في قلبها وتحرق مقلتيها فوجنتيها ثم تستقر مبللة وسادتها، انتقلت لتقيم مع شقيقتها ووالدتها اللتين حزنتا كثيرا من أجلها، لم تكن والدتها تظن أنها عندما تركت الأمر بيديها سيصل لهذه المرحلة، لكنها لم تعاتبها أو تراجعها، فهي تعلم مدى تحمل ابنتها ومادام الأمر قد وصل لنهاية مسدودة فلابد أن ابنتها قد سعت قبلها كثيرا لتحول دونها، لكن قدر الله وما شاء فعل، في خلال اليومين أيضا عرض (آدم) على (جمانة) العمل الجديد في مكتبه فرحبت بالفكرة، واستقرت الأمور مرة أخرى حتى أتاها اتصال من أخي زوجها الحاج (عبدالرحمن) ليعرف قرارها النهائي، نسيت هي أو تناست الأمر، شعرت بالأمان مع كلام شقيقتها، لكنها عادت للقلق من جديد عندما أبلغته رفضها فهددها أن الأمر لن يمر بسلام أبدا، كانت تجلس شاردة واجمة في مكتبها ولم تسمع اتصال (آدم) بها حتى خرج من مكتبه ووقف أمامها ينادي باسمها وهي لا ترد، لم يدر ماذا يفعل فطرق على المكتب بقوة أفزعتها وهي تتطلع إليه في رهبة، نظر لها وقال مهدئا :
– ايه ايه ماتخافيش، مالك ياجمانة ؟ شكلك مش هنا ومرعوبة كده ليه؟
خرج صوتها مرتبكا قلقا وهي ترد :
– لا أبدا مفيش حاجة، شوية مشاكل خاصة.
نظر إليها وود أن يمتلك القدرة ليحل لها مشاكلها، كان يشعر نحوها بأبوة غريبة على الرغم من إعجابه بها كامرأة، حاول أن يشاركها مشاكلها ولكن بتردد خوفا من أن ترفض تدخله في حياتها الخاصة فجلس أمام مكتبها وتساءل بهدوء :
– خير، قولي لي يمكن أقدر أساعدك.
هزت رأسها نفيا مجيبة :
– ولا يهمك يا دكتور آدم، حاجة مالهاش حل، ربنا يحلها من عنده.
ابتسم وقال بود :
– طيب جربي يمكن تلاقي عندي حل، لو الموضوع مايضايقكيش أو خاص أوي.
علت شفتيها ابتسامة باهتة وهي تشكر له اهتمامه وقالت :
– هو مش خاص للدرجة، لكن مش عارفة نهايته ايه ولا ممكن يوصل لفين؟
نظرت إليه لتجده يبادلها النظر باهتمام حاثا إياها على الحديث، كانت شبه فاقدة الأمل خائفة مرتبكة فقررت أن تحكي له، أخذت نفسا عميقا وهي تستطرد :
– هأقول لحضرتك يمكن فعلا يكون عندك حل.
انطلقت تحكي له عن مشكلتها مع أهل زوجها الراحل وطلبهم الغريب ثم تهديدهم لها ومحاولة أخذ ابنتها منها بالقوة أو الاستيلاء على ميراثها بدون وجه حق، استمع لها باهتمام وهو يفند كل موقف حتى انتهت، وختمت حديثها قائلة :
– وغير ده كمان أختي اتطلقت من كم يوم، كأن الحزن مصمم يعشش في قلوبنا للأبد.
شعر بالأسى على حالها وأختها فقال مواسيا :
– لا حول ولا قوة إلا بالله، الله أعلم الخير فين، يمكن طلاق أختك لأن ربنا شايل لها حاجة أحسن.
أومأت برأسها موافقة وهي تبتسم في حنان ثم ردت :
– ونعم بالله.
صمت مفكرا لدقيقتين او أكثر وهي تتطلع إليه في أمل عله يجد حلا لمشكلتها مع أهل زوجها، ثم انتعش الأمل في قلبها أكثر عندما هتف فجأة :
– عندي حل غير متوقع لموضوعك، بس مش واثق من موافقتك عليه.
تساءلت في أمل :
– حل ايه ؟
رد ببطء :
– الجواز.
تراجعت للخلف برهبة وتردد صدى كلمته في أذنيها بعنف، حدقت فيه بشدة وهو ينظر إليها صامتا حتى هتفت في استهجان شديد :
– جواز يادكتور ؟ هو ده الحل ؟ يعني أنا رفضت اخوهم عشان اتجوز واحد غيره ؟ ده لو سبنا مبدأ أصلا إني رافضة الجواز فأنا كده باسوأ سمعتي عندهم وباديهم فرصة أكبر ياخدوا بنتي مني.
ابتسم وقال بهدوء :
– طيب اسمعي تفاصيل الفكرة الأول.
هزت رأسها نفيا قائلة :
– بداية الفكرة مرفوضة هاسمع تفاصيلها ليه ؟
هز كتفيه وأجاب :
– يمكن تعجبك، كملي معايا للآخر.
عقدت حاجبيها في استغراب وأنصتت إليه في أثناء قدوم (أدهم) لأخيه، سمعهما يتحدثان فلم يقاوم فضوله للاستماع لحديثهما، انتحى جانبا وأمسك هاتفه كأنه يفعل به شيئا ما ويسمع مايقولان بوضوح، أما (آدم) فقال :
– شوفي ياستي، ليه طرحت فكرة الجواز، اولا هتكتبي الأرض باسم جوزك بيع وشرا مع طبعا ضمان لحقوقك، هو اللي هيبقى شريكهم ويتصرف معاهم وممكن يبيعها لهم بالسعر اللي تستحقه، ثانيا هيمنع تفكيرهم فيكي من ناحية الجواز نهائي، ثالثا جوزك هيعتبر حماية ليكي ولملك من أي تهديد وهو اللي هيتصدى لهم ويمنعهم، رابعا لما تهدأ الأمور وكل واحد ياخد حقه تقدري تاخدي أرضك تاني او لو اتباعت تاخدي تمنها، المهم تختاري انسان أمين وقوي بما فيه الكفاية عشان يسوي المسألة.
هزت رأسها نافية بعنف وردت :
– يادكتور كلامك مش منطقي، مجرد جوازي هيديهم سبب ينفذوا تهديدهم وياخدوا ملك والمحكمة ممكن تحكم لهم لأني اتجوزت وبنتي تضيع مني ده غير إن العرسان مش واقفين ع الباب مستنين الاشارة وهاختار منهم الأمين القوي اللي هيحافظ لي على أملاكي.
ابتسم وأجاب :
– موضوع المحكمة ده تنسيه، القانون بيدي حق الحضانة في حالة زواج الأم لأمها هي وبعدها أم الزوج، يعني دورهم متأخر أوي في القايمة، وكمان السبب اللي هما عاوزين ياخدوا بنتك عشانه خلاص هيكون مفيش لأن الأرض باسم جوزك ومش هيقدروا يعملوا حاجة إلا بالقانون عشان أرضهم ترجع لهم، والعريس سهل إنت انسانة تستاهلي كل خير وكتير يتمنوكِ.
تراجعت في مقعدها تفكر، أهذا ممكن بالفعل لكن أمرا ما قفز لذهنها فجأة فقالت :
– طيب ماهي مامة حسام الله يرحمه ممكن تاخد مني ملك، أنا وعدتها إن مستحيل حد تاني يدخل حياتي بعد حسام.
حملق فيها بدهشة وهتف :
– وعدتيها بإيه ؟؟ ده اللي هو إزاي يعني ؟
تنهدت وقلبت كفيها في قلة حيلة فاستطرد :
– والله ياجمانة ماانا عارف اقولك ايه، الحقيقة يعني ده تصرف طايش جدا، ووعد زي ده ماينفعش من الأساس لأنه فوق طاقة أي حد، وبعدين إنت مش مركزة ليه بأقولك بعدك إنت الحضانة لمامتك مش لمامته .
شردت تفكر في الأمر، أهذا ممكن؟ أتزوج؟ رجلا آخر يفتح الباب الموصد وقفله الذي علاه الصدأ، هل قلبي سيستجيب؟ لم تستسغ الفكرة مطلقا فهزت رأسها بعنف وكأنها تطردها منها وقالت بلهجة قاطعة :
– مستحيل يا دكتور آدم، ما أقدرش أعمل حاجة زي دي أبدا.
قام من كرسيه وهو يقول :
– عموما فكري في الموضوع واستشيري حد بتاع قانون يفتيكِ أكتر، ولو ع العريس ياستي .. أنا موجود.
قالها وضحك بشدة في حين شعرت هي بالصدمة وهي تتطلع إليه في ذهول لم يكن بأقل من الذهول المرتسم على وجه أخيه وهو يستمع للحوار الدائر بينهما، أما هو فأنهى ضحكته وقال :
– مالك مزبهلة كده ليه؟ مش عاجبك؟ ده أنا دكتور جامعي ومدير محترم في شركة كبيرة وأرمل وعندي ابن.
ثم ضحك مرة أخرى وهي على نفس الحال من الذهول لكنه استطرد رافعا الحرج عنها :
– إيه يابنتي باهزر، عملتي كده ليه ؟
وهو يتطلع إليها باستغراب فابتسمت قائلة بنوع من الخجل :
– أصل يادكتور آدم بأشوف من حضرتك جانب ماكنتش متعودة عليه أيام الجامعة.
ضحك مرة أخرى ثم قال في شرود كأنه يتذكر أمرا ما :
– كلنا بنتغير يا جمانة، هاخد ايه من البوز والوش الخشب يعني وبعدين إنت أختي الصغيرة باغلس عليكي شوية.
ابتسمت وردت :
– ده شرف لي والله يادكتور.
تنهد وقال بسرعة :
– عموما فكري في اقتراحي واسألي أختك، إنت قلت لي إنها محامية !! ولو وافقت نبتدي نسعى في الموضوع وننزل طلبك في باب أريد عريسا في أي مجلة.
قالها وقهقه عاليا فابتسمت هي الأخرى، في حين كان الغضب يتجسد على وجه (أدهم) وهو يعود لمكتبه بخطوات سريعة حانقة.
الفصل الرابع عشر
************
عندما عاد (أدهم) لمكتبه حانقا، كان يشعر بتوتر لا مثيل له ولا يدري له سببا مما أثار غيظه أكثر، لمَ يغضب بسبب ماسمع في مكتب أخيه، وحتى عرض (آدم) للزواج من (جمانة) وإن كان جادا ما الذي يسيئه فيه ؟ فما بالك به يمزح ! قرر أن يدفن رأسه في أوراقه ويعمل ليشغل ذهنه، في الخارج كانت (سهام) تحادث (دينا) على هاتفها قائلة :
– تعالي بس معلش شوية، في صورة هنا نسيتيها من المرة الي فاتت من بتوع الحفلة تعالي خديها .. لا لا صورة من بتوعك مع الباشمهندس أدهم .. ايه يابنتي بتصرخي كده ليه ؟ .. طيب طيب تعالي مستنياكي.
أغلقت الخط ومالت تفتح الدرج الذي تركت فيه الصورة، أخرجتها ووضعتها مقلوبة أمامها على المكتب لتعطيها إياها عند مجيئها، ارتفع بعدها رنين الهاتف الداخلي فالتقطت سماعته في آلية وهي ترد :
– أيوة يا باشمهندس ؟
جاءها صوته صارما :
– هاتي لي ملف شركة النيل بسرعة.
أجابت :
– حاضر يافندم، دقيقة واحدة.
وضعت السماعة وانحنت تبحث عن الملف على المكتب حتى وجدته فالتقطته بسرعة وهي تتجه لمكتب (أدهم) لكنه انفلت من يدها بسبب العجلة وتناثرت بضع وريقات منه، جمعتها سريعا ووضعتها بداخل الملف ثم اتجهت للمكتب، طرقت الباب برفق ودخلت لتناوله لـ (أدهم) الغاضب فتناوله منها بنوع من العنف أخافها ولم ينطق، تراجعت بسرعة عائدة لمكتبها في انتظار مجيء (دينا) ، دلفت (دينا) للمكان متعجلة وهتفت فور دخولها :
– فين الصورة يا سهام ؟
مالت (سهام) تلتقط الصورة من فوق مكتبها قائلة :
– أهي !!
أصابتها الدهشة وهي تبحث عنها ولم تجدها في حين توترت (دينا) للغاية وكادت تصرخ وهي تسألها :
– هي فين يا سهام ؟
شعرت (سهام) بالحيرة وهي تجيب مستمرةً في البحث :
– كانت هنا لسه مطلعاها من الدرج حالا بعد ماكلمتك، راحت فين دي ؟
حاولت (دينا) مشاركتها البحث وتساءلت ثانية وتوترها في ازدياد :
– آخر مرة كانت فين ؟
أشارت (سهام) لمكتبها وردت :
– هنا.
قبل أن تسأل (دينا) المزيد من الأسئلة ارتفع رنين الهاتف فالتقطته وقبل أن ترد أتاها صوت (أدهم) صارخا في غضب شديد :
– ابعتي لي الآنسة دينا مصطفى حالا.
سقط قلبها بين قدميها وهي تتطلع لـ (دينا) التي وصلتها صرخته من خلف باب مكتبه فاتسعت عيناها في ذعر، وقالت :
– إنت اديتهاله ؟
هزت (سهام) رأسها نفيا بعنف وأجابت :
– لا طبعا دي حاجة تخصكم انا مستحيل اديهاله، ياربي شكلها اتحطت بالغلط في الملف اللي دخلته له من شوية، أنا آسفة يا دينا عارفة إنك كنت عاوزة توريهم له بنفسك.
لم تدر (دينا) بما تجيبها هل تنكر وتصرخ فيها فتفهم اللعبة أم تصمت وتتلقى اللوم من (أدهم)، قررت الصمت وهي تتجه لمكتب (أدهم) في تردد، طرقت الباب في خفوت فأتاها صوته الغاضب آمرا بالدخول، فتحت الباب وأطلت منه فرفع عينيه إليها وقال في غضب شديد :
– اتفضلي يا آنسة دينا.
دخلت في خوف فوقف بعنف خلف مكتبه مما جعلها تتراجع بسرعة لكنه رمى الصورة في وجهها وهو يهتف في صرامة شديدة :
– ممكن أفهم ايه دي ؟
قالت بارتباك :
– هاشرح لك يا أدهم.
صرخ :
– اشرحي، فهميني وإلا قسما بالله لا أكون جرك من شعرك قدام الناس لحد ماأرميكِ قدام أبوكِ عشان يشوف القذارة اللي انت عاملاها دي يابنت العائلات المحترمة.
شعرت بالخوف الشديد، لما هو بهذا الشكل ومنذ متى وهو همجي قاس هكذا؟ كان غضبه يبدو مضاعفا زائدا عن الحد، ازدردت ريقها في صعوبة وقالت بصوت خفيض :
– أدهم إنت عارف إني بحبك، وانت مش بتشجعني أبدا، اعتبرني مراهقة وغلطت، نفسها في حاجة تجمع بينها وبين اللي تحبه وبتنام تحلم بيه ليل ونهار، مجرد حاجة أطبطب بيها على قلبي.
عقد حاجبيه في غضب واقترب منها حتى وقف أمامها تماما وظهرها للحائط ثم قال في صرامة شديدة :
– حب؟ انت بتضحكي على مين يادينا ؟ حب ايه ده ؟ بصي كويس للصورة ؟ القرف اللي فيها ده مش حب، ده حرام، حاجة تغضب ربنا وبس، جبتي واحد وفضلتي تتلزقي فيه طول الحفلة والله أعلم عملتوا ايه مع بعض تاني وفي الاخر تحطي صورتي بداله ؟ ايه القرف اللي انت فيه ده؟ مش مكسوفة من نفسك بالله عليكي ؟ طب حتى احترمي أهلك ووالدك الراجل المحترم وسمعته بين الناس، لبسك زبالة وأخلاقك زبالة وتصرفاتك طايشة ومالكيش لجام وجاية تكلميني عن الحب؟
تراجع للخلف ووقف أمام مكتبه وأكمل بحزم دون أن يعطيها فرصة للرد :
– اتفضلي على مكتبك تكتبي استقالتك وتكون عندي في ظرف خمس دقايق وياريت مااشوفش وشك تاني لأن هيكون لي معاكي تصرف مش هيعجبك.
أخيرا نطقت وهي تهتف في خوف :
– أدهم إنت بتقول ايه؟ أنا اعتذرت لك، ليه بتعمل كده ؟
التفت إليها صارخا :
– قلت استقالتك تكون قدامي في ظرف خمس دقايق، اتفضلي.
ازداد خوفها فانطلقت خارجة من المكان، بكت وشعرت بالغضب والغيظ والحقد يغلي بداخلها وأقسمت ألا ينتهي الأمر بسلام أبدا.
بعد خروجها علا صوت (أدهم) الغاضب صارخا عبر الباب المفتوح :
– آنسة (سهام) تعالي هنا.
توترت (سهام) بشدة واتجهت إليه بخطى مترددة حتى رآها فهتف فيها غاضبا :
– ممكن أعرف الصورة القذرة دي جت في الملف إزاي ؟
ارتبكت (سهام) وترددت فصاح :
– ردي عليَّ.
قالت بخفوت :
– دينا كانت بتفرجنا على صور الحفلة وكانت مصممة نشوفها، دول كانوا في وسطهم وشفناهم غصب عنا، دي وقعت منها كنت لسه هارجعها لها لما حضرتك طلبت الملف واتحطت فيه بالغلط .
عقد حاجبيه بشدة وتساءل :
– بتفرجكوا مين ؟ ودول ايه هما كم صورة ؟
ردت بتردد :
– أنا وجمانة، ومااعرفش كم صورة بس احنا شفنا تلاتة وفيديو.
اتسعت عيناه وبدا غضبه شيطانيا، صرخ بانفعال مفرغا كل الغضب المحبوس بداخله في وجهها :
– جمانة ؟ كمان ؟ وفيديو ؟ كان فيه ايه ؟
خفضت عينيها في خجل فكون صورة في ذهنه عن محتواه مما جعل غضبه يشتعل أكثر، ثم قال في صرامة مخيفة :
– تاني مرة يا آنسة سهام لما أي حد يعرض عليكي الكلام في أي موضوع شخصي ترفضي، هنا مكان عمل مش نادي، ولما تشوفي حاجة ممكن تضر مديرك تبلغيه بيها فورا مش تحتفظي بالصور عشان ترجعيها لاصحابها.
تلجلجت وقالت مدافعة :
– يافندم الصور فيها موضوع شخصي وحاجات مستحيل كنت اقدر اتكلم فيها مع حضرتك، يعني حضرتك متخيل إني ممكن أجيب صورة زي دي وأديهالك واقولك اتفضل دي من دينا، مستحيل طبعا.
حدق فيها بدهشة كأنه يراها لأول مرة، انتبه لحمرة الخجل التي تغلف وجنتيها وعلم أنها على حق فقال بحزم وإن كان قد هدأ بعض الشيء :
– خلاص يا آنسة سهام، اتفضلي إنت وموضوع زي ده مايتكررش تاني.
أومأت (سهام) برأسها ثم التفتت لتخرج من المكتب بسرعة وقبل أن تصل للباب وجدت (آدم) يظهر أمامها هاتفا :
– خير يا أدهم صوتك جايب آخر الممر ليه كده ؟
تطلع إليه (أدهم) بنظرة غاضبة، وتساءل بداخله : أهذا وقت مناسب لتظهر فيه يا أخي العزيز ؟ لم يرد على سؤاله والتفت يتطلع للخارج من النافذة الضخمة في مكتبه وهو يزفر في حنق شديد، اقترب منه (آدم) وربت على كتفه في رفق وسأله مرة أخرى بهدوء :
– مالك يابني ؟ زعلان ليه ؟ ايه اللي حصل ؟
زفر (أدهم) مرة أخرى والتفت لأخيه هاتفا في غضب :
– الآنسة دينا، عملت عملة مهببة.
تساءل أخيه :
– خير ؟ عملت ايه المصيبة دي ؟
التفت يتطلع للصورة الملقاة أرضا ثم أشار إليها في صمت، نظر أخيه في اتجاه إشارته ليجد الصورة، اقترب منها ثم التقطها وهو يتطلع إليها في صدمة هاتفا :
– ايه ده ؟ ايه اللي انت عامله معاها ده يا أدهم ؟ وايه اللبس الزبالة ده ؟
اغتاظ (أدهم) أكثر وهو يرد :
– بأقولك ايه أنا مش ناقص، بالعقل كده تفتكر إني ممكن أعمل حاجة زي دي؟ الهانم في حفلة باباها من كم يوم جابت واحد صاحبها وفضلت ترقص معاه بطريقة زفت وفي الآخر حطت صورتي بداله، والمصيبة الأكبر إنها جت هنا عشان تخلي سهام وجمانة يشوفوها.
اندهش (آدم) وتساءل :
– جمانة ؟ واشمعنى جمانة وايه اللي خلاها تشوفها أصلا ؟
(أدهم) بعصبية :
– أنا عارف بقى، أنا هاتجنن أصلا وكان نفسي أخنقها بايدي.
فكر (آدم) بهدوء لثوان، ثم قال :
– طيب سهام وسكرتيرتك وطبيعي تكون في مكتبك هنا، إنما ايه جمع بينها وبين جمانة في وقت الصور ده بالذات.
هز (أدهم) كتفيه وأجاب :
– يمكن صدفة.
رفع (آدم) حاجبيه في سخرية وهو يرد :
– صدفة مين يابني؟ أكيد الموضوع فيه إن، بس هي إيه مش عارف، غالبا الموضوع ده من كم يوم لما كنا هنقعد ننتاقش في التعديلات على ملف المناقصة، لما جيت لقيت جمانة مع سهام ودينا ولما شافتني ادتني الملف وهربت من قدامي بسرعة.
قال (أدهم) بغيظ :
– هربت ؟ المهم إن شكلي بقى زي الزفت قدام سهام وجمانة وطلعت واحد سافل ماعندوش أخلاق والله أعلم قالت لهم ايه تاني عننا، الموقف اتصلح مع سهام إنما جمانة هاقولها ايه؟
تظاهر (آدم) بعدم الفهم وهو يسأل :
– وتقولها ليه أصلا، يفرق ايه تعرف حاجة عن حياتك الشخصية أو ماتعرفش؟
أدار (أدهم) وجهه للنافذة مرة أخرى وهو يقول :
– ولا حاجة بس مااحبش صورتي تبقى بالشكل ده قدام أي حد.
تطلع إليه (آدم) في صمت وهو يستشف شيئا من كلام أخيه لكنه أراد التأكد منه ولم يدرِ كيف؟ فصمت، أما (أدهم) فعاد يلتفت إليه مرة وتساءل متظاهرا بعدم الاهتمام :
– عاملة ايه معاك جمانة في المكتب ؟
أجاب باقتضاب محاولا استفزازه :
– هايلة .
شعر بالغيظ يكتنفه مرة أخرى فأدار وجهه للنافذة مجددا وهو يزفر في حنق جعل الابتسامة تعلو شفتي أخيه، لكنه عاد يسأل دون أن يلتفت إليه :
– بتساعدك زي ماكنت متوقع ولا ايه ؟
أراد (آدم) استفزازه أكثر فكسى لهجته بصبغة حالمة وقال ممتدحا :
– بأقولك هايلة، من كل الجوانب، انسانة ممتازة.
التفت (أدهم) يحدق فيه بدهشة ممتزجة بالغضب والذي بدا واضحا على ملامحه كما توقع (آدم) فأكمل برومانسية :
– مش عارف حاسس إني خلاص ماعدتش أقدر أستغنى عنها.
اتسعت عينا (أدهم) وتساءل في قلق :
– قصدك ايه ؟
أجاب (آدم) وهو يهز كتفيه ببساطة :
– بافكر أعرض عليها الجواز.
تراجع (أدهم) للخلف بعنف، فارق كبير بين المزح والجد، هنا (آدم) لا يمزح إنه بالفعل يريد الزواج منها ؟ خفض عينيه في ألم وسأله بخفوت :
– بتحبها ؟
شعر (آدم) بما يعتمل في صدر أخيه فخفف عنه قليلا وهو يجيب :
– مش لازم يكون حب زي حب الرجل للست العادي، بس هي فعلا انسانة كويسة جدا.
عاد الأمل يتردد في صدر (أدهم) مما جعله يسأل مرة أخرى :
– بس كده ؟ مفيش حب ؟ وهتعيش معاها إزاي ؟
هز كتفيه وهو يرد :
– عادي زي ناس كتير والحب ييجي بعدين.
التفت للنافذة مرة أخرى مفكرا في صمت استفز (آدم) فاقترب منه وأدار وجهه إليه وهو يقول بلهجة مازحة :
– يابني اعترف وريح دماغك بدل القلق ده .
تساءل (أدهم) بدهشة :
– أعترف بايه ؟
رفع (آدم) حاجبيه ونظر إليه في صمت جعله يخفض عينيه أرضا ويقول في خفوت :
– كبر دماغك يا آدم مفيش حاجة من اللي فيها دي حصلت.
(آدم) بهدوء :
– بجد ؟
صمت (أدهم)، هل يرد كاذبا أم ينفي ماقاله للتو ؟ شعر بالحيرة فصمت، مما جعل أخاه يتطلع إليه في حنان شاعرا بحيرته، ثم قال :
– لو بتحبها انطق لأنها محتاجاك جنبها.
رفع (أدهم) عينيه لأخيه في دهشة من صراحته ولم يستطع الكلام فجذبه (آدم) من يده وهو يستطرد :
– تعالى نقعد وأحكيلك المشكلة اللي فيها والحل اللي اقترحته واللي عارف إنه هيعجبك.
ثم قص عليه الأمر باختصار شارحا فكرته، بعدها فكر (أدهم) لدقيقة وهو يشبك أصابعه أمام وجهه ثم قال :
– فكرتك غريبة يا آدم، تفتكر ممكن تنجح.
أكد عليه قائلا :
– أكيد.
سأل مرة أخرى :
– وايه اللي خلى فكرة عجيبة زي دي تيجي في بالك ؟
مط شفتيه وهو يجيب :
– مش عارف، بس حسيتها مناسبة وهتحل المشكلة، ها قلت ايه ؟
(أدهم) بشرود :
– قلت ايه في ايه ؟
نهض (آدم) من مكانه وقال :
– بقى كده، طيب مع نفسك بقى، أنا راجع مكتبي لجمانة.
نظر إليه في غيظ فبادله النظرة بأخرى عابثة جعلته يلف وجهه ثم ابتعد هو في صمت.
********
جلس (أدهم) في مكتبه يفكر في شرود، لم يدر كيف خمن أخيه ماقاله، هل يبدو عليه الحب ؟ هل يحبها فعلا ؟ أي نوع من الحب هذا الذي يجعله يسعد باستفزازها وإغضابها ؟ أي حب الذي لا يشعر به إلا عندما ينبهه أحدهم إليه ؟ وتلك الفكرة التي اقترحها (آدم)، فكرة مجنونة جعلت أخرى أكثر جنونا تقفز إلى عقله لتثيره أكثر وتجبره على تنفيذها ، قطع شروده رنين هاتف المكتب المتصل بالاستقبال فنظر إليه في دهشة ثم رفع سماعته مجيبا :
– أيوة يا حسن خير ؟
أتاه صوت موظف الاستقبال قائلا في عجلة :
– أيوة يافندم، في واحد هنا مصمم يدخل الشركة بأي شكل ومتعصب جدا، عاوز يطلع الحسابات عشان يقابل أستاذة جمانة أبو الفتوح.
يا إلهي ! ألن ينتهي هذا الأمر ؟ هكذا فكر (أدهم) ، كل دقيقة يحدث شئ يتعلق بها حتى كاد يفقد صوابه، طال صمته فأتاه صوت (حسن) مرة أخرى متسائلا :
– يافندم! أعمل ايه أطلعه ؟
أفاق من شروده على السؤال الذي استفزه أكثر فرد في عصبية :
– تطلعه فين ياحسن ؟ هو نادي ؟ عاوز ايه ده كمان ؟
رد (حسن) بلا اهتمام :
– مش عارف يافندم.
هنا علا صوت غاضب بجواره يهتف :
– انتو بتستهبلوا، بأقولكم عاوز أقابلها هو في ايه ؟ داخل منطقة عسكرية أنا هنا يعني ؟
عقد (أدهم) حاجبيه في غضب بعدما سمع تلك الجملة وقال :
– طلعه على مكتبي ياحسن أما نشوف آخرتها.
ثم أغلق الخط وهتف في حنق :
– ده ايه البلاوي دي ياربي ؟
بعد دقائق لم تطول طُرِق باب مكتبه، فقال في حزم :
– ادخل.
دلف للمكان شاب متوسط الطول خبيث النظرات، بدا كأنه لم ينم منذ فترة شديد العصبية والغضب وبصحبته أحد أفراد أمن الشركة، سأله (أدهم) بهدوء :
– مين حضرتك ؟
أجاب الشاب في عصبية :
– أنا دكتور هشام عبدالله، كنت مدير صيدلية جوز جمانة.
شعر (أدهم) بغضبه يزداد من طريقة حديث الرجل وذكره لاسمها مجردا هكذا فسأله :
– طيب وعاوز ايه حضرتك ؟ دي شركة ومكان عمل وبس مش كافيه تتقابلوا فيه .
علا صوت (هشام) وهو يقول في عصبية :
– ما أنا مش عارف أوصلها، الهانم بتستهبل، بعد ماشلت الصيدلية على كتافي وتعبت فيها وكبرتها جابت واحد ركبته علي ودلدل رجليه وفي الآخر ألشوني منها هما الاتنين عشان يفضى لهم الجو مع بعض.
تماسك (أدهم) قدر استطاعته وضم قبضتيه بقوة أسفل المكتب، كان يريد الانقضاض عليه وتحطيم أسنانه بسبب ماقاله والطريقة التي قاله بها، وبسبب ما لمح إليه، بالتأكيد يقصد (حسام) الذي صدم ابنتها بسيارته ثم ملكته مالها بعدها تلك المجنونة، انتابه الغضب أكثر لأنه شعر بالغيرة تجتاح قلبه وتشعل فيه نيرانها لكنه اكتفى بأن يهتف به في غضب :
– أيه الكلام الزبالة ده ياحضرت، مش عيب دكتور محترم يتكلم بالطريقة دي على واحدة ست في غيابها، عاوز تتفاهم معاها يبقى بعيد عن الشركة وبمنظرك ده يفضل ماتقربش منها أحسنلك.
ثم أشار لرجل الأمن هاتفا في حزم غاضب :
– طلعوه بره الشركة وممنوع بعد كده حد يدخل وخصوصا البني آدم ده.
ظهرت شرارة الغضب والشر في عيني (هشام) ثم صاح بصوت عال :
– آآآه ، قول كده بقى ؟ الهانم دايرة على حل شعرها وموقعة الرجالة في دباديبها، بتطردني عشانها بدل ماتجيبلي حقي منها، ماشية معاك إنت كمان ؟
لم يشعر (أدهم) بنفسه إلا وهو ينقض عليه ويكيل له لكمة عنيفة في فكه أسقطته أرضا والدماء تنزف من فمه بغزارة ثم انحنى يقبض بعنف على ياقة قميصه وقال في صرامة شديدة وهو ينظر في عينيه :
– الحيوان الزبالة اللي زيك مايستاهلش غير كده، واللي بتتكلم عليها دي أشرف منك ومن كل اللي تعرفهم مليون مرة، وقسما بالله لو اتعرضت لها لا تكون فيها نهايتك ؟ فاهم ؟
قالها وهو يحدق في عينيه بصرامة وغضب شديدين أثار الرعب في أوصاله واستشعره (أدهم) فشعر بالتقزز منه، ألقاه أرضا بعنف وهتف في رجل الأمن :
– طلعوا الزبالة ده بره.
أمسكه رجل الأمن بقوة وهو يصرخ في عصبية محاولا الإفلات منه حين دنا منهما رجل أمن آخر لمساعدة زميله وقاما بجره جرا خارج الشركة وهو يصرخ ويتوعد، كانت (دينا) واقفة قرب بوابة الشركة بعد أن كتبت استقالتها وأرسلتها لمكتب (أدهم) في طريقها للمغادرة مهزومة مدحورة، وقفت تتابع ما يحدث في اهتمام ولفت نظرها صراخه باسم (جمانة)، شعرت أن القدر قد ألقى في طريقها بالحبل الذي ستلفه حول عنق (جمانة) حتى يخرج آخر نفس في صدرها، انتظرت حتى أخرجوه من الشركة تماما ثم تبعته بسرعة، لاحظت أنه يتأوه ويمسك بمنديل يمسح به الدماء من فمه، ابتعدا قليلا عن الشركة وما إن اقترب من سيارته حتى نادته هاتفة بأرق نبرة استطاعت أن تضفيها على صوتها :
– يا أستاذ لو سمحت.
التفت لصاحبة الصوت بعينين ناريتين وما إن رآها بملابسها الفاضحة وجمالها الواضح حتى تبدلت ملامحه وتدلى فكه السفلي في انبهار واشتهاء واضح أثار غرورها فاقتربت منه قائلة في هدوء وهي تمد يدها إليه :
– أنا دينا باشتغل مع جمانة في الشركة.
تطلع إلى يدها الممدودة لحظة ثم تناولها في لهفة وهو يهتف :
– أهلا وسهلا.
تركت يدها في يده عمدا وهي تراقب تأثير ذلك عليه ثم قالت في نعومة :
– ماعرفتنيش بنفسك طيب ؟
رد مرتبكا وهو يرفع عينيه إليها :
– ها .. آه .. اسمي هشام، دكتور صيدلي.
قالت في دلال :
– طيب يادكتور هشام تسمح لي أعزمك على الغدا ونتكلم شوية في موضوعك مع جمانة وتشرح لي اللي حصل يمكن أقدر أساعدك.
كان شَرِهاً للغاية، شرها لها ولأنوثتها الطاغية ولفكرة أن تدفع هي ثمن طعامه فوافق على الفور واتجها إلى سيارتها الفخمة فتطلع إليها في بلاهة ممتزجة بجشع ونهم مما جعلها تدرك أنها بالفعل أمسكت بطرف الخيط الذي ستشده حتى يخنق غريمتها .
********************************
الفصل الخامس عشر
**************
من أكثر الأيام إرهاقا كان هذا اليوم، توالت فيه الأحداث والصدمات خاصة بعدما علمت أن (هشام) حاول مقابلتها في الشركة لكنه قابل مديرها وعنفه بل وضربه أيضا، كان الموضوع حديث الشركة كلها مما أشعرها بالخجل، ترى ما الذي حدث وأجبره على ضربه وطرده بهذا الشكل؟ وما الذي يهمه من أمرها لكي يتصرف هكذا؟ عادت لمنزلها لتستقبلها صغيرتها بلهفة فانحنت تحملها وتقبل وجنتيها بشغف هاتفة :
– ملوكة حبيبة ماما وحشتيني.
ضحكت الصغيرة في سعادة ثم بادلت والدتها القبلة وتعلقت برقبتها وهي تتجه للمطبخ، دلفت إليه لتجد والدتها تطهو الطعام وشقيقتها جالسة تطالع بعض الأوراق في اهتمام وتحتسي كوبا كبيرا من النسكافيه، رفعت رأسها إليها وعلت شفتيها ابتسامة باهتة بها الكثير من الانكسار، كم تشعر بالأسى من أجل شقيقتها، تلك التي تراها أما ثانية وملاكا حارسا لها تصبح بهذا الضعف، هي امرأة كغيرها تحتاج للحب والوفاء، لكنها افتقدت كلاهما، بادلت شقيقتها الابتسام وهي تقترب منها وتنحني لتقبل رأسها قائلة :
– إزيك يالولو ؟ عاملة ايه النهاردة ؟ نزلتي المحكمة ولا ايه ؟
أجابتها شقيقتها بنفس الابتسامة في خفوت :
– أيوة نزلت، كان عندي شوية حاجات ضروري اخلصها وكان لازم أنزل.
ربتت على كتفها في حنان ثم أجلست طفلتها على الكرسي المقابل لخالتها واتجهت لوالدتها متسائلة :
– ها يا ست الكل، هناكل ايه من ايديكِ الحلوة النهاردة ؟
ابتسمت الأم وهي تجيب :
– عاملالك صينية الفراخ اللي بتحبيها إنت وأختك، غيري يلا وتعالي ساعديني الكلام الحلو مابيغسلش المواعين.
ضحكت (جمانة) واتسعت ابتسامة (لمياء) قليلا، ثم قالت (جمانة) وهي متجهة لغرفتها :
– بس كده، اؤمريني ياقمر إنتي.
دخلت غرفتها وأغلقت الباب خلفها وهي تتنهد في حزن ثم قالت من أعماق قلبها :
– يارب اسعد لميا وارزقها بالزوج الصالح والذرية الصالحة، إنت عارف هي طيبة وحنينة قد ايه، اجبر قلبها يارب وفرحها.
ثم أبدلت ملابسها وغسلت وجهها وتوضأت وعادت لغرفتها لتصلي العصر بعدها اتجهت عائدة للمطبخ، وجدت والدتها جالسة في مقابلة شقيقتها تحمل الصغيرة على قدميها، حاولت كسر الصمت المخيم على المكان فقالت بمرح :
– عرفتوا آخر خبر ؟
رفعت (لمياء) رأسها وتطلعت إليها متسائلة وترجمت الأم السؤال لصوت مسموع :
– خير ياجوجو ؟
هزت كتفيها وهي ترد في مرح :
– دكتور آدم مديري اللي كان أستاذي في الجامعة، طلع لي بحل جهنمي لمشكلة ملك .
شعرت الأم بالأمل واستمرت (لمياء) في النظر إليها باهتمام، كان حديث (جمانة) يدل على أنها تسخر من الفكرة ولا تقبلها حين أجابت :
– بيقولي اتجوزي.
عقدت (لمياء) حاجبيها في دهشة ثم صمتت في تفكير عندما هتفت الأم :
– اتجوزي ؟؟ هو ده الحل ؟ إزاي يعني ؟ جوازك في الوقت الحالي نقطة ضعف هيمسكوا فيها عشان ياخدوا البنت.
أومأت (جمانة) برأسها موافقة وردت :
– أيوة ما أنا قلت له كده.
قالت الأم باستغراب :
– حل مش منطقي أبدا.
هنا علا صوت (لمياء) وهي تقول بهدوء :
– ليه مش منطقي يا ماما ؟ بالعكس الفكرة عجبتني جدا، جواز جمانة حاليا هيعتبر خط دفاع وهجوم في نفس الوقت، لو باعت الأرض لجوزها حتى لو بعقد صوري كده مشكلة الأرض اتنقلت لعهدته وهو يتصرف فيها، وبالتالي الحاجة اللي عاملة أزمة من الأول مش هتبقى متعلقة بجمانة إنما بشخص تاني يقدر يتصرف معاهم ويجيب حقها، ودي نقطة هجوم وفي نفس الوقت يحميها منهم ودي نقطة دفاع ده غير إنه حتى في حالة جوازها الحضانة مش من حقهم.
تطلعت إليها شقيقتها في دهشة وصمتت الأم مفكرة، استغربت (جمانة) للغاية فما قالته (لمياء) كان هو ما طرحه (آدم) بالضبط لكنها نسقته بشكل أكثر منطقية وجعلته أكثر قابلية لإقناعها، قد تتزوج زواجا صوريا من شخص ما حتى لو دفعت له مالا ليقوم بالمهمة، لا يشترط ان يكون الزواج تاما وترتبط بشخص لا تحبه او تريده خاصة مع حالة قفل قلبها الذي علاه الصدأ حتى التحم ببعضه البعض ولم يعد من الممكن فتحه، قالت بعد صمت :
– ده نفس كلام دكتور آدم، بس إنت رتبتيه صح.
هزت (لمياء) كتفيها وقالت :
– الفكرة فعلا معقولة جدا.
ردت الأم :
– مش عارفة يابنات مش مطمنة.
ضحكت (جمانة) وهتفت :
– ياماما ماتقلقيش، يعني حتى لو قلت هانفذ الفكرة خلاص الشخص الهايل السوبر اللي هيحميني منهم واقف ع الباب.
قالت (لمياء) بهدوء :
– لازم يكون بيحبك عشان يدافع عنك.
تطلعت إليها في دهشة، ها هو عائق آخر أمام تنفيذ الخطة، من الذي يحبها ؟ ولو وجد فهل سيقبل زواجا صوريا، كما يقولون مجرد حبر على ورق يجبر بعده على الوقوف في وجه المدفع ؟ قاطع أفكارها صوت والدتها وهي تقول :
– ايه رأيكم في دكتور حسام؟
رفعت عينيها فيما يشبه الصدمة لوالدتها في حين هزت (لمياء) كتفيها في صمت، استطردت الأم :
– إنسان هايل وأخلاقه عالية وشهم، ومعجب بيكي.
اتسعت عيناها وهي تهتف :
– معجب بيا ؟
أومأت الأم برأسها في صمت فسألتها :
– وإنت عرفتي ازاي يا ماما ؟
ابتسمت لسذاجة ابنتها وردت :
– واضح عليه ياجمانة، إنت بس اللي قافلة قلبك وعقلك وعنيكِ ومش عاوزة تشوفي حاجة.
شعرت بالغضب لكلام والدتها فقالت في عصبية :
– وحتى لو معجب بيا ياماما مش هاقوله تعالى اتجوزني ودافع عني قدام أهل جوزي اللي مات وحط نفسك في وش المدفع عشان تتعرض للخطر بدالي.
ردت الأم بصبر :
– اللي بيحب حد مش محتاج إنه يطلب منه يحميه عشان هو هيحميه فعلا من نفسه.
هزت (جمانة) رأسها في عنف وقالت رافضة :
– مستحيل، أنا مش فاهمة بتفكروا إزاي ؟ أتجوز بعد حسام ؟ وعشان ايه فلوس وأرض ؟ ماتغور ؟
قالت (لمياء) بشئ من الحزم :
– إنت بتهرجي يا جمانة ! هي مسألة فلوس وبس ؟ دي أرض بنتك وعشان إنت وصية عليها فإنت مسئولة قدام ربنا عن مالها وبتساعديهم ياكلوا مال اليتيم ودي تعتبر شراكة في الذنب.
صمتت (جمانة) وشعرت بالقلق من كلام أختها، لم تفكر في هذا الجانب من قبل، لكنها ردت بعدها بعناد :
– ربنا عالم بالحال يا لميا وعارف إني مضطرة عشان احافظ على بنتي نفسها.
ردت (لمياء) بحزم أكبر :
– بس كان قدامك حل ورفضتيه وضيعتي حقها وخلاص، ده غير إن مفيش أي محكمة هتديكي الإذن إنك تبيعي الأرض بسعر بخس ..
شعرت بالغيظ من منطق أختها، هاهي تقنعها وببساطة مرة اخرى، تذكرت وعدها لوالدة زوجها، كيف تخلفه ؟ لمَ يتحدثون عن زواجها وكأنه أمر طبيعي مسلم به، كأن زواجها يمكن أن يحدث في الغد وأن الرجل متاح فورا للزواج ؟ من هو هذا الرجل ؟ كيف ستتقبل أمرا كهذا ؟ رجل آخر في قلبها، لا .. في حياتها مع صغيرتها، هل هذا ممكن؟ بعد صمت دام طويلا قالت في شرود :
– طيب ووعدي؟
عقدت الأم حاجبيها في غيظ وقد فهمت ماتقصده ابنتها في حين تساءلت (لمياء) في دهشة :
– وعد ايه ؟
نظرت إليها بحزن، كانت تعلم أن الأمر سيغضب شقيقتها للغاية لكن ما باليد حيلة لذلك أجابتها بتردد :
– وعدي لماما راضية إني مستحيل أتجوز بعد حسام الله يرحمه.
اتسعت عينا شقيقتها في صدمة، لم تجد ما تقوله وارتج عليها لثوان صرخت بعدها :
صمتت لحظة لتلتقط انفاسها ثم عادت تقول بصوت أهدأ :
– جمانة مش من حقك توعدي إنك توقفي حياتك على شخص، حتى لو إنت عاوزة ده، ممكن تاخديه قرار براحتك بس في أي وقت ممكن يتلغي لأي سبب، إنما الوعد .. خلف الوعد ده حاجة مش بسيطة، لازم تروحي لطنط راضية وتتكلمي معاها وتشرحي لها المشكلة عشان تحلك من وعدك ده.
ردت (جمانة) بعصبية :
– ازاي يعني يا لميا عاوزاني أروح اقولها معلش مش هاقدر احافظ على وعدي وبادور على عريس.
زفرت (لمياء) في حنق وقالت :
– انت بتستهبلي يعني، هو في حد يقول كده ؟ هتشرحي لها الموقف وتفهميها إنك خايفة وانك اتعرض عليكي حل كذا وكذا وانت مش عارفة تعملي ايه، وبعدين شوفي رأيها، وحاولي تختاري كلامك صح عشان ماتفهمكيش غلط، واوعي تديها وعد بحاجة مجنونة تانية، سيبي الأيام تمشي زي ماهي.
عقدت (جمانة) حاجبيها في تفكير ووالدتها تتطلع إليها في صمت في حين عادت شقيقتها تدفن رأسها في اوراقها، ثم زفرت في ضيق وقالت :
– هاشوف، أنا مش عارفة هاواجهها إزاي؟ بس ده مش معناه إني موافقة على فكرة الجواز أصلا، ده غير إن فعلا مفيش حد يصلح أروح أطلب ايده.
هزت شقيقتها رأسها في غيظ ولم ترق لها الدعابة في حين ردت الأم :
– سيبيها على الله ياجمانة، المهم تكلمي راضية في الموضوع يمكن ع الاقل تكلم ولاد جوزها يبعدوا عننا ولو إني عارفة إنهم مالهمش علاقة ببعض للدرجة.
أومأت برأسها في صمت وجلست تفكر فيما ستقوله لها عندما تزورها و إلى أي مدى سيؤلمها الأمر أو يوجع قلبها ! .
********
في ذلك اليوم قررت (جمانة) الذهاب لوالدة زوجها الراحل، لن تصطحب صغيرتها معها فهي تريد الكلام بحرية ولا تريد لابنتها ان تشاهد جدتها حزينة باكية والسبب أمها، صلت المغرب وارتدت ملابسها على عجالة، تركت الصغيرة مع خالتها التي نظرت لها نظرة طويلة بادلتها إياها وكأن حديثا مطولا دار بين أعينهما خفضت بعده (جمانة) عينيها في صمت وهي تطبع قبلة على رأس ابنتها وتغادر المكان، قادت سيارتها في شرود شديد حتى كادت تصطدم بأخرى في إحدى الإشارات لكنها توقفت في آخر لحظة وهي تتنهد بعمق وارتباك، التقطت هاتفها تتطلع للساعة بدون سبب ثم عادت تقودها مرة أخرى حتى وصلت لوجهتها، بعد الترحاب والسؤال عن الأحوال والصغيرة التي حزنت جدتها أنها لم تأت قصت (جمانة) الأمر كله من بدايته على السيدة، حكت لها كم تتألم وكم تخاف، قالت لها عن التهديدات التي هددها بها أخا زوجها وأنه سيأخذ صغيرتها منها مهما حدث ومهما فعل لتصبح الأرض كلها ملكهم للأبد، بكت بشدة عندما تذكرت وشعرت بالخوف يغزو قلبها مهشما ضلوعها طاعنا إياه، واستها السيدة كثيرا وشعرت بالحيرة هي الأخرى، فلم تكن تملك من الأمر شيئا، ماذا لو أساؤوا لسمعة والدتها ليأخذوها منها، ألم يفعلوا هذا معها بعدما تزوجت والدهم، والدهم الحنون الطيب الذي لم يصدق الأمر ونزح بها للقاهرة لتستقر هناك هي وصغيرها (حسام)، (حسام) الذي شعر أخويه دوما بالغيرة منه والحقد عليه خاصة بعد تخرجه من كلية الصيدلة وتملكه لصيدلية خاصة كهدية من والده، (حسام) الذي كان قرة عين أبيه والمدلل عنده، الذي كان دوما يلبي له طلباته ويفخر به في كل مكان، (حسام) الذي لم يختلف مع والده في أمر سوى زواجه من (جمانة) التي أحبها ورفضها والده آمرا ولده بالزواج من ابنة شقيقه حتى وافق على فراش المرض كي لا يكسر قلب صغيره، الصغير الذي لم يعترف به أخويه ولولا بقية من صلة دم وقانون لما سمحوا له بأن يرث والده، طفلها هي الذي ضاع منها وفطر قلبها عليه والآن يأتي اخويه ليأخذوا منهما ما تبقى منه، أي قسوة تلك ؟ أفاقت من ذكرياتها على مرأى دموع (جمانة) التي أغرقت وجهها، الفتاة القوية التي أحبت ابنها وعشقها هو حتى النخاع، ترى كم تؤلمه دموعها الآن ؟ ما الحل يارب ؟، ربتت على كتفها في رفق واقتربت منها تضمها لصدرها فاستكانت (جمانة) بين ذراعيها، همست الحماة بحنان :
– ماتخافيش ياجمانة، ربنا معانا أكيد، أنا عارفة هما ممكن يعملوا ايه، لكن إن شاء الله مش هيقدروا، خلي عندك أمل في ربنا كبير.
ابتسمت (جمانة) وهي تشعر بحنان السيدة وشعرت بالأسى هل تخبرها بالحل المطروح عليها ؟ هل سيؤلمها كثيرا ؟ ماذا تفعل ؟ لما لا تبيع الأرض وتنهي الأمر ؟ ولكن لمن ومن سيحميها منهم إن فعلت ؟ قالت بعد صمت طال :
– ماما، لميا قالت لي قانونا مايقدروش ياخدوها مني وإن الأحق بكده هو أمي بعدها إنتي لو هيلجأوا للقانون.
ابتسمت السيدة في حزن وهي ترد :
– قانون ايه يابنتي؟ دول يهمهم الأرض وأملاكهم وبس حتى لو عملوا ايه .
أكملت (جمانة) وكأنها لم تسمع ماقالته :
– اتعرض علي حل للمشكلة يا ماما بس أنا مش عاوزاه، حاجة ماكنتش اتصور إني أبقى مضطرة أعملها في يوم من الأيام عشان أحافظ على بنتي وأرضها.
أبعدتها السيدة عن صدرها وتطلعت إليها بقلق وهي تتساءل :
– حل ايه يا حبيبتي ؟
أخذت (جمانة) نفسا عميقا وأجابت :
– الجواز.
قالتها وصمتت لترى وقع الكلمة على حماتها، أما السيدة فقد اتسعت عيناها في نوع من الذعر وارتدت مبتعدة عنها بشيء من العنف وهي تنظر إليها في صدمة عارمة، أهذا هو ما توصلت إليها يا زوجة الغالي ؟ تُمَلٌكين رجلا آخر من نفسك التي كانت ملكا لصغيري ؟ هل فتح قلبك لغيره ولم تستطيعي الصبر؟ قلقت (جمانة) للغاية من رد فعلها، نعم ستفهمها بطريقة خاطئة وتحزن وربما تكرهها وتأخذ هي صغيرتها منها، ظلتا صامتتين تتطلع كل منهما للأخرى ، اجتعمت العيون على الخوف والقلق والحزن، أخيرا نطقت السيدة :
– جواز يا جمانة ؟ وهان عليك تقوليها لي كده ؟ هان عليك حسام ؟
بكت (جمانة) مرة أخرى وردت ودموعها تغرق حروفها :
– لا طبعا يا ماما، أنا كده تبقى هانت علي نفسي، نفسي اللي هي لحسام وبس، قلبي اللي ماحبش حد غيره ولا اتعلق إلا بيه، أنا قلت لك إنه حل مطروح ماقلتش إني هانفذه، أنا لا عاوزاه ولا حتى اعرف حد ممكن ينفع يتحمل مسئولية زي دي.
لم تفهم السيدة ما قالت فتطلعت إليها بتساؤل لم يخلو من التأنيب جعلها تكمل :
– الحل كان اتجوز واحد ابيع له الارض لو حتى بعقد صوري مع ضمان حقي أنا وبنتي، وهو يتفاهم معاهم بخصوص بيعها ليهم أو الشراكة وفي نفس الوقت يحميني منهم لو حاولوا يعملوا أي حاجة ممكن تأذيني.
رنت كلمات شقيقتها في أذنيها ” واوعي تديها وعد بحاجة مجنونة تانية، سيبي الأيام تمشي زي ماهي” ، وعلى الرغم منها لم تستطع تنفيذ كلامها فاستطردت :
– مش لازم الجواز يكون حقيقي يا ماما، ممكن يكون الموضوع برده صوري، ع الأقل لحد ماالمشكلة تتحل والأمور تهدى.
نظرت إليها السيدة في صمت، تساءلت بداخلها : أهذا ممكن ؟ ومن الذي يقبل بأمر كهذا وما النفع الذي سيعود عليه منه ؟ شعرت (جمانة) بها فقالت :
– ممكن ادفع لأي حد مبلغ مناسب عشان يقوم بالمهمة دي.
قالت المرأة بسرعة :
– ماينفعش أي حد يا جمانة، إزاي هتأمني أي حد على أملاكك إنت وبنتك ؟
فجأة قفز لذهنها نفس الجملة عندما نطق بها مديرها (أدهم) يقصد بها دكتور (حسام) عندما علم بعمله في صيدلية زوجها، هل يمكن أن يوافق (حسام) على أمر كهذا ؟ أمها تؤكد إعجابه بها، فهل يمكن أن يكون هذا دافعا لوقوفه بجانبها، هل سيرضى بالمال فقط كمقابل أم يطالب بها هي ؟ لم تكن ترغب في التفكير في الأمر فردت :
– أكيد هيكون في ضمانات يا ماما، أنا لسه ماوافقتش ع الفكرة أصلا وبأدور على حل تاني لحد ما الصداع بقى ملازمني 24 ساعة، وحتى لو الفكرة دي استقريت عليها مش عارفة مين ممكن يصلح وإزاي هاعرض عليه حاجة زي دي !
ابتسمت أمها في حزن وحنان في حين قالت (لمياء) بنوع من القسوة :
– قلت لك ياجمانة، بطلي الطيش ده بقى واعقلي وفكري في كل كلمة قبل ماتنطقيها.
نظرت لشقيقتها في دهشة، منذ متى تعاملها هكذا ؟، لكنها لم تعلق وتقبلت منها ما قالت، هي على حق وهي أيضا تتألم، فلمَ لا تقبل ؟، قالت في هدوء :
– عموما ربنا يسهل، لو الموضوع موافقين عليه مبدأيا انا مش عارفة أعرضه إزاي على دكتور حسام ؟
قالت الأم :
– يعني خلاص وافقتي على حسام؟
ردت بحيرة :
– وهو في غيره ؟ ده غير إنه فعلا أمين ووقف جنبنا كتير.
ابتسمت الأم في نوع من السعادة وكادت تفرح فعلا بحدوث تلك المشكلة التي اضطرت ابنتها للموافقة على الزواج مرة ثانية، لكنها قالت :
– وحتى لو في غيره الدكتور حسام إنسان ممتاز وهيخلي باله منك ومن ملك ده غير إنه بيحبها وعمره ما هيفكر إنها تبعد عنك حتى لو جبتوا ولاد غيرها، وانت مش محتاجة تعرضيه عليه، هو في أول فرصة هيطلب منك الجواز لو حس إنك ممكن توافقي.
تطلعت إليها (جمانة) في صمت، آه يا أمي كم تحلمين ؟ هل تظنينه زواجا حقيقيا ستحملين منه أحفاداً آخرين ؟ أما (لمياء) فنظرت لها في عمق وفهمت ما تفكر فيه وكم أزعجها هذا، لم تعلق فقط قامت من مقعدها قائلة :
– هأنام أنا بقى، تصبحوا على خير.
ثم اتجهت لغرفة والدتها التي تشاركها إياها تتابعها عيني الأم والأخت في حزن.
********
في اليوم التالي اتجهت (جمانة) لعملها، كانت شاردة طوال الوقت، وبدت نظرة حزينة مرتسمة في عينيها، في منتصف اليوم طلب منها (آدم) أن تأتي لمكتبه لمراجعة ملف هام لمناقصة جديدة، اتجهت إليه في خطوات سريعة ثم طرقت الباب ودخلت تاركة إياه مفتوحا خلفها كالمعتاد، رفع رأسه إليها وقال بابتسامة هادئة :
– تعالي يا جمانة، اقعدي عاوزين نخلص الملف ده ونشتغل عليه بجد عشان لو رسيت علينا المناقصة دي هتنقل الشركة نقلة تانية خالص.
كانت ابتسامتها باهتة شاردة وهي ترد :
– مع حضرتك يادكتور.
نظر إليها ليلمح الشرود يرسم ملامح وجهها فسألها:
– مالك ؟؟ في مشكلة حصلت تاني مع أهل حسام ؟
هزت رأسها نفيا وهي تجيب :
– لا لسه ماعملوش حاجة لحد دلوقتي، والصمت ده هو اللي هيجنني ومخوفني.
قال في هدوء :
– معاكِ حق طبعا، الانتظار صعب، فكرتِ في الحل اللي قلت لك عليه ؟
شردت مرة أخرى وأجابت بخفوت :
– أيوة.
سألها :
– ها وايه رأيك فيه ؟
ابتلعت ريقها في صعوبة وردت :
– مش عارفة يادكتور، لميا أختي عجبتها الفكرة جدا بس أنا قلقانة ساعات أقول مفيش قدامي غيرها وساعات أفكر إزاي ممكن أعمل حاجة زي دي وأتجوز بعد حسام الله يرحمه.
قال لها بابتسامة أبوية :
– جمانة، إنت لسه صغيرة، غيرك كتير وأكبر منك كمان لسه مااتجوزوش أصلا، ليه ماتديش لنفسك ولقلبك فرصة يعيش الحياة من تاني بدل ما انت قافلة عليه كده وبتعذبيه في ذكريات الماضي اللي عمره ما هيرجع تاني ؟
لم ترد، ها هو قلبها يصفعها ويتمسك بتلابيب تلك الذكرى رافضا العبور للغد مع آخر، إنه هو وليس هي، عقلها في جهة وقلبها سلك الجهة المعاكسة تماما، يا إلهي ماذا تفعل ؟
شعر هو بما يعتمل بداخلها فهو نفسه يتملكه ذات الشعور كلما فكر في أنثى أخرى تحل محل زوجته وأم طفله، لم يرغب في المزيد من الذكريات المؤلمة فاستطرد في حزم :
– خلينا في المناقصة دلوقتي وربنا يحلها من عنده، بس عاوزك تركزي معايا المناقصة دي اهم من اللي قبلها وعاوز عقلك كله عشان نوصل لأفضل عرض تخليها بتاعتنا زي اللي قبلها.
نفضت الذكريات عن رأسها وابتسمت معلنة أن العمل هو الحل بالفعل، اندمجت معه في الملف حتى أنهيا جزءً كبيراً منه، كانت كعادتها مبدعة في أفكارها للنقاط التي تناولتها وعدلتها ليصبح العرض أفضل، شعر هو بإرهاقها يرتسم على وجهها فأغلق الملف أمامه وقال :
– كفاية كده النهاردة، بكرة نكمل شغل ع الملف عشان نبقى مركزين أكتر.
وافقته بإيماءة صامتة ثم وقفت قائلة :
– تمام يادكتور هاروح مكتبي بقى عشان عندي شوية حسابات محتاجة أراجعها.
أشار لها بأن تذهب وعاد هو لمراجعة الأوراق أمامه مرة ثانية، اتجهت بخطوات متثاقلة عائدة لمكتبها ثم جلست خلفه مغمضة عينيها لدقيقتين أو يزيد، كان الإرهاق يتمكن من كل جزء فيها، من جسدها متملكا حتى من أناملها ومن قلبها وعقلها وحتى من كل عصب فيها وكل شريان، شعرت بحركة خافتة أمامها ففتحت عينيها في تساؤل لم يلبث أن تحول لشهقة وهي تراه يقف أمامها في صمت متطلعا لوجهها بحنان ارتسم على كل تفصيلة من ملامح وجهه، شعرت بالتوتر فاعتدلت بسرعة متسائلة :
– خير حضرتك ؟!!
ظل ينظر إليها بنفس النظرة لثوان أخرى مما جعلها تخفض عينيها خجلا لكنه قال بنبرة خشنة بدا فيها وكأنه يكبح جماح مشاعره بصعوبة :
– “تتجوزيني” ؟!
الفصل السادس عشر
*************
كانت الصدمة هي المسيطرة على كل خلية في (جمانة)، لم تتوقع مطلقا أن يقدم لها عرضا كهذا، هل هو جاد بالفعل ؟ هل ستحل مشكلتها الآن وبهذه البساطة ؟ ما الذي أصابه جعله يتصرف بهذا الجنون ؟ وما الذي أصابها لينتفض قلبها بين ضلوعها بهذا الشكل ؟ شعرت بالخجل يكتنفها وبالصمت يخيم على المكان، لم ينبس هو ببنت شفة، ولم تعلق هي بحرف، صمت مطلق لم يظهر فيه سوى صوت أنفاسهما المضطربة، أخيرا رفعت عينيها إليه فقرأ فيهما الكثير، التردد، الخوف، القلق، الدهشة، وشيء غامض لم يتبينه، لم يفهم من عينيها ردها على طلبه فاستمر صامتا منتظرا جوابها، جوابها الذي عندما أتى لم يكن يتوقعه مطلقا :
– ليه ؟
– مش لاقي إجابة، السؤال صعب اوي كده ؟
جلس أمامها على الكرسي المقابل للمكتب و رد بهدوء :
– مش عارف ليه، فجأة لقيت حاجة بتقولي لازم تطلب منها الجواز حالا.
اندهشت وتساءلت :
– حاجة ؟
لمعت عينيه وأجاب :
– أيوة، حاجة مش فاهمها ولا عارفها، حاجة بتخليني مجنون وخلاص.
لم تفهم للمرة الثانية فصمتت مرة أخرى، هاهو عرض زواج من رجل تعلم جيدا أن مخيف صارم قادر على حمايتها، لكن هل يمكنها أن تطلب منه أن يكون زوجها على الورق فقط ؟ ماذا سيكون رد فعل ذلك المخيف ؟ هل سيقبل ؟ شعرت بأنه سيتزوجها عنوة إن أراد، وكم دغدغ ذلك أنوثتها وداعب مشاعرها المدفونة، اجتاحها الحزن والقلق مرة أخرى بسبب ما تذكرته فسألته :
– طيب ودينا ؟
عقد حاجبيه في تساؤل ودهشة :
– دينا مين ؟
رفعت حاجبيها في نوع من الاستنكار الممتزج بالاستهجان ففهم مقصدها، وتذكر الموقف السخيف الذي وضعته (دينا) فيه ومعها هي بالذات وكأنها كانت تعنيها بالفعل، فأخذ نفسا عميقا وأجاب :
– لو قلت لك هتصدقيني ولا هتصدقي بس اللي شفتيه ؟
ردت بحزم :
– لو منطقي أصدقه مش كل حاجة في الزمن ده نشوفها تبقى حقيقة.
علت ابتسامة فَرِحة شفتيه وشرح لها الأمر برمته خاتما حديثه قائلا :
– أنا مستحيل أعمل حاجة زي دي حتى لو مع اللي بأحبها مادام مفيش بيننا رباط شرعي، واللي باحبها مستحيل تكون بشكل دينا او بطريقتها، أكيد هتكون مختلفة وعلى النقيض تماما، هتكون محل ثقتي وفخري بيها قدام الناس كلها.
شعرت بنوع من السعادة يداعب قلبها في رفق وهدوء، أعقبها دهشة ملأتها حتى النخاع، لما تشعر بالسعادة ؟ هل هو بالفعل من كانت تتمناه ؟ هل تثق بحمايته ؟ هل تعلم أنه سيكون حارسها الأمين ؟ ولكن كيف ستخبره أن الزواج لن يكون فعليا ؟ مهلا لحظة ! هي تفكر في الأمر وكأنه يعلم بمشكلتها ويعرض عليها الزواج ليكون بجانبها، ماذا لو أنه يعرض عليها زواجا حقيقيا دائما لا ينتهي ؟ رفعت رأسها إليه وقالت في تردد :
– انا عندي مشكلة، وكان حلها الجواز، وحتى لو وافقت فأنا …
صمتت ولم تستطع أن تكمل حديثها شاعرة بالخجل فحثها قائلا :
– المشكلة عارفها وعندي استعداد أحلها من بكرة لو وافقتي، إنما اللي بعد حتى ايه بالظبط ؟
ترددت مرة أخرى ثم حسمت أمرها فجأة وقالت بسرعة :
– الجواز هيكون صوري لأني مستحيل أتجوز بعد حسام الله يرحمه، وهيكون لمدة معينة لما تتحل مشكلتي ينتهي.
شعر بالصدمة، صمت وطال صمته كثيرا، طال حتى أنها اعتقدت أنه يراجع نفسه وسيتراجع عن طلبه وحزنت لذلك ثم أصابها حزنها بغضب شديد، لمَ يهمها الأمر إن كان هو لا يعنيها في شيء، قطع تفكيرها صوته الحازم وهو يقول :
– ماعنديش مانع، بس بشرط.
حملت عينيها تساؤلا أجاب عنه بنفس الحزم :
– الجواز هيكون عادي، هأنفذ لك طلبك في موضوع الصوري ده، إنما حكاية النهاية دي سيبيها لوقتها، مفيش حاجة اسمها مدة معينة بعدها ينتهي الجواز.
سألته :
– ليه ؟
نهض واقفا وهو يرد :
– من غير ليه، هو كده وده اللي عندي.
ثم صمت لحظة يتطلع إليها فأطرقت برأسها خجلا استطرد بعدها وهو يميل نحوها قليلا :
– هأسيبلك وقت تفكري براحتك ومنتظر موافقتك، ولو مش موافقة هاتجوزك غصب عنك.
تطلعت إليه في دهشة، وشعرت بتلك الدغدغة في مشاعرها مرة أخرى لكنه عاد يعتدل ثم التفت عائدا لمكتبه فسألته بسرعة عن أمر نسيته في وسط حديثهما :
– عرفت مشكلتي منين ؟
التفت إليها مرة أخرى ثم نظر لمكتب (آدم) المغلق وقال بهدوء :
– من آدم.
سألته بسرعة على الرغم من دهشتها :
– وليه قالك عليها ؟
أجاب وهو ينظر في عينيها :
– عشان شاف حاجة انا ماكنتش شايفها.
لم تفهم وهو لم يعطها فرصة لمزيد من الأسئلة بل استدار مغادرا المكان بسرعة.
********
ظلت (جمانة) بعد مغادرته محدقة في الباب، لم تكن تعي ماحولها جيدا، رن هاتف المكتب الداخلي فلم تشعر به، فتح باب مكتب (آدم) وأطل منه في قلق فوجدها تجلس صامتة تحدق في باب المكتب الخارجي، نظر إليه في عدم فهم ثم ناداها فلم تجبه، وبدا أنها لم تسمعه مطلقا، ناداها بصوت أعلى وهو يقترب منها فانتفضت في مكانها والتفتت تنظر إليه وعيناها لاتزالان تحملان صورة (أدهم) فأغمضتهما لحظة ثم فتحتهما لتجد (آدم) يقف أمامها ويبدو عليه القلق، سألها :
– مالك يا جمانة؟ سرحانة في ايه أوي كده ؟ في حاجة حصلت؟
أومأت برأسها في صمت فعاد يسأل في قلق :
– خير ؟ حصل ايه ؟
أشارت للباب وقالت :
– باشمهندس أدهم.
تطلع إلى حيث تشير فلم يجد أحدا فعاد يلتفت إليها متسائلا :
– ماله ؟ كان هنا ؟
أومأت برأسها إيجابا فسأل :
– ومادخلش ليه ؟
أجابت :
– كان جاي عشاني.
شعر بالدهشة وعاد يسأل :
– عشانك ؟ كان عاوز ايه ؟
نظرت إليه في خجل ثم خفضت عينيها أرضا وهي تجيب في خفوت :
– عرض علي الجواز!
ارتفع حاجبا (آدم) بشدة وهو يشعر بدهشة لا حد لها ثم هتف ضاحكا :
– بجد ؟ يا ابن الإيه يامجنون .
تطلعت إليه في دهشة وهو يستطرد :
– طيب وإنت رأيك ايه ؟
هزت كتفيها في حيرة وردت :
– مش عارفة!
سألها :
– مش عارفة ليه ؟ إنت شايفة إن أدهم كويس ويصلح زوج ليكي ولا لا ؟
أجابت بعفوية :
– المشكلة مش في كده، المشكلة هل هيقدر يحل المشكلة فعلا ويقف لأهل حسام، ولو قدر هو بيعمل كده ليه ؟
سأل في استغراب :
– هو ماقالكيش هو عرض عليكي الجواز ليه ؟
هزت رأسها نافية وهي تجيب :
– لا، سألته قالي مش عارف وحاجة مجنونة بتخليه يعمل كده، مافهمتش.
ابتسم في حنان ولم يعلق في حين انتبهت هي لأمر كانت قد نسيته فسألته بسرعة :
– دكتور آدم هو حضرتك حكيت له على مشكلتي ليه ؟
صمت قليلا ثم أجاب وهو ينتقي كلماته بعناية :
– مادام هو ما شرحش ليه عرض عليكي الجواز ماأقدرش أقولك ليه قلت له على مشكلتك، خليه هو يقولك بنفسه لو ربنا أراد واتجوزتوا.
شعرت بالدهشة فقالت بإلحاح :
– دكتور آدم من فضلك قول لي، مخي تعبان من التفكير أصلا وكده الضغط بيزيد عليه.
ضحك وهو يرد معاندا :
– لا ، مش من حقي.
ثم اتجه عائدا لمكتبه في بطء وكأنما يريد إثارة غيظها أكثر ، وعندما وصل لبابه التفت إليها قائلا :
– يلا نسينا نقطة مهمة في الملف لازم نخلصها النهاردة، بس عاوزك تصحصحي معايا.
تطلعت إليه والدهشة تغمرها والحنق يتمكن منها، كادت تضرب بقدميها في الأرض كطفلة عنيدة، ثم تذكرت أين هي فقامت متجهة لمكتبه باستسلام.
********
كانت (جمانة) وهي عائدة لمنزلها تشعر كأنها تحلق بين السحب القطنية، تنساب من أعلى كقطرة ندى في الفجر تنحني لها الزهور، لم تعلم لما تجتاحها تلك المشاعر كالمراهقات لكنها كانت سعيدة وهذا يكفيها، شاعرة بنوع من الأمان وهذا يسعدها أكثر، دلفت للمنزل بهدوء وملامحها تحمل شرودا واضحا، وجدت شقيقتها وأمها وطفلتها جالسات في غرفة المعيشة في انتظارها لتناول الغذاء سويا، ألقت السلام ثم جلست ملقية بجسدها على إحدى الأرائك وأسندت رأسها للخلف مغمضة عينيها في سلام، تبادلت الأم والأخت نظرة تساؤل في حين اقتربت منها (ملك) وجلست فوق ساقيها ونادتها :
– ماما ؟
فتحت عينيها ومالت تتطلع للصغيرة بحب وسألتها :
– أيوة ياحبيبة ماما !
رمت (ملك) بنفسها في حضن أمها ولم تتكلم عندما سألتها شقيقتها :
– مالك يابنتي شكلك غريب كده ليه ؟
ردت في هدوء :
– مفيش جالي عريس.
اندهشت المرأتان بشدة وأمها تهتف :
– عريس ؟ بجد ياجمانة ؟ دكتور حسام كلمك ؟
هزت رأسها نفيا وقالت :
– لا يا ماما مش دكتور حسام.
سألتها شقيقتها بانعدام صبر :
– أمال مين يابنتي ما تتكلمي .
أجابت بخفوت :
– مديري في الشركة.
هتفت (لمياء) :
– دكتور آدم ؟
نفت مرة أخرى وهي تجيب :
– لا أخوه.
ابتسمت الأم وهي تتذكره وسألت :
– مش ده اللي كان بيزور ملك بعد الحادثة ؟
هزت رأسها موافقة وقالت :
– أيوة يا ماما هو.
سألتها (لمياء) :
– وعرض عليكي الجواز إزاي فجأة كده ؟
هزت كتفيها بعدم فهم وهي تجيب :
– مش عارفة، كنت في مكتبي لقيته فجأة واقف قدامي بيقولي تتجوزيني.
اندهشت (لمياء) بشدة في حين ابتسمت الأم بحنان، ثم قالت شقيقتها :
– فجأة كده ؟ ده مجنون ولا ايه ؟
ضحكت (جمانة) وهي ترد :
– تقريبا.
(لمياء) باهتمام :
– طيب و قلتي له ايه ؟
(جمانة) :
– ولا حاجة، ماعرفتش أرد.
(لمياء) :
– وهو سكت ؟
(جمانة) بابتسامة :
– لا قال لي منتظر موافقتك ولو ما وافقتيش هاتجوزك غصب عنك.
رفعت (لمياء) حاجبيها ثم ضحكت بشدة صاحبتها ابتسامة الأم وقالت :
-لا ده مجنون رسمي، طيب عرف بموضوعك ؟
أجابت :
– أيوة بيقولي دكتور آدم قال له.
مطت (لمياء) شفتيها في استغراب وتساءلت :
– طيب وقال له ليه؟
هزت كتفيها مجددا وأجابت :
– مش عارفة بيقولي شاف حاجة أنا ماكنتش شايفها.
ابتسمت (لمياء) في فهم وتبادلت نظرة حنان مع الأم و(جمانة) تتطلع إليهما بنوع من الغباء ثم سألتها :
– بتبتسموا ليه ؟
قالت (لمياء) بلهجة عابثة :
– أبدا أصلك كالعادة هبلة وهو باين عليه متيم.
حدقت فيها بدهشة، ثم ضحكت من أعماق قلبها و ردت بسخرية :
– متيم مين يابنتي ! ده مرعب مخيف دراكيولا إنما حب وكلام رومانسي وفاضي من ده مالوش فيه.
(لمياء) بذكاء :
– طيب ماسألتيهوش عاوز يتجوزك ليه ؟
ردت :
– سألته طبعا قال لي حاجة مجنونة خلته يعمل كده .
قالت بحنكة وهي تضحك :
– مش بأقولك متيم ومجنون كمان، مزيج هايل مبروك عليكي يابنتي .
ضحكت هي الأخرى ثم قالت :
– مش معقول يا لميا، أكيد هو بس حابب يساعدني.
هزت (لمياء) كتفيها ثم سألتها :
– طيب ورأيك إيه ؟
أجابت في حيرة :
– مش عارفة.
هنا قالت الأم التي كانت تتابع حديثهما في صمت :
– الحقيقة أنا شايفاه مناسب، من ساعة ماشفته في المستشفى حسيت إنه شديد وكلمته واحدة، حاسة إنه هيقدر يقف قدامهم ويجيب لك حقك ياجمانة.
ردت (لمياء) :
– لو زي مابتقولوا كده مرعب وشديد يبقى قدامك حاجة واحدة تعمليها يا جوجو .
نظرت لها شقيقتها في تساؤل فأكلمت :
– صلي استخارة وسيبيها على الله، لو الموضوع اتيسر يبقى هو نصيبك.
أومأت (جمانة) برأسها مجيبة :
– معاكي حق، ربنا يعمل اللي فيه الخير.
قالتها ثم سرحت بخيالها بعيدا فيما قالته أختها، استعادت الكلمة “متيم” أهو حقا يحبها ؟ وإن كان يحبها لما وافق على الزواج الصوري بينهما، هل ينوي خلف وعده لها بعد ذلك ؟ أم أنه يحبها لدرجة الموافقة على أمر كهذا ؟ شعرت بالحيرة تجتاحها حتى أصابها الصداع وكاد رأسها ينفجر من التفكير.
********
في نفس اليوم عرض (أدهم) على والديه الأمر بدون انتظار لردها على طلبه، وأبلغهما أنه يرغب في الزواج منها، كانت الصدمة شديدة بالنسبة إليهما، سكت والده ولم يجد ما يمكنه التعليق به أما أمه فقد صرخت في وجهه :
– إنت بتقول ايه يا أدهم ؟ إنت أكيد اتجننت.
كان صامدا في وجه صراخها فرد بهدوء :
– اتجننت ليه يا أمي مش ده اللي نفسك فيه من زمان، أتجوز؟
ظلت تصرخ :
– تتجوز مين يا أدهم؟ واحدة أرملة ؟ لا هي من مستواك ولا من بيئتك ولا تصلح لك بالمرة.
قال في حدة :
– ليه ماتصحلش يا أمي ؟ هي كل حاجة فلوس وخلاص وعلى فكرة بقى هي غنية، غنية بحاجات كتير مش عند اللي كنت عاوزة تجوزيهم لي لمجرد الفلل والقصور والسفريات لأوروبا وأمريكا، مش ده اللي هاعيش فيه مبسوط.
ردت بعصبية شديدة :
– أمال هتبقى مبسوط مع الأرملة وبنتها ؟ هتتجوز عشان تربي بنت غيرك ؟ هي دي الفرحة اللي كنت مستنياها ليك يا أدهم ؟ تكسر قلبي وتقولي أتجوز دي ؟ عملت لك ايه ؟ فيها إيه زيادة عن أي واحدة تانية، عن دينا بنت العيلة المحترمة الغنية الجميلة اللي هتكون إنت أول راجل في حياتها وولادها منك بس ؟
ابتسم في سخرية وقال :
– ع الأقل يا أمي لما تحبي تعملي مقارنة بين جمانة وواحدة تانية بلاش دينا بالذات عشان المقارنة بينهم مش عادلة نهائي، بالنسبة لدينا.
صرخت مرة أخرى :
– انت بتستهبل يا أدهم، مهما كبرت هتفضل ما بتفهمش حاجة ومندفع، قولي فيها إيه زيادة ؟ قولي !رد عليَّ .
رد بحزم :
– فيها حاجات كتير زيادة يا فريدة هانم، فيها حب وحنان فيها جنون، فيها براءة طفلة، فيها التزامها ، فيها إني هاقدر أنزل من البيت وأنا مطمن وواثق فيها وفي أخلاقها ودينها، فيها واحدة حبيتها، فيها حاجة تخليني عاوز أحميها وفي نفس الوقت أكسر رقبتها، فيها حاجة بتخليني مجنون، مطلوب حاجة زيادة يا .. أمي ؟
تطلع إليه والده في صمت وذهول وهو كرجل يفهم ما قاله ابنه حرفا حرفا، في حين ضحكت هي بسخرية جعلته يتطلع إليها في غضب ثم قالت :
– كل ده فيها ؟ واحدة لوكال باباك شغلها في الشركة وعرفت توقعك في حبها يا باشمهندس يا كبير، بس والله حاجة زي دي مش ممكن تحصل أبدا وأنا موجودة.
رد بعناد :
– هتحصل يا أمي، هتحصل لأني عاوزها ومستحيل أتجوز واحدة على ذوقك او مزاجك، مراتي هتكون من اختياري أنا ولأسباب مستحيل تكون في حساباتك أنت.
استمرت في الصراخ :
– ماله ذوقي يا أدهم ؟ مش عاجبك في إيه ؟ مالها دينا اللي بتحبك من زمان ولسه عاوزاك على الرغم من طريقتك الزبالة في معاملتها ؟
ابتسم في سخرية ولم يدر بنفسه إلا وهو يخرج الصورة المزيفة له مع (دينا) من جيبه ثم يلقي بها عند قدمي والدته لتنظر إليها في دهشة وهو يقول :
– هي دي اللي عاوزاني اتجوزها ؟ هي دي الأخلاق اللي ترضيكي يا أمي وهتبقي مطمنة على ابنك معاها ؟
تطلعت للصورة في ذهول أما والده فقد مال يلتقطها متطلعا إليها فيما يشبه الصدمة، وظل ينقل بصره بينها وبين ابنه عندما سألته أمه في غضب :
– ايه دي ؟ وهي ذنبها ايه وهي بتحبك وما صدقت تكون قريب منها فسابتك تحضنها ؟ الغلطة في الصورة مش منها ، منك إنت يا باشمهندس.
أطلق (أدهم) ضحكة ساخرة عالية ثم هتف بسخرية أكبر :
– ايه يا أمي إنت مصدقة فعلا الكلام اللي بتقوليه ؟ ليه مش عارفة ابنك ولا عاوزة تلبسي لي الموضوع وخلاص ؟ ولا يمكن ماكنتيش في الحفلة دي وعارفة هي كانت بترقص مع مين فعلا بالشكل الزبالة ده ؟ يعني واحدة لابسة حاجة كده مكانها أوضة النوم وماشية بيها قدام الناس عادي ورايحة ترقص مع واحد صاحبها وسايباه يعمل في جسمها اللي هو عاوزه وزيادة عن الصورة دي حاجات ما شفتهاش وجاية تقولي لي أنا اللي معاها، ليه ماشفتيهاش بنفسك يومها ؟ دي أقذر مخلوقة قابلتها في حياتي ولو هي آخر واحدة في الدنيا مستحيل أفكر فيها أصلا.
تنهد في غضب مكتوم ثم أكمل :
– هي دي اللي بتقولي لي أحسن ؟ وعشان ايه ؟ فلوس ولا صداقتك مع مامتها ؟ الصورة دي هي عملتها وعملت غيرها كذا واحدة وباسم الحب .. ها ، حب إيه مش فاهم.
سألته بحذر :
– وإيه وصل الصورة دي ليك ؟ وعملت معاها إيه ؟
رفع حاجبه بسخرية وهو يتساءل بداخله عن كنه الأم التي تهتم بفتاة لا خلاق لها عوضا عن الاهتمام بابنها وبمن اختارها لنفسه، رد بعد صمت :
– الصورة وصلت لي غلط في ملف شركة باشتغل عليه واللي وصلها للملف الهانم لما راحت تعرض الصور على سكرتيرتي ووقعت منها واحدة هناك بالغلط، ربنا أراد إن كذبها ينكشف، وهاكون عملت ايه يعني، طردتها من الشركة طبعا وكويس أوي إن مابعتش الصورة لباباها وده بس احتراما له وخوف على مشاعره مش عشانها.
صرخت مرة أخرى :
– إيه طردتها ؟ إنت أكيد اتجننت ؟ هو أي حد بيغلط عندك بتطرده ؟ ليها ماعاقبتهاش ونهيت الموضوع بهدوء ؟
قال في غضب :
– وهي دي غلطة عادية، في إيه يا أمي ؟ هو أنا ابنك ولا هي ؟ هي سمعتي والطعن في أخلاقي ما تهمكيش ؟
توترت لثوان لكنها عادت تصيح بغضب :
– كل ده عشان الست اللوكال اللي عاوز تتجوزها ؟
قال في حزم غاضب :
– اللي بتتكلمي عليها هتكون مراتي إن شاء الله ومراتي مش مسموح لأي حد أيا كان يغلط فيها.
هتفت بدهشة :
– هي دي آخرتها يا أدهم ؟ تعلي صوتك على مامتك وتهددها عشان خاطرها ؟
تنهد في استياء ثم قال :
– إنت اللي استفزيتيني يا أمي.
التفتت صارخة في وجه زوجها :
– وأنت ساكت ليه يا جلال، إنت موافق ابنك على الجنون ده ؟ هيخلي سمعتنا في الأرض بواحدة مانعرفش عنها حاجة وكانت متجوزة ومخلفة، طمعانة في فلوسه وخلاص.
اجتاح (أدهم) غضب شديد وقبل أن يرد قال والده :
– عاوزاني أقول ايه يافريدة ؟ أنا مصدوم، مصدوم في ابني وطريقة تفكيره واندفاعه، مصدوم في اللي كنت فاكره عاقل وفاهم ورافض دينا لسبب وجيه ألاقيه عشان واحدة بتشتغل عنده وأرملة ومخلفة كمان، أقول إيه يافريدة ؟ مفيش حاجة عارف أقولها.
ثم التفت لابنه مستطردا :
– هي دي آخرتها يا أدهم ؟ يا عاقل يا مدير الشركة، عاوز تتجوز حتة موظفة عندك سبق لها الجواز وعندها طفلة هتربيها إنت، هيبقى إحساسك إيه وإنت مش أول واحد في حياتها ؟ وإنت بتدلع بنت مش منك ؟ لما يجيلك أولاد منها هتعامل بنتها برده زيهم ولا ميزانك هيميل، فكر كويس يا أدهم قبل ماتظلمها وتظلم نفسك، فكر كويس قبل ما تتحدى أهلك عشانها، مش هأقولك عشان دينا لأنها ماتستاهلش واحد زيك ولا إنت تستاهل واحدة بالأخلاق دي، لكن عشان نفسك وأهلك وعشانها هي كمان لو بتحبها.
هتفت (فريدة) في حنق :
– ومالها دينا يا جلال إنت كمان ؟ البنت بتحبه وطايشة شوية فيها إيه لو هو علمها وقربها منها ورباها على طباعه ؟
ابتسم (أدهم) في سخرية شديدة ولم يعلق في حين قال والده :
– مش دي اللي أتمناها لابني يافريدة مهما كانت غنية ومهما كانت شراكتنا هتفيدني.
ثم التفت لابنه قائلا في هدوء مفتعل :
– اطلع اوضتك يا أدهم وفكر مليون مرة قبل ما تاخد قرار تندم عليه، قرار يخسرك أهلك ومكانتك في المجتمع.
شعر (أدهم) بالحنق الشديد، فهاهم يضعون أنفسهم في كفة مقابلة لكفتها ولو ترك الميزان لرجحت هي لكنه لا يستطيع، ومرة أخرى يُعَوِّل والده على أمور مادية ومظاهر لا تسمن ولا تغني من جوع، ماكان منه بعدها إلا أن قال :
– أنا فعلا هافكر يا بابا وقبلها هأستخير ربنا لأنه هو بس اللي عارف الخير لي فين ومع مين، أنا خارج عشان حاسس إني مخنوق هنا، بعد إذنكم.
أنهى كلامه واستدار متجها لمدخل الفيلا عندما لمح شقيقته تقف أعلى السلم تتطلع إليه بحزن، أدار وجهه و اتجه ليخرج من الباب ثم أغلقه خلفه بعنف، كان غضبه يشعل في صدره نارا لا يستطيع السيطرة عليها، نارا لو تركها لأتت على الأخضر واليابس ولو استسلم لأفكاره السوداء لترك هذا المنزل بلا رجعة .
الفصل السابع عشر
*************
بعد خروج (أدهم) من الفيلا نزلت (سارة) لوالديها بينما كانت والدته ترمي بجسدها على أحد المقاعد وتهتف متباكية :
– شفت يا جلال ؟ آدي آخرة دلعك فيه وتربيتك اللي بتقولي خليه يعتمد على نفسه وهو حر في قراراته، كان زمانه دلوقتي متجوز ومخلف من زمان، وآدي آخرة خدمات صحابك حطتنا في مصيبة والبنت ضحكت على ابنك وخلته يحبها ويقف قصادنا اللي عمره ماعملها، آه أعمل ايه ؟
كانت (سارة) قد وصلت إليهما فقالت بتردد :
– مادام بيحبها يا بابا ليه لا ؟ أدهم عمره ما حب ولا كان له علاقات زي الشباب غيره ودايما كان واقف جنبك وجنبنا كلنا وهو اللي بنعتمد عليه، ليه لما جه يختار حاجة في حياته وقفنا كلنا قصاده وبنقوله في دي كمان لا، لازم تختار اللي احنا عاوزينه إنت مش من حقك تحب وتختار تعيش مع اللي بتحبها.
صرخت فيها والدتها :
– بنت اخرسي، انت اتجننتي انت كمان.
أما والدها فقد صمت مفكرا في كلمات ابنته وهو يتطلع إليها وكأنما انتبه لأول مرة أنها كبرت ونضجت، (سارة) ذات العشرون ربيعا لم تعد طفلة بل أصبحت أنثى تناقشهم وتتكلم في الحب ولغة القلوب معهم، وهاهي تدافع عن شقيقها، لم يرد أن يخسر تأييدها لموقفهم فرد بهدوء مشيرا لزوجته بالصمت :
– يا سارة احنا ماقلناش مش من حقه يختار، كل واحد من حقه يختار اللي يكمل حياته معاها لكن يابنتي لما نلاقي اختياره غلط يبقى نتكلم لو سكتنا يبقى بنقصر في حقه، لازم ننصحه ونوضح له اللي هو بسبب الحب مش شايف إنه غلط.
شجعتها كلمات والدها على محاورته فعادت تقول :
– أيوة يا بابا بس أدهم مش صغير، كلامه عنها بيدل هي قد ايه حد كويس وقد ايه هو حاسس إنه هيرتاح معاها، مش معقول هتكون قدرت تضحك عليه ودينا بقى لها سنين بتحاول تقربه منها ومش قادرة، أدهم أكتر حد باحس انه فاهم وقد المسئولية مش طفل صغير اتعلق بأي حاجة وعاوزها وخلاص، ليه مانسيبوش يخوض التجربة ولو نجحت يبقى ما خسرناهوش وفضل معانا وعاش مع اللي قلبه اختارها ولو فشلت يبقى اتعلم درس وبرده مش هنخسره وهيرجع لنا من تاني.
كادت والدتها تصيح في وجهها مرة أخرى بغضب لولا أن أشار لها (جلال) وقال :
– استني يافريدة.
ثم صمت، كان يفكر في كلام ابنته، لقد كبرت بالفعل، كبرت وتناقشه بل وتحاول إقناعه وتفند براهينه وأدلته، سُعِد بها للغاية لكن أقلقه أنها تساند شقيقها وفقط، ربما لديها وجهة نظر تستحق التوقف عندها، لكن تبقى فوارق كثيرة تمنع هذه الزيجة، قاطع تفكيره صوت زوجته تهتف في عصبية :
– بتفكر في ايه يا جلال ؟ عاوز توافق إنت كمان ؟ هي دي اللي ابنك صبر السنين دي كلها عشان يتجوزها ؟
ثم قامت من كرسيها بعنف وأكملت :
– انا طالعة فوق أستريح، ماعدتش قادرة استحمل خلاص.
ثم تركتهم صاعدة لغرفتها، استمر هو صامتا يفكر في كلام طفلته التي مر العمر وهو لم يشعر بها تكبر أمام ناظريه.
وفي الأعلى دلفت (فريدة) إلى غرفتها ثم أمسكت هاتفها واتصلت بأحد الأرقام وأثناء الرنين كانت تحدث نفسها بعصبية :
– بقى كده يا أدهم، بتتحداني ورايح جايب لنا واحدة من الشارع تتجوزها والمصيبة إنها أرملة وعندها بنت، طيب يا أدهم إن ما ….
قطع حديثها الغاضب صوت يرد على الهاتف :
– ألو، أيوة يافريدة، عاوزة ايه تاني بعد اللي ابنك عمله مع دينا ؟
هتفت في عصبية :
– ناريمان أنا مااعرفش حاجة عن الموضوع ده إلا دلوقتي المشكلة مش في كده المشكلة إن أدهم عاوز يتجوز واحدة أرملة بتشتغل عنده في الشركة ومصمم على كده وأنا وجلال مش قادرين نقنعه، لازم نتصرف ونعمل أي حاجة تمنع الجوازة دي.
سمعت شهقة صديقتها ثم قالت :
– ابنك اتجنن يا فيري، يعني كلام دينا صح واللي عملته كان معاها حق فيه.
تساءلت (فريدة) في دهشة :
– كلام ايه ودينا عملت ايه ؟
حكت لها (ناريمان) ما قصته عليها ابنتها سابقا وعن الخطة التي اتبعتها لتوقع بينهما حتى أدت لوقوع الصورة في يد (أدهم) وطرده لابنتها من الشركة، قالت (فريدة) وهي مندهشة مما تسمع :
– يعني فعلا في حاجة بينهم مش بس بيحبها ؟
أكدت (ناريمان) :
– دينا متأكدة من كده.
صمتت (فريدة)، لا يمكن، (أدهم) ليس أبدا من ذلك النوع ولو كان على علاقة بها فلما يكلف نفسه عناء الزواج منها إذن؟ هل (دينا) تكذب ؟ لكن لماذا ؟ كاد عقلها ينفجر من التفكير والحيرة، سمعت صوت صديقتها يقول :
– الكلام في التليفون مش هينفع يا فيري، تعالي نقعد نتكلم أنا وإنت ودينا ونشوف هنعمل ايه في الكارثة دي.
أجابتها بالموافقة واتفقتا على اللقاء في اليوم التالي ليرين ما ستفعلن في أمر هذه الزيجة وتبحثن عن طريقة لمنعها.
********
خرج (أدهم) من الفيلا غاضبا حانقا والأهم حزينا، كان يشعر بحزن عميق لرد فعل والديه، هاهي والدته ترفض بعنف وتصرخ في وجهه ووالده يتخاذل في نصرته أمامها كما فعل مع أخيه من قبل، أخيه الذي يعلم تماما أنه يسانده ويقف إلى جانبه دوما، أخيه الذي هاجر وترك بلده وأهله بسبب والدته هو، لم يدر إلا وهو يزفر في حنق شديد ويلتقط هاتفه ليطلب رقمه، استمع للرنين على الجانب الآخر لثوان ثم فتح الخط ليسمع صوت أخيه يقول في مرح :
– أدهم المجنون، فينك يابني، ايه المصيبة اللي عملتها النهاردة دي ؟
تنهد (أدهم) وقال في ضيق :
– مش فايق للهزار يا آدم إنت فين ؟
شعر (آدم) بلهيب تنهيدته ومدى الضيق المحتشد فيها فسأله في قلق :
– مالك يا أدهم خير ؟
رد (أدهم) في عصبية :
– يابني رد علي إنت فين عاوز أشوفك.
قال بسرعة :
– أنا في البيت تعالى.
أجاب (أدهم) بزفرة أخرى :
– لا عاوز أقعد في مكان مفتوح انزل قابلني.
شعر (آدم) بالحيرة وهو يقول :
– مش هينفع يا أدهم يوسف لوحده، طيب تعالى ونقعد في البلكونة نتكلم.
زفر (أدهم) في ضيق مرة أخرى ثم قال في استسلام :
– طيب أنا جاي.
جلس (آدم) منتظرا أخيه في قلق شديد، لم يسمع صوته بهذا الشكل من قبل، كان كم الضيق فيه ونبرة الحزن التي تخالطه كبيرا جدا، رن جرس منزله فقام لفتح الباب بسرعة ليجد (أدهم) يقف مستندا للجدار المجاور للباب ويبدو عليه الإرهاق والغضب واليأس فمد يده يجذبه للداخل هاتفا :
– تعالى يا أدهم، مالك ايه اللي حصل وشكلك عامل كده ليه ؟
دخل (أدهم) مع أخيه ليرمي جسده في تهالك على أقرب مقعد وجده في طريقه ويتنهد بعمق ثم أسند رأسه لمسند المقعد وأسبل عينيه، جلس (آدم) على مقعد مجاور وربت على كفه متسائلا في حنان :
– حصل إيه يا أدهم طمني، مالك ؟
فتح عينيه وغمغم في حزن :
– مش موافقين يا آدم.
لم يفهم أخاه في البداية لكن فجأة علم ما يتحدث عنه (أدهم) فقال :
– انت قلت لهم ؟ طيب مش كنت تستنى رأيها ؟
زفر في حنق وقال في عصبية :
– يابني باقولك مش موافقين، يعني رأيها لحد دلوقتي مش فارق معاهم المهم اللي هما عاوزينه وبس.
سأله بتردد محاولا عدم إغضابه :
– طيب افرض هي ماوافقتش ؟ يبقى انك تفاتحهم في الموضوع مالوش لازمة، كنت استنى رأيها بدل ما تعمل مشكلة.
نظر إليه في استياء وقال :
– خلاص اللي حصل حصل يا آدم، مش ناقص بقى.
تنهد (آدم) وسأل :
– قالوا لك ايه ؟
قص عليه (أدهم) تفاصيل الموقف وأنهى كلامه قائلا :
– كل اللي هاممهم الفلوس والمركز الاجتماعي وصحابنا يقولوا ايه، وأمي كل اللي في بالها إني اتجوز دينا بنت صاحبتها وخلاص بغض النظر عن إنها تناسبني او لا، بحبها ولا لا.
شعر (آدم) بالضيق من أجل أخيه، هاهو موقف آخر يتكرر يخذل فيه الأب ابنه أمام زوجته، وهذه المرة كان الابن ابنها أيضا، لكنها تريد فقط السيطرة وتملك ما تستطيع من الدنيا حتى وإن كان على حساب ابنها، في النهاية سأله :
– إنت بتحبها يا أدهم ؟
تطلع إليه في دهشة، أهذا هو الوقت المناسب لمثل هذا السؤال ؟ كرر (آدم) :
– رد علي بتحبها ؟
– مش عارف اللي حاسس بيه أسميه إيه يا آدم ! أقولك إني أول ما شفتها حسيت بحاجة غريبة كأني لأول مرة بأشوف واحدة ست ؟ أقولك إني اتخانقت معاها أول مااشتغلت ومن ساعتها وأنا نفسي أقولها آسف في وشها بس مش قادر، إني لما بأكون في نفس المكان اللي هي فيه بأرتبك واتلخبط وفي نفس الوقت باحس إني مجنون وعنيف وقاسي وعصبي زي اللي عنده شيزوفرينيا، إني بحب استفزها واشوفها متعصبة ووشها أحمر من الغضب أو الخجل، إن نفسي تكون لي وأخبيها جوايا وماحدش يلمسها أو يشوفها أو حتى يفكر فيها، مش عارف أقول إيه، مااعتقدش إن ده حب، دي حالة غريبة بقت بتجيلي بسببها ومش عارف أتخلص منها.
ابتسم (آدم) في حنان شديد وقال :
– إنت تخطيت مرحلة الحب بكتير، يعني إنت عرضت عليها الجواز للأسباب دي كلها مش مسألة بس إنها محتاجة حد يحل لها مشكلتها ؟
أومأ برأسه إيجابا في صمت ثم قال بصوت متحشرج مخنوق :
– مشكلتها كانت بس الدافع اللي خلاني أفتح عيني على مشاعري وأجبرني أعترف بيها، مجرد تفكيري إنها ممكن تقتنع بالحل اللي انت اقترحته عليها وتفكر فيه وتقبله وإن ممكن حد تاني أنا عارف إنه في ثواني ممكن ياخدها مني خلتني زي المسعور اللي ممكن يرتكب جريمة عشان تفضل ليا أنا وبس، كان لازم أعترف قدام نفسي وكان لازم أحبسها وأسلسلها حتى لو غصب عنها، هتكون ليا يعني هتكون ليا، كابرت كتير واستغربت أحيانا الضيق والغيرة اللي كنت باحس بيهم لكن وقت الجد جه وما ينفعش أكابر أكتر من كده، كنت زي المجنون ماحسيتش بنفسي غير وأنا واقف قدامها وهي قاعدة على كرسي مكتبها وكمية إرهاق غير عادية على ملامحها، حسيت بيه إرهاق جواها في قلبها وعقلها أكتر منه جسدي، كان نفسي أحضنها وأحاول أمحي الحزن اللي عايش جواها وأرسم بسمة على شفايفها، كل اللي طلع مني لما لاقيتها بتبص لي بخوف وقلق وتنزل عينيها في الأرض من نظرتي ليها هو كلمة واحدة، طلبت منها الجواز، لما سألتني ليه …
صمت ثانية ثم ابتسم في حنان وهو يكمل :
– ماقدرتش أقاوم إني أستفزها تاني وأقولها مش عارف، يمكن غلاسة يمكن شوية كبرياء إني برده مش عاوز أعترف لها، بس قلت لها إني هاتجوزها حتى لو ماوافقتش، أعمل ايه يا آدم ؟ الوحيدة اللي قلبي اختارها وقفل على نفسه عشانها طول السنين دي مش قادر يوصلها وكأن الدنيا كلها واقفة قصاده.
سأله (آدم) :
– تحب أتكلم مع بابا ؟
رفع (أدهم) عينيه إليه في أمل وهتف :
– بجد يا آدم هتكلمه ؟
هز كتفيه وقال بابتسامة :
– هاحاول يمكن كلامي يفرق معاه.
ابتسم (أدهم) و رد في حماس :
– أكيد هيفرق، بابا بيحبك جدا وبعد الغياب اللي غبته بيتمنى منك تطلب منه أي حاجة.
طمأنه (آدم) :
– خلاص هاحاول، تفتكر أقابله فين ؟
تراجع (أدهم) وفتر حماسه فجأة وهو يجيب :
– بابا اليومين دول مش بيخرج من البيت زي ماانت عارف، كان تعبان شوية ومش بيقدر يخرج.
فكر (آدم) لدقيقة أو يزيد واحترم (أدهم) صمته، كان يأمل أن يذهب إليه ولو لدقائق من أجل خاطره، رفع (آدم) رأسه وقال بحزم :
– خلاص يا أدهم بلغه إني هازوره بكرة وربنا يحلها من عنده.
شعر (أدهم) بالسعادة، هاهو الأقرب إليه يثبت دوما أن يستحق تلك المكانة في القرب منه، ابتسم ابتسامة واسعة وقال :
– ربنا يخليك ليا يا آدوم، مش عارف من غيرك كنت عملت ايه، إنت رجعت في الوقت المناسب .
ربت أخوه على كتفه وابتسم مشجعا وهو يقول :
– على ايه يا أدهم دعواتك بس نوصل لحاجة لأن بابا لو وافق طنط فريدة مش هتقدر تعارض.
أومأ (أدهم) برأسه موافقا ثم قام متسائلا :
– فين يوسف ؟ نايم ؟
أجاب أخوه :
– أيوة عنده مدرسة الصبح.
(أدهم) :
– طيب تمام، أنا كنت ناوي أنام عندك النهاردة بس مادام هتيجي بكرة خليني أروح أمهد لبابا .
(آدم) موافقا :
– ماشي يا أدهم.
تبادلا السلام ثم انطلق (أدهم) عائدا لمنزله في حين بقي (آدم) يفكر في طريقة لإقناع والده أن يترك لأخيه حرية اختيار من يريدها ولا يمنعه حتى لا يفقده هو الآخر .
********
في اليوم التالي كان اللقاء العاصف بين (دينا) ووالدتها وبين (فريدة)، كانت (دينا) تشعر بحقد لا مثيل له وتغلي من الغضب لا يماثله سوى الغضب المتجمع في سماء (فريدة)، قالت (دينا) بعصبية شديدة :
– يعني إحساسي كان في محله ! أنا مش فاهمة أدهم بيفكر إزاي وايه اللوكال دي اللي فضلها عليه، مش جميلة مش شيك يوزد Used وعندها بنت كمان، إزاي يسيبني انا ويروح لدي ؟
حاولت والدتها تهدئتها :
– ماتقلقيش يا دينا، جوازة زي دي مستحيل تتم، مفيش توافق أبدا، واحنا هنتصرف بس عاوزين خطة مظبوطة مش يعرف زي المرة اللي فاتت.
قالت (فريدة) بحنق :
– طبعا مستحيل، دي ايه دي اللي اسمح لها تتجوز ابني وتاخد فلوسنا كلها، لا نعرف لها أصل ولا فصل ولا مركز اجتماعي ولا عندها أي حاجة.
تأملتها (ناريمان) ثم تساءلت في بطء :
– طيب وهنتصرف إزاي يافيري ؟
تطلعت إليها المرأتان في تساؤل صاحبه بعض القلق والخوف لدى (فريدة)، هل هذه من تريد إجبار ابنها على زواجها ؟ هل بالفعل ستصونه وتحفظ غيبته ؟ أما (دينا) فأكلمت :
– أنا هاشرح لكم الفكرة اللي جت لي لما شفت اللي اسمه هشام ده اللي كان بيشتغل في الصيدلية بتاعة جوزها اللي مات، أنا لي عيون في الشركة مش معنى إني خرجت منها إني خلاص مش هاقدر اعرف ايه اللي بيحصل هناك، وكله بتمنه طبعا.
صمتت لترى تأثير كلماتها على والدتها ووالدته فوجدت منهما الإنصات والتساؤل والفضول فانطلقت تحكي لهما خطتها، والتي كانت خطة شيطانية آثمة لا تنبع إلا من عقل لا يعرف للفضيلة طريقا.
********
في فيلا (الحسيني) احتضن (جلال) ابنه الأكبر في شوق وسعادة جمة قائلا :
– آدم مش مصدق إنك جيت هنا، ماشفتكش بقى لي اكتر من أسبوعين وحشتني يابني، وفين يوسف ؟
رد (آدم) بحنان :
– إنت أكتر يا بابا، يوسف في مدرسته دلوقتي، أنا جاي لك بخصوص موضوع سريع مش محتاج إني أجيبه معايا ولما رجلك تتحسن تبقى تيجي وتقضي معانا يوم كده في أي مكان بإذن الله، طمني عليك وعلى صحتك عامل ايه ؟
أجاب الوالد :
– الحمد لله، أهو يوم كده ويوم كده، حتى الشركة زي ماانت شايف كنت باروح لها زيارة كل أسبوع دلوقتي مش بأقدر.
ابتسم (آدم) قائلا :
– ربنا يديك الصحة يا بابا.
ثم التفت لأخيه الصامت مداعبا :
– ايه يا أدهم مفيش حاجة عندكم تتشرب ولا ايه ؟
ابتسم (أدهم) وعلم أن أخاه يريد الانفراد بوالده فقام وهو يقول ممازحا :
– هاروح استكشف كده بس بيتهيألي مفيش.
قالها وخرج من غرفة المكتب الذي عمه الصمت لثوان بعد خروجه، قطعه بعد ذلك الوالد :
– إنت جاي عشان موضوع جواز أدهم مش كده يا آدم ؟ مفيش حاجة تخليك تتنازل وتيجي الفيلا هنا غير أخوك.
رد (آدم) بابتسامة لذكاء والده :
– معاك حق يا بابا وانا مش هاقول لا لأني عاوز أتكلم معاك في الموضوع بجد وهدوء من غير عصبية.
نظر إليه والده وصمت منتظرا منه بدء الحديث فاستطرد :
– بابا مش كل حاجة في حياتنا هنقيسها بالفلوس وده مركزه الاجتماعي ايه وعنده كم شركة وهيورثنا ونورثه والمهم حسابنا يزيد في البنك ونغير العربية كل شهرين ونتفسح في أوروبا، مش دي السعادة اللي ابنك أدهم بشخصيته محتاجها، أدهم دماغه كبيرة وعقله أكبر، أكبر بكتير من إنك تختزله في حاجة مادية أو شكل خارجي لواحدة شايفينها حلوة وغنية وتستاهله أكتر، أدهم محتاج واحدة يحبها، يحبها بجد ويعيش معاها الحب اللي كان محبوس جواه طول عمره لحد مالقاها، صعب تحرمه منها، صعب بعد ما وصل للسن ده تستغل حبه وتقديره لك وتجبره على حاجة مش عاوزها، صعب تقوله مستقبلك وحياتك وزوجتك وأولادك أنا هاختارهم كانه ملك يمين تتحكم فيه زي ماتحب.
كان الكلام يشق قلب والده بسهولة كما تشق سكين حادة قالبا من الزبد البارد، أكمل (آدم) بعد تنهيدة حارة :
– بلاش تخذل أدهم يا بابا، أنا مش عاوز أقولك إنك خذلتني وخليتني أبعد بس ده اللي حصل، أدهم لو حس بالخذلان مش بس هيبعد، لا هيبعد أوي أوي ومش هيرجع، أدهم فيه مني كتير بس شخصيته أصعب، شديد وفيه حتة قسوة هو بيسيطر عليها، الحتة الصغيرة دي لو طغت على مشاعره هتخليه إنسان مختلف تماما، بلاش تدوس عليها يا بابا عشان ماتخسروش، وللأبد.
لحظة صمت أخرى تابع بعدها :
– فكر بقلبك يا بابا، قلبك اللي مفروض همه الأول سعادة ولاده، خلي عقلك برا شوية، عقل التاجر ورجل الأعمال مش هينفع في موقف زي ده قلب وعقل الأب هو بس اللي من حقه يفكر هنا ويقول قراره، اديله حرية الاختيار وسيبه يتحمل نتيجة اختياره، لو صح تبقى ساندته ووقفت جنبه وهو كمان فضل جنبك ولو غلط هيرجع لك ويعتذر لك ويفضل جنبك، في الحالتين هتبقى ما كسرتش قلبه أو بعدته عنك.
تطلع إليه الوالد في دهشة، هاهو يكرر عبارة أخته، هل هو الوحيد الذي يرى أن الأمر ليس كما ينبغي ؟ وأن اختيار ابنه خاطئ ويجب أن يمنعه ؟ .
في هذه اللحظة عادت (فريدة) من الخارج لتفاجأ بوجود سيارة غريبة لا تعرفها أمام المنزل، خرجت من سيارتها ووقفت تتطلع إليها للحظة ثم اتجهت بخطوات سريعة للداخل، نادت أقرب العاملين في الفيلا إليها وسألته :
– هو احنا عندنا ضيوف ؟
هز الرجل المسن رأسه نافيا وأجاب :
– لا ياهانم ده آدم بيه ابن جلال بيه، معاه في المكتب.
شعرت بالصدمة، ما الذي أتى به إلى هنا ؟ ألم يقل يوما بأنه لن يعود مهما حدث، فكرت لدقيقة ثم استنتجت سبب وجوده، لابد أنه يحاول إقناع والده بزواج أخيه، إنه دوما يغار منه ويسعد كلما حدث له شيء يشعره بدونية أخيه، انطلقت كالصاروخ تجاه المكتب في أثناء عودة (أدهم) من المطبخ مبتسما وهو يحمل ثلاثة اكواب من العصير البارد والذي رآها تتجه في غضب للمكتب وتفتح بابه في عنف بدون استئذان، وضع الصينية من يده وتبدلت ملامحه للغيظ والغضب خاصة عندما بدأ صوتها يعلو هاتفة :
– بتعمل إيه هنا يا آدم ؟ مش مكفيك اللي عملته قبل كده جاي عاوز أخوك يتجوز واحدة من الشارع ؟
انتفض (آدم) واقفا في غضب تبعه والده هاتفا فيها بصرامة :
– فريدة، ايه الكلام ده ؟ ماتتكلميش مع ابني بالشكل ده.
صرخت في وجهه :
– إنت مش شايف يا جلال، جاي عاوزك تجوزه واحدة كانت متجوزة لا هي من مستوانا ولا بيئتنا طول عمره بيغير من أخوه عشان اتعلم أحسن منه وكان دايما أذكى منه و متربي في حضن مامته .
ارتسم الألم على وجه (آدم) في حين قال (أدهم) بقسوة بعدما وصل للغرفة :
– مامته مين ؟ الأم دي حاجة مش في قاموسك يا فريدة هانم، أخويا اللي كنت السبب في بعده عننا وعلى الرغم من كده اتنازل وجه بيتك تاني وبرده بتهينيه هو أكتر حد وقف جنبي وشجعني وعلمني ووصاني أقف جنب والدي، لولاه كان ممكن أكون واحد تاني مختلف 180 درجة بس إنت مش واخدة بالك.
صرخت مرة أخرى :
– اخرس إنت يا أدهم.
ثم التفتت مخاطبة (آدم) :
– شوف يا آدم لو عاجباكو البنت أوي روح اتجوزها انت اهو انتو الاتنين أرامل ومناسبين لبعض وكل واحد يربي ابن التاني ونخلص، إنما ابني مستحيل يتجوزها فاهم؟ مهما عملت عشان تقلل من قيمته أو تنتقم مني فيه مش هاسمحلك، مستحيل كفاية سرقتني قبل كده ودلوقتي جاي عاوز تضيع ابني مني.
هتف فيها (جلال) غاضبا :
– فريدة.
تطلعت إليه في قسوة واكتفى هو بالصمت، لم يجد كلاما يقوله ليداوي به جرح ابنه فكان صمته بمثابة ملحا على الجرح، لم يرد (آدم) اكتفى هو الآخر بالصمت ونظرة عتاب طويلة ألقاها على والده الساكن ثم التفت مغادرا المكان يتبعه (أدهم) هاتفا :
– آدم استنى، أنا جاي معاك.
وألقى نظرة غاضبة على والديه وهو يغادر الفيلا ويغلق بابها خلفه في عنف، ومن الطابق العلوي كانت عيني (سارة) المصدومتين تتابعان مايحدث في حزن .
************************************
الفصل الثامن عشر
*************
بعد خروج الرجلين من الفيلا انطلقت (فريدة) تصرخ وتصيح في زوجها بغضب وهو مكتفي بالصمت، تطلع إليها كثيرا وبدا أنه لا يسمع حرفا مما تقول، هاهو يخذل ابنه للمرة الثانية ويكمل مسلسل خذلانه بمحاولة حرمان ابنه الآخر من المرأة التي أحب، تركها تفرغ شحنات تكبرها وغرورها ووقف، نظرت إليه في دهشة لكنه اتجه نحوها ثم تخطاها خارجا من المكتب، وصعد لغرفته مغلقا بابها عليه بإحكام، كان يود تفريغ ذهنه من كل المنغصات والأحداث، أراد التفكير بصفاء في كثير من الأمور التي تحتاج لحسم، راجع حديث ابنه (آدم) هل يقسو بالفعل على (أدهم) وستكون نتيجة ذلك هي ابتعاده بلا عودة ؟ لمَ صمت بالأسفل عندما صرخت زوجته في وجه ابنه وآذته واتهمته بالغيرة والكره والسرقة للمرة الثانية ؟ لمَ يخذله دوما ويكسر شيئا بداخله في كل مرة، ابنه الذي سامحه في المرة السابقة لمجرد أن نظر في عينيه وهمس باسمه، يا إلهي لما يشعر بالضعف ؟ شعر بنبضات قلبه تتعالى وتكاد تخترق أذنيه لم يتمالك نفسه فاستند لأحد المقاعد بالغرفة ومنه للحائط متجها للباب وما إن فتحه حتى وجد (فريدة) خلفه تهم بطرقه رفع عينيه إليها في ألم بادلته هي بالقسوة ، ثم هوى فاقدا للوعي عند قدميها تصاحبه صرختها الملتاعة باسمه.
********
لحق (أدهم) بأخيه في سيارته واستقلها بجواره، جلس داخلها (آدم) صامتا يعتصر عجلة القيادة بكفيه، مشاعره كانت مزيجا من الألم والحزن والغضب مع شعور طاغ بالانكسار واليتم، ربت أخوه على يده برفق فالتفت ينظر إليه، كانت عينيه لوحة مجسدة لعذاباته التي قرأها (أدهم) في لحظة، حاول قول شيء فخرجت حروفه متحشرجة خافتة ليس بينها رباط، قاطع حشرجاته رنين هاتف (أدهم) بشكل مفاجئ جعله ينتفض هو وأخيه في عنف، التقط (أدهم) هاتفه ليرى رقم هاتف الفيلا الأرضي، رفع عينيه نحوها في قلق متسائلا عن السبب الذي يدعوهم للاتصال به من هذا الهاتف، فتح الخط ليجد صوت والدته صارخا :
– الحقني يا أدهم باباك وقع في الأرض ومغمى عليه.
كان صوتها عاليا وصل للجالس إلى جواره فالتقت أعينهما في نظرة جزعة فتح بعدها كلاهما الباب المجاور له وقفز خارج السيارة متجها نحو الفيلا، دخلا إليها وصعدا السلم قفزا حتى غرفة والدهما، رأت (فريدة) (آدم) يعدو بجوار ابنها فشعرت بالضيق لكنها صمتت، كانت خائفة على زوجها ربما كانت قاسية همها نفسها أولا لكنها تحب زوجها حتى وإن عاملته بخلاف ذلك، حمل الرجلان الأب ووضعاه في سريره ثم اتصل (آدم) بأحد أصدقائه الأطباء الذي جاء على الفور، طمأنهم الطبيب أن الأمر لا يعدو عن كونه نوعا من الضغط العصبي تعرض له مؤخرا فنظرت الأم لابنها في عتاب جعله يخفض عينيه أرضا في ألم، طلب منهم الطبيب أن يعتنوا به وبراحته وألا يبلغوه أية أخبار سيئة يمكن أن تضايقه، كتب له بعض الأدوية وانصرف، ومعه انصرف (آدم) بعد أن إطمأن على والده، بقي (أدهم) بجواره وهو يمسك كفه وينحني مقبلا جبهته قائلا في حزن وبصوت متألم :
– سامحني يا بابا، أرجوك ماتزعلش خليك معايا.
هتفت فيه أمه بعصبية :
– انت اتجننت يا أدهم ؟ إزاي تكلمني بالطريقة دي ؟
زفر في حنق و رد :
– تقريبا اتجننت، ماهو لما تبقى دي طريقتك في تربية ولادك ومعاملة ابن جوزك اللي هو أخوهم الكبير أبقى اتجنن، ارحميني يا أمي وارحمي بابا، من فضلك بابا محتاج يرتاح يلا نخرج ونسيبه بلاش نتعبه أكتر.
تطلعت إليه في غضب لكنها صمتت لخاطر زوجها المريض فاتجهت لباب الغرفة يتبعها (أدهم) والذي التفت كالصاروخ عندما سمع همسا باسمه، كان والده قد أفاق من إغماءته وناداه، حدق في والده في فرح واقترب منه وكذلك والدته التي هتفت :
– حمدالله على سلامتك يا جلال، كده ترعبني عليك ؟
تطلع إليها في صمت ثم قال بصوت خافت لا يكاد يسمع :
– سيبينا لوحدنا يا فريدة.
نظرت إليه في دهشة ثم قالت في عصبية :
– ليه – لا يا بابا، آدم كان معايا برا لما أمي اتصلت ورجع معايا فورا وهو اللي جاب الدكتور وفضل معانا لحد من 10 دقايق بس اضطر يمشي عشان يوسف.
ابتسم والده ابتسامة حنان خافتة ثم قال له :
– أدهم، هأسألك سؤال وترد علي بصراحة ووضوح اتفقنا ؟
أومأ (أدهم) برأسه وهو يرد :
– طبعا يا بابا !
صمت الرجل لحظة ثم سأل :
– إنت بتحب جمانة بجد ولا مجرد نزوة أو حاجة غريبة مش متعود تشوفها فشدتك ليها، حاجة جديدة عليك وعاوز تجربها زي وانت صغير لما صممت نجيب لك كمبيوتر عشان تفككه وتعرف هو عبارة عن ايه ؟
نظر إليه ابنه بجمود ثم قال بهدوء يحمل الكثير من الغضب الذي حاول كتمانه :
– إنت شايفني طفل يا بابا ؟ المهم إني لقيت لعبة جديدة وشبطت فيها وعاوزها ؟ هي دي فكرتك عني بعد السنين دي كلها ؟
رد والده بلهجة دفاعية :
– لا طبعا يا أدهم مش دي فكرتي والمسألة مالهاش علاقة بالسن قد حبك للتجديد والحاجات الغريبة اللي مش متعود عليها، يا أدهم لو ده فعلا اللي حاصل هنا يبقى بتظلم نفسك وتظلمها قبلك، الست مش بتستحمل إنها تكون مجرد تجربة في حياة الراجل، بتحب تكون هي حياته ، لو حست إنك اتجوزتها لمجرد الاختلاف بينكم هتتعذب معاك وتكسر قلبها لو هي فعلا بتحبك.
قال في نفسه ساخرا : هذا إن كانت تحبني؟ أنا بالنسبة لها مجرد وسيلة دفاعية تحتمي بها، لكنه علق ردا على كلام والده :
– يا بابا أنا قلت لك إني لقيت معاها مشاعر عمري ماكنت اتخيل إني اعيشها، مشاعر مجنونة بتتحول من الحاجة لنقيضها في ثواني، بأحس في وجودها إني طفل مشاغب، أبقى عاوز أقولها بحبك وفي نفس الوقت استفزها وأغيظها وأضحك من جوايا زي الأطفال، حاجات جميلة أوي عاوزين تحرموني منها لمجرد فوارق مادية سهل أوي أستغنى عنها.
كان يتطلع إليه في حنان وهو يتحدث عنها لم يلبث أن تحول إلى ذهول عندما نطق جملته الأخيرة فسأله في قلق :
– تقصد إيه بتستغنى عنها يا أدهم ؟
تنهد مفكرا ثم رفع عينيه لأبيه وهو يجيب :
– أقصد إني هاسيب البيت واعيش في شقة عادية واسيب إدارة الشركة لآدم وأشتغل موظف فيها وكده ميزانكم هيتظبط، أنا مرتبي الفترة اللي فاتت كان شبه غير مستخدم وبيتراكم في حسابي وخلاص وأعتقد إني أقدر أبتدي حياتي بيه معاها.
شعر والده بقبضة باردة تعتصر قلبه فقال في حزن :
– هتسيبنا عشانها يا أدهم ؟ هو ده قرارك ! هو ده الحل اللي هداك له عقلك، تبيع أهلك ؟
لم يجد ردا فصمت، لمَ قال ما قاله لوالده خاصة وهو في هذه الحالة، هل كان فقط يبثه أوجاع قلبه عله يشعر به ؟ هل يمكنه بالفعل تنفيذ ما قاله للتو ؟ سمع والده يقول له :
– أدهم، أنا مش هأقدر اوافق على جوازة زي دي وأقولك أنا راضي عنها، لا هي تنفع لك من الناحية الاجتماعية ولا المستوى المادي ده غير جوازها السابق وبنتها ولا حتى إنت تنفعها بعصبيتك وشدتك واندفاعك، ومصيره ييجي يوم تحسوا بالفوارق دي لأن التوافق على كل المستويات حاجة ضرورية في أي جواز.
شعر (أدهم) بالألم هاهو والده يصر على رأيه ويحاول منعه من الاختيار الوحيد الذي أراده، لقد ترك المجال الذي أحبه من أجله، ليقف بجانبه ويعمل في الشركة ويديرها، العمل الذي يعتبر الأول في حياة أي رجل، قاطع تفكيره والده بعدما لاحظ صمته وعلامات الألم المرتسمة على وجهه وهو يستطرد :
– أدهم، أنا قلت لك إن التوافق مهم، لكن أنا هأسيبك تخوض التجربة بنفسك.
رفع (أدهم) عينيه إليه في أمل فأكمل بابتسامة حانية :
– أيوة يا أدهم، إنت اخترت وهاسيبك تتحمل نتيجة اختيارك، لو التجربة نجحت يبقى خير، ده شيء يسعدني إنك تكون مبسوط في حياتك، ولو فـ ……
قاطعه (أدهم) بلهفة :
– مستحيل يا بابا، أنا واثق في اختياري وعارف أنا باعمل وهاعمل إيه.
تطلع إليه والده في حنان وهو ينحني مقبلا يده ثم يرمي بنفسه بين ذراعيه فربت على كتفه، ثم سأله :
– إنت عرضت عليها الجواز ؟
ابتعد عنه ثم أومأ برأسه إيجابا في خجل فابتسم الأب واستطرد :
– وهي رأيها ايه ؟
أجاب في خجل أكبر وتردد :
– لسه مش عارف، اديتها مهلة تفكر.
رفع والده حاجبيه في دهشة ثم سأله :
– يعني إنت مش عارف قرارها وعامل الفيلم ده كله ؟
ارتبك (أدهم) وقال مدافعا :
– ماهي لو ماوافقتش هاتجوزها غصب عنها، يعني في جميع الأحوال في جواز.
ازدادت دهشة الأب وهو يتطلع إليه ثم ضحك بصعوبة رسمت ابتسامة على شفتي ابنه وقال :
– مجنون يا أدهم، للدرجة دي بتحبها ؟
شعر (أدهم) بنوع من الخجل مجددا وهو يجيب :
– وأكتر يا بابا.
ابتسم الأب في حنان وهو ينظر لابنه كأنه يراه لأول مرة، هاهو مندفع مجنون مثابر، عاد يسأله :
– آدم عامل إيه بعد اللي حصل ؟
عاد الارتباك لـ (أدهم) وهو يجيب :
– مش عارف يا بابا، كان شكله متضايق جدا وحزين ولما أمي كلمتني عشانك جري معايا وجاب الدكتور وفضل جنبك شوية ومشي، مش عارف هو عامل ايه دلوقتي.
أومأ والده برأسه ثم قال :
– طيب يا أدهم روح له اطمن عليه وقول له ما يزعلش مني، سكوتي كان مراجعة حسابات ماكانش قصدي أخذله.
رد (أدهم) وهو لا يفهم :
– حاضر يا بابا، المهم تقوم لنا بالسلامة.
تنهد الرجل بعمق وهو يستعيد ذكرياته مع والدة (آدم) تلك المرأة الحنون التي لم تعش طويلا لترى ابنها الرجل الناجح الحنون الذي يهتم بالجميع ويحتويهم على الرغم من فقدانه هو نفسه للدعم والحنان.
********
اتصلت (دينا) بـ (هشام) وطلبت مقابلته فدعاها لمنزله لكنها رفضت واتفقا على اللقاء في النادي الذي تذهب إليه، كان اللقاء ليلا وحرصت أن تتأنق أكثر من المعتاد، هي تريد ولاؤه الكامل ليس فقط من الناحية المادية فهي ستدفع له مهما طلب لكنها تريد إبهاره كأنثى، تريده ذليلا لجمالها وأنوثتها متضرعا من أجل رضاها، وقد كان فما إن وقع بصره عليها من بعيد حتى تدلى فكه في بلاهة شديدة، رأته هي فتعمدت تجاهله وظلت ترقص مع أحد أصدقائها أمامه متمايلة في إغراء خلب لبه، اتجه إليها فتظاهرت أنها رأته للتو وتركت صديقها متجهة إليه مادة يدها فتلقفها في لهفة وهو يهتف في تملق :
– إيه الجمال ده، كتير كده أوي، إنت متأكدة إنك من الأرض مش من الجنة ؟
ضحكت بميوعة تاركة له يدها يلهث عندها وقالت :
– أكيد من الجنة بس اتكرمت عليكم ونزلت الأرض.
ضحك بفظاظة لفتت الانتباه إليهما فأمسكت بيده وجذبته مقربة إياه منها هاتفة :
– تعالى نرقص.
ارتبك وقال في خجل :
– بس أنا مابعرفش أرقص.
ظلت تضحك وهي ترد :
– مش مهم تعرف اعمل أي حركات هتلاقيك بترقص يلا.
وظلت تتمايل أمامه وتجذبه من يده وهو يتحرك معها كالمتخشب، أما هي فكانت ترقص بحرفية عالية وحركات مغرية للغاية أدارت الرؤوس من حولها، و هو كان يتحرك أمامها كالأبله وعينيه لا تنفكان عن متابعة جسدها بتفاصيله المكشوفة وتخيل المغطى منه، كاد لعابه يسيل عليها بالفعل وكم أسعدها ذلك وهي تلاحظ تعبيرات وجهه وهو ينظر لجسدها في اشتهاء مقزز لكنها لم تهتم، بعد انتهاء الرقصة جذبته من يده متجهة إلى إحدى الطاولات في ركن هادئ وجلسا سويا ، سألته في دلال :
– ها ايه رأيك في رقصي ؟
أجاب في شغف :
– يجنن، كلك على بعضك تجنني، أنا مش فاهم إنت بتشتغلي في الشركة دي ليه ؟
تجاهلت سؤاله وقالت :
– ثانكيو بيبي، المهم أنا لقيت فكرة هايلة عشان نعاقب جمانة ع اللي عملته فيك.
انتبه لها وسأله بلهفة :
– بجد ؟ فكرة ايه ؟
ابتسمت في انتصار واقتربت منه وهي تحكي له تفاصيل فكرتها الخبيثة وهو يستمع إليها وعيناه تلمعان في جشع، جشع لأنوثتها ولما سيعود عليه من فكرتها.
********
في مساء اليوم التالي كانت (دينا) جالسة مع والدتها في حديقتهم تثرثر معها بخصوص فكرتها للتفريق بين (أدهم) و (جمانة)، سألتها والدتها باهتمام :
– إنت متأكدة يا دونا إنه هيساعدك ؟ آخر مرة كان زعلان منك جدا.
– خلاص كلميه دلوقتي أما نشوف.
قالت (دينا) وهي تهز كتفيها بلا اهتمام :
– أوك مام.
ثم تناولت هاتفها واتصلت بأحد الأسماء المخزنة عليه، انتظرت الرنين بصبر وهي تنقر بأظافرها على الطاولة بجوارها، أتاها صوت ذو نبرة حازمة :
– دونا، أخيرا افتكرتيني؟
ردت بدلال :
– هو أنا أقدر أنساك يا بيبي، ظروف كده على حاجات كانت شاغلاني وباظبطها.
شعرت بابتسامة على شفتيه وصوته يقول في شغف :
– وحشتيني أوي، عاوز أشوفك.
ابتسمت في ظفر وأجابت :
– شور يابيبي، وقت ماتحب هاجيلك، بس عاوزة منك خدمة الأول.
قال بسرعة :
– أؤمريني.
جاءه ردها سريعا :
– انتو لسه بتسجلوا مش كده
جاوبها صمته فأسرعت تبرر :
– عاوزة عينة من صوت اتنين كده هتقدر تجيبهالي ؟
لم تجد سوى الصمت مرة أخرى فعقدت حاجبيها في قلق وكادت تقول شيئا لولا أن أتاها صوته يقول في صرامة ولهجة من اعتاد أن يأمر فيطاع :
– تعالي يا دونا ولما تيجي هنتكلم في الموضوع ده وتشرحي لي التفاصيل.
قفز شعور مبهم بالخوف إلى قلبها لكنها ضحكت بدلال وردت :
– طيب يا بيبي، ويت فور مي Wait for me في مكاننا المعتاد.
وافقها ثم أغلقت الخط لتلمح علامات التساؤل على وجه والدتها فقالت :
– عاوز يقابلني ويعرف التفاصيل.
سألتها أمها :
– اممممم وهتقولي له ؟.
ردت بسرعة :
– لا طبعا مش كلها، هاديله فكرة سريعة كده وأألف الباقي، مش من مصلحتي يعرف إني بأعمل حاجة عشان أتجوز واحد تاني دلوقتي، خليها بعدين .
هزت الأم كتفيها بلا اهتمام وتابعتها بنظرها وهي تنهض متجهة للفيلا قائلة :
– هاطلع اغير وانزل اروح له، مام بليز دونت تيل داد Don’t tell dad يمكن أتأخر النهاردة.
قالت أمها :
– شور يادونا.
قابلت والدها عند مدخل الفيلا فابتسم لها قائلا :
– دينا حبيبتي، أنا رايح أزور عمك جلال تعبان شوية، تيجي معايا ؟
عقدت حاجبيها وهي تسأل :
– تعبان ماله داد ؟
رد في قلق :
– مش عارف اللي عرفته إنه أغمى عليه النهاردة وجاله الدكتور، هو الحمد لله أحسن بس لازم أزوره واطمن عليه.
شعرت أن ذهابها معه سيزيد من قيمتها لدى (فريدة) ووالد (أدهم) لكنها لم تكن تملك من الأمر شيئا الآن فلديها موعد أهم، فما كان منها إلا أن أجابته :
– أوك داد، معلش مش هاقدر آجي تعبانة شوية وهاطلع آخد شاور وانام، ابقي سلم لي عليهم كلهم.
سألها والدها في قلق عليها هذه المرة :
– مالك يادينا ؟ تعبانة من ايه ؟
ردت في ملل :
– مفيش داد مرهقة بس شوية وحاسة عاوزة أنام، سي يو.
تركته ثم دخلت إلى الفيلا لتستعد لموعدها الهام.
********
أوقفت (دينا) سيارتها أسفل تلك البناية الفاخرة في أحد أرقى أحياء العاصمة، ثم ترجلت منها واتجهت للمصعد، ضغطت زر الطابق السابع عشر وهي تعدل من هندامها في مرآته وتخلع سترتها لتبدو من أسفلها ملابسها الشفافة الضيقة، أخرجت أحمر شفاة من حقيبتها وطلت شفتيها الممتلئتين سريعا مما زادها جاذبية ثم نثرت رذاذا آخر من عطرها المفضل، وصل المصعد للطابق المنشود فغادرته متجهة لإحدى الشقق في نهاية الممر، أخرجت مفتاحا من حقيبتها وفتحت الباب ودلفت للداخل، وجدت الشقة مضاءة بأضواء خافتة وتفوح منها رائحة عطرية محببة، تلفتت حولها في اهتمام فلم تلمح أحدا، أغلقت الباب خلفها واتجهت للداخل ملقية سترتها وحقيبتها على إحدى الأرائك في إهمال ثم نادت بصوت ناعم :
– طارق، طروقة إنت هنا ؟
سمعت صوتا من ناحية الشرفة فالتفتت إليها لتجده يدخل منها مرتديا روبا منزليا أنيقا وهو ينفث دخان سيجارته وينظر لها بشغف، يبدو في العقد الرابع من عمره طويلا عريض المنكبين وبدا على جسده أنه يمارس إحدى الرياضات العنيفة، عيناه سوداوين صارمتين تحملان نظرة تشي بالقسوة خاصة مع أنفه الحاد وشفتيه الرفيعتين التهمها بعينيه في ثوان ثم قال :
– دونا، وحشاني يا مزة، تعالي.
مد يده إليها فاتجهت إليه ووضعت كفها في يده فضغط عليها ثم جذبها نحوه وهو يتأملها بجرأة جعلتها تبتسم، ثم قالت في دلال :
– إنت أكتر يا طروقة، من زمان ماكلمتنيش ولا لازم أكلمك أنا ؟
انطلقت من حلقه ضحكة مجلجلة ساخرة وهو يرد :
– إيه يادونا احنا هنضحك على بعض ؟ ماانت عارفة إننا مش بنتقابل إلا لو في مصلحة مش بس للمزاج.
مطت شفتيها في دلال أكبر وردت متظاهرة بالغضب :
– يعني مااعرفش اتدلع عليك شوية يا طاطا ؟
استمر في الضحك وضمها إليه هامسا :
– اتدلعي براحتك ياقمر، هو أنا أقدر.
ابتعدت عنه وسارت تتهادى في خطواتها مثيرة إياه أكثر ثم جلست على أريكة كبيرة والتفت تناديه :
– تعالى اقعد بقى عشان نشوف المصلحة.
رفع حاجبيه في دهشة مفتعلة وقال :
– ياااه مستعجلة أوي ع المصلحة المرة دي يعني !!
تظاهرت بعدم الاهتمام وهي ترد :
– مش أوي تقدر تقول انتقام، تعالى وأنا أحكيلك.
ثم جلست تقص عليه قصة ملفقة عن (جمانة) و (أدهم) وعن رغبتها في الانتقام منهما بعد إهانتها وطردها من الشركة، ثم صمتت في انتظار رده، قال بعد فترة قصيرة من الصمت :
– اممممم يعني الموضوع مزعلك وعاوزة تنتقمي وخلاص ؟ مفيش حاجة تانية ؟
نفت قائلة :
– نو، حاجة تانية زي ايه ؟
رد بذكاء وهو ينظر إليها :
– عاوزاه لنفسك مثلا.
شعرت بالارتباك ولم تجد ردا فضحك مرة أخرى وقال :
– يابنتي عادي، حتى لو عاوزاه لنفسك، أهو زيادة الخير خيرين والمليون يبقى ملايين، مادام أنا وانت زي مااحنا.
قال جملته الأخيرة بلهجة خاصة أصابتها بالرعب لكنها على الرغم من ذلك ابتسمت و ردت :
– أكيد مع بعض يا طروقة.
سألها مدعيا النسيان :
– ها قلتي لي بقى عاوزة ايه ؟
أجابته بسرعة :
– تسجيلات، هاديك الرقمين وعاوزة بس عينة، وأظن الموضوع ده سهل أوي بالنسبة لظابط في مركزك.
فكر لثانية ثم تساءل في خبث :
– اممممم والتمن ؟
ابتسمت في إغراء وردت :
– زي ماتحب.
اقترب منها وقال في شغف :
– أنا بحبك إنتِ.
ولم يمهلها فرصة للرد.
الفصل التاسع عشر
*************
في مساء اليوم التالي كانت (دينا) تقود سيارتها وإلى جوارها (هشام) يتأملها في اشتهاء كما اعتاد واعتادت هي، كان ذلك يصيبها بالغرور أكثر ويشبع رغبتها في لفت الأنظار، قال لها بطريقة مقززة :
– بس إيه رأيك فيا أنفع ممثل مش كده ؟
ضحكت وردت في سخرية :
– ممثل بس، ده إنت ممثل كبير كمان.
ثم رمته بنظرة جانبية وسألته :
– وأنا ايه رأيك في تمثيلي؟
– بس ايه ؟، مانفسكيش نعمل كده بجد.
التفت تتطلع إليه في دهشة ممتزجة بالسخرية ثم عادت تتابع الطريق وهي تقول بنفس السخرية :
– ايه يا إتش، إنت صدقت نفسك ولا ايه ؟ ماتنساش إن دي مجرد لعبة عشان نوصل لهدفنا.
شعر بالحرج يكسوه والغضب يتمكن منه فهتف ساخطا :
– ليه يعني ؟ مش قد المقام مثلا ؟
قالت مهادنة :
– مش قصدي كده يابيبي، احنا بينا بيزنس وبس، بعدين أنا عاوزة أدهم مش حد تاني.
ضيق عينيه وهو ينظر إليها ثم سألها في سخرية :
– بجد ؟ أدهم بس ؟ ولا أي راجل عاوزاه ياكلك بعنيه في كل خطوة.
أوقفت السيارة بحركة مفاجئة دفعته للأمام وكاد رأسه يرتطم بزجاجها الأمامي ثم التفتت إليه هاتفة بغضب وتعالٍ:
– لا إنت أكيد نسيت نفسك، ازاي تكلمني كده يا هشام ؟
ثم زفرت في حنق واستطردت :
– أدهم بس هو اللي شاغلني، ومش هاسكت إلا لما أشوفه مذلول قدامي وبيتمنى رضايا .
عقد حاجبيه في غضب وقال :
– واحد زيه صعب يعمل كده يا دينا.
ابتسمت وقالت :
– لا مش صعب، لو خطتنا مشيت مظبوط هالاقيه قدامي في غمضة عين.
تطلع إليها مرة أخرى في حنق في حين عادت هي تقود السيارة وعم الصمت المكان.
********
في اليوم التالي كانت (دينا) تجلس مع والدتها في حديقة فيلتهم عندما رن هاتفها فالتقطته سريعا لتجد الاتصال الذي كانت تنتظره، فتحت الخط بسرعة وقالت :
– ها يا صوفي، وصلت له الميموري ؟
جاءها رد (صفاء) بسرعة :
تنهدت (دينا) في ارتياح وقالت :
– هايل ياصوفي، زي ماخططنا بالظبط، ابقي تعالي لي عشان باقي المبلغ اللي اتفقنا عليه وهدية زيادة مني كمان.
ظهر الطمع في لهجة الفتاة وهي ترد :
– كفاية رضاكي علي يا دينا هانم، هاجيلك النهاردة يا قمر وماتنسيش لما يتحقق المراد وتتجوزي الباشمهندس أدهم لي حلاوة أكبر.
قالت (دينا) بسرعة :
– أكيد ياصوفي وماتنسيش الملف اللي اتفقنا تجيبيهولي، يلا سلام بقى.
أنهت المكالمة ورفعت إصبعها الإبهام مشيرة به لأعلى تجاه والدتها علامة نجاح خطتها، ابتسمت الأم في ارتياح وبادلتها ابنتها البسمة شاعرة بالنصر، الآن كل ما عليها فعله هو الانتظار حتى تحين اللحظة المناسبة ثم تبدأ في رمي شباكها حول (أدهم) المكسور مرة أخرى وسيكون كعجينة لينة بين يديها تشكلها كيفما تشاء، أفاقت من أحلامها على صوت والدتها تسألها :
– دونا، رحتي فين ؟ بأقولك عمل ايه ؟
أفاقت من شرودها وتطلعت لوالدتها لحظة في صمت ثم أجابت :
– زي ما توقعنا بالظبط يا ماما، وصلت له الميموري وطلع بعدها زي الصاروخ من مكتبه يدور عليهم ، طبعا مش كانوا موجودين فخرج من الشركة بعربيته زي المجنون.
تساءلت الأم :
– وانت خرجتيهم مع بعض إزاي من الشركة ؟
أجابت في خبث :
– زي الأفلام مام، فون كول Phone callبتقولها إن بنتها عملت وطبعا آدم مش هيسبها تخرج لوحدها وانتهى الموضوع.
ابتسمت الم وقالت :
– هايل يا دونا، والولد تيام ده بجد تحفة، عرف يظبط الأصوات تمام مادام أدهم انخدع فيها للدرجة دي.
برأسها موافقة وهي ترد :
– يس مام، باقي بس ملف المناقصة الجديد يطير منه ومن مكتب آدم شخصيا، ويبقوا يقابلوني بقى، صفاء هتجيبهولي دلوقتي لأن آدم وجمانة مش هناك.
ابتسمت الأم في إعجاب بذكاء ابنتها وبادلتها ابنتها الابتسامة، هكذا هي الذئاب تجتمع وتتوحد عندما تهجم على فريستها، بينما تتفرق الحملان في مواجهة ذئب واحد.
********
نعود للخلف قليلا لننظر للموضوع من زاوية أخرى في مكان آخر، حيث جلس (أدهم) في مكتبه شاردا يحدق في الفراغ، يفكر فيما آلت إليه الأمور، هاهو الآن على شفا الزواج من المرأة التي اختارها قلبه، مع موافقة والده على مضض ورفض والدته التام، لم يكن يريد ذلك أبدا لكنهم راهنوا على قلبه وحكم القلب حكما نهائيا لصالحها، (جمانة) تلك الزهرة الرقيقة التي نبتت فجأة في صحراء قلبه القاحلة والتي لم ترتوي بالماء منذ خلق هو، التي أشعرته فجأة أن في صدره قلبا ينبض، من جعلته طفلا كبيرا مجنونا بالقرب منها صارما مخيفا فيما يتعلق بها أو بما يمكن أن يؤذيها، قطع تفكيره الحالم طرقات على باب مكتبه فرفع عينيه إليه وهو يقول بهدوء :
– ادخل.
دخلت (سهام) وهي تحمل في يدها مظروفا متوسطا وضعته أمامه قائلة :
– اتفضل يافندم، الظرف ده جه لحضرتك ومكتوب عليه خاص وهام، مافتحتوش مع باقي البريد.
تناوله وتطلع إليه في قلق ثم رد :
– طيب يا آنسة سهام اتفضلي إنت.
خرجت (سهام) وظل هو يتطلع للمظروف ثم فتحه برفق ليجد بداخله ورقة مطوية وذاكرة هاتف صغيرة الحجم، تطلع إليها في تساؤل ثم فض الورقة ليقرأ بداخلها جملة مختصرة ” هي دي اللي عاوز تتجوزها ؟ اسمع بتعمل إيه مع أخوك المحترم اللي عاوز يلبسهالك “، عقد حاجبيه بشدة وبدأ قلبه ينبض بعنف، ما هذا الهراء ؟ ثم نظر للذاكرة الموضوعة أمامه كمن ينظر إلى أفعى تهم باقتناص عنقه، مد كفا مترددة ليلتقطها ثم وضعها في قارئ ذاكرة صغير أدخلها بعد ذلك في حاسبه المحمول ثم فتحها، لم يجد عليها سوى ملف صوتي صغير مدته حوالي 20 دقيقة، نظر إليه في قلق ثم تغلب فضوله على قلقه فنقل زر الفأرة إليه وفتحه، ظل الصمت يخيم على الجهاز لثوان ثم بدأ بعده ظهور الصوت، دقق فيما يسمع فكان صوت (جمانة) هو ما قابله وهي تقول بدلال ونبرة لم تعجبه مطلقا :
– آدومي وحشتني أوي.
سمع بعدها صوت أخيه يجيبها بنبرة مشابهة وإن شعر فيها بشهوانية أثارت تقززه :
– إنت أكتر ياجمانة، هاتجنن وأشوفك.
ردت (جمانة) بنفس النبرة :
– طيب أجيلك ؟
قال بعد ضحكة ماجنة :
– هو أنا أقدر أقول لا بس مش هينفع نتقابل اليومين دول زي زمان، أدهم دلوقتي هيبقى معاكي أكتر ومش عاوزينه ياخد باله.
تنهدت بتأفف وهي ترد :
– وليه السيرة الزفت دي دلوقتي وأنا معاك، انا مش فاهمة ازاي اقنعتني اتجوزه، ده واحد جلف ومش يناسبني خالص.
سمع صوت أخيه يقول في طمع :
– عشان فلوسه تبقى لينا يا حلوة ماتركزي معايا شوية.
ارتبك الرجل وانحنى يجمع أوراقه بسرعة وهو يعتذر قائلا :
– أنا آسف يافندم بس حضرتك كنت ماشي بسرعة و …
قاطعه في عصبية شديدة :
– حضرتي ايه ؟ أنا اللي خبطت فيك مثلا ؟
شعر الرجل بمزيد من الارتباك وبعض الخوف فجمع أوراقه ثم قال وهو يبتعد في سرعة :
– آسف يا فندم معلش ماخدتش بالي.
تطلع إليه (أدهم) وهو يزفر في حنق وغضب شديدين ثم انطلق خارجا من الشركة بسيارته يقودها بسرعة كالمجنون، وصل بها إلى وسط المدينة وحنقه يزداد بسبب الزحام، فترك السيارة جانبا وترجل منها ليسير على قدميه محاولا تبديد غضبه وألمه والتفكير بمنطقية، تساءل كثيرا هل يمكن أن يحدث هذا ؟ أتكون (جمانة) التي اختارها قلبه بعد كل تلك السنون من الوحدة بهذه الأخلاق، أتكون أفعى في ثياب يمامة رقيقة ؟ وماذا عن مثله الأعلى في الحياة ؟ (آدم) رفيق قلبه والناصح الأمين ؟ هل هو بهذه الخسة ؟ بهذا الانحطاط وهذه السفالة ؟ .. هز رأسه في عنف محاولا طرد تلك الأفكار الغائمة كسحب
تحجب ضوء الشمس في سمائه ، وجد أن قدميه قادته لمكانه المفضل على نيل القاهرة وعلى الرغم من حرارة الجو اتجه ليجلس بداخل المقهى ليرحب به أحد العاملين هناك بحرارة شديدة ويطلب هو مشروبا باردا يطفئ به لهيب صدره، جلس يتطلع إلى مياه النيل وتركها تنساب داخل عقله ماحية كم القذارة التي انتقلت إليه عبر أذنيه، فكر لدقائق ثم هب واقفا قبل أن يصل مشروبه وألقى ببعض النقود على الطاولة أمامه وانطلق كالصاروخ عائدا لسيارته في خطوات أقرب للعدو، ثم قادها متجها لصديق يعلم جيدا أنه سيفيده، فوجيء صديقه هذا بجرس بابه يرن ففتح ليجد (أدهم) في حالة سيئة والغضب والحزن يمتزجان سويا في لوحة سيريالية على ملامحه، هتف في ترحاب به لمحة من قلق :
– أدهم الحسيني، عاش من شافك ياراجل، وأخيرا افتكرتنا !
ابتسم (أدهم) في نوع من الخجل ورد وهو يدلف إلى المكان :
– إزيك يا حاتم عامل ايه ؟
رد (حاتم) بمرح وهو يقوده لأريكة كبيرة في استقبال منزله :
– زي الفل ياكبير، ولما شفتك بقيت زي الفل والياسمين مع بعض.
اتسعت ابتسامة (أدهم) ورمي بجسده على الأريكة في تهالك وهو يقول :
– واحشني والله يا حتوم ، الظروف بتاخد الواحد من أقرب الناس ليه.
ابتسم (حاتم) وقال بعفوية :
– أكيد يا أدهم معلش ربنا يعينك، عامل ايه في التجارة بعد ما سبت الهندسة ؟
(أدهم) وهو يمط شفتيه :
– عادي ماشي الحال، كل يوم بنتعلم جديد.
سأله مرة أخرى :
– وإزي أخوك آدم، رجع من السفر ولا لسه ؟
ظهر الضيق فور نطق (حاتم) لاسم (آدم) على ملامحه، ثم قال :
– لا رجع يا حاتم، وجاي لك بخصوص حاجة متعلقة بيه.
ابتسم (حاتم) ثم قام من مكانه قائلا :
– طيب هاجيب حاجة ساقعة نشربها ونتكلم براحتنا.
أومأ (أدهم) برأسه ثم انتظره حتى عاد بعد دقائق قليلة وجلس بجوراه يناوله علبة العصير ثم تساءل :
– ها خير يا كبير ؟
ناوله (أدهم) الذاكرة الصغيرة وقال :
– في ملف صوتي هنا عاوزك تتأكد لي إذا كان صح فعلا ولا متفبرك.
التقطها منه (حاتم) في دهشة ثم سأله بطريقة عملية :
– طيب عندك أي ملف صوت تاني للي هنتأكد من صوته هنا ؟
عقد (أدهم) حاجبيه في محاولة للتذكر ثم التقط هاتفه من جيبه وبحث فيه سريعا حتى وصل لفيديو قصير لأخيه فبرقت عيناه في ظفر وهو يناوله لصديقه هاتفا :
– أيوة ده فيديو بس الصوت واضح فيه.
تناوله منه وهو يشغل الفيديو ويستمع للصوت ثم قال :
– الصوت كويس، مش ده آدم ؟
أومأ (أدهم) برأسه إيجابا فعاد (حاتم) يسأل :
– هو في ايه يا أدهم خير ؟
لم يكن (أدهم) يرغب في شرح الأمر بكامله لصديقه فقال في عجالة :
– أبدا ده ملف ابتعت لي وبيخوفوني من آدم فعاوز أطمن انه صح ولا لأ لأني متأكد إن اخويا ما يعملش كده ولا الانسانة اللي اخترتها.
عقد (حاتم) حاجبيه في دهشة، ثم تردد قليلا قبل أن يسأله في خفوت :
– ولما إنت متأكد، بتعمل كده ليه وجاي تقولي شوف لي صح ولا متفبرك ؟
طعنه سؤال صديقه البسيط، لم يجد إجابة فاكتفى بالصمت، أما صديقه فربت على كتفه برفق وقال في تفهم :
– خلاص يا أدهم معلش، انا هاقوم ألبس وننزل الاستوديو سوا لأن الجهاز والبرنامج اللي هيبين لنا الفرق هناك.
قال (أدهم) :
– أوك ياحتوم، هاستناك تحت في العربية.
رد (حاتم) :
– خلاص ماشي خمس دقايق بالكتير وهانزلك.
وبعد نصف ساعة كانا يدلفان سويا للاستوديو الخاص بعمل (حاتم) الذي اتجه من فوره لأحد أجهزة الكمبيوتر وأوصله بجهاز آخر ثم أوصله بهاتف (أدهم) وأيضا وضع الذاكرة الصغيرة بداخله، نقل الملفات المطلوبة للجهاز وقال وهو يشرح لـ (أدهم) مايقوم به :
– شوف انا نقلت الملفين هنا، هاسحب الصوت الاول من الفيديو واحطه مع الملف التاني واعمل مقارنة بينهم ببرنامج audacity ، يمكن الموضوع ما يبقاش واضح أوي بس لو في فرق غالبا هيبان وهاعمل مقارنة كمان بالجهاز ده، ده بيقيس الذبذبات برده زي جاهز كشف الكذب كده.
أومأ (أدهم) برأسه في صمت وهو يتابعه باهتمام حتى التقط صورتين لسطح المكتب لكلا الملفين على البرنامج، فتح الصورتين متجاورتين وتمعن فيهما بدقة ثم قال بثقة :
– لا يا أدهم مش نفس الصوت، في اختلاف في ذبذبات معينة بس اللي عمل التعديل على الصوت التاني ممتاز بجد، الفرق ماتلاحظوش إلا عين خبيرة وصعب جدا تلاحظه بالودن.
ثم التفت إليه فرآه يتنهد في ارتياح فابتسم وقال :
– تعالى كده نسمع الاتنين بتركيز ونشوف، ولو إن محتوى الملف ده مستحيل أصدق إنه يطلع من أخوك اللي كلنا بنحترمه يا أدهوم.
أجابه (أدهم) :
– أنا عارف بس وقت الغضب ما بتحسش إنت بتعمل ايه، ده كمان اللي عاوز يعمل المشكلة دي اتسبب في حاجة عشان يثبت الموضوع عليهم أكتر بس مش عارف إزاي ؟ لكن سهل اتأكد منها.
ثم صمت مفكرا لثوان احترمها (حاتم) ثم قال بعدها :
– أنا تقريبا عرفت مين عمل كده، وحسابه معايا هيكون عسير بجد لو ثبت الموضوع عليه.
سأله (حاتم) :
– بجد ؟ طيب كويس، ربنا يوفقك يا أدهم، إنت تستاهل كل خير.
ثم ضحك واستطرد مداعبا :
– وأخيرا طبيت يا كبير.
ابتسم (أدهم) ابتسامة واسعة ثم قال :
– أنا مش عارف أشكرك إزاي يا حاتم، بجد ساعدتني جامد.
ربت (حاتم) على كتفه في مودة وهو يرد :
– شكر ايه بس يا بني إحنا إخوات حتى لو انشغلنا عن بعض، إنت ناسي أيام الجامعة ولا ايه ؟
رد (أدهم) بابتسامة واسعة أخرى :
– لا طبعا ودي أيام تتنسي.
قضيا بعض الوقت سويا يسترجعان ذكرياتهما، كان (أدهم) خلاله عقله يسبح في عالم آخر .
********
عاد (آدم) مع (جمانة) للشركة وهي تزفر في غضب هاتفة في حنق :
– حسبي الله ونعم الوكيل، الناس دي بتستهبل، هو الهزار بقى في كده كمان ؟
التفت إليها (آدم) وهما يسيران متجهين إلى مكتبه قائلا :
– انا مش عارف الموضوع ده قالقني وحاسس إنه مش مجرد هزار او سخافة من حد غلس.
كان يلف في الممر الموجود به مكتبه عندما لمح إحدى موظفات الشركة تخرج من مكتبه بسرعة وتتلفت حولها في ارتباك فعقد حاجبيه في تساؤل قلق وهتف مناديا :
– إنت يا آنسة كنت بتعملي ايه عندك ؟
التفتت إليه في رعب وجرت في الجهة المعاكسة لكنها اصطدمت بموظف آخر يسير في الاتجاه المقابل فسقطت أرضا وتناثرت منها بعض الأوراق، اتجه إليها (آدم) في خطوات سريعة تصحبه (جمانة) ثم انحنى يحمل الأوراق ويتطلع إلى محتواها بسرعة جعلت عيناه تتسعان في صدمة وهو يرفع عينيه إليه بعدما وقفت منكسة رأسها أرضا وهتف فيها بصرامة شديدة :
– ايه ده ؟ كنت واخدة الورق ده ورايحة فين ؟
لم ترد، فاتجه لمكتبه واتصل بأمن الشركة وهي تكاد تسقط من الرعب.
********
كانت (فريدة) تتناول إفطار متأخرا في حديقة الفيلا وترشف كوبا من الشاي الأخضر كما اعتادت كل صباح عندما فزعت فجأة على طرقة قوية ويد توضع أمامها على الطاولة، رفعت رأسها لصاحب اليد لتجده (أدهم) فشعرت بالدهشة وسألته :
– أدهم !! إنت ليه مش في الشركة ؟ وايه اللي عملته ده خضتني؟
رفع (أدهم) كفه عن الطاولة فظهر تحتها مظروف ورقي صغير مكتوب عليه اسمه وكلمتي خاص وهام فتطلعت إليه في تساؤل، جعله ينحنى لمستواها وهي جالسة وينظر في عينيها بغضب قائلا :
– خطتك فشلت يافريدة هانم.
شعرت بالتوتر يغزو قلبها لكنها تماسكت قدر الإمكان وهي تسأله في دهشة :
– خطة ايه يا أدهم إنت بتتكلم عن ايه ؟
نظر إليها محاولا سبر أغوارها ثم جلس أمامها وهو يرد :
– مش عارفة خطة ايه يا أمي ؟ ماحاولتيش تشوهي صورة جمانة وآدم قدامي، كل ده عشان الفلوس، تكرهيني في أخويا ؟ حتى لو إنت مش عاوزاها حصلت آدم كمان ؟ وبالطريقة القذرة دي ؟ مين ساعدك في كده ؟ دينا ؟ ومين المنحط اللي عمل معاها التمثيلية دي ؟ هي دي اللي راضية عنها تبقى مراتي يا .. يا أمي ؟
ازداد توترها لكنها حاولت التماسك وهتفت مدعية عدم الفهم :
– أدهم أنا مش فاهمة إنت بتتكلم عن ايه، موضوعك اتقفل بالنسبة لي خلاص، مش جلال وافق ! خلاص روح اتجوزها زي ماانت عاوز بس خليك فاكر إني مش راضية عن الجوازة دي وماليش دعوة بيكم ولما تفشل ما تبقاش تيجي تعتذر وتقول أنا غلطت لأني مش هاسامحك.
ظل ينظر إليها في صمت، كان شبه متأكد من علاقتها بهذه الخطة القذرة لكنه لا يستطيع إثبات ذلك، فقال غاضبا وهو يقف مرة أخرى :
– يعني مصممة تنكري إنك ماتعرفيش حاجة عن الموضوع ده ؟ أنا متأكد إنك عندك علم وبالشكل ده مايشرفنيش اعيش في البيت ده بعد كده وأمي بتتعامل مع واحدة **** عشان تجوزها ابنها وشايفاها مناسبة له على الرغم من ****.
صرخت في وجهه بغضب :
– أدهم إنت بتقول ايه وايه الالفاظ القذرة دي ؟ إنت لحقت تنزل بمستواك ليها ؟
صاح في صرامة :
– أمي، من فضلك ماتغلطيش فيها، مستوايا اللي بتتكلمي عليه نزل بسبب القذارة اللي حواليا أنا واللي خلاص ماعدتش قادر أتنفس وانا عايش فيها.
ثم أدار وجهه متجها للفيلا فنادته في توتر :
– هتعمل ايه يا أدهم ؟
استدار إليها في صمت ثم قال في حزم :
– هامشي واسيب البيت، هاقعد مع آدم لحد ماربنا يسهل والاقي مكان مناسب ليا أنا وجمانة.
انتفضت واقفة وهتفت :
– لا يا أدهم تسيب البيت إزاي انا مش فاهمة انت بتتكلم عن ايه ولا الظرف ده فيه وانت مصمم تتهمني، أنا هاسألك سؤال واحد؛ الحاجة اللي في الظرف فعلا ممكن أنا اعملها وتتوقع إنها تصدر مني ؟ إنت بتتكلم عن حاجة قذرة إنت شايف إن انا ممكن اعمل حاجة زي كده ؟
تطلع إليها مفكراً، هل هي صادقة أم تدعي أمامه حتى لا تخسره ؟ اقتربت هي منه في هدوء وأمسكت بكفه وقالت في حنان :
– أدهم أنا مامتك تفتكر ممكن أأذيك ؟ إنت أغلى حاجة عندي يا أدهم.
ظل يتطلع إليها في حذر غير قادر على ابتلاع ذلك الحنان الذي ظهر فجأة.
الفصل العشرون
***********
كانت (دينا) تتمايل على أنغام إحدى الأغنيات لأحد الفرق الأمريكية الشهيرة وهي جالسة على إحدى الطاولات في النادي بصحبة (هشام) الذي يتطلع إليها كما هي العادة بطريقة مقززة لم تأبه لها، عندما قال لها :
– تيجي نرقص ؟
نظرت إليه ساخرة وردت :
– هو انت اتعلمت الرقص ولا ايه ؟ فاكر آخر مرة ؟
شعر بالحنق فهتف :
– يعني اهو نتعلم منك يا أستاذة.
رفعت حاجبيها في سخرية أكبر كأنها تغيظه ثم قالت :
– اوك، ليتس جو Let’s go .
وقاما يرقصان سويا، كانت تتمايل بطريقة مثيرة أثارت غيرة البعض ممن يتابعونها ويحسدون (هشام) لأنه يراقصها، في حين شعر هو بإثارة أكبر وهو يحاول متابعة حركاتها وتلمسها كلما سنحت له الفرصة محاولا عدم إشعارها بذلك، شعر أيضا بالغرور عندما رأى نظرات الحسد في عيون المحيطين بهم فها هي أجمل فتاة في المكان وأكثرهن إثارة معه هو، انتهت الرقصة فتنهدت وناولته يدها ليعودا لطاولتهما، سألها بعد جلوسهما :
– إنما إنت مصممة على أدهم ده ليه ؟ إنت غنية اهو ومش محتاجاه.
عادت لها نظرتها الساخرة وردت :
– عشان مااتخلقش اللي يقولي لا، وبعدين فيها إيه لما أكون أغنى ؟
سألها بسرعة :
– بس كده ؟ متأكدة.
تحولت نظرتها الساخرة لدهشة بعد سؤاله وقابلته بسؤال :
– ليه بتقول كده ؟
كانت السخرية تملأ ملامحه هو هذه المرة وهو يجيب :
– يعني عاوزة تفهميني إنه مش عاجبك ؟ أنا أينعم ماشفتوش غير دقيقتين تلاتة بس باين عليه جامد أوي وده رأيي كراجل فما بالك برأي الستات بقى.
ضحكت في دلال وهزت كتفيها وهي تجيب :
– طبعا عاجبني، وهو مايعجبش مين، كفاية عينيه ولا طوله ولا دقنه اللي مصمم يحلقها أي كلام دي، أدهم ده فارس أحلام من الدرجة الأولى، وسيم سكسي غني مركز اجتماعي مرموق ومهندس ورجل أعمال ناجح، بيتهيألي كفاية أوي كده عشان أبقى عاوزاه.
شعر بالغيظ لكنه حبسه في صدره وقال :
– طيب لو رفضك برده بعد كده ؟
صاحت فيه بغضب :
– ايه رفضك دي ؟ هشام إلزم حدودك معايا.
قال مهادنا :
– أنا قصدي لو خطتنا فشلت ؟
كان الحنق لا يزال مرتسما على وجهها مما زادها جمالا، وجعلها الغضب تبدو كأنثى نمر تكاد تنقض على فريستها وهي ترد :
– مش هتفشل طبعا.
ثم صمتت لحظة قالت بعدها :
– وهشام مش معنى إننا عملنا التمثيلية دي مع بعض إنك تصدق فعلا إن في حاجة بينا، ده مجرد فيلم عشان هدف.
شعر بالغضب يجتاحه، هاهي للمرة المائة تقلل من شأنه وتخبره صراحة أنه ليس من مقامها أو مناسبا لها، أقسم بداخله أن يجعلها تندم على طريقتها في التعامل معه وأن يجعلها جاريته للأبد، إنها لا تعلم من هو ولا ما يمكنه فعله عندما يتعلق الأمر بشيء يرغبه بشدة، والآن هو يرغبها بشدة وهي من فعلت به ذلك، رن هاتفها مقاطعا أفكاره فنظر إليها وهي تلتقطه لتتطلع لاسم المتصل والذي ما إن رأته حتى عقدت حاجبيها في تساؤل ثم ردت عليه :
– أيوة يا أنتي فيري، خير ؟ أدهم رجع البيت ؟
جاءها صوت (فريدة) غاضبا حانقا :
– أيوة رجع وخرج تاني، عاجبك كده يا دينا ؟ ابني كان هيسيب لي البيت ويمشي بسبب فكرتك الغبية دي.
شعرت بقلق شديد وهي تسألها :
– حصل ايه ؟
ردت (فريدة) بنفس الحنق :
– أدهم ماصدقش الموضوع ومااعرفش اكتشف إزاي إنه متفبرك وجه البيت اتهمني بصراحة إني وراه وطبعا إني عملت كده معاكي وهددني إنه هيسيب البيت على طول، أقنعته بصعوبة إني مااعرفش ايه اللي حصل ولا هو بيتكلم عن ايه، أعمل فيكي ايه دلوقتي ؟
شعرت (دينا) بالانهيار وهي تهتف :
– معقولة ؟ إزاي طيب ؟ الملف كان بيرفيكت Perfect جدا إزاي عرف ؟
صاحت (فريدة) :
– معرفش ومش عاوزة أعرف، خلاص يا دينا سيبي الموضوع ده دلوقتي ونشوف له حل بعدين، أدهم صعب ولو عرف إن لي علاقة بالموضوع ده هيقاطعني فعلا.
قالتها وأغلقت الخط فظلت (دينا) تتطلع للهاتف في يدها في دهشة ممتزجة بالحسرة والغيظ، كان غضبها شديداً للغاية في هذه اللحظة كبالون امتلأ بالهواء ويوشك على الانفجار، وينتظر فقط سببا مناسبا، شعر (هشام) بالقلق وهو يتطلع إليها فسألها في خفوت :
– حصل ايه يا دينا ؟
وقفت بعنف وصاحت فيه بغضب ولم تهتم بلفت الانتباه إليها :
– إنت السبب يا هشام، وعامل لي فيها أستاذ، بلا قرف.
عقد حاجبيه في غضب شديد خاصة عندما لمح البعض يتابع ما يحدث بينهما وينصت باهتمام وسخرية، فقام واقفا أمامها وهتف في غضب :
– في ايه يادينا ؟ ايه الطريقة اللي بتكلميني بيها دي ؟
ضحكت بسخرية مفرغة غضبها في وجهه وقالت :
– طريقة ايه يا إتش، إنت فاكر نفسك حاجة بجد وعاوزني أختار الطريقة اللي باكلمك بيها، يابني إنت مجرد سلمة دست عليها عشان أطلع على اللي فوقها.
ثم نظرت إليه بحقد وهو يتطلع إليها في مزيج من الدهشة من جرأتها والغضب مما قالته عنه للتو وأكملت :
– مش معنى إني رقصت معاك ولا كلمتك كلمتين تفتكر خلاص إنك بقيت زيي، فوق شوية وشوف إنت واقف مع مين ؟
ازداد غضبه اشتعالا وتطلع إليها بنظرة نارية قابلتها في سخرية وهي تستطرد مرة أخرى :
– الخطة فشلت يا أستاذ ؟ وأكيد أدهم اتأكد بسبب صوتك إنت لأن أكيد مش معاه صوت جمانة عشان يقارن بيني وبينها، إنت فاشل بجد وتستحق الطرد زي ماهي عملت.
كان غضبه قد تأججت نيرانه أكثر وسارت في عقله تلتهم كل خلاياه فصاح غاضبا :
– الزمي بقى أنت حدودك يا دينا هانم، الخطة كانت خطتك وفشلها بسببك مش بسببي وكل كلمة قلتيها دلوقتي هتندمي عليها وهتشوفي.
ثم تركها وخرج غاضبا من المكان وهي تتابعه في حنق شديد .
********
جلست (صفاء) وهي ترتجف رعبا على مقعد في غرفة مكتب (أدهم) الذي كان جالسا خلف مكتبه يتطلع إليها في صرامة وغضب شديدين، وجلس أمامه (آدم) والذي لم تكن نظرته بأقل صرامة من مثيلتها في عيني أخيه، سألها (أدهم) في حزم غاضب :
– كنت واخدة ورق المناقصة على فين يا صفاء ؟
ارتبكت أكثر وبدأت في البكاء وهي ترد :
– والله يافندم مااعرفش إنه ورق مهم للدرجة دي، أنا كنت هاعمل منه نسخة عشان باذاكر اليومين دول للدراسات وبيهمني أوراق المناقصات عشان أتعلم منها.
قال (آدم) في غضب :
– وهو اللي عاوز ياخد ورق من مكتب حد يستنى عدم وجوده ويروح يسرقه؟
دافعت عن نفسها وبكاؤها يشتد :
– ماكنتش باسرقه أنا بس كنت هاصوره ولما رحت مالقيتش حد فاضطريت آخده وكنت هارجعه.
دوت ضحكة (أدهم) الساخرة المجلجلة في المكان فتطلعت إليه في خوف شديد ومثله دهشة على وجه أخيه، قال بعدها :
– انا مش عارف أقولك ايه بصراحة ؟ إنت شايفة نفسك قاعدة مع أطفال وهأقولهم أي حاجة غير منطقية وهيصدقوها وخلاص هاخرج من هنا ولا كأن حاجة حصلت.
ثم هب واقفا خلف مكتبه فجأة مما جعلها تتراجع في ذعر خاصة بعدما صاح فيها بغضب :
– مادام مش عاوزة تتكلمي بالذوق يبقى البوليس يشوف شغله معاكي، اتصل لنا بيهم يا آدم وبلغ عن حالة سرقة وحرامي لقيناه متلبس.
شعرت بالرعب فصرخت :
– لا لا أرجوك يا باشمهندس بلاش بوليس، أنا ماعملتش حاجة.
لم يهتم لها وهتف في اخيه :
– يلا يا آدم.
جاراه (آدم) وبالفعل أمسك الهاتف وبدأ بالاتصال عندما انهارت (صفاء) وازداد نحيبها وهتفت :
– خلاص هأقولك ع اللي حصل يا باشمهندس، بس أرجوك بلاش البوليس.
توقف (آدم) عن إكمال الاتصال في حين تطلع إليها (أدهم) في صمت صارم جعلها تخفض عينيها و بدأت تقص عليهما ما تعلمه عن الأمر برمته، قصت عليهما ما تعرفه عن الذاكرة التي وضعتها في بريده وطلب (دينا) منها إحضار نسخة من ملف المناقصة الجديدة التي تهتم بها الشركة بشدة ثم اوضحت لهما المقصود من وراء ذلك، سواء الإيقاع بينه وبين أخيه أو التفريق بينه وبين (جمانة)، عاد (أدهم) للجلوس خلف مكتبه وهو يستمع للخطة التي وضعتها الأفعى (دينا) ومع كل جملة تنطقها الفتاة كان غضبه يتضاعف حتى شعرت (صفاء) بلهيبه يكاد يحرقها وهو لم يتحدث بعد، عقد حاجبيه في صرامة شديدة لم تكن بأقل من المرسومة على وجه أخيه وهما يتطلعان إليها في صمت زاد ارتباكها فجلست ترتجف أمامهما، تراجع في مقعده وظل يفكر لدقيقة ثم قال بعدها في حزم :
– يعني كنت بتسرقي الورق عشان دينا، ماراعتيش المكان اللي فيه شغلك وأكل عيشك واللي المفروض ولائك له قبل أي حد تاني، ليه عشان فلوس، مجرد مبلغ تافه بالنسبة لها حسيتي إنك هتمتعي نفسك بيه شوية وخلاص، طب وبعد مايخلص ؟ كنت متوقعة إن ماحدش هيكشفك في الشركة مادام التهمة هتلبس في الأستاذة جمانة ودكتور آدم ؟ إيه التفكير الحقير ده ؟ طيب هي وعارف أخلاقها، ليه إنت تعملي كده، عشان فلوس حرام ؟
صمت ثوان و هو يلتقط أنفاسه في حين ظل (آدم) صامتا وملامحه تعلوها الدهشة شاعرا بصدمة مما سمعه للتو، أي حقارة تلك التي تدفع امرأة للتفكير بخطة كهذه فقط لتنال رجلا ما أو حتى ماله، سمع (أدهم) يكمل في صرامة شديدة بها لمحة غضب :
– شوفي يا صفاء، عاوزة تخرجي من المشكلة وبدل ما نسلمك للبوليس تروحي بيتك، هتعملي اللي هأقولك عليه.
أومأت برأسها إيجابا وهي تقول بسرعة :
– أنا تحت أمرك يا باشمهندس.
رد بنفس الصرامة :
– هتكلمي دينا وتعيطي لها وتعرفيها إن الخطة فشلت وكنا هنسلمك للبوليس وتروحي في ستين مصيبة، شوفي هتتعامل معاكي إزاي ؟ هتواسيكي وتقولك معلش وتدفع لك لو حتى جزء من اللي اتفقتوا عليه ولا هتقلب عليكي وتتنكر لك، وساعتها هتعرفي إنك اخترتي الجانب الغلط عشان تساعديه.
تطلعت إليه من وسط دموعها، هل يريد فقط أن يلقنها درسا، وماذا بعد، وكأنه سمع تساؤلها الذي لم تنطقه فقال بلهجة آمرة :
– هتكلميها دلوقتي بعدها هتروحي تسلمي أي عهدة او ملفات كانت معاكي وتنزلي الحسابات تاخدي مستحقاتك وتكوني برا الشركة في خلال ساعة بالكتير.
انهارت تبكي مرة أخرى ولم تستطع النطق بحرف فهي تعلم أنها مخطئة ويكفي أنه لم يسلمها للشرطة، سمعته يقول مرة أخرى :
– يلا كلميها وعرفيها اللي حصل وعرفيها كمان إنك حكيتي على كل حاجة وعرفنا مين ورا الموضوع.
ارتسمت الدهشة على وجهها ووجه (آدم) لكنهما لم يعلقا وقامت هي بالاتصال بها أمامهما، انتظرت الرنين لثوان قبل أن تسمع صوت (دينا) فقالت في توتر :
– دينا هانم أنا رحت في داهية … أيوة مالحقتش آخد الورق وأمشي فجأة لقيتهم قدامي وعرفوا اللي عملته كانوا هيسلموني للبوليس بس الباشمهندس أدهم قالي لو قلت مين وراكي هنسيبك …
كان صوت صراخ (دينا) واضحا في هذه اللحظة عبر الهاتف لكنها أكملت في خوف :
– يعني أعمل إيه أسيبهم يسجنوني؟ .. قلت لهم على كل حاجة واديني اترفدت من الشركة وكويس اني هاروح بيتي مش هابيت في التخشيبة … يعني هو ده بس اللي يهمك وأنا اللي كنت باخدمك ؟ … بتمنه فعلا معاكي حق حتى لو رحت في داهية ماهو تمن الداهية مدفوع ..
فجأة أبعدت الهاتف عن أذنيها ودموعها تنهمر في صمت جعل (أدهم) يقول :
– عرفتي إني معايا حق، أهي باعتك وماكانش عندها مشكلة تتسجني مادام مش هتعترفي عليها.
نظرت إليه في صمت شاعرة بالذل والمهانة فأكمل في حزم :
– اتفضلي زي ماقلتلك، سلمي عهدتك وخدي مستحقاتك و امشي.
قامت في استسلام منكسر وغادرت المكان في صمت، بعد خروجها التفت (آدم) لأخيه متسائلا بدهشة :
– هو في ناس كده فعلا ؟ كل ده عشان توصلك، تشوه سمعة واحدة شريفة وتوقع بينك وبين أخوك ؟
تنهد (أدهم) في غضب، كان يريد أن يكسر أي شيء أمامه لكنه لم يجد فاكتفى بضم قبضتيه بشدة وقال وهو يضغط على أسنانه :
– لو شفتها قدامي دلوقتي هاكسر لها دماغها القذرة دي، لا وأمي عاوزاني أتجوزها وبتقولي طايشة بس وربيها إنت زي ماتحب، أربي مين إذا كان أهلها ماعرفوش يربوها ؟
هز (آدم) رأسه في حزن وقال :
– معلش يا أدهم اهدى، الحمد لله إن الموضوع انكشف في أوله وماحصلش مشاكل بسببه خصوصا مع جمانة، تخيل لو كنت رحت قلت لها قبل ماتعرف الحقيقة كان رد فعلها هيبقى إيه وهتبص لك إزاي ؟
شعر (أدهم) بالرهبة من مجرد تخيل الأمر وحمد الله أن أنار بصيرته في اللحظة المناسبة، تراجع في كرسيه وهو يتنفس الصعداء في حين رغب (آدم) في تخفيف جو الصدمة فداعبه قائلا :
– أمال فين الميموري اللي بتقول عليها صفاء دي ؟
عقد حاجبيه وهو يعتدل في كرسيه مرة أخرى وهتف في استنكار :
– نعم ؟ بتسأل عليها ليه ؟
هز كتفيه وهو يجيب بلامبالاة :
– أبدا عاوز أعرف فيها إيه وإزاي عرفوا يخلوا الاصوات زي صوتي أنا وجمانة ؟
زفر (أدهم) في غضب وقال حانقا :
– لا والله ؟ باقولك إيه ! يلا روح مكتبك .
قهقه (آدم) في مرح ولاحظ الغيظ على وجه أخيه فقال وهو ينهض من مقعده :
– عموما أهي جمانة في المكتب هاروح أحكيلها الاخبار .
لاحقه صوت (أدهم) بسرعة هاتفا :
– آدم إوعى تحكي لها حكاية الميموري دي، قول لها بس ع الملف .
أراد (آدم) برغبة طفولية إغاظته أكثر فتساءل متصنعا عدم الفهم :
– ليه يعني مش لازم تعرف كانت عاوزة تعمل فيها إيه ؟
غضب (أدهم) وهب واقفا وصاح :
– انت بتستهبل يعني عاوز تقولها لفقوا لي علاقة معاكي ومكالمة زبالة ؟
ثم تراجع للخلف في صدمة فحتى هذه اللحظة لم يكن (آدم) يعلم محتوى الذاكرة بالضبط لكنه علم أنه شيء يتعلق به و (جمانة) أما أن يكن هذا الشيء علاقة قذرة عبر الهاتف فلم يكن هذا في حسبانه حتى أنه فهم الآن سر رفض (أدهم) إعطائه الذاكرة ليسمع محتواها، تساءل باندهاش :
– إنت بتقول ايه ؟ الميموري عليها كده فعلا ؟
زفر (أدهم) في حنق شديد وأجاب في استياء لاعنا هفوته :
– أيوة.
ظهر الضيق على وجه أخيه، وشعر بحجم المعاناة التي وضع فيها (أدهم) بسبب حبه لها، أراد أن يمر الأمر بسلام وأن ينسياه فأضفى على صوته أكبر قدر استطاع استحضاره من المرح وهو يقول :
– طيب هاروح اصلح غلطتي بقى واستر ع البنت اللي سمعتها باظت بسببي.
قالها ثم تحرك في سرعة متجها نحو باب المكتب عندما قذفه (أدهم) بملف ورقي كان أمامه وهو يشعر بالغضب منه ويضحك في نفس الوقت، ثم هتف قبل أن يخرج :
– آدم ! إنت رحت فين مع جمانة من شوية ؟
التفت إليه (آدم) وقال يغيظه :
– وإنت مالك يعني ؟
هتف به في غيظ :
– آدم !!
ضحك (آدم) بشدة ثم قال في هدوء :
– أبدا يابني حاجة كده هبلة زي الأفلام القديمة، اتصلوا بيها وقالوا لها إنهم مستشفى وإن ملك بنتها هناك وكده، طبعا طلعت تجري وأنا وراها لأنها كانت معايا وقتها بنشتغل على ملف المناقصة، ولما مشينا بالعربية شوية قلت لها تتصل بمامتها أو أختها تتأكد منها وطلع مقلب زي ما شفت.
بدا الغضب على وجه (أدهم) وهو يقول :
– الناس دي بتفكر إزاي ؟ بأقولك ايه ؟ بعد كده أي تليفون أي حاجة تقولي وأنا أوصلها اطلع منها إنت ماشي ؟
ضحك (آدم) و رد :
– من أولها، يابني استنى لما توافق عليك طيب .
هتف فيه في غيظ :
– امشي يا آدم، روح مكتبك يلا .
ضحك مرة أخرى ثم استدار خارجا من الغرفة، بعدما خرج (آدم) جلس في صمت يفكر : لما يشعر بالضيق من (آدم) ؟ هل يغار من أخيه بالفعل أم بسبب مزاحه ؟ ثم اتخذ قرارا انتوى تنفيذه بعد زواجه منها في الحال .
********
عاد (آدم) لمكتبه ليجد (جمانة) في انتظاره والقلق يبدو على ملامحها، عندما رأته سألته في لهفة :
– خير يا دكتور ؟ كانت عاوزة إيه ؟
هز كتفيه في بساطة و رد :
– أبدا كانت عاوزة تعمل مشكلة بيننا وبين أدهم، هتسرق ورق المناقصة وتبيعه ونلبسها إحنا لما تضيع المناقصة مننا .
عقدت حاجبيها وبدا عليها الضيق ثم تساءلت مرة أخرى :
– طيب وليه كده ؟
أجابها باقتضاب :
– دينا
فهمت على الفور ما يقصده وتساءلت بداخلها : أكل هذا من أجله ؟ شعرت بالحزن يكتنفها، تساءلت عن سره فلم تدري له سببا فاستكانت لأمرها الواقع وضاعت في متاهة حيرتها مكتفية بالصمت، استغرب هو صمتها وشعر بحيرتها و لمحة الحزن التي ظهرت في عينيها، أراد أن يواسيها لكنه بهذا كان سيفشي شيئا حبسه أخاه بداخله فغير الموضوع تماما قائلا :
– بس الحمد لله إننا رجعنا في الوقت المناسب، كويس إني قلت لك كلمي مامتك او اختك واطمني.
رفعت عينيها إليه ووافقته في خفوت :
– معاك حق يادكتور، ساعتها مافهمتش قصدهم إيه من مقلب زي ده بس دلوقتي عرفت السبب، الحمد لله على إنه سترها.
رد بهدوء :
– الحمد لله.
ثم نهض متجها إلى مكتبه وهو يسألها :
– مركزة نشتغل ع المناقصة دي النهاردة ولا نأجلها لبكرة ؟
تطلعت إلى ساعتها لحظة ثم قالت :
– لا للأسف لو ممكن امشي بدري شوية، تركيزي ضايع خالص.
أومأ برأسه موافقا ثم سألها :
– هتمشي إمتى ؟
أجابت :
– يعني كمان نص ساعة كده هاخلص الورق اللي معايا ده وامشي.
قال :
– أوك.
ثم اتجه لمكتبه وبعد دخوله اتصل بأخيه قائلا بسرعة وصوت خافت :
– أيوة يا أدهم … جمانة هتروح كمان شوية متضايقة ومش مركزة … إنت اديت لها مهلة قد ايه تفكر ؟ طيب كويس بقى لها كم يوم أهي تعالى اعرف رأيها وحسسها باهتمامك … إيه ؟ أبدا حسيت إنها اتضايقت لما عرفت إن دينا كانت عاوزة تلبسنا موضوع المناقصة، كأنها سألت نفسها كل ده عشانك وحسيت إنها قلقانة … ايه ياعبيط إنت هتغير مني ؟ يووووه باقولك إيه إنت حر .
ثم أغلق الهاتف وضحك وهو يقول :
– بيغير مني، مجنون.
ثم بدأ في العمل على الأوراق التي أمامه وهو يضحك كلما تذكر جملة أخيه :
– حسيت إنها قلقانة ؟ وانت مركز معاها أوي كده ليه يعني ؟
وعاد يضحك في مرح .
********
كان الحاج (عبد الرحمن) جالسا في بهو منزله الكبير عندما دخل عليه شقيقه (كمال) مندفعا بغضب :
– إيه ياحاج ؟ هنفضل ساكتين كده كتير ؟ يعني رفضتني ورفضت تدينا الأرض هنعمل إيه ونتصرف إزاي معاها عشان أني مش ناوي أسيبها تتهنى باللي عملته .
عقد الحاج حاجبيه في غضب وهتف فيه بصرامة :
– في إيه يا كمال مالك عامل زي القطر كده ليه، إهمد بقى وبطل فكرك الأهبل دِه عشان مش عارف أفكر منك.
نظر إليه في أمل وسأله :
– يعني في حاجة في بالك يا حاج ؟
رمقه بنظرة استخفاف و رد :
– أمال فاكر هسيبها تهينك وترفضك وتاخد أرضنا والموضوع يعدي بالساهل، أني بأفكر لها في حاجة نكسر عينها بيها ونلوع كبدها على بنتها، عشان تبقى تتعلم تتعامل مع ولاد زيدان إزاي .
علت ابتسامة شيطانية شفتي (كمال) وهو ينظر إليه وتساءل :
– يعني وصلت لحاجة يا حاج ؟
رد عليه بنفاد صبر :
– يعني يا كمال أديني بأفكر، وأوعدك خطتي هتكون فيها نهايتها هي واللي يتشدد لها وتبقى تخلي القانون ينفعها .
سأله مرة أخرى :
– طيب احكيلي ياحاج يمكن أفكر معاك ونوصل لحاجة نذلها بيها .
تطلع إليه الرجل في صمت لثوان ثم قص عليه ما يفكر وهو ينظر إليه في تبجيل مستمعا لخطته .
**********************************
الفصل الحادي والعشرون
________________
لملمت (جمانة) أوراقها التي كانت تراجعها وجمعتها في أحد الملفات ثم فركت عينيها في إرهاق وهي تأخذ نفسا عميقا بعدها وضعتها في أحد أدراج مكتبها و أغلقته في إحكام ثم التقطت حقيبتها وقامت لترحل, كانت تبحث في حقيبتها عن مفاتيحها كالمعتاد وهي تسير باتجاه الباب عندما لمحت شخصا يقف أمامه ويسده بجسده, رفعت عينيها لترى الواقف فكان (أدهم) ينظر لها بطريقة غريبة أشعرتها بالخجل, خفضت عينيها أرضا وهي تتساءل :
– انا استأذنت من دكتور آدم عشان أمشي بدري شوية.
تجاهل ماقالته تماما ودلف للمكان وهو يسألها :
– رأيك ايه ؟
رفعت عينيها إليه في دهشة واستغراب ثم تذكرت عرضه للزاوج منها فغزت الحمرة وجنتيها بشدة وخفضت عينيها مجددا وبدا وكأنها تنظر لحذائه, شعر هو بالسعادة وهو يتطلع إلى وجنتيها الحمراوين وشعر بالنشوة أن يكون هو السبب وسألها مرة أخرى ممازحا :
– ايه ؟ عاجبك ؟
نظرت إليه بدهشة مرة اخرى وتساءلت :
– هو ايه ؟
حرك قدمه مشيرا لحذائه وقال في مرح :
– الشوز ؟ ملاحظ إنك بتبصي له كتير ؟
شعرت بالحرج مرة أخرى واستغربت مرحه وكأنما يسعده أن يسبب لها كل هذا الارتباك فابتسمت ولم ترد, عقد ذراعيه أمام صدره وتنحنح ثم سألها مرة أخرى :
– هافضل مستني كتير؟ رأيك ايه ؟ هتتجوزيني ولا هتتجوزيني ؟
ابتسمت في خجل لدعابته فتطلع إليها بحنان وقال مستفزا إياها :
– ماعنديش وقت المأذون مشغل العداد .
تطلعت إليه في دهشة هذه المرة وكتمت ضحكتها بصعوبة فوجدته ينظر إليها باحتواء أشعرها بالدفء, عادت تطرق برأسها أرضا وهي لا تجد ماتقوله, فسكت تماما, كانت في هذه اللحظة تراوده أفكار عدة, هل ترفضه لكنها تستحي من إخباره ؟ هل يمكنه بالفعل إن هي رفضت أن يجبرها على الزواج منه ؟ وإن أجبرها هل بإمكانه جعلها تحبه يوما ؟ يا إلهي لما هي صامتة هكذا ؟ رفعت رأسها أخيرا وقالت في تردد :
– باشمهندس أدهم, أنا مش عارفة أقول لحضرتك ايه ؟ يمكن حضرتك ماتعرفش علاقتي بحسام الله يرحمه كانت عاملة ازاي ؟ وإزاي صعب بالنسبة لي إني أضطر أرتبط بحد بعده حتى لو بشكل صوري او مؤقت ؟ لما الظروف تضطرك تعمل حاجة كنت رافضها بيبقى صعب عليك اوي تاخد قرارك فيها وتوافق الظروف أو تتحداها, ومش الكل عنده القدرة ع التحدي ده أو إنه يقف في وش الظروف ويرفض إنها تجبره على حاجة ضد رغبته, أنا مش باقول لحضرتك الكلام ده عشان قصدي ازعلك او ارفضك, أنا بس باوضح لحضرتك إني فعلا مش هاقدر استمر في الجوازة دي للأبد, حضرتك لما عرضت علي الجواز قلت لي صوري أوك لكن ينتهي بعد مدة دي معترض عليها, مش عارفة إيه سبب اعتراضك إذا كنت وافقت على اول شرط ؟ فانا باعيد عليك طلبي تاني, حضرتك وافقت تقف جنبي وتساعدني وانا مش لاقية كلام يكفيني أشكر حضرتك بيه على موقفك ده فأرجوك كمل جميلك للنهاية واوعدني وقت مااطلب منك حريتي تديهالي.
كانت كلماتها كالسياط, ألا تعلم تلك المرأة ماتعنيه له ؟ لكنني لن أتركك مهما فعلت وطالما حييت أنت امرأتي أنا وستكونين لي أنا فقط, تخطى كل كلامها وحاول أن يضفي المرح على لهجته وهو يسألها :
– يعني موافقة ؟
نظرت إليه في دهشة مرة أخرى وهي لا تدري مابه ولما يبدو كطفل يلهو هكذا ذلك الذي كان يرعبها, وجدت نفسها تبتسم في خجل لم تدري لما شعرت به وهي تومئ برأسها إيجابا في صمت وتعود للنظر لحذائه مرة أخرى, أما هو فكاد يطير فرحا أو يضمها ويحملها ثم يدور بها في المكان لولا بقايا عقل منعته, توقفت الكلمات في حلقه وشعر بها تسده فتنحنح بقوة جعلتها تنظر إليه في قلق لكنه ابتسم وقال :
– لا لا ماتقلقيش ده حاجة كده وقفت في الحنجرة.
ثم قهقه بلا داعي وهي تقول في سرها : إنه مجنون بالفعل, عاد يسألها في هدوء مفتعل :
– طيب آجي البيت إمتى ؟
ردت في خفوت وهي تشعر بخجل شديد :
– هاكلم ماما وأرد على حضرتك.
حضرتك ؟ فكر فيها, ثم ضحك بداخله وقال لنفسه : سأريك, فقط انتظري, قال بنفس الهدوء :
– أوك, تاخدي تليفوني عشان تبلغيني ولا ايه ؟
ردت بسرعة :
– لا لا هابقى اقول لحضرتك بكرة بإذن الله.
رفع أحد حاجبيه في سخرية وشعر بالغيظ فأراد إحراجها أكثر, تقدم منها خطوة فتراجعت للخلف بسرعة وهي تنظر إليه في دهشة فقال في دهشة مصطنعة :
– ايه ؟
ردت في حياء :
– ايه ايه ؟
عاد يقهقه مرة أخرى وهي تشتعل غيظا أمامه ثم قال :
– رايح لأخويا فيها حاجة ؟
أفسحت الطريق أمامه ومر بجوارها ببطء وهو سعيد بالخجل المرتسم على وجهها وابتسم في ارتياح .
_____________________________
حُدد الموعد وذهب مع أخيه وابنه, والده كان مريضا ووالدته لازالت مصرة على رفضها, لم يهمه الأمر فحبيبته كفيلة بأن تجعل تراب الأرض يعشقها فكيف بأمه, سألته والدتها عن أبويه فتعلل بمرض والده وبقاء والدته إلى جواره, دعت له بالشفاء وإن لم تقتنع بما قاله, اتفقوا على موعد عقد القران وصممت (جمانة) ألا يشتري لها شبكة أو ماشابه فهي تعلم جيدا أنه ليس زواجا حقيقيا لكنه أصر فصممت على رفضها, جاراها وقتها وهو ينوي أن يعلمها درسا لاحقا, أخبرهم بصداقها فصعقت, ظلت تتطلع إليه في دهشة ممتزجة بالصدمة التي تعلو ملامحها, ما الذي يفعله حاولت الاعتراض فمنعتها نظرته الصارمة كأنه يقول : ” هذا أمر بيننا “, كانت شاردة خائفة قلقة مترددة أما والدتها وشقيقتها فكانت سعادتهما جمة به وبحبه الواضح على ملامحه والذي كانت هي الوحيدة التي لا تراه, أخبرهم أنه بدأ في تجهيز شقة مناسبة لهما قريبة من منزلهم هذا, كانت ترغب في البقاء هنا فوالدتها لديها منزل بالفعل لكنه رفض هذا الأمر تماما وأصر على رأيه ولم تفهم هي السبب في ذلك فقبلت على مضض, ثم أنهوا اتفاقاتهم .
جاء يوم عقد القران وأصر والده على حضوره وبصحبته (سارة) , وكم كانت سعادة (أدهم) كبيرة بوجود أبيه, تساءلت (جمانة) كثيرا عن سبب غياب والدته, وخمنت السبب, لم تكن ترغب في مشاكل كثيرة فاكتفت بالتأكيد في نفسها على قرار الزواج المؤقت حتى يعود هو لبيته مع أبويه, وبعد انتهاء اليوم وعقد قرانهما عاد كل منهم لمنزله وذهبت الصغيرة مع خالتها وجدتها وحمدت الجدة الله أن كانت نائمة حتى لا تسبب مشكلة وتجعل زوج ابنتها يأخذها معهما .
عاد والده لبيته بصحبة (آدم) الذي أوصله بسيارته للفيلا فالتفت يتطلع بحنان للصغير (يوسف) النائم على الكرسي الخلفي بجوار (سارة), ثم عاد يلتفت لابنه الصامت, نعم يعلم أنه غاضب منه, لم يأت وقت تطييب الجراح لكنه اكتفى بأن جذبه إليه وقبل رأسه في حنان جعلت الدهشة تكتنفه وهو يتطلع إليه في صمت, دار بين أعينهما حديث مطول خفض بعدها (آدم) عينيه وهو ينتظر هبوط والده وأخته ليبتعد مرة أخرى, هبط الأب من سيارة ابنه ومعه ابنته تتابعهما عيني (فريدة) من شرفة غرفتها في حنق شديد, رحل (آدم) ودخلت (سارة ) ووالدها إلى الفيلا بهدوء, تلفت حوله فلم يجد زوجته, ابتسم وقال لابنته :
– اطلعي إنت نامي ياسارة, يلا تصبحي على خير.
أومأت برأسها وردت :
– وإنت من أهله يا بابا.
ثم اتجه كل منهما لحجرته, ما إن فتح (جلال) باب غرفته حتى طالعه وجه زوجته المحتقن بشدة وملامحها التي خطها الغضب بحرفية, دلف للداخل وأغلق الباب خلفه واتجه للسرير ليجلس عليه بهدوء وهو يشعر بإرهاق شديد. سألته في عصبية :
– الهانم خدت ابنك خلاص يا جلال؟ ابني الوحيد يتجوز بالشكل ده ؟ من غير فرح من غير ما نعزم اصحابنا من غير مانفرح ؟
رد عليها بملل, كان لا يريد الحديث بل فقط يطلب الراحة :
– مش مهم فرح يا فريدة المهم هو يكون مبسوط.
ازداد غضبها فهزت رأسها في عنف وهي تهتف :
– كده يا جلال ؟ مش مهم ؟ امال ايه المهم ؟ نفرح بولادنا إزاي لما جوازهم يبقى في الضل كده ولا فرح ولا ناس تعرف, لما هو بيحبها مكسوف يعملها فرح ليه.
رد في عصبية :
– يوه يافريدة دي رغبتها هي, سيبيه يعيش حياته بقى ولو مالقاش سعادته معاها ابقي اشمتى فيه.
تطلعت إليه بصدمة من كلماته الصريحة, وقالت في حزن :
– أشمت فيه يا جلال ؟ هو ده اللي قدرت تواسيني بيه عشان ماعرفتش أفرح بابني الوحيد ؟
رد في عصبية أكبر :
– وانا مافرحتش بولادي الاتنين, سيبيني في حالي بقى يا فريدة انا تعبان.
نزلت من عينيها دمعة لم يلحظها ثم التفتت مغادرة الغرفة في صمت, تنهد هو في غضب, كان بداخله بركان لو تركه لأحرقها بحممه وهو يحاول كبحه لكنها تفتأ تثيره وتغضبه أكثر ولا تدري أنها بذلك تقضي على الخيوط التي تربط بينهما خيطا تلو الآخر .
___________________________
أضاء (أدهم) النور وهو يدخل خلف (جمانة) إلى منزلهما, كانت تشعر بتوتر لا حد له أما هو فكانت سعادته لا توصف, أغلق الباب خلفهما في هدوء وتطلعت هي إلى الشقة التي أثثها على ذوقه, بدت راقية أنيقة بسيطة وأعجبتها للغاية, وقف خلفها صامتا يتطلع إليها بِوَله, كانت جميلة ورقيقة للغاية في ثوبها الناعم وحجابها الأنيق, كان يود أن يأخذها بين ذراعيه ويذيقها خمر عشقه المختزن بداخله لسنوات طوال من أجلها هي فقط, لكنه يعود فيتذكر وعده لها فيكتفي بالصمت, شعرت بالهدوء يعم المكان فالتفتت إليه في خجل جعله يبتسم ويقول :
– أنا هنا مامشيتش.
ابتسمت في خجل ولم تعلق, فاقترب منها لكنها تراجعت للخلف بسرعة جعلته يضحك فتطلعت إليه في غيظ, قال لها :
– في ايه ؟ تعالي بس ماتقلقيش هاوريك اوضتنا .
سألته في صدمة :
– اوضتنا ؟
أومأ برأسه إيجابا في صمت فعادت تهتف :
– لا طبعا, أنا هانام مع ملك في اوضتها وحضرتك خليك في الأوضة التانية.
قال ببرود :
– جملتك دي فيها حاجتين غلط, حضرتك واوضتك .. مفيش حاجة اسمها حضرتك, إنت دلوقتي مراتي مفيش واحدة بتقول لجوزها حضرتك ولا ايه ؟ عندك أدهم , أدهوم, أبو الأداهيم, أي حاجة تطلع منك, خلي بالك من الموضوع ده كويس عشان مالاقكيش فجأة قدام الناس بتقولي لي حضرتك ويا باشمهندس, ده أولا, ثانيا بقى دي أوضتنا …
وأشار لغرفة مقابلة وهو يكمل :
– أوضتنا, سوا, ماحدش هينام في أوضة لوحده.
ثم اقترب منها وهي تتراجع للخلف حتى اصطدم ظهرها بالجدار وقال في حزم واضعا ذراعيه حولها مستندا بهما على الجدار خلفها :
– أوووووضضضضتتتننااااااااااا… سهلة مش كدة ؟
شعرت بارتباك شديد أصابه بالسعادة, فلم يرد أن يربكها أكثر فابتعد عنها وسألها :
– هتغيري الأول ولا انا ؟ المفروض هنصلي مع بعض ولا ايه ؟
تطلعت إليه في دهشة وتساءلت :
– نصلي.
رفع حاجبيه في استهجان ورد :
– آه طبعا نصلي, مش ده الطبيعي في يوم زي ده ؟
وعاد يقترب منها مثيرا توترها مرة أخرى :
– يوم جوازنا, ليلة دخلتنا, بنصلي الأول صح ؟
اتسعت عيناها في ذعر كاد يفقد أعصابه معه وتدوي ضحكته في المكان, أما هي فتمتمت في خوف :
– دخلتنا ؟
لم يتمالك نفسه أكثر فضحك بشدة وهو يدير لها ظهره متجها للغرفة ويفتحها ويدخل إليها ثم يتجه لدولاب كبير في مواجهة الباب ويلتقط منه شيئا ما ثم يستدير بوجهه لها وهي تنظر إليه في وجل, وجدته يخلع سترته ويلقيها على السرير ويبدأ في فك أزرار قميصه فأدارت وجهها في خجل جعله يضحك مرة أخرى وهو يخاطب نفسه : ” إن ما كنت أوريكي يا جمانة, ماأبقاش أنا “, حمل ملابسه واتجه للحمام الملحق بالغرفة وهتف فيها :
– انا هاغير جوا وآخد شاور, لو اتأخرت روحي الحمام التاني بقى .
أومأت برأسها بدون أن تلتفت إليه, ما إن أغلق باب الحمام خلفه حتى تنفست الصعداء ورفعت كفيها لوجنتيها تدلكهما في توتر وهي تهتف بخفوت :
– إنت عاوز ايه يا باشمهندس ؟ مااتفقناش على كده ؟ المصيبة إني باحس قدامك إني متخدرة, أعمل ايه بس.
تنهدت مرة أخرى واتجهت للغرفة, تطلعت إليها بإعجاب فهي كبقية الشقة تتمتع بذوق راق أنيق, توجهت لدولاب الملابس وفتحته, وجدت ملابس (أدهم) فاتجهت للجزء الآخر وفتحته لتفاجأ بالعديد من قمصان النوم الفاضحة وبعض الفساتين الأنيقة جعلتها تتراجع للخلف في صدمة وتغلق الباب بسرعة وهي تلهث في عنف, خاطبت نفسها : ” يا إلهي ماذا ينوي هذا الرجل ؟ ” , اتجهت لباب الدولاب الثالث وفتحته ثم تنهدت بارتياح فهاهي ملابسها التي أوصت شقيقتها بترتيبها في غرفتها, التقطت عباءة منزلية أنيقة وحجابا ملائما لها والتفتت لتخرج من الغرفة عندما فوجئت به أمامها, كان يبدو وسيما للغاية في ثوبه المنزلي وبدت كأنما تراه للمرة الأولى, بعض البلل أصاب قميصه فالتصق بصدره وكتفيه مظهرا ذراعيه القويتين, ذقنه خشنة وشعره مبتل وملتصق بجبينه, ودت لو تمد يدها وترجعه للوراء لكنها تنحنحت في ارتباك وقالت :
– كنت هاروح برا لما اتأخرت.
لاحظ نظراتها إليه فابتسم وتطلع لما تمسكه في يديها واحتار أيستمر في إثارة توترها أم يتركها ويكتفي بحصاد اليوم, تنحى من أمام باب الحمام وأشار لها بالدخول, اتجهت للحمام وهو واقف أمامه وترك لها مساحة كافية فقط لتمر منها بجواره, انكمشت على نفسها وهي تمر من أمامه في سرعة وهو يتطلع إليها في صمت, تسلل عطر جسده لأنفها وهي تتخطاه فخفق قلبها, أغلقت الباب خلفها لتتنهد وهي تستند إليه أما هو فابتسم في ظفر واتجه ليتمدد على الفراش في انتظارها .
خرجت من الحمام وهي ترتدي عباءتها وتلف حجابها على شعرها لتجده ممددا أمامها, أدارت وجهها عنه في خجل في حين تطلع هو لما ترتديه ولم يقل شيئا بل نهض واقفا وقال :
– يلا نصلي .
وقفت خلفه في توتر وبدأا الصلاة, سمعته يقرأ القرآن بصوت شجي فشردت بعيدا إلى يوم زفافها إلى (حسام), فقدت تركيزها وخشوعها وتركت دمعة تسيل من عينيها لم تستطع منعها, أنهيا صلاتهما فالتفت إليها ليجد دمعة تسيل على وجنتها, شعر بالألم يمزقه, هل تذكرت زوجها ؟ حبيبها الأول ؟ أول من أحبت وعشقت ولمست ؟ لم يدر ماذا يفعل فتصرف وكأنه لم ير شيئا, بل وضع كفه على جبينها فانتفضت في عنف من لمسته وكادت تبتعد لولا أن أوفقتها نظرة عينيه الصارمة, فصمتت في وجل وتوجس, وجدته يأخذ نفسا عميقا ثم يقول : ” اللهم إني اسألك من خيرها وخير ما جبلت عليه، وأعوذ بك من شرها وشر ما جبلت عليه ” , وجدت ذاكرتها تعود بها للخلف مرة أخرى, ثم تنبهت له يمسح دمعتها الساقطة بأصابعه في حنان, نظرت إليه في توتر وابتعدت عنه بسرعة فابتسم لها مطمئنا, واستقبلت هي ابتسامته في صمت, لم تعلم لما شعرت بالأمان والهدوء فجأة لكنها استمرت على صمتها, نهض ثم مد يده يساعدها على النهوض عنوة فشعرت بالخوف مرة أخرى, لكنه أدار ظهره لها واتجه ليتمدد على أحد طرفي السرير مبتعدا قدر الإمكان عن منتصفه وقال في نبرة شعرت بالحزن يتخللها :
– تصبحي على خير.
لم تدر لما بدا صوته حزينا في أذنيها هل يحبها بالفعل كما اعتقدت شقيقتها ؟ هل تؤلمه ؟ ردت بخفوت :
– وإنت من أهله.
عاد لها توترها مرة أخرى واستمر هو يتطلع إلى الجدار أمامه في صمت ولم يشعر بها تدخل إلى جواره فانتظر لحظات حتى سمع حركتها تتجه مبتعدة عنه, التفت إليها ليجدها تجلس على مقعد كبير في الغرفة وتريح رأسها للوراء في إرهاق, شعر بالغضب هذه المرة ورغب في استفزازها مجددا فناداها في حزم :
– جمانة.
فتحت عينيها بسرعة وتطلعت إليه في قلق, فأشار إلى السرير جواره وقال بنفس النبرة :
– مكانك هنا.
هزت رأسها نافية وهتفت في توتر :
– لا طبعا, إنت قلت أوضتنا وسكت, مش هانام كمان ع ….
وصمتت في خجل فناداها مرة أخرى :
– جمانة.
رفعت عينيها إليه لتجده يشير إلى جواره قائلا في صرامة :
– مكانك هنا, تعالي نامي فيه حالا.
ردت في ارتباك :
– بس أنا مش …..
وجدته يعتدل في مكانه وبدا كأنه سينهض ليجبرها على النوم إلى جواره, فنهضت بسرعة واتجهت إلى الفراش, عاد يسألها بنفس الحزم :
– هتنامي كده ؟
هتفت بداخلها ” إنت عاوز ايه بقى ” لكنها سألته :
– كده إزاي ؟
أشار إلى حجابها في صمت فتوترت وأجابت :
– أيوة انا كده كويسة.
سألها بسرعة :
– ليه مفيش شعر ولا وحش للدرجة دي ؟
وجدت نفسها تتطلع إليه بدهشة لتقابلها عينيه الصارمتين المخيفتين, كانت تود قول الكثير لكن لسانها لم يطيعها فاكتفت بأن قالت :
– ماتضغطش عليا.
ظل على نظرته الصارمة فكادت تبكي متوسلة وقبل أن تقول شيئا مد يده إليها ونزعه عنها دفعة واحدة لتتناثر خصلات شعرها الكستنائي على وجهها في نعومة, وجد قلبه يخفق في عنف أما هي فانتفضت شاعرة بالصدمة من تصرفه, من يظن نفسه , إن زواجنا صوريا وسيبقى هكذا,” يا إلهي أَعِنّي لما أشعر بالضعف أمامه “, أفاقت على لمسته وهو يرفع خصلة من شعرها ويعيدها للخلف, فنظرت إليه وابتعدت عن يده بسرعة, كانت نظرته إليها تجعل عينيها أسيرة عينيه وكأنه يقتحم أسوار حصونها ويكبلها بسلاسله ويغلق عليها أقفاله, لم تستطع الحركة, وجدته يقترب منها فتجمدت كتمثال من المرمر, اقترب أكثر وتسارعت مع اقترابه دقات قلبها حتى باتت تسمعها في أذنيها ثم وجدته يمد يده إليها ويتخطاها ليلتقط هاتفه من فوق الكومود خلفها ثم يعود لمكانه قائلا بصوت متحشرج :
– بكرة الجمعة لازم اظبط المنبه, هتصحي للفجر ولا أصحيكي ؟
انتفض قلبها بداخلها مرة أخرى ولم تدر لم فعل هذا , هل تماسك بالفعل أم أنه لم يكن ينوي شيئا منذ البداية وكان يستفزها فقط ؟ شعرت بالحنق الشديد فالتفتت تسحب غطاءا فوق رأسه وتنام قائلة :
– لا هاصحى طبعا لو تحب أصحيك قولي .
نظر إليها في دهشة, ماذا أصابها ؟ ألا تدري ما فعلته بي للتو حتى تغضب أيضا, لقد تماسكت ومنعت نفسي عنها لأجلها بشق الأنفس وهي تغضب, ماذا تريد هذه المرأة ؟ أدار وجهه هو الآخر وأجاب في برود :
– لا انا باصحى لوحدي.
أغمضت عينيها في ألم ولم ترد, حاولت النوم لكن أنى له أن يزور أجفانها, ظلت مستيقظة وهي تشعر بأنفاسه المنتظمة إلى جوارها, لقد نام كطفل وهي يكاد رأسها ينفجر من قلة النوم والإرهاق والتفكير, نهضت بعد ساعتين من المحاولات الفاشلة للنوم وخرجت من الغرفة بهدوء, بعد خروجها التفت يتطلع للباب في صمت, ثم عاد يلف وجهه للجدار ويحاول النوم دون جدوى, عادت هي بعد قليل وشعر بدفء جسدها يقترب منه, نامت إلى جواره في هدوء دون أن تنام حقيقة, ومر الليل دون أن يغمض لأيهما جفن .
قامت في الصباح مبكرا, كان هو قد نام بعد شروق الشمس أما هي فبعدما غلبها الإرهاق استيقظت فزعة على صوت (حسام) يناديها في أحلامها قائلا في حزن حطم قلبها ” أنت لي جمانة, لا تعطيه ما امتلكتُه يوما, ستبقين لي حتى آخر نفس يتردد في صدرك, أنت ملكي .. ملكي .. ملكي ” وظل صدى صوته يتردد في عقلها حتى فتحت عينيها في فزع لتجد نفسها إلى جوار رجل آخر, اعتدلت في إرهاق وهي تتثاءب ثم قامت من مكانها, شعر هو بحركتها فتجاهلها وحاول النوم مجددا, خرجت من الغرفة بهدوء وتطلعت للساعة لتجدها التاسعة صباحا, قررت أن أمامها وقت كافي حتى يستيقظ ويتناول فطوره ويذهب للصلاة, اتجهت للحمام الخارجي وملأت حوض استحمامه بالماء الدافئ وفقاعات الصابون العطرة ثم استلقت فيه لساعة كاملة, شعرت بإرهاقها يتلاشى وبأعصابها تسترخي فأغمضت عينيها في راحة, عندما تأخرت قام هو من فراشه واتجه خارج الغرفة وبحث عنها فلم يجدها, وعندما التفت ليعود للغرفة لاحظ باب الحمام المغلق فعلم أنها بالداخل, شعر بالقلق يكتنفه ماذا لو حدث لها شيء, لما هي بالداخل كل هذا الوقت ؟ اتجه إليه وطرق الباب برفق ففزعت هي وهتفت :
– أيوة.
سألها باهتمام :
– إنت كويسة ؟
تنهدت وردت :
– أيوة, كنت مرهقة بس فمليت البانيو عشان استرخي شوية.
تنهد هو الآخر في ارتياح ثم تنبه لما قالته : بانيو ؟ إذن فهي …. , شعر بدقات قلبه تتسارع مرة أخرى فابتعد عن الباب بسرعة, لاعنا إياها ولاعنا قلبه ولاعنا وعده لها, جلس في الغرفة لثوان وعادت إليه رغبته الطفولية في إثارتها واستفزازها فعاد إليها وهتف من خلف الباب :
– جمانة لما تخلصي ماتفضيش البانيو .
شعرت بالدهشة فسألته :
– ليه ؟
ابتسم في خبث وقال :
– هأخد شاور بعدك.
توترت بشدة لكنها قالت :
– طيب ما تروح الحمام التاني.
قال في عناد :
– لا انا عاوز ده ونفس البانيو ونفس الماية والصابون, ماتفضيهوش لو سمحتي وخلصي بقى عشان مااتأخرش ع الصلاة, فين الفطار يا هانم ؟
كاد يصلها صوت ضحكاته من خلف الباب وهي تعقد حاجبيها في خجل كعادتها وترد :
– حاضر دقيقة وأخرج أحضر لك الفطار.
أجاب :
– يلا بسرعة.
ثم عاد لغرفته بسرعة وتمدد على الفراش في انتظار خروجها, كان يشعر بسعادة لا مثيل لها كلما أشعرها بالخجل أو استفزها, سمع باب الحمام يفتح فتطلع لخارج الغرفة في انتظارها, وجدتها ترتدي عباءة أخرى رقيقة وقد صففت شعرها المبتل وتركته منسدلا على كتفيها وخصلة منه نافرة على جبهتها قام من أمامها مسرعا واتجه للحمام وأغلق بابه خلفه في شيء من العنف لم تفهمه, فتجاهلته واتجهت لتعقص شعرها بشريطة ملونة رقيقة ثم عادت للمطبخ لتحضر له الفطور, بعد ما يقرب من نصف ساعة سمعته يخرج من الحمام فحاولت ان تناديه ليتناول فطوره لكن لسانها لم يطيعها لتنطق باسمه, شعرت بالخجل وصمتت منتظرة حضوره, أما هو فبدا وكأنه ينتظرها أن تناديه فاتجه للغرفة في صمت, وجدت نفسها مضطرة للذهاب خلفه لكنها انتظرت قليلا عله يعود, لما تأخر اتجهت إليه لتجده مستقبلا القبلة ويصلي في خشوع, تراجعت للخلف واستندت للجدار المجاور لها وقلبها ينبض بقوة, عادت للمطبخ لتجده يدلف إليه بعد دقائق هاتفا :
– ايه اللي انا شامه ده ؟؟ امممممم ده بيض ده ولا ايه ؟
ابتسمت وهي ترد :
– أيوة بيض ماله ريحته فيها حاجة ؟
أجابها بمرح :
– أيوة فيها حاجة حلوة.
اتسعت ابتسامتها وقالت :
– طيب افطر يلا عشان ماتتأخرش ع الصلاة, تحب ايه مع الفطار ؟
جلس على مائدة صغيرة تتوسط المطبخ وهو يتساءل :
– ايه مع الفطار ازاي ؟
بنفس الابتسامة أجابت :
– قصدي بتشرب ايه مع الفطار ؟ عصير قهوة شاي نسكافيه لبن ؟
ضحك ورد مداعبا :
– أي حاجة ساقعة بيبس.
بادلته ضحكته بضحكة رقيقة خجول أذابت قلبه وهو ينظر إليها فهز رأسه وقال متصنعا الجدية :
– هاتي نسكافيه .
أومأت برأسها إيجابا وقامت بتحضير كوبين من النسكافيه وحملتهما واتجهت للمائدة وجلست أمامه تتأمله وهو يلتهم طعامه في نهم, شعر أنه يأكله بهذا الشكل لأنها فقط من صنعته له, ابتسمت في حنان انقلب لخجل شديد عندما رفع عينيه ووجدها تتأمله ونظرة الحنان تملأ عينيها, فكر: لقد أزال حجرا من السور المحيط بها, ابتسم لها وسألها :
– ايه ؟
ردت بخجل :
– ايه ايه ؟
اتسعت ابتسامته وعادت إليه رغبته الطفولية في استفزازها وهو يقول :
– بتبصي لي كده ليه ؟
ثم تطلع إليها وقال بنبرة مغايرة ولهجة ملتفة :
– جعان فيها حاجة ؟
ازداد خجلها وهتفت مدافعة :
– لا لا مش قصدي, بالهنا والشفا.
عاد يأكل من جديد وغمغم :
– آه انا قلت بآكل أكلك ولا حاجة.
ضحكت مرة أخرى برقة فرفع عينيه إليها بنظرة أخجلتها فأطرقت برأسها تتطلع إلى كوب النسكافيه الساخن وتديره بين كفيها على المائدة, نظر إلى الكوب وشعر بالحسرة, تحتضنه بكفيها وتأخذ منه دفئه وهو لا يستطيع حتى لمسها, أنهى طعامه والتقط كوبه وقام واقفا وقال باستياء :
– إنت يا إما مش عاوزة تاكلي معايا يا إما محرجة, وفي الحالتين أنا هاروح اشرب النسكافيه برا وخدي راحتك.
قالها والتفت مغادرا المطبخ بخطوات واسعة وهي تحدق فيه بدهشة, إنه حقا مجنون فهي لا تتناول فطورا في الغالب, لملمت الأطباق ووضعتها في حوض المطبخ ثم حملت كوبها وذهبت خلفه, عندما دخلت لغرفة المعيشة وجدته جالسا يمسك مصحفا ويقرأ في خفوت, جلست في ركن الغرفة تتطلع إليه في إعجاب, لكنه فجأة أقفل مصحفه ورفع عينيه إليها في تساؤل فقالت :
– أنا غالبا مش بافطر باشرب بس قهوة الصبح أو نسكافيه وخلاص.
تطلع إليها في صمت فأطرقت أرضا وهي لا تجد ما تقوله فسألها :
– في حاجة تاني ؟
هزت رأسها نفيا فقال بنبرة تحمل بعض الفظاظة :
– طيب ممكن تسيبيني لوحدي ؟
شعرت بالحرج فقامت خارجة من الغرفة بسرعة, زفر هو في حنق, هاهو يغضبها لكن ما بيده حيلة كيف يخشع ويتدبر في كتاب الله وهي حوله بهذا الشكل ؟ تنهد مرة أخرى ثم عاد للقراءة, خرجت هي من الغرفة شاعرة بالغضب, ما الذي فعلته ليحدثها بهذه الطريقة ؟, توضأت ووقفت على سجادتها لتصلي ركعتي الضحى ودعت الله أن ينير بصيرتها ويفرج همها ويساعدها في حل مشكلتها وأن يحفظ لها صغيرتها, رآها هو تصلي بخشوع وتدعو سمعها تنتحب في سجودها فرَّق قلبه لها, وغضب من نفسه لطريقة حديثه معها, سمع مكبر الصوت في المسجد القريب يبدأ في العمل فعاد للحمام توضأ واتجه للغرفة ليرتدي ملابسه فلم يجدها تلفت حوله بحثا عنها ثم خرج من الغرفة وناداها :
– جمانة ؟
جاءه صوتها من غرفة المعيشة تقول :
– أنا في الليفينج.
اتجه إليها ليجدها تجلس كما كان هو منذ قليل وتحمل مصحفه في يدها وتنظر إليه في تساؤل فقال في حنان :
– أنا نازل, محتاجة حاجة ؟
هزت رأسها نفيا وهي تغمغم :
– لا شكرا.
ابتسم لها ثم غادر المنزل لأداء صلاة الجمعة.
الفصل الثاني والعشرون
_________________
بعد خروجه أنهت قراءة الكهف ثم توضأت وجلست تردد بعض الأدعية والأذكار حتى أذن الظهر, قامت لتصلي ثم ختمت صلاتها, وبعدها أخذت تدور في الشقة فهي المرة الأولى التي تراها فيها, كان كل شيء حولها يدل على ذوق رفيع يتميز بالبساطة والرقي في نفس الوقت, ابتسمت ثم عادت لغرفتها, اتجهت للدولاب ثم فتحت الباب الأوسط تتطلع لمحتواه في دهشة, كيف يفكر في شراء أشياء كهذه وهو يعلم أن زواجهما ليس حقيقيا, ثم فكرت لحظة أمن الممكن أن … ؟ أغلقت الدولاب ثم التقطت هاتفها واتصلت بشقيقتها التي ردت عليها بسرعة وكأن الهاتف كان في يديها هاتفة :
– جوجوووو, وحشتيني, عاملة ايه ؟
ابتسمت وردت عليها :
– وعليكم السلام ورحمة الله , برده ؟ برده ؟
سمعت ضحكة (لمياء) الصافية فأسعدها ذلك, شعرت وكأن زواجها كان مبعث سعادة أختها خاصة عندما قالت :
– يا باردة, طمنيني عليكي مع البيج بوص.
ضحكت (جمانة) وردت :
– بيج بوص ؟ تمام الحمد لله .
حاولت (لمياء) أن تعرف أكثر فعادت تقول :
– اعترفي يا بنت, ايه الاخبار ؟
شعرت بالخجل يكتنفها, ليس لعدم وجود شيء لتقوله ولكن لمجرد تفكيرها أن هناك شيء ما مشابه لاعتقاد أختها قد يحدث بينهما فصمتت, فسرت شقيقتها صمتها بطريقة خاطئة فداعبتها قائلة :
– بتنكسفي يابيضة هههههههه خلاص ماشي عفونا عنك, المهم وحشتيني وملوكة هتتجنن عليكي, بنحاول نشغلها على قد مانقدر.
شعرت (جمانة) بالحزن فهي تريد صغيرتها وتعتقد أن (أدهم) لن يمانع لكن وجودها معها في هذه الأيام سيثير الشكوك حول علاقتهما فقالت في حنان :
– يعني مش هاعرف اكلمها, ممكن تعيط ؟
ردت (لمياء) :
– ده أكيد, معلش بقى خليكي في اللي إنت فيه, بس ايه رأيك في ذوقي ؟
شعرت (جمانة) بالدهشة, إذن فما اتصلت من أجله بشقيقتها هي من قامت به بالفعل, سألتها لتتأكد :
– ذوقك في ايه ؟
ضحكت (لمياء) وردت :
– في اللي بالي بالك , كله ذوقي حتى الفساتين, عارفة الستايل اللي بيبقى تحفة عليكي وجبت منه .
تداركت الأمر وقالت :
– بجد ؟ كنت فاكرة أدهم هو اللي جابهم .
ردت :
– هههههه أدهم مين يابنتي ده باين عليه مالوش في الكلام ده خالص وكسوف وكده ياتي ههههههههه.
ضحكت بشدة وقالت :
– كسوف وياتي, ماشي .
أرادت إغاظتها فقالت بعبث :
– ايه ده ايه ده ؟ من اولها كده بنغير امال كمان يومين تلاتة هتعملي ايه ؟ هتحبسيه في البيت ههههههه.
ردت (جمانة) بمرح :
– لا ماتقلقيش انا ديموقراطية جدا جدا, اديني ماما بقى.
داعبتها :
– أيوة اهربي اهربي.
ضحكت في سعادة وهي ترى شقيقتها تمرح وتعود البسمة لوجهها مرة أخرى بهذا الشكل, تناولت والدتها الهاتف وتحادثتا قليلا كانت توصيها بزوجها والاهتمام به, وهي تستمع في صبر, أنهت المكالمة ثم تنهدت في قليل من الضيق, قامت للدولاب وفتحته تتطلع للقمصان والفساتين بداخله, التقطت فستانا رقيقا بلون وردي فاتح طويلا ناعما للغاية, اتجهت به للمرآة ووضعته على جسدها وهي تتطلع لنفسها, كان لون الفستان مناسب لبشرتها جدا ويبدو رائعا على وجهها, أرادت تجربته فتطلعت للساعة خلفها وجدت أن أمامها مايقرب من أربعين دقيقة حتى يعود من الصلاة, قررت أن تجازف وتجربه خلعت عباءتها وارتدت الفستان كان أحد كتفيه عاريا والأخر يستكين على كتفها, بدت فيه ذات طلة ملائكية, تركت شعرها ينسدل على كتفيها بنعومة ثم نقلته تجاه كتفها العاري وتركت الناحية الأخرى مواجهة لرقبتها, بدت جميلة للغاية ورقيقة, تنهدت في حزن ثم تذكرت الكابوس الذي استيقظت عليه اليوم, نظرات الحزن في عينيه ونبراته في صوته, يا إلهي ماذا تفعل ؟ خلعت الفستان سريعا وارتدت عباءتها ثم أعادته لمكانه وأغلقت الدولاب, جلست على الفراش وهي تمسك بحقيبة يدها, فتحتها وأخرجت منها كتيب مذكراتها الصغير, فتحته وأمسكت بصورة (حسام) ووجهه الباش تتطلع إليها في حزن وانحدرت من عينها دمعة, أمسكت القلم وفتحت صفحة فارغة كتبت فيها ” أمس عقد قراني على رجل آخر يا حبيبي, لكنني سأبقى ملكا لك للأبد ” .. أغلقت الكتيب ثم تمددت على الفراش وهي تسند ظهرها على إحدى الوسائد وتتأمل الصورة في شجن وحزن عميق, ضمتها لصدرها كأنها تستشعر ذراعيه حولها, ولم تشعر بنفسها إلا وهي في عالم الأحلام معه, كان يبدو وسيما كما اعتادت ان تراه, يبتسم لها في حب ويمد يديه إليها, اتجهت نحوه فاقترب أكثر حتى وقف أمامها, قال لها ” عيشي حياتك يا لؤلؤتي, احمي بنتنا ودافعي عن حقها, اوعي تستلمي, وخليكي في اللي جاي مش اللي راح” ابتسمت في هدوء وهي تحتضن كفيه, واكتفت بأن تتطلع إليه في حب, ثم شعرت بالسكينة بين ذراعيه فراحت في سبات عميق وهي تحتضن صورته.
بعد دقائق عاد (أدهم) إلى المنزل, فتح الباب برفق ودلف إليه وأغلقه خلفه بهدوء ثم تلفت حوله بحثا عنها, اتجه لغرفة النوم ليجدها مستلقية على السرير وهي ترفع جسدها قليلا على إحدى الوسائد ومستغرقة تماما في النوم, اقترب منها وهو يتطلع إليها بحنان دافق, ومال يتأملها بحب حينما وقعت عيناه على الصورة في يدها, كانت الصورة مقلوبة وظهرها لأعلى لكنه عقد حاجبيه وخمن من فيها, كاد يجن إقترب أكثر وأمال طرف الصورة البارز من أسفل يدها ليجد صورة رجل يحمل طفلة صغيرة لا يتعدى عمرها بضعة أشهر, تطلع لوجه الرجل وابتسامته التي يطل منها الحنان بوضوح وخمن, بالتأكيد هو زوجها الراحل, إن الصغيرة نسخة منه, عينيه ونظرتهما الرءوم, شعره الداكن وبشرته الخمرية, اعتدل وأخذ نفسا عميقا, شعر بمزيج من الغضب والحزن ينتقل لقلبه رويدا رويدا عبر شرايينه, ” ياربي يا جمانة, للدرجة دي كنت بتحبيه ؟ وأنا اللي كنت فاكر سهل أخليكي تحبيني وتتعلقي بيا وتفضلي معايا ؟ في بيتنا سوا نايمة وآخدة صورته في حضنك ؟ ياترى بتحلمي بيه كمان ؟ وبتحلمي بيه إزاي ؟ زي انا ما باحلم بيكي ؟ ” عند هذه النقطة من تفكيره تصاعد غضبه أكثر وكاد ينتزع الصورة من يدها ويمزقها إربا لكنه تماسك بأقصى قدر يملك من الصبر والعقل, ليست هذه هي الطريقة المثلى لمعالجة الأمور واقتحام أسوارها العالية, أبدا ليست هي, عاد يفكر ” كنت اتمنى أكون انا أول واحد في حياتك, أول حب وأول نظرة وأول لمسة, ماكنتش هاسيب مساحة لحد تاني في قلبك, أنا طماع وعاوزه كله ليا, عاوزك كلك ليا ” وجدها تتحرك في كسل فابتعد عنها والتفت ليخرج من الغرفة بسرعة لكنه لمح إلى جوارها الكتيب الصغير, لم يكن يرغب في أن تعرف أنه رأى الصورة, لكنه لم يستطع مقاومة فضوله, كان يرى أنه من غير اللائق أن يفتش في خصوصياتها لكن غلبه الفضول فالتقطه برفق وفتحه على الصفحة التي كان عندها القلم, وقرأ آخر جملة كتبتها, “سأبقى ملكا لك للأبد”, تفجر غضبه أكثر وكاد يفتك بها, نظر إليها في غضب شديد, “ملك من يا امراة تملكني ؟ أنت ملكي أنا ” كاد يوقظها وينهال على شفتيها تقبيلا مثبتا ملكيته وأغرته الفكرة للغاية لكنه تطلع إليها مرة أخرى في غضب امتزج بالحزن والقلق, رآها تتحرك مرة أخرى فالتفت مغادرا الغرفة بسرعة, اتجه لغرفة المعيشة وفتح التلفاز وقلب فيه قليلا حتى وجد أحد أفلام الكرتون فجلس يتابعه بصمت وهو يفكر في كيفية التصرف معها ونيل قلبها, لقد شعر بالأمس وصباح اليوم ببعض التجاوب منها, فهل يستمر هكذا ؟ أم أنه كان مخطئا في ظنه ؟ هل يذيبها بحبه ويشعلها بمشاغبته ويحرق أعصابها بطرق ملتوية كما فعل, إنه يسعد برؤيتها كذلك ولكن إلى متى تستمر لعبة القط والفأر هذه ؟ ظلت لفترة طويلة نائمة فقد استنتج خطأا أنها استيقظت عندما تحركت, مر مايقرب من ثلاث ساعات وهي غارقة في سباتها, كان يطل عليها كل بضع دقائق ليطمئن عليها وفي مرة طبع قبلة حانية سريعة على جبهتها فابتسمت, شعر بقلبه يخفق في حب فطبع قبلة أخرى نال بها ابتسامة أخرى, تساءل أهذه الابتسامة لقبلته أم لحلم ما ؟ وقتها شعر بالغيرة تجتاحه مرة أخرى, كاد يوقظها لكنه لم يستطع فاستدار خارجا من الغرفة بهدوء وبركان الغيرة يعصف بقلبه ويثير جنونه, كيف يغار من رجل ميت ؟ وكلما فكر في الأمر تشتعل غيرته وتتأجج في قلبه أكثر صابة حممها على عقله المنهك, لقد لمسها, استنشق عبيرها, حبس في صدره أنفاسها, والأدهى أنها استجابت له, تلك التي تتمنع عليه, أنثاه ضاعت منه قبل أن يلتقيها وهو يستعر في نيران الغيرة من الماضي, كان هذا جنون لكن قلبه هو معقل الخبال, وهي السبب.
أما هي فغرقت في سباتها ورأت في أحلامها وكأن (حسام) يأخذ بيدها ثم يسلمها لرجل آخر, تطلعت إليه في دهشة وغضب فوجدت ابتسامته تمحي غضبها, لم ترى ملامح الرجل الآخر جيدا, كان يوليها ظهره متظاهرا أنها غير موجودة فشعرت بالغضب لذلك, استدارت تتحدث مع زوجها الراحل فلم تجده ووجدت نفسها وحيدة مع هذا الرجل الذي لا تعرفه, فجأة استدار لها وابتسم, كان هناك ضباب حول وجهه كأنه خاص به لكنها تبينت ابتسامته بوضوح وشعرت معها بالسكينة والأمان فابتسمت هي الأخرى, اقترب منها وطبع قبلة حانية على جبهتها فعادت تبتسم, ثم ظلت معه حتى استيقظت فجأة, تطلعت حولها بقلق واعتدلت لتجد صورة (حسام) و (ملك) بين أصابعها, نظرت إليها في ذعر, يا إلهي, كم الساعة الآن ؟ بنظرة سريعة علمت أن الساعة تخطت الرابعة عصرا وقد اقترب وقت صلاة العصر, إذن لقد عاد (أدهم) بالتأكيد ولكن أين هو ؟ قامت من الفراش ووضعت الصورة في الكتيب وأعادته لحقيبتها ثم تركتها جانبا, لم تفكر إن كان قد رآها أم لا, فبالتأكيد لم يفعل, عدلت هندامها وغسلت وجهها سريعا ببعض الماء البارد وهي تصفف شعرها بأصابعها ثم خرجت من الغرفة لتبحث عنه, وجدته في غرفة المعيشة, كان مستلقيا على الأريكة ويبدو على ملامحه إرهاق شديد لكنه مغمض العينين كأنه نائم بعمق, اقتربت منه تتأمله, دوما كانت تشعر بالخجل كلما رفعت عينيها إليه ولم تستطع ولو لمرة أن تدقق في ملامحه جيدا, اقتربت أكثر وجلست على الأرض أمام وجهه الذي يستند مع رأسه إلى ذراع الأريكة وبجواره أحد ذراعيه والآخر يثنيه فوق جبهته, مالت برأسها تنظر إليه, وابتسمت, لم يكن بهذه الصرامة و ذاك الحزم أثناء نومه, إنه يبدو كطفل صغير جميل ذو ذقن خشنة أرهقه التعب فنام في سكينة وهدوء, نعم هو وسيم للغاية, كيف لم تلحظ ذلك من قبل ؟, كادت تمد يدها تتحسس لحيته النامية لكنها تراجعت في خجل, التفتت تنظر للتلفاز لتجد قناة أطفال فضحكت في خفوت ثم حاولت التماسك قدر استطاعتها, قامت من مكانها متجهة إلى المطبخ لتحضر طعام الغذاء فقد تأخر الوقت جدا لكنها فوجئت به يمسك كفها ويثبتها في مكانها قائلا دون أن يفتح عينيه :
– خليكي هنا .
شهقت في رعب وكاد قلبها يتوقف ففتح عينيه وتطلع إليها بسخرية هاتفا :
– في ايه ؟
تنهدت بعمق وقالت في خجل :
– خضتني ! كنت فاكراك نايم.
ابتسم وقال :
– لا ماكنتش نايم خالص.
تعمد أن يخبرها أنه يعلم بوجودها وبتطلعها إليه منذ أول لحظة ليغيظها فقط ونجح بالفعل لأنها هتفت :
– مش نايم ؟
واعتراها الخجل مرة اخرى لكنها انتبهت إلى أنه لازال يمسك كفها فسحبتها منه بسرعة وتركها هو تنساب من بين أصابعه وهو يبتسم, فسألته :
– تحب تتغدى ايه ؟ معلش نمت غصب عني ومالحقتش أعمل غدا.
تطلع إليها في صمت ثم قال :
– أنا أول مرة أشوف عروسة بتقف في المطبخ.
اعتراها الخجل ثم ردت :
– مش عروسة بالظبط يعني.
وقف أمامها بسرعة ورفع رأسها إليه متطلعا إلى عينيها, وكعادته كلما اقترب منه خفق قلبه ورمي نفسه بين أصابعها, لكنه قال وهو ينظر إلى عينيها في تحد :
– لا عروسة بالظبط , وسهل أوي نثبت كده.
تراجعت بسرعة مبتعدة عنه وأدارت وجهها تجاه المطبخ وتجاهلت ما قاله وهي تقول في ارتباك :
– ماقلتش تحب تتغدى ايه ؟
نظر إليها في صمت, كان يرغب في استفزازها أكثر لكنه أجل الأمر قليلا وقال :
– مفيش مطبخ هنطلب دليفري أي حاجة, شوفي تحبي تاكلي ايه ؟
هزت رأسها نفيا وقالت :
– لا لا دليفري ايه ؟ بجد هاطبخ بسرعة مش هتحس بالوقت.
أنهى النقاش في حزم وهو ينظر إليها :
– قلت مفيش مطبخ, هتاكلي ايه ؟
ثم التفت يلتقط هاتفه وعاد ينظر إليها منتظرا جوابها, شعرت بالارتباك مرة أخرى وأجابت :
– أي حاجة, شوف هتجيب ايه وانا زيك.
مط شفتيه وقال :
– طيب افرضي مش هتحبي اللي هاجيبه ؟
سألته :
– إنت هتاكل ايه ؟
رد :
– مش عارف, ايه رأيك نجيب بيتزا ؟
ابتسمت وقالت :
– اوك, مفيش حد مش بيحب البيتزا.
بادلها ابتسامتها ثم قال في خبث :
– سي فوود ؟
تطلعت إليه في استغراب ثم هزت كتفيها مجيبة :
– اوك.
سألها بخبث أكبر :
– طيب افرضي الفرامل باظت ؟
لم تفهم فسألته بدهشة :
– فرامل ايه ؟
قهقه بشدة وهي تتطلع إليه في بلاهة ثم توقف وهو ينظر إليها بنظرة خاصة فهمتها وفهمت مقصده فتراجعت في ارتباك وقالت :
– طيب خلاص خليها فراخ .
سألها بنفس اللهجة :
– وأنا برده فراخ ؟
هزت كتفيها وكادت تقول ” زي ماتحب ” لكنها عدلت عنها وقالت :
– أيوة.
عاد يقهقه وهي تنظر إليه بابتسامة وبدا نوع من السعادة على وجهها وهي ترى فيه نزعة طفولية راقت لها, انتبهت له يبادلها نظراتها في صمت فأدارت وجهها لتقع عيناها على التلفاز فتصنعت الاهتمام وهي تسأله :
– إنت بتحب الكرتون ؟
نظر إليه هو الآخر وأجاب :
– آها, جدا, عارف إن انا وملوكة هنتفاهم ونعمل فريق ضدك.
ابتسمت ثم التفت إليه وهي تغمغم :
– الظاهر كده.
سألها باهتمام جاد هذه المرة :
– كلمتيها ؟
أجابت :
– لا, كلمت ماما ولميا, قالولي بلاش عشان هما بيحاولوا يشغلوها على قد مايقدروا ولو كلمتني ممكن تعمل مشكلة.
شعر بالقلق فقال :
– طيب هي دلوقتي مش زعلانة ؟ ماتخليها تيجي بقى .
نظرت إليه في دهشة فسألها :
– في ايه ؟
شعرت بالحرج وهي تجيب :
– أبدا أصل غريب تطلب طلب زي ده, ع الاقل مش بسرعة كده مش طبيعي يعني قدام الناس.
عقد حاجبيه في تفكير ثم تساءل:
– طيب وإمتى يبقى طبيعي قدام الناس.
شعرت به مغتاظا لكنها أجابت :
– ع الأقل كمان أسبوع, عشان ماما ولميا.
تنهد في غيظ ثم طلب الغذاء حين أذن العصر, فقال :
– لسه شوية على ماالأوردر ييجي, هانزل أصلي وآجي.
أومات برأسها وهي تجيب :
– أوك
توضأ وخرج ثم أغلق الباب خلفه في عنف أفزعها وهي لا تفهم كعادتها, ذهبت لتصلي هي الأخرى وانتظرت حتى عاد ثم تناولا الغذاء سويا وجلست تشاهد معه فيلم كرتوني آخر وهي تضحك كالأطفال وهو فقط ينظر إليها والعشق مرتسم على ملامحه, بعد انتهاء الفيلم التفتت إليه ضاحكة وهي تهتف :
لاحظ أن تحفظها معه قد زال قليلا فشعر بالسعادة لذلك أما هي فصمتت عندما رأت نظرته إليها, ظلت أسيرة عينيه وعلى الرغم من لونهما البني إلا أنها شعرت وكأنها تغوص في بحر عميق لا قرار له, ظللهما الصمت وكلاهما ينظر في عيني الآخر, فكر هو ” ماذا أفعل الآن ؟ ماذا تريدين مني ؟ هل أقترب أم أبتعد ؟ وهل ستقبلين اقترابي ؟ ماذا لو اقتربت وفعلت ما يمليه علي قلبي مهما كانت العواقب ؟ حتى لو غضبتِ ؟ ولكن ماذا لو تسبب ذلك في حزنِك ؟ يمكنني إغضابِك والاستمتاع بذلك لكن ذرة حزن صغيرة في قلبك بسببي لا يمكنني احتمالها أبدا” تنهد بعمق ثم أشاح بوجهه في صمت جعلها تخفض عينيها هي الأخرى, لقد تحررت من أسره, هب واقفا فجأة وقال وصوته لا يكاد يخرج من بين شفتيه :
– أنا هانام, مانمتش كويس امبارح, تصبحي على خير.
ثم اتجه للغرفة في خطوات سريعة بدون أن يعطيها فرصة للرد, فنظرت إليه وهو يغادر في صمت ثم قالت في خفوت :
– وإنت من أهله.
جلست مكانها قليلا ثم أسندت رأسها للخلف تفكر فيه, لما هو هكذا ؟ هل يحبها بالفعل ؟ أحياناً يبدو عليه كما لو كان غارقا في بحر العشق معها حتى النخاع وأحيانٌ أخرى يبدو ساخرا مستفزا لا مباليا كما حدث الآن, لم تدري لما توقعت منه شيئا ؟ ولم تسترح لفكرة أنها تفكر فيه بهذه الطريقة ؟ هل كانت ستستسلم له ؟ نفضت الفكرة من رأسها وهزتها بعنف ثم أغمضت عينيها في سكون.
أما هو فقد نام كطفل صغير, كان إرهاق اليوم كله إرهاقا نفسيا أضناه حتى أنهكه فلم يشعر بنفسه إلا عند الفجر, فتح عينيه بهدوء فلم يجدها بجواره, استغرب وتساءل هل مازالت ساهرة للآن ؟ اعتدل في مكانه وفرك عينيه للحظات ثم قام خارجا من الغرفة, عاد لغرفة المعيشة ليجدها نائمة كملاك صغير وهي في وضع الجلوس وتستند برأسها على ذراعيها المعقودين فوق مسند الأريكة, تطلع إليها في حنان ثم إقترب منها ونادها برفق وخفوت :
– جمانة ؟ .. جمانة اصحي ادخلي نامي جوا .
لم تستجب مطلقا فشعر بالقلق, كاد يمد يده نحوها ليحركها لكنه تراجع وناداها بصوت أعلى هذه المرة :
– جمانة طيب اصحي صلي الفجر !
ظلت على وضعها فشعر بالشفقة تجاهها, مال نحوها ومد يديه يحملها برفق شديد محاولا عدم إيقاظها, وما إن استقرت بين ذراعيه حتى تطلع إليها بوَلَه, ها أنتِ حبيبتي بالقرب من قلبي ولكن هل تشعرين بدقاته تصرخ باسمك ؟ سار بهدوء عائدا للغرفة ثم وضعها على الفراش برقة, قبل جبهتها فعادت تبتسم, عقد حاجبيه في تساؤل, هل تبتسم بسبب قبلتي ؟ لا يعقل أن تكون في المرات الثلاث مجرد مصادفة ! .. ابتسم هو أيضا ثم انطلق للصلاة .
__________________________________
مرت ثلاثة أيام على زواجهما وهما بين مد وجزر, يضحكها, يغيظها, يثير مشاعرها وأحيانا يخيفها ويربكها, في اليوم الثالث كان (كمال) يندفع كالصاروخ إلى بهو منزلهم ليجد أخيه (عبد الرحمن) وزوجته جالسين يتحادثان في خفوت فهتف في غضب شديد :
– شفت اللي حصل يا حاج ؟ أهي بتاعة مصر اتجوزت.
رفع الحاج رأسه إليه وعقد حاجبيه وهو يسأله :
– مين اللي اتجوزت يا كمال ؟
رد وغضبه يزداد :
– مرات سي حسام, راحت اتجوزت اللي رفضتني عشانه أكيد.
هب الحاج واقفا في ذهول ثم انتقلت عدوى الغضب إليه هو الآخر وهو يصيح :
– ايه ؟ اتجوزت ؟ أماال كانت عاملة فيها شريفة وهاعيش على ذكراه وانت بتهينني, يابنت ******** إن ما كنت أوريكي ما أبقاش أني عبد الرحمن كبير عيلة زيدان.
قال (كمال) بعصبية شديدة :
– شوف لك حل يا حاج بدل مااروح أخلص عليها الفاجرة دي, بقى أني ترفضني عشان واحد مصرواي زيها هُزُء ولا يسوى نكلة.
تطلع إليه الحاج في غضب هو الآخر وهتف فيه :
– ياكمال اتهد بقى أما نشوف حل للمصيبة دي ؟ إنت عرفت منين وعرفت اتجوزت مين ولا لا ؟
شعر بالغيظ نعم كان يعلم ومعرفته تلك كانت تثير قلقه لكنه أجاب :
– ياحاج أني ليا عنين هناك ومش سايبها, واتجوزت ابن جلال الحسيني.
اتسعت عينا الرجل وهتف مرة أخرى :
– جلال الحسيني صاحب شركات ….
قاطعه (كمال) في عصبية بلا أدنى قدر من اللياقة :
– أيوة هو, هو في كم جلال الحسيني يعني ياحاج, المهم هنعمل ايه ؟
هنا أتى صوت زوجة الحاج (عبد الرحمن) وهي تقول صرامة :
– ماتتبط يا كمال, عاجباك على ايه المسلوعة دي ؟ اصبر وشوف أخوك هيعمل ايه ؟
أجابها :
– يا أم أشرف مش حكاية عاجباني, بس مش أني اللي اترفض عشان واحد تاني حتى لو كان ابن مين.
مصمصت السيدة شفتيها في استهجان وتساءلت بفضول :
– ودِه وقعته إزاي دي ؟
رد (كمال) :
– كانت بتشتغل عنده في الشركة, والظاهر لفت عليه بنت ****** وخلته يتجوزها, هي فاكرة إنها كده بتقف قصادنا.
ثم قال (عبد الرحمن) :
– خلاص يا كمال روح إنت دلوقتي وأني هاعرف شغلي معاها هي واللي اتجوزته دِه, لو فاكرة إنه هيحميها مننا, تبقى ماتعرفش أحنا ممكن نعمل ايه !
صمت (كمال) على مضض وإن كان غضبه يتأجج بداخله ويسري كما تسري النار في الهشيم.
_______________________________
أنهت (لمياء) العمل على الأوراق الخاصة بعملية شراء (أدهم) أرض شقيقتها وابنتها واستخرجت الإذن اللازم من المحكمة ثم اتفقت معها على مقابلتها في منزلها, كان قد مر على زواجهما خمسة أيام ولم يعد (أدهم) لعمله بعد, فقط يتابعه أحيانا مع أخيه الذي يمازحه دوما بخصوص (جمانة) لدرجة تثير غيرته في كل مرة, كانا يجلسان في انتظار قدوم (لمياء) فنظر إليها وسألها بجدية :
– هو اللبس اللي إنت لابساه ده طبيعي واحدة تلبسه مع جوزها في وجود اختها ؟ مش شايفة إنه غريب شوية ؟ يعني أختك تقول ايه ؟
تطلعت لما ترتديه في دهشة, كانت ترتدي عباءة أنيقة للغاية ذات لون كريمي بدا رائعا عليها, فسألته :
– ماله ؟
هز رأسه وهو يجيب :
– مش حشمة زيادة شوية ؟
ارتبكت ثم دارت ارتباكها بضحكة مفتعلة وردت :
– حشمة, لا طبعا دي عباية استقبال عادية جدا والناس كلها بتلبسها في حاجات زي كده ؟
رد مدافعا :
– حاجات مع ناس غريبة لكن مش مع أختك.
هزت رأسها نفيا وقالت :
– لا طبعا عادي مع أي حد.
تنهد ثم قال في حزم :
– جمانة قومي البسي أي حاجة زي الناس العادية مفيش داعي تلفتي انتباهها, أختك ذكية ولماحة وممكن تستنتج حاجة, وأنا ماحبش إن حد يعرفها لمجرد إني عملتها عشان خاطرك.
ارتبكت, نعم لقد صدق, ماذا لو فهمت (لمياء) الأمر ؟ لم تدري ماذا تفعل فحثها :
– قومي يلا.
تطلعت إليه في توتر, علم أنها تخجل من ارتداء شيء ولو كان كاشفا قليلا أمامه على الرغم من أنه زوجها, قارن بين تصرفها وتصرفات (دينا) الطائشة وحمد الله أن رزقه إياها, أراد مداعبتها كما اعتاد فقال وهو يرفع أحد حاجبيه :
– ايه محتارة ؟ في الدولاب كده في النص فتحته بابص لقيت حاجات تنفع قومي جربي حاجة منها.
اتسعت عيناها في صدمة وهي تنظر إليه كاد يضحك لكنه اصطنع الجدية واستطرد :
– ايه أنا شفت حاجات ظريفة اوي, هتبقى تحفة عليكي, تحبي اساعدك تختاري ؟
عقدت حاجبيها هي الأخرى وهتفت :
– انت بتهرج مش كده ؟ يعني عاوز تفهمني إنت مش عارف دول ايه وبتغلس علي وخلاص صح ؟
تعجب, هذه أول مرة تواجه مشاكسته بجرأة فأراد أن يخجلها مرة أخرى فقال :
– لا عارف دول ايه ؟ المهم انت تكوني عارفة, وبعدين يعني هو انا اللي جبتهم ؟ إنت اللي نيتك وحشة اهو.
صُدِمت من جرأته الزائدة, هل يتحداها لأنها جابهته, إذن هي الحرب, ردت بعناد :
– مش أنا اللي جبتهم طبعا, هو انا هاتفق معاك على حاجة وارجع فيها مثلا, دول هدية.
أعجبته اللعبة فاستمر فيها, رفع حاجبيه في سخرية وهتف :
– كل دول هدية ؟ قولي لي ع اللي جابهم عشان اتعرف عليه مادام هداياه بتبقى ضخمة كده.
تحدته قائلة :
– أيوة هدية ومااعرفش عنها حاجة إلا يوم ماجيت هنا, من ماما و أختي, ده طبيعي لأنه فاكرين إن ده جواز عادي.
شعر بالغيظ فاستفزها أكثر :
– طب ماهو جواز عادي, هو في عادي واكسترا لارج مثلا, وبعدين ممكن حالا نخليه فوق العادي كمان.
صمتت فجأة شاعرة بالخجل مانحة إياه الشعور بالانتصار, فقال في عجالة :
– قومي بقى غيري قبل لميا ماتيجي .
قامت من مكانها في صمت متجهة لغرفتها وهو يتابعها بعينيه في ظفر ممتزج ببعض الفضول ولمحة من الشغف, توقفت أمام دولابها في حيرة ما الذي يمكن أن ترتديه أمامه بدون أن تشعر بخجل زائد كما أنه لا ينبغي أن يثير فضول شقيقتها .
الفصل الثالث والعشرون
__________________
تعمدت (جمانة) أن تتأخر أثناء تغيير ملابسها فلم تكن تريد أن تخرج إليه وحده هكذا وتتلقى نظراته أو تعليقاته اللاذعة, انتظرت حتى سمعت جرس الباب معلنا قدوم شقيقتها, سمعت (أدهم) يفتح الباب ويرحب بـ (لمياء) فخرجت إليهم, التفتا سويا إليها, وظهرت السعادة على وجه شقيقتها وهي تحتضنها وتقبلها, أما هو فحمد الله أنها لم تخرج من الغرفة إلا بعد وصول أختها, كانت ترتدي بنطالا قصيرا للركبة و ضيقا من الجينز وفوقه بلوزة رقيقة ذات أكمام قصيرة واسعة وقد عقصت شعرها على شكل ذيل حصان قصير وتركت بعض خصلاته حرة تداعب وجنتيها مع حمرة لامعة خفيفة على شفتيها ومثلها على وجنتيها, كانت رائعة كما اعتاد أن يراها والآن زادت روعتها, ابتسم في حب في حين التفتت إليه المرأتان ولمحت (لمياء) نظراته وابتسامته فشعرت بالسعادة من أجل شقيقتها, أما (جمانة) فلم تنتبه لأي منها وقادت أختها لغرفة المعيشة وهو يلحق بهما, جلسوا جميعا وأخذوا يتحادثون في سلامات وسؤال عن الحال حتى قام واقفا فجأة وقال :
– طيب خليكم بقى اتكلموا براحتكم وانا هاجيب حاجة نشربها.
ثم التفت لـ (لمياء) متسائلا بابتسامة :
– نسكافيه يا لميا ؟ عشان نصحصح .
أومأت برأسها أن نعم وابتسمت وهي تقول :
– اوك, بس مش هنتعبك كده ؟
كانت ضحكته لطيفة وهو يجيب :
– عشان نسكافيه ؟ لا طبعا.
ثم التفت تجاه (جمانة) التي تنظر في الأرض وقال في حنان :
– تعبكم راحة.
رفعت (جمانة) رأسها تنظر إليه في امتنان وابتسمت (لمياء) التي قالت لأختها بعدما خرج :
– يا بنت المحظوظة يا جوجو هههههههههه.
ضحكت (جمانة) وسألتها :
– ليه يا لومي ؟
أشارت للباب الذي خرج منه (أدهم) إشارة ذات مغزى ثم قالت في هيام :
– يازيدي يازيدي ع الحب, خصوصا لما يبقى الحبيب من نوعية … ولا بلاش لاحسن تكوني بتغيري ولا حاجة.
ثم ضحكت في مرح, تطلعت إليها (جمانة) باستغراب مختلط بسعادة, لقد تغيرت (لمياء) كثيرا, صارت أكثر مرحا وانطلاقا بل وجرأة, هل كانت حياتها من قبل تعيسة إلى هذه الدرجة, وما هو هذا الحب الذي تتحدث عنه ؟ لقد فقدت قدرتها في الحكم على الأمور, انتبهت من أفكارها على شقيقتها تجذب يدها وتقربها منها أكثر هامسة في فضول :
– ها احكي لي بقى, بالتفصيل الممل .
اشتعلت وجنتاها وهي تهمس في خجل :
– أحكي لك ايه يامجنونة إنت, خلينا في الورق.
ضحكت شقيقتها لحمرة وجنتيها وتنهدت وهي تقول :
– هييييييييييييييح.
داعبتها (جمانة) قائلة :
– ايه يابنتي انت لسعتي ولا ايه ؟
استمرت (لمياء) في الضحك وهتفت :
– لا طبعا, أنا لاسعة من زمان بس انت اللي ماكنتيش مركزة معايا, وبعدين ايه الحلاوة دي ياقمر إنتِ ؟ أتاريه مارفعش عينيه من عليكي من ساعة ما دخلتِ, ههههههه.
وكزتها (جمانة) في كتفها وهي تتساءل عن مدى صدق ماقالته أختها للتو ثم سمعت صوته آتيا من المطبخ مناديا :
– جمانة لحظة من فضلك .
قامت لتتجه إليه عندما لمحت أختها تنظر إليها في خبث فعقدت حاجبيها في تساؤل قابلته (لمياء) بابتسامة مرحة وكأنها تعلم سبب مناداته لها, هزت رأسها واتجهت إليه, كان واقفا قرب أحد الكبائن ويبحث بداخله عن شيء ما ولما سمع صوت خطواتها سألها :
– فين السكر ؟ بقى لي ساعة بأدور مش لاقيه .
اتجهت للجهة المقابلة وهي تجيب :
– السكر هنا.
ثم مدت يدها تفتح باب الكبينة عندما شعرت به خلفها فجأة وقريب منها للغاية خاصة عندما وجدت ذراعيه حولها على سطح المطبخ, شعرت به يتشممها وإن لم يلمسها فارتبكت للغاية وانكمشت على نفسها وسألته في توتر :
– في ايه ؟
أجاب بلهجة أقلقتها :
– أنا عارف السكر فين بس مش عارف أطوله أصلي قصير .
عقدت حاجبيها في عدم فهم, قصير ؟ تنبهت فجأة لمغزى كلامه فشعرت بسخونة في وجنتيها خاصة عندما أكمل بنفس اللهجة :
– إنت مش عارفة في ايه بجد ؟ ولا بتستعبطي ؟
أجابت بنفس التوتر :
– لا مش عارفة.
شعرت به ينحني ليهمس في أذنها :
– بصي لنفسك في المراية وإنت تعرفي, وايه البرفيوم ده ؟ اممممممم .
هتفت :
– ما أنا قلت لك خليني بالعباية.
ابتعد فجأة وقال في حزم :
– إنت عارفة لو جبتي سيرة العبايات دي تاني ؟ ولا فكرتي حتى تلبسيهم; المقصات هنا كتير هأقوم معاهم بالواجب وأخليهم غير صالحين للاستهلاك الآدمي .
التفتت بسرعة وهي تبتعد عنه خارجة من المطبخ ووجهها يكاد يشتعل وعندما لمحتها (لمياء) هكذا ضحكت في مرح مما زاد من خجلها فهتفت :
– بس لاحسن هاعضك.
قالت :
– الله وانا مالي, هو انت اللي خليت وشك احمر كده ولا وتّرتِك كدهون بقى يعني ؟
قرصتها في ذراعها فتأوهت متظاهرة بالألم وصرخت في خفوت :
– آه يامفترية.
ردت بابتسامة :
– عشان تحرمي .
عاد حاملا صينية عليها الأكواب وهو يقول في مرح :
– نسكافيه بقى يا لميا هيعمل لك إدمان وهتطلبيه مني بس أنا مش هاعمله لك.
ضحكت بخفوت ثم شعرت بالحرج فها هي عيناه تستقران مرة أخرى على شقيقتها وكأنها لم تكن موجودة فقررت أن تنهي الأمر سريعا حتى تتركهما وحدهما, نغز قلبها شعور بالألم عندما تذكرت نظرات (أحمد) لها في بداية زواجهما وكلماته المعسولة التي إعتاد أن يسكرها بها, نفضت الذكريات المرة عن عقلها بسرعة وقالت :
– طيب نشوف الورق بقى .
أصغيا إليها باهتمام وهي تشرح لهما ماهيته وتوضح لهما أماكن إمضاءاتهما ثم أخرجت ورقة أخيرة وهي تقول :
– ده بقى عقد عشان ضمان الحقوق يا باشمهندس وطبعا دي حاجة ماتزعلكش.
هز رأسه نفيا في حزم وقال :
– لا طبعا, ده حاجة أساسية, ولو ماكنتيش عملتيها كنت هاطلبها منك.
ابتسمت في احترام في حين أخرج هو ورقة صغيرة من جيبه وقال وهو يناولها لـ (جمانة) :
– ده بقى زيادة ضمان حقوق.
تناولتها منه وهي تتطلع إليه في تساؤل في حين عرفت (لمياء) ماهيتها على الفور, فضتها (جمانة) لتجده شيكا ممهورا بتوقيعه بثمن الأرض, لم تدري ما تقول فأعادته إليه وهي تقول في حزم قاطع :
– لا طبعا, كفاية أوي الورق اللي لميا عملته كده يبقى كتير, وبعدين مش خايف انا أنصب عليك.
شعر بالغضب منها فأراد أن يخجلها عقابا لها وأمام شقيقتها فابتسم وقال بلهجة خبيثة ذات معني ملتو :
– يعني هتاخدي ايه اكتر من اللي أخدتيه ؟
ثم تنهد في حب جعل (لمياء) تبتسم وهي تطرق برأسها أرضا في خجل, في حين اتسعت عيناها هي وهتفت بداخلها : لا ده مجنون رسمي, لم ترد على كلامه واكتفت بإعادة الشيك إليه والحزم يرسم ملامحها قائلة :
– بجد …
كادت تنطق باسمه لكنها شعرت بالخجل فجأة فتراجعت وفهم هو تراجعها فرمقها بنظرة صارمة أخافتها فقالت مرة أخرى لكن خرج صوتها مرتبكا خجولا هذا المرة :
– بجد يا .. أدهم مش هينفع .
كاد يطلب منها إعادة اسمه بعدما سمعها تنطق به أخيرا لكن الوقت غير مناسب على الإطلاق, فاكتفى أن قال :
– الموضوع منتهي يا جمانة, ده حقك خليه معاكي احتفظي بيه او اصرفيه المهم إنه ضمان أنا مصمم عليه, وماتقلقيش ده من حسابي الشخصي مالوش علاقة بحد تاني, يعني تمن أرضك من فلوس جوزك.
ضغط على حروف كلمة “جوزك” ليخجلها أكثر لكنها شعرت بالغضب فقامت بتمزيقه أمامه وهو ينظر إليها في غيظ هو الآخر وقلبه يشتعل بحبها أكثر, تلك المرأة ستدفعه فوق حافة هاوية الجنون في أقرب وقت, كيف تثق به هكذا ؟ سمعها تقول :
– هو فعلا منتهي وكفاية أوي العقد ده.
لم يقل شيئا فقط نظر إليها, وخلايا مخه وأعصابه تتشاجر فيما بينها أيغضب أم يأخذها بين ذراعيه في الحال !
شعرت (لمياء) بنظراته فازداد حرجها وتساءلت كيف ستأتي (ملك) للعيش مع والدتها وهو على هذه الحالة ؟ قامت تلملم أوراقها فسألتها (جمانة) :
– ايه يالومي ؟ هتمشي ولا ايه ؟
أومأت برأسها وهي تجيب :
– أيوة يا جوجو هاروح بقى المكتب عشان أخلص الورق واسجله وكده تبقى رسمي وماحدش يقدر يعمل معانا حاجة إلا بالقانون.
هب واقفا وقال :
– طيب هآجي اوصلك .
شعرت بالارتباك و ردت :
– لا لا طبعا, أنا معايا عربيتي .
عاد يقول مجددا في حزم هذه المرة :
– طيب خلاص أوصلك تحت .
نظرت إليه باستغراب ثم هزت كتفيها في استسلام في حين تطلعت إليه (جمانة) في تقدير وشقيقتها تودعها وتغادر معه, اتجهت تلملم الأكواب وتعيدها للمطبخ, ثم تذكرت ما ترتديه فأسرعت لغرفتها لتغيره بشيء أكثر احتشاما, لقد فعلت ذلك فقط أمام شقيقتها والحمد لله لم تشعر بشيء بل على العكس وهو بدا وكأنه لا يدخر وسعا في إثبات الأمر أمامها, وقفت أمام الدولاب لتنتقي شيئا لا يغضبه لكنه لا يشعرها بالحرج في نفس الوقت, مدت يدها تلتقط رداءا منزليا قطنيا رقيقا ثم أغلقت الدولاب وقبل أن تلتفت سمعته يقول في سخرية :
– بلاش استفزاز عشان قلت لك هاخليهم غير صالحين للاستهلاك الآدمي ويمكن الدولاب كله وفي الآخر ماتلاقيش حاجة تلبسيها.
التفتت إليه بسرعة وهي تهتف :
– إنت جيت إمتى ماحسيتش بيك.
أجاب :
– دلوقتي بس, طلعت بسرعة عشان مش واثق فيكي .
ضحكت ضحكة بلا معنى وعادت تقول في خجل :
– أنا مش هالبس عباية بس مش هاقدر اقعد كده, وبعدين الجينز عموما مش مريح .
اقترب منها في بطء وهو ينظر في عينيها وكانت نظرتها هي أيضا ملتصقة بعينيه حتى اقترب منها والتصقت هي بالدولاب خلفها فخفضت عينيها لتقعا على شفتيه اللتين تحركتا ببطء وهو يقول :
– قلت خليكي كده, بطلي مقاوحة وجدال بقى.
قالت في استسلام وكأنها فقط تريده أن يبتعد:
– اوك .
لمحت ابتسامته ثم ابتعد عنها في حركة واحدة وجلس على الفراش يتأملها مما أشعرها بالخجل الشديد والذي انعكس بالتالي عليه سعادة غامرة, فاتجهت تجلس على مقعد مواجه له, شعرت بحاجة لبعض الحديث الجدي معه, هل يحبها فعلا ؟ وإن كان يحبها ؟ فما الحل إن كان قلبها ملكا لغيره ؟ نعم هو يستفزها ويخجلها ويربكها ويجعل نبضات قلبها في سباق لكنها أقرت أنه فقط بسبب الخجل, قالت في هدوء :
– عاوزة أسألك على حاجة ؟ لو ممكن نتكلم جد شوية ؟
عقد حاجبيه وقال :
– هو الجد مالوش لازمة بس تحت أمرك .
ارتبكت لكنها استجمعت شجاعتها وسألته في صوت جمعت فيه أكبر قدر من الحزم :
– إن شاء الله بعد ما موضوع الأرض ينتهي والمشكلة تتحل …
قاطعها :
– إنت عرفتي منين إنها هتتحل ؟ لسه مانعرفش هيتصرفوا إزاي ؟
أجابت بتلقائية جعلت قلبه يحلق في سمائها :
– عشان واثقة فيك .
قالتها وشعرت بالخجل الشديد فابتسم لخجلها لكنه لم يستفزها أكثر وصمت في انتظار سؤالها, تنحنحت ثم قالت :
– المهم بعد الموضوع ما ينتهي, أنا كلمتك أكتر من مرة قبل جوازنا بخصوص انفصالنا وإن الجواز بالنسبة لي كان حل مؤقت, وموافقتك عليه دي حاجة أنا باقدرها لك جدا, لكن إنت دايما يا إما بترفض يا إما بتنطش كلامي .
كان يتطلع إليها في ألم, لكنها لم تلحظه, رفعت عينيها إليه واستطردت :
– لو بعد المشكلة ما تنتهي طلبت منك ننفصل, هتديني حريتي ؟
أخذ نفسا عميقا وظل يتطلع إليها في صمت لكنها قالت بلهجة دفاعية :
– شوف انا مش غبية ومتأكدة ان مامتك مش موافقة عليا بدليل انها لحد دلوقتي حتى مااتصلتش بيا على الرغم من إن سارة كلمتني من يومين, أنا مش عاوزاها تقاطعك عشاني خصوصا إن جوازنا كان لهدف معين, مفيش داعي تزعل منك وإنت مصمم على حاجة لا هتقدم ولا هتأخر .
كان الصمت هو رده حتى هذه اللحظة, شعر بغضب يصليه ناره, ويحرقه في سعيره, ماذا إن تمّلَكْتُكِ الآن وفورا ومنعتك كلمة أخرى في هذا الأمر ؟ هل ستصمتين أم تعاودين الحديث فيه مجددا ؟ كاد يقولها لكنه تماسك وقرر أن يخوض النقاش معها تاركا عاطفته المشبوبة جانبا بشكل مؤقت , رد بعقلانية :
– أمي مصيرها ترضى, أنا مش هانكر إنها زعلانة لكن لأنها كانت عاوزاني اتجوز دينا ودي حاجة عمرها ما هتحصل, وانا واثق إنها لو اتعرفت عليكي هتحبك زي بابا وسارة, يعني ده مش دافع يخليني أوافق ع اللي بتقولي عليه, وبعدين مين قالك لا هتقدم ولا هتأخر ؟ إنت عرفتي منين, انا عارف أنا باعمل ايه كويس وهاوصل لفين حتى لو صبرت كتير.
تطلعت إليه لحظة في خجل, هذا اعتراف ضمني بحبه, وبرغبته أن تبقى جواره للأبد, شعرت بسعادة أثارت دهشتها, هل قلبها يتجاوب معه بالفعل أم انها تخدع نفسها ؟ عاد يقول في حزم :
– السؤال بقى وخليني صريح, إنت ليه مصممة ع الانفصال, عشان الذكريات, هتفضلي عايشة في الماضي للأبد ؟ .
نظرت إليه ولم تدري ما تقول, فأكمل :
– اديني فرصة أثبت لك إن الحاضر أفضل ولازم تعيشيه صح عشان يبقى عندك ذكريات أجمل لبكرة .
– أنا مش هأقولك لازم تحبيني, لكن عاوز أقولك إن السور اللي بنتيه وحبستي نفسك وقلبك وراه مش هيحميكي مني, انا هأهدمه بإيدي ولو فضلت فيه سنين.
تطلعت إليه في صمت تشوبه بعض الشفقة, يا مسكين أنت لا تعلم مقدار متانة أسواري ولا ارتفاعها لكنها كانت هادئة مثله تماما وهي ترد :
– السور اللي بتتكلم عليه مش أنا اللي بنيته, اللي بناه كان شاطر أوي وأسسه كويس جدا ورفعه عالي عشان يحجب عن قلبي أي حد غيره, السور ده من زمان مش هتيجي في يومين تقولي هأهدمه بإيدي, الأسوار دي لها بوابة واحدة مصفحة ومؤمنة, وكان لها مفتاح واحد راح مع اللي راح.
نظر لها نظرة كادت تذيب دفاعاتها في لحظة لكنها تماسكت, وهتفت في قلبها لا تضعف الآن أما هو فقال :
– سيبك من السور, السور أنا كفيل به, المهم إنت مش عاوز كل ما أهد حجر ألاقيكي بنيتيه تاني بإيدك, عاوز وعد منك إن تسيبي المكان اللي أهده مفتوح, يمكن أقدر أفتح مساحة تسمح بمروري لجوا الأسوار , مش عاوز مفتاح البوابة لأني ناوي أشيل السور من أساسه والبوابة مش هي هدفي, هتوعديني تسيبيني احاول ؟
طأطأت رأسها, فكرت هل يمكن أن أتركه وأنا أعلم أن حصوني ليست بالقوة التي تخيلتها, أن أسواري تنتظر دقة واحدة من معوله لتنهال فوق رأسي ترابا ؟ , هل يمكنني أن أعده بالاستسلام بدون قيد أو شرط ؟ رفعت عينيها إليه وجدته ينظر إليها بأمل, بحب, يضمها بعينيه, تشعر بدفء صدره دون أن تلمسه, كادت تصرح بأن دفاعاتها بدأت في التهاوي بالفعل لكن دوما يبقي هناك حاجز يمنعها, أخيرا أجابت :
– أوعدك, بس اللي ما أقدرش اوعدك بيه هو نجاحك.
بلهفة ظهرت واضحة في عينيه وإن لم تلتقطها كلماته قرر :
– نجاحي مفروغ منه, سيبيه علي وبس .
صمت لحظة ثم أكمل في حزم صارم هذه المرة وكأنما تعمد إخافتها :
– وموضوع الانفصال ده مااسمعكيش بتتكلمي فيه تاني, حتى مع نفسك.
ثم قام من مكانه وطبع قبلة حنونة على رأسها استسلمت لها, خرج بعدها من المكان تاركا إياها في دوامات الحيرة والقلق والحب .
______________________________
مرت عدة أيام عاد فيها (أدهم) لعمله ومنعها من الذهاب بحجة أنها عروس وليس هذا وقته, وأتت (ملك) لتعيش مع أمها وزوجها, وفي يوم عودته للشركة ذهب إليه (آدم) في مكتبه ودلف إليه ثم أغلقه خلفه وهو يهتف في مرح شديد :
– عريسنا وصل, ايه ياعم إنت لزقت في البيت وماكنتش عاوز تنزل ولا ايه ؟
ضحك (أدهم) وأجابه وكأنه يغيظه :
– الحقيقة آه لزقت, أنزل بس ليه وأسيب القمر اللي معايا.
ظل (آدم) يضحك وقال محاولا تصنع الغيرة :
– آه ياعم, الله يسهل له بقى.
ظلا يتضاحكان سويا عندما رسم (آدم) على وجهه جدية مصطنعة وقال :
– أمال هي هترجع الشغل امتى ؟ مكتبي ملخبط من غيرها .
كان يعلم أن هذا سيثير غيظ أخيه وكان هو يتعمده وبالفعل حدث ما توقعه لأن (أدهم) قال في حزم به لمحة غضب :
– لا ريح نفسك مش هترجع.
كما توقع, لن يتركها تعمل, تظاهر بالدهشة وسأله :
– ايه ؟ ليه يابني انت بتستهبل ؟ دي خسارة كبيرة للمكتب وليا.
تطلع إليه بغضب وهتف :
– نعم ؟ ليك ليه بقى يعني ؟
انطلقت فجأة ضحكة أخيه ساخرة مجلجلة فعلم أنه كان يستفزه فاغتاظ أكثر فهتف فيه :
– بأقولك ايه هو انت فاضي ؟ روح على مكتبك وسيبني اشوف الشغل المتكوم ده.
رد يغيظه أكثر :
– ماهو انت السبب سايب الشغل بقى لك قد ايه ؟ بس قولي بجد إنت فعلا مش هتخليها تشتغل ؟
رد بسرعة وحزم :
– ايوة, ماعنديش ستات تشتغل أنا .
اصطبغت لهجة (آدم) بالجدية وسأله مرة أخرى :
– بس يا أدهم وشغلها هنا ؟ كانت هايلة بجد ماينفعش , وبعدين إنت قلت لها ولا لأ ؟
عقد حاجبيه في غيظ وردد :
– هايلة ؟ إنت يابني مش خايف على نفسك ؟ روح شوف وراك ايه .
هتف فيه :
– يابني باتكلم جد ورد ع السؤال قلت لها ولا لأ ؟
أجابه بغيظ أكبر :
– لا لسه وبعدين حد قالك انها هتناقشني ؟ الموضوع مقفول من قبل ما يتفتح أصلا .
سأله مرة أخرى :
– طب ليه كده بس ؟ ماتعملش كده يا أدهم عشان ماتزعلهاش .
كان حانقا عندما قال :
– لا ماتخافش مش هتزعل, وبعدين يا أخي باغير فيها حاجة ؟
ضحك (آدم) وقال :
– بتغير ؟ ليه ومن مين إن شاء الله ؟ دي حتى هتبقى جنبك على طول كده.
ابتسم هذه المرة لكنه أصر على قراره وهو يقول :
– باغير منك يا سيدي وانت حلو ومقطقط كده , وكمان كنت أستاذها , باغير من الهوا , من مكتبها , من باب الشركة وهي بتعدي منه ومن موظف الاستقبال والقلم وهي بتمضي حضور وانصراف, خلاص ! روح مكتبك بقى .
تطلع إليه في دهشة, يا إلهي ألهذه الدرجة ؟ ابتسم هو الآخر وأراد أن يغيظه أكثر :
– لا ده إنت حالتك صعبة, طب دول تغير منهم براحتك إنما أنا تغير مني ليه بس ؟ ما أنا كان ممكن اوصلها قبلك بس انا مارضيتش وأنا شايفك مِدّهوِل ياعيني .
هتف في صدمة :
– مِدّهوِل, في دكتور جامعي كان في كندا عشر سنين يقول مِدّهوِل ؟ ماشي ماشي امشي بقى عشان هتلاقي المكتب طار في وشك, قال اوصلها قبلك قال, كان زماني باقرا على روحكم الفاتحة إنتو الاتنين في زنزانتي وانا مستني حكم الاعدام .
استجاب (آدم) لدفعته وهو يضحك بشدة ثم فتح وهو يلقيه خارجه أمام عيني (سهام) المذهولتين والتي نظرت إليهما في صمت جعلهما يستعيدان وقارهما المهدر في لحظة وقال (آدم) وهو يتنحنح :
– طيب يا أدهم هأبقى اجيلك بعدين .
ثم انطلق خارجا بسرعة وهي تكاد تضحك, فرمقها (أدهم) بنظرة صارمة جعلتها تضع عينيها في الأوراق أمامها وتعود لعملها بصمت, في نهاية اليوم اتجه (أدهم) لمكتب أخيه فوجده منكبا على العمل وبدا الإرهاق واضحا على ملامحه فسأله :
– ايه يا آدم مش هتروح ؟
رفع رأسع إليه ثم فرك عينيه ورد :
– هأروح طبعا, زمان يوسف روح البيت والبيبي سيتر مش بتفضل لمتأخر زي ما انت عارف .
أومأ برأسه وقال :
– طيب تمام, تعالى بقى أوصلك واتكلم معاك في موضوع كده يهمني رأيك فيه .
تساءل (آدم) :
– طيب وعربيتي, هآجي بكرة إزاي ؟
اغتاظ (أدهم) وقال :
– يعني ماهي التاكسيات مالية البلد وبعدين خلاص يا سيدي ماتزعلش هابقى اعدي عليك الصبح ونيجي سوا, مبسوط كدة ؟ .
رد (آدم) وهو ينهض من خلف مكتبه :
– اوك, إذا كان كده ماشي .
أنهى عمله ورتب أوراقه وغادرا سويا لسيارته, وبعد أن انطلق (أدهم) بها سأله أخيه :
– ها كنت عاوزني في ايه ؟
أجاب (أدهم) بجدية :
– موضوع أرض جمانة, محتار فيه, عاوز انهيه إنت عارف اني مش باحب الأمور المتعلقة, مش عارف خطتي تبقى هجوم ولا دفاع ؟
عاد يسأله باهتمام :
– طيب ايه الهجوم وايه الدفاع عشان نختار من بينهم ؟
أجابه بسرعة :
– الهجوم ياسيدي هأعلن ملكيتي للأرض لعيلة بنتها …
قاطعه (آدم) بسرعة فقط ليغيظه وكأنما لم يقاوم أن تأتي له فرصة ولا يستغلها :
– قصدك عيلة جوزها ؟
التفت إليه في غضب شديد فهتف :
– إيه يامجنون بص قدامك .
عاد ينظر أمامه وصاح فيه :
– انا اللي مجنون ؟ يعني باتكلم معاك في موضوع مهم تقوم تقولي جوزها, ما جوزها قاعد جنبك أهو وواحد رزل من عيلته قاعد جنبه .
ضحك (آدم) ضحكة مجلجلة فمال (أدهم) بالسيارة لليمين ثم توقف بجانب الطريق وهو يقول لأخيه بغيظ :
– أنا هاتبنى يوسف وهاقولك الوداع تحب إزاي ؟
ظل (آدم) يضحك وهو يقاوم بصعوبة حتى دمعت عيناه و(أدهم) يكاد يخنقه بالفعل, ثم صمت متطلعا إليه وقال :
– خلاص خلاص ماتزعلش, عيلة بنتها, المهم اشرح لي بقى قصدك ايه ؟
زفر (أدهم) في حنق ثم عاد يقود السيارة وهو ينظر أمامه وأكمل كأن شيئا لم يكن :
– الهجوم إني هاعلن ملكيتي للارض وهاجيب مهندس صاحبي يشرف عليها ويتابعها وإيرداها وشغلها مسئول منه مش منهم, وبالتالي استفزهم عشان يعملوا حاجة من اتنين, يايسيبوا الارض زي ماهي وتفضل ملك (جمانة) و (ملك) وبالتالي صاحبي يستمر في اشرافه عليها يا إما يطالبوا بالأرض وفي الحالة دي نبيعها بشكل مظبوط وبتمنها الفعلي.
سأل (آدم) بجدية :
– طيب والدفاع ؟
أجابه بسرعة :
– مفيش هما أكيد هيعرفوا إن الأرض اتباعت بس أنا مش هاعمل حاجة هاسيب الموضوع كده وخلاص وانتظر رد فعلهم هما وعلى حسب رد الفعل أشوف أنا هاعمل ايه يا نبيعها لهم برده يا إما أخلي صاحبي يشتغل عليها .
فكر (آدم) لدقيقة ثم قال :
– غالبا مش هتلحق تنفذ خطة الهجوم دي يا أدهم , تلاقيهم عرفوا دلوقتي أو في طريقهم إنهم يعرفوا وهما أكيد هيبادروا بحاجة, أحسن نستنى ونشوف .
سأله (أدهم) باهتمام :
– تفتكر كده ؟ يعني بلاش أعمل حاجة ؟
أجابه بنفس الاهتمام :
– أيوة, وبعدين بلاش نستفزهم, خلينا نشوف هيعملوا ايه ونتصرف على أساسه بلاش نبادر بالهجوم فنوتر الموقف أكتر .
أومأ (أدهم) برأسه موافقا ثم عاد يدرس الأمر في رأسه وهو يقود السيارة إلى منزل أخيه في صمت .
الفصل الرابع والعشرون
__________________
جلس (كمال) يتطلع إلى أخيه (عبد الرحمن ) وهو يتحدث في الهاتف باهتمام وتابعه يقول :
– أيوة يا فهمي عملت ايه ؟ … آه … وابنه ده هو اللي ماسك الشركات دلوقتي ؟ يعني هو ماعادش بينزل شغله خلاص ؟ … آه آه ..معاه اخوه الكبير اللي كان برا البلد ؟ .. آه … ايه ؟ إنت بتقول ايه ؟؟ وعرفت الكلام ده إزاي ؟ … كمان شهر عقاري ؟ .. يعني رسمي ؟ … نهارها زي وشها بنت ***** دي .. اقفل يافهمي اقفل .
ثم وضع سماعة الهاتف في عنف وهو يصرخ :
– يابنت الـ ****** يا ******* .
هب (كمال) واقفا في عصبية وهو يسأله :
– خير ياحاج ؟ عملت ايه تاني الفاجرة دي ؟
رد الحاج وهو يشعر بالذهول :
– باعت الأرض لجوزها .
انتفض (كمال) في عنف وهي يصرخ :
– ايه ؟ باعتها لجوزها ؟ دي مقصودة بقى !
نظر إليه الرجل في تساؤل فأكمل في غضب :
– يعني تتجوز فجأة وتبيع له الأرض في أسبوع ؟ أكيد قاصداها عشان تخلص من المشاكل وتحطه هو في وش المدفع .
عقد أخيه حاجبيه في غضب رهيب وهو يقول :
– تفتكر كدِه ؟
عاد (كمال) يصيح في عصبية :
– أمال ايه يا حاج, لكن وعزة جلال الله لأعرفها إنها حطته في وش مدفع ما بيرحمش بنت الـ ****** دي .
انتبه الرجل لكلمات شقيقه فهتف فيه بصرامة :
– كمال انت ما تعملش حاجة نهائي فاهم ولا لا ؟ أني اللي هاتصرف, عيال الحسيني ما ينفعش نلعب معاهم خصوصا اللي هي اتجوزته دِه هو اللي ماسك السوق دلوقتي وتلت تربع شغلنا غير الزراعة في ايده, أني هاحل المشكلة من غير ما تدخل فاهم ولا لأ ؟
عقد (كمال) حاجبيه في غضب شديد وبدا للحظة أنه سينفجر في وجه أخيه لكنه تراجع وزم شفتيه مجبرا لسانه على الصمت وأطلق العنان لعقله في خطة شيطانية صفق الشيطان له فيها .
_______________________________
في اليوم التالي تلقى (أدهم) اتصال من الحاج (عبد الرحمن) استغربه في البداية لكن الرجل أبلغه أن والدة (جمانة) هي من أعطته الرقم بديلا عن رقم زوجته, وعندما سمع هذه الجملة استشاط غضبا, هل كنت تريد محادثتها هي ؟ لكنه كتم انفعاله مخاطبا الرجل بهدوء ومرحبا به ليقابله هو (جمانة) للحديث بشكل ودي بخصوص الأرض, عاد يومها (أدهم) من عمله ليجد (ملك) في انتظاره مع زوجته وما إن رآها حتى ابتسم لها بحنان وهتف مادا ذراعيه إليها :
– ملوكة حبيبتي تعالي.
بادلته ابتسامته واتجهت إليه بخجل فاتكأ على ركبتيه على الأرض ليصل لمستواها ثم طبع قبلة حانية على رأسها وهو ينظر لوالدتها قائلا في لهجة ملتوية :
– وحشتيني أوي .
كانت نبرة صوته عميقة ونظرته لها صريحة فشعرت بالخجل وأطرقت برأسها أرضا, إنه يلعب بأوراق مكشوفة منذ حديثهما الأخير ولعبة القط والفأر بينهما اتخذت منحىً آخر, أما هو فابتسم في مرح وقال مخاطبا الصغيرة :
– تعالي, النهاردة جبت لك حاجة جديدة اول ما شفتها افتكرتك إنت و ماما على طول .
بادلته ابتسامته وهي تهتف في براءة :
– لعبة جديدة ؟
أومأ برأسه إيجابا في حنان وأجاب :
– أيوووة, بس مش عاوزك تتخانقي مع ماما عليها ماشي, العبوا مع بعض .
عقدت (جمانة) حاجبيها في تساؤل في حين أخرج هو من كيس هدايا كبير كان يحمله علبة كبيرة نوعا وجلس أمام (ملك) على الأرض وجلس يفضانها سويا في مرح, أخرجت (ملك) من العلبة دمية متوسطة الحجم تكاد تماثلها هي حجما لأحد الشخصيات الكرتونية الشهيرة, وعندما رأتها هتفت في سعادة :
– كرتي البعبع .
في حين ابتسمت (جمانة) في سعادة وعندما رفع عينيه إليها تحولت ابتسامتها للخجل فقال لها :
– تلعبوا مع بعض من غير خناق ماشي, كنت هاجيب لكل واحدة واحدة بس للأسف مالقيتش غيرها .
ضحكت في رقة أذابته فقام واقفا واتجه إليها وهي تنظر إليه مسلسلة بأصفاد عينيه, وقف أمامها تماما ثم تلفت حوله كأن هناك مايريبه مما أضحكها مرة أخرى فعاد ينظر إليها وهتف فيها همسا :
– إنت مش خايفة على نفسك ؟
تلاشت ابتسامتها وتساءلت في عدم فهم :
– خايفة ؟ من ايه ؟
عاد يتلفت حوله ثم انحنى نحوها غامزا بعينه وقال في مرح :
– مني طبعا.
زمت شفتيها في غيظ ثم جابهته قائلة :
– لا هاخاف منك ليه ؟
نظر إليها بسخرية وهو يرفع حاجبه وألقى نظرة على الصغيرة المشغولة بدميتها, ثم عاد يلتفت إليها ورد وهو يعض شفته السفلى ناظرا إليها بشغف مما أثار خجلها :
– عشان ضحكتك دي بتخليني مجنون .
نظرت لأسفل ووضعت كفها على شفتيها وقالت من خلفه :
– خلاص مش هاضحك .
سخر منها قائلا :
– احسن, ليا وليكي .
ثم عاد يلاعب الصغيرة عندما تذكر اتصال الحاج (عبد الرحمن) به فعاد ينظر إليها قائلا بجدية :
– عم ملك اتصل بيا النهاردة ؟
شعرت بالدهشة وتساءلت :
– الحاج عبد الرحمن ؟
أجاب :
– أيوة, عاوز يجي يقابلنا, حاولت اقنعه اقابله أنا بس هو مصمم يتكلم معاكي, بصراحة الفكرة مش عاجباني ولا مريحاني بس اضطريت أوافق عشان ننهي الموضوع ده بقى .
نظرت إليه في صمت فشعر بقلق من مجرد سوء فهم لكلامه, فأكمل بلهجة ذات مغزى :
– ورانا حاجات أهم .
ها هي تخجل, إذن فلم تفهمني خطأا, هكذا حدث نفسه ثم عاد يقول لها :
– حددت له ميعاد كمان يومين نكون قررنا هنتصرف إزاي وتشوفي هتعملي ايه ؟ هتبيعيها ولا تحتفظي بيها وكده, ابقي اقعدي مع لميا واتفقوا وبلغوني رأيكم النهائي.
أومأت برأسها إيجابا في صمت حينما علا رنين هاتفها فالتقطته لتلقي نظرة على اسم المتصل وقالت :
– ده دكتور حسام, إنت فاكره ؟ اللي بيدير الصيدلية .
شعر بالغيظ وقال في نفسه, وكيف يمكنني نسيانه أو نسيان نظراته إليكِ ؟ لكنه سألها بسرعة :
– وجاب نمرتك إزاي وعاوز إيه ؟
هزت كتفيها وأجابت :
– هي معاه من زمان من ساعة ما مسك الصيدلية, وأكيد بيكلمني عشان ميعاد الحساب الشهري والمتابعة وكده .
مد يده إليها وقال في حزم :
– طيب هاتي الموبايل .
تطلعت إليه بدهشة وإلى يده الممدودة ورنين الهاتف يتصاعد فعقد حاجبيه ونظر إليها في صرامة فألقته في يده, التقطته وهو يهز رأسه ويجيب :
– السلام عليكم !
أتاه صوت (حسام) يقول في ارتباك :
– وعليكم السلام , ممكن أكلم مدام جمانة ؟ ده تليفونها مش كده ؟
رد بهدوء :
– أيوة, وانا جوزها يادكتور حسام .
شعر بصوته يتوتر وهو يقول :
– هي مدام جمانة اتجوزت ؟ أأأأ .. ألف مبروك يافندم .
رد بنوع من الشماتة :
– الله يبارك فيك يا دكتور, خير محتاج حاجة ؟
جاءه الرد بنفس الارتباك :
– لا لا أبدا, بس ميعاد المراجعة الشهري وكده فكنت باتصل بمدام جمانة أتفق معاها ع الميعاد اللي يناسبها.
رد (أدهم) بحزم :
– لا خلاص يا دكتور بعد كده أنا هاتابع الصيدلية واي تعاملات تخصها هتكون عن طريقي شوف الميعاد اللي يناسبك وأنا هاجيلك .
شعر بارتباك (حسام) يزداد لكنه تجاهله بل وأسعده ذلك, واتفق معه على موعد مناسب لكليهما ثم أنهى المكالمة.
التفت إليها وقال في حزم :
– الشريحة دي هنغيرها بقى ونمرتك الجديدة ماتديهاش لأي حد اتفقنا ؟
نظرت إليه بطريقة غريبة لكنها خضعت لرغبته في صمت, عاد يقول :
– وحاجة تانية, بالنسبة لموضوع الشغل, اعملي حسابك خلاص, هتقعدي في البيت .
هتفت بدهشة واستنكار :
– ايه ؟ لا لا طبعا , احنا مااتفقناش على كده, لازم اشتغل.
نظر إليها في ثبات وقال :
– جمانة مفيش نقاش في الموضوع, مااحبش مراتي تشتغل وتحتك بأي حد, انا واحد بأغير جدا.
شعرت بالغضب فزمت شفتيها وأدارت وجهها بعيدا عنه وإن أسعدتها عبارته للغاية, فاتجه إليها وأمسك بذقنها وأدار وجهها إليه فأسبلت جفنيها لا تريد النظر إليه, تحداها قائلا :
– بصي لي أحسن لك .
سحبت وجهها من يده وتراجعت وهي تقول في عناد :
– هتعمل ايه يعني ؟
رد بلهجة خاصة :
– من ناحية هاعمل فاللي يتعمل كتير, بلاش بس تستفزيني.
أصرت على عنادها وقالت :
– أنا مش باستفزك إنت بتستفزني أكتر .
عقد حاجبيه وقال :
– بقى كدة ؟
ردت :
– آها .
عاد يلتفت للصغيرة ليجدها مشغولة بالتلفاز وهي تحتضن دميتها فاستدار إليها مرة أخرى وهي جالسة أمامه وبسرعة طبع قبلة صغيرة على شفتيها جعلتها تشهق في صدمة ثم قال بابتسامة منتصرة :
– دي عينة بس, وكل ما استفزيتيني اكتر العقاب هيبقى اكبر , ها تحبي تكملي استفزاز ؟
عقدت حاجبيها في غضب رفع له هو حاجبه في سخرية ثم قامت من أمامه بسرعة متجهة لغرفتها وأغلقت الباب خلفها بعنف, ظل يتطلع للباب لثوان وقلبه يخفق في جنون لتلك القبلة الخاطفة ثم شعر بالحنق وقال لنفسه ” ايه ده هي زعلت ولا ايه ؟ أنا عكيت ؟ يادي المصيبة , طيب يعني أعمل ايه بس ياعالم, أنا اللي جبته لنفسي لازم اوعدها بوعد غبي زي ده حتى لو مؤقت, ماكنتش في وعيي ساعتها ؟ ” .
لم يدري ماذا يفعل هل يتبعها أم يبقى في مكانه حتى تهدأ, لم يستطع أن يبقى ساكنا فقام واتجه للصغيرة ابتسم لها ثم ربت على رأسها وتركها متجها للغرفة, كاد يطرق الباب لكنه تراجع, “لا لن أتركها تعتقد أنني أشعر بالذنب, فما فعلته هو نداء قلبي ونتيجة لعنادها “, فتح الباب بهدوء ثم دخل وأغلقه خلفه, وجدها جالسة على الفراش والغضب يطل من ملامحها فبدت أكثر جمالا, قال يغيظها :
– إنت قاعدة كده ليه ؟
أدارت وجهها للجهة المقابلة ولم ترد فعاد يقول في مرح :
– إنت اللي استفزيتيني الله وأنا مالي .
قالت في استياء وهي تلتفت إليه :
– أدهم هو ده اتفاقنا ؟
أمال أذنه تجاهها وتساءل في خبث :
– ايه ؟ مش سامع, سمعيني تاني كده ؟
ازداد حنقها وصمتت فعاد يقول :
– سمعيني تاني, أول كلمة نطقتيها كانت ايه ؟
كانت غاضبة فلم تشعر بالخجل او تهمها دعابته فهتفت :
– قلت أدهم, ايه غريبة يعني ؟
ضحك ثم قال بلهجة حالمة :
– لا مفيش بس مبسوط إني باسمعك بتناديني كده ببساطة, لو ده هيخليكي تبقي كده هاعمله كل يوم, أو يمكن بعد الوجبات.
زمت شفتيها في غضب وصمتت تماما, إقترب منها وحاول أن يجلس إلى جوارها فهبت واقفة لتبتعد عنه لكنه أمسك يدها ووقف قُبالتها وابتسم هامسا :
– شكلك إنت نسيتي اتفاقنا .
لم ترد مرة أخرى فمد يده يرفع وجهها لتنظر إليه لكنها دفعت يده في غضب وهي تهتف :
– برده تاني ؟
اتسعت ابتسامته وقال :
– خلاص بصي لي وأنا مش هاعمل حاجة.
ابتعدت عنه ونظرت إليه والغضب مرسوم على محياها فزادها بهاءا خفق له قلبه, تطلع إليها بحب أخجلها فخفضت عينيها مرة أخرى فقال :
– المهم إحنا مش عملنا اتفاق جديد ؟
رفعت عينيها إليه في تساؤل فأكمل :
– هتسيبيني أهدم السور ؟ لحد ما أوصل جواه واشيل البوابة اللي قفلها مصدي دي.
فهمت ما يقصده فابتسمت وقالت وهي حانقة :
– احنا قلنا هتهدمه مش تنط من فوقه, دي حمرأة .
ضحك بمرح وعاد يسلط عينيه عليها حتى كاد يذيبها أمامه لكنه قال في تخابث :
– هي دي نطة ؟ إنت اللي بتحمرأي, ده مشروع فاشل.
ثم اتجه نحوها فتطلعت إليه في قلق وفي عينيها نظرة منذرة بالويل لكنه لم يهتم وهو يهمس :
– أنا ممكن اوريكي يعني ايه نطة من فوق السور, زي أيام المدرسة زمان .
تراجعت للخلف لكنه اقترب أكثر وهي لا تدري لما تشعر بخدر في جسدها حتى قلبها وعقلها, اصطدمت بالدولاب فكادت تغوص فيه وهو مازال على عناده حتى وقف أمامها تماما, رفع وجهها إليه بأصابعه فكادت تحترق من لمسته, لكنه تراجع فجأة عندما سمع الصغيرة (ملك) تنادي والدتها وهي تبكي, اتجه مسرعا نحو باب الغرفة وفتحه ليجدها واقفة أمامه تبكي والنعاس يداعب عينيها, ابتسم في حنان ثم حملها برفق وقال لها :
– ايه يا ملوكة عاوزة تنامي ؟
أومأت برأسها إيجابا فاتجه بها لغرفتها تتبعه (جمانة) وقلبها ينبض بقوة وعيناها تتابعانه وتختلجان لرؤية حنانه مع طفلتها, نعم كادت تستسلم ولو تأخرت (ملك) لدقائق لكانت الآن …. شعرت بالخجل يكسوها عندما وصلت بتفكيرها لهذه النقطة ونفضت رأسها بعنف, وصلت لغرفة (ملك) فوجدته قد وضعها في السرير ووضع فوقها غطاءها المفضل وجلس بجانبها يربت على شعرها وهو يمسك بقصة مصورة صغيرة ويحكي لها منها, رآها فأشار لها بالصمت, فابتسمت ثم انسحبت بهدوء, بعدها بدقائق خرج من الغرفة وأغلق بابها بهدوء شديد, اتجه لغرفة المعيشة ليجد (جمانة) تحتضن الدمية وتتابع التلفاز بلا اهتمام, اقترب منها وجلس إلى جوارها, فشعرت بالارتباك, سألها في خبث :
– هو إحنا كنا بنقول ايه ؟
ردت بسرعة :
– ماكناش بنقول حاجة, يلا ادخل نام عندك شغل بدري.
رفع حاجبيه وعلت شفتيه ابتسامة سخرية ثم سألها :
– طيب وإنت مش هتنامي ؟
ردت وصوتها به لمحة غضب :
– لا كمان شوية ماانا مش باشتغل بقى أسهر براحتي.
علم أنها غاضبة بسبب قراره لكنه أبدا لن يتراجع فيه وإن اضطر لسلسلتها في المنزل, قال بعد فترة صمت :
– طيب على رأيك, انام أحسن وخليكي براحتك.
ازداد غضبها لكنها لم تعلق فدغدغ رقبتها مما جعلها تنتفض من مكانها بسرعة أضحكته وهتف :
– ايه ياجميل بتغير ولا ايه ؟
قذفته بوسادة صغيرة هاتفة :
– روح نام يلا .
ضحك مرة أخرى ثم أرسل لها قبلة على أصابعه في الهواء أشعلت وجنتيها خجلا خاصة عندما قال بعدها :
– ماتمسكيهاش, هي عارفة طريقها .
أدارت وجهها بعيدا فعاد يقول :
– ماتحاوليش, تلفي يمين تلفي شمال هتروح بيتها يعني هتروح .
شعرت به يقترب فهبت واقفة ليضحك مرة أخرى وهو يقول :
– تصبحي على خير .
ردت بسرعة كأنها تدفعه دفعا للذهاب :
– وإنت من أهله.
غمزها بعينه ثم اتجه لغرفتهما ببطء وكأنه يتعمد إثارة أعصابها أكثر ثم دخل وأغلق الباب خلفه في هدوء, وتركها لخيالها بعدما ترك بصمته هناك .
__________________________
كانت (دينا) جالسة مع والدتها وهي تكاد تجن, تقضم أظافرها وتنقر بأصابعها وتهز قدميها, مثالا مجسدا للعصبية في أقوى صورها, قالت لها والدتها وهي تشعر بالخيبة :
– وبعدين يا دينا ؟ هتفضلي كده كتير ؟ اتجوز خلاص وماعملناش حاجة, بقى عرفت تاخده منك وأنا باقول عليكي هتجيبيه لحد هنا.
هتفت في عصبية زائدة :
– يووووووه يا مام, خلاص بقى يعني أعمل ايه أكتر من اللي عملته, مثلا, الموضوع خلاص انتهى .
اندهشت والدتها وصاحت فيها :
– إنت أكيد مش في وعيك, يعني ايه انتهى ؟
صاحت (دينا) هي الأخرى :
– مام كفاية بقى, أنا زهقت .
ثم فكرت لثانية أكملت بعدها :
– أنا هاكلم طارق أخليه يتصرف لو حتى هيلبسها مصيبة وتغور من وشي .
ضحكت والدتها في سخرية وثالت :
– طارق عمره ما هيتدخل بشكل واضح يا دينا, دايما بيساعدك في الضل مادام مش محروم من حاجة معاكي .
كادت تصيح في عصبية مرة أخرى عندما قاطعها رنين هاتفها, التقطته لتجد (هشام) في اسم المتصل, عقدت حاجبيها وألقته ثانية وهي تهتف بقرف :
– وده عاوز إيه هو كمان, مش ناقصة قرف بقى .
سألتها والدتها :
– مين بيتصل ؟
أجابت :
– اللي اسمه هشام ده, خلاص الموضوع باظ عاوز ايه تاني.
شجعتها والدتها :
– طيب ماتردي يمكن عنده فكرة ولا خطة جديدة تنفع .
عاد رنين الهاتف يتصاعد من جديد فأمسكت به وفتحت الخط وهي تضفي على صوتها أكبر قدر من النعومة وتقول :
– إتش إزيك ؟ فينك من زمان ؟ آسفة جدا على آخر موقف كان بيننا فعلا كنت هاتجنن يومها وماعرفتش باعمل ايه … ايه بتتكلم جد ؟ .. احكي لي … امممممم مش هينفع متأكد ؟ … طيب لمحة سريعة …. إزاي ؟ أوك هاقابلك في النادي … ليه لا ؟ ياسلام ؟ … طيب أوك اديني العنوان … أيوة تمام كتبته خلاص … آجيلك إمتى ؟ … اوك سي يو ذين See you then يابيبي .
وأغلقت الخط فسألتها والدته في لهفة :
– ها قالك ايه ؟
عادت لها حيويتها وهي تقفز من مكانها متجهة لدولابها لتنتقي منه شيئا مناسبا وهتفت :
– بيقول عنده خطة جديد هتمحي جمانة من حياة أدهم بأستيكة وتدمر حياتها نفسها .
ابتسمت الأم وبرقت عينيها في جذل وسألت مجددا :
– ماقالكيش ايه هي ؟
ردت :
– لا بيقول مش هتنفع في التليفون, عاوزني اروح له البيت .
قلقت الأم وقالت في تردد :
– البيت ؟ اشمعنى ليه مش أي مكان تاني ؟
هزت كتفيها وهي تجيب :
– بيقول اللي هتساعدنا في الخطة هتيجي على بيته وما ينفعش يقابلها في مكان عام .
ازداد قلق والدتها وهي تغمغم :
– طيب خلي بالك على نفسك, الولد ده مش مطمنة له, ماتنسيش إنه خاين .
ابتسمت (دينا) في غرور وهي تقول :
– ماتقلقيش مام, ده هيتجنن عليا ومايقدرش يعمل حاجة .
صمتت الأم على مضض, وتركت ابنتها تنتقي ملابسها وهي تتطلع إليها في قلق لم تدري له سببا .
_______________________________
وأتى موعد زيارة الحاج (عبد الرحمن) عم (ملك), كان موعده بعد صلاة المغرب وعند العصر وجد (أدهم) هاتفه يرن وأخيه (آدم) يتصل به فأجاب بمرح :
– آدوم .
جاءه صوت أخيه يقول :
– أيوة يا أدهم, عم ملك جه ولا لسه .
(أدهم) في عدم فهم :
– لا لسه ماجاش, ليه ؟
(آدم) في هدوء :
– امسك نفسك معاه يا أدهم, أنا عارفك عصبي واحنا عاوزين نحل الموضوع بهدوء .
ابتسم (أدهم) وقال :
– يابني ماتقلقش, يعني هاتعصب وجمانة وملك معايا ؟
(آدم) بسرعة :
– بمناسبة ملك, هاتها تقعد مع يوسف شوية على ماتخلصوا موضوعكم, عشان البنت ماتخافش من أي حاجة تحصل .
(أدهم) بتعجب :
– يا سيدي ماتقلقش , إن شاء الموضوع هيتحل بسرعة وبهدوء.
(آدم) بإصرار :
– يابني ابعتها وخلاص, ولو حصل أي حاجة تبقى رحمت البنت من الخناق والخوف, مش هتخسر حاجة .
(أدهم) بعد تفكير :
– خلاص هاجيبهالك وارجع بسرعة عشان ميعاده قرب .
قال (آدم) بسرعة :
– لا ماتتعبش نفسك, أنا تحت البيت هاتها وانزل .
بدهشة تساءل (أدهم) :
– تحت البيت !! تحت البيت بتعمل ايه ؟
أجاب :
– مفيش كنت معدي قريب منكم وافتكرت الموضوع ركنت تحت وكلمتك .
وافق (أدهم) سريعا وقال :
– خلاص ماشي, طيب ماتطلع تاخدها بقى .
رفض (آدم) فاستسلم لرغبته قائلا :
– هاشوف جمانة وملك وانزلك .
طرح الفكرة على (جمانة) فوافقته, كانت تتذكر نظرات صغيرتها لعمها في المرة الماضية وكلامه الجارح وهي تعلم جيداً أن كلمة منه بهذا الطريقة ستشعل أعصاب (أدهم) وقد يحدث مالا تحمد عقباه فالأفضل أن تذهب بعيدا قليلا حتى ينتهي الأمر, جهزت بعض الأشياء للصغيرة وقبلتها وتركتها تذهب معه, سلمها هو لأخيه وقال :
– آدم خلي بالك عليها, ملوكة رقيقة وجبانة شوية .
ضحك (آدم) وهتف :
– ايه ياعم هو انا هاعمل ايه وبعدين يوسف هيخلي باله عليها .
تطلع (أدهم) للصغير الجالس خلف والده ولعينيه الزرقاوين, ابتسم له (يوسف) فبادله ابتسامته, عاد يلتفت لوالده قائلا :
– بأقولك ايه, أنا رجعت في كلامي هات ملك .
ضحك (آدم) وسأله بدهشة :
– في ايه يامجنون انت .
قال يداعبه :
– ماانت بتقولي يوسف هيخلي باله عليها ومااعرفش ايه, ياعم أنا باغير وابنك زي العسل كده وملون, ماينفعش, هات البنت .
دفعه (آدم) من أمام نافذة السيارة وهو يضحك وقال :
– روح يابني شوف اللي وراك ربنا يهديك, وبعدين المفروض تدعيلي هو الحاج ده هييجي إمتى, مش المغرب تقريبا, يلا عندك نص ساعة انفراد .
تنبه (أدهم) لكلامه ثم هتف :
– ايه ده تصدق, نبيه يابني والله.
ثم التفت للصغيرة في المقعد الخلفي وهي تجلس بجوار (يوسف) في خجل وعندما رآها خجلى هكذا و(يوسف) ينظر إليها بابتسامة عاد يهتف بـ (آدم) :
– يابني ماتشوف ابنك, بيعاكس من دلوقتي وأبوها واقف .
ضحك (آدم) بشدة وداعبه :
– يابني روح بقى .
عاد يبتسم ويخاطب الصغيرة قائلا :
– باي يا ملك .
ابتسمت له وأشارت مودعة ثم انطلق (آدم) بسيارته, تطلع هو لأعلى حيث منزله وارتسمت في عينيه نظرة خبيثه وهتف بداخله ” بعض المشاكسة لن تضر ” , صعد إليها, وعندما رأته ابتسمت وسألته :
– عملت ايه ؟ ماكانتش زعلانة ولا حاجة ؟
هز كتفيه ونفى :
– لا تزعل ليه, هتلعب مع جو الحسيني, واد كده قمر ايه اللي يزعلها .
ضحكت في حنان وغمغمت :
– ماشاء الله ربنا يخليه لباباه.
اقترب منها قليلا وجلس إلى جوارها وقال متصنعا الجدية :
– بس أقولك الحق, أنا كنت غيران وأنا سايبها معاهم .
ضحكت مرة أخرى وسألته :
– ليه ؟
اجاب بنفس الجدية :
– يعني ينفع كده اتنين شبان وواد زي القمر عيونه زرقا وباين عليه معجب كمان .
لم تستطع كبح ضحكتها فانطلقت عبر شفتيها, في ثانية كان قد اقترب أكثر فارتبكت وصمتت, وجدته يقول في هيام أضحكها ثانية :
– أخيرا بقينا لوحدنا.
لما وجدها تضحك أراد استفزازها فاستطرد بلهجة ملتوية :
– هو احنا كنا بنقول ايه مبارح لما ملك عيطت وكانت عاوزة تنام ؟
علت الحمرة وجنتيها فابتسم وأمسك بيدها وهو يكمل في همس :
– أيوة افتكرت, احم احم كنت باقول ….
قاطعه رنين هاتفه الجوال فعقد حاجبيه في ضيق وحمدت هي الله فقلبها كان قد بدأ يخرق أذنيها بدقاته, التقط الهاتف ليجد رقما غريبا, تذكره إنه عم (ملك), مط شفتيه في غيظ ثم أجاب :
– السلام عليكم, أيوة ياحاج … حمدالله على السلامة … أيوة هو ده العنوان أول برج ع اليمين .. تمام ياحاج في انتظارك .
أنهى المكالمة ثم التفت إليها قائلا :
– ده عم ملك, وصل , قومي البسي بقى وادعي ربنا يسهل الموضوع.
شعرت بالقلق وبدا ذلك واضحا على ملامحها, فشد على يدها وابتسم ابتسامة مطمئنة وقال :
– قلقانة ليه ؟ مش أنا معاكي ؟ خلاص مفيش قلق ولا خوف.
نظرت إليه بامتنان شديد فهمس :
– لا كده غلط, النظرة دي صعبة والراجل طالع .
ضحكت مرة أخرى في خفوت فعاد يقول :
– لا إنت مش ناوية تجيبيها لبر بقى, انا هاكلمه اقوله تعالى كمان شوية .
تراجعت بعيدا عنه وقالت في خجل :
– لا لا خلاص, انا هاروح ألبس .
رد وهو ينظر إليها بخبث :
– اوك يلا بسرعة .
ثم ابتسم وتابعها وهي تتجه للغرفة في صمت وقلباهما يتشاركان النبض, في قوته و تسارعه و في شوقه للآخر, قال في نفسه وهو يأخذ نفسا عميقا ” الآن حان وقت المواجهة, وسنرى من سيفوز فيها ” .
:
الفصل الخامس والعشرون
__________________
في الموعد المحدد ارتدت (دينا) ملابسها وكما هي عادتها حرصت أن تكون جميلة, ودعت والدتها وقادت سيارتها للعنوان المنشود, لم ترق لها المنطقة كثيرا فهبطت من سيارتها وهي تتطلع إليها بنوع من الاشمئزاز, تطلعت للعقار الذي يفترض بها الصعود إليها ولم تلحظ نظرات البعض من حولها لها ولسيارتها الفارهة, صعدت للطابق الثاني واتجهت للشقة الوحيدة به ثم ضغطت زر الجرس لثانية, بعد لحظات فتح الباب ليظهر على عتبته (هشام) وهو يبتسم ابتسام واسعة مرحبة ويهتف :
– دينا هانم, أهلا أهلا, نورتي المنطقة ولو إنها مش قد المقام.
أفسح لها الطريق فدخلت وقالت وهو يغلق الباب خلفها :
– كويس إنك عارف إنها مش قد المقام ياهشام, ليه جبتني هنا كان ممكن نتقابل في أي مكان تاني ؟
ابتسم في دهاء وهو يقودها لأريكة في منتصف الردهة ويشير لها بالجلوس وقال :
– ما انا قلت لك في التليفون, مش هينفع نتقابل برا, اللي هتساعدنا ماتحبش حد يشوفها مع الزباين بتوعها.
تأففت لحظة ثم عادت تهادنه وتسأل :
– ها ماقلتليش خطتك ؟ ناوي على ايه ؟ لاحظ إنهم اتجوزا خلاص فالخطة لازم تكون أقوى من أي حاجة فكرت فيها قبل كده .
احتفظ بابتسامته الخبيثة ورد :
– طبعا فاهم, إنت فاكراني بالعب, تشربي حاجة الأول.
كانت ابتسامتها ساخرة وهي تتطلع إليه وتتساءل :
– حاجة زي ايه ؟
هز كتفيه وأجاب :
– معلش بقى إنت عارفة إني عازب يعني مفيش حاجة فريش, ياشاي يا عصير في العلبة .
قالت بقرف :
– اوك هاخد عصير, أي فلافر Flavor ماتفرقش.
ابتسم وغمغم :
– تمام .
ثم اتجه لمطبخ منزله وعاد بعلبتي عصير باردتين ناولها إحداها وجلس أمامها على أحد الكراسي, وقال باهتمام :
– نتكلم بقى في الجد .
بدأت ترشف من علبتها بأناقة وهي تتطلع إليه قائلة :
– اوك, قولي بقى ناوي على ايه ؟
ابتسم في خبث وهو يرد :
– خطة ماتخرش الماية, هتخليه يديها بالجزمة ويطردها زي الكلاب وكمان هي نفسها يمكن تنتحر بعدها وتدفن عارها معاها.
برقت عيناها في جشع وهتفت في لهفة :
– خطة ايه ؟ قول بسرعة .
نظر لعلبة العصير في يدها ثم قال :
– هاصورها معايا ع الهوا وابعت له الفيديو .
تراجعت في مقعدها في صدمة, ولم تفهم شيئا فسألته :
– إزاي ده بقى ؟ إنت فاكر إنك ممكن تعمل معاها حاجة من دي ؟.
رد بدهاء :
– من ناحية ممكن فهو ممكن وجدا كمان, استدرجيها بس هنا وسيبي الباقي عليا ,
ظهرت عصبيتها وهتفت فيه في حنق :
– هشام هات اللي عندك مرة واحدة .
قهقه وعاد ينظر إليها ويقول في خبث شديد :
– عادي, هاجيبها هنا بأي سبب حتى لو كذب, علبة عصير زي اللي في ايدك دي, تتخدر وتبقى تحت أمري .
نظرت لعلبة العصير في يدها بقلق ثم تركتها على المائدة فضحك بسخرية أثارت استياءها فعادت تهتف :
– وهو انت لما تصورها معاك متخدرة تبقى كده شوهت صورتها ؟
هز كتفيه وهو يشرح لها كمعلم يهدي تلاميذه درسا في الحياة :
– ومين قال إني هاصورها وهي متخدرة ؟ دي هتبقى معايا بمزاجها ومزاج عالي كمان.
ظل التساؤل يغيم على ملامحها فاستطرد بنفس الخبث :
– بسيطة أوي إنت ناسية اني صيدلي ولا ايه ؟
عادت تسأله وهي تشعر بالنعاس :
– طيب وهتجيبها هنا إزاي ؟
لاحظ ما يحدث لها فأجاب في سخرية :
– هاقولها إن عندي خطة ادمر عدوتها بيها, هتيجي زي القطة تتمسح فيا وهي مش عارفة ايه اللي هيجرى لها .
غلبها النعاس أكثر لكنها شعرت بالرعب وهي تهتف بصوت لا يكاد يسمع :
– إنت عملت ايه ؟
وقف أمامها فجأة وقال في سخرية :
– ما انا شرحت لك الخطة بالتفصيل, ايه عاوزاني اعيدها تاني ؟
بدأ جفنيها ينغلقان وهي تتنفس في صعوبة, في حين أكمل هو :
– الفرق بس إن البطلة مختلفة, هي هاسيبها لأهل جوزها اللي مات يقوموا معاها بالواجب, اما إنت فواجبك معايا انا .
ظل صدى كلمته الأخيرة يتردد في أذنيها وهي تغيب عن الوعي, و يبدو هو أمامها كأنما يغلفه الضباب حتى لم تعد تشعر بشيء, حينها ابتسم كنمر جائع أمام فريسته التي انتقاها بعناية.
_______________________________
وصل الحاج (عبد الرحمن ) لمنزل (أدهم) ورحب به واتخذ كل منهم مجلسه, كانت (جمانة) تشعر بقلق وخوف لا حد لهما فجلست بجوار (أدهم) الذي لاحظ اضطرابها فربت على كفها برفق ليشعرها بالأمان, كان الغضب يبدو على الرجل وهي تعلم ما يمكن أن يفعلوه, أول من تكلم هو (أدهم) عندما قال في حزم :
– منورنا ياحاج, ياريت نتكلم في موضوعنا مباشرة من غير لف ودوران .
تطلع إليه الرجل بنوع من الغضب المكبوت, لكنه ابتسم في تزلف :
– ده نورك يا أدهم بيه, أني مبسوط إن اتعرفت عليك وبقيت من العيلة, صيتك وشغلك مسمع في السوق كله .
ابتسم (أدهم) في مجاملة واحتفظت (جمانة) بصمتها وقال هو :
– ربنا يخليك ياحاج, إن شاء الله يكون وجودي في العيلة خير للكل.
تملقه الرجل قائلا :
– أكيد يا أدهم بيه, إنت وجودك في أي عيلة يشرفها .
احتفظ (أدهم) بابتسامته وهو يقول :
– شكرا يا حاج .
أخذ الرجل نفسا عميقا ثم قال بلهجة حازمة هذه المرة :
– نتكلم بقى في الجد , ينفع يا أدهم بيه اللي حصل دِه ؟ هي دي الأصول بردك ؟ .
عقد (أدهم) حاجبيه في غضب من حديث الرجل لكنه تماسك و رد في هدوء :
– وهي الأصول برده يا حاج إني اهدد واحدة إني هاخد منها أرضها وأرض بنتها اليتيمة بالغصب عشان مفيش حد يقف جنبها ويدافع عن حقوقها ؟
فوجئ الرجل من كلام (أدهم) فقد كان يتوقع منه بعض المداهنة لكنه صدمه بوضوحه وصراحته, قال بطريقة هجومية :
– يعني إنت عارف من الأول وموافقها على عمايلها .
ازداد غضب (أدهم) ولم يتمالك نفسه فانفعل هاتفا :
– ياحاج لاحظ إن اللي بتتكلم عليها دي مراتي ومااسمحش لحد يتكلم عنها بطريقة زي دي .
تراجع الرجل لوهلة لكنه عاد يصيح بعصبية :
– يا ادهم بيه اللي حصل دِه ما يرضيش حد, إحنا كان ممكن نتفاهم مش تروح تبيع أرضنا لحد غريب يشاركنا فيها عشان خايفة ناخدها, إحنا كان ممكن نشتريها وأني عرضت عليها تتجوز أخويا وكانت هتبقى في عينينا, إنما هي عايزة تقلبها خراب وتحطك إنت في وش المدفع .
شعر (أدهم) بغضبه يتأجج أكثر, تتزوج من أخيك ؟ هل جننت لتنطقها أمامي هكذا ؟ إنها امرأتي يارجل ! كان يتماسك بصعوبة, لقد كان (آدم) على حق, هذا الرجل يثير حنقه وغضبه لأقصى حد غير آبه بما قد يعود عليه من جراء ذلك, كانت لهجته صارمة للغاية عندما قال :
– أولا ياحاج انا مش غريب, انا جوزها, وهي حرة تبيع أرضها ماتبيعهاش دي حاجة ترجع لها, وأظن يا حاج مايصحش تروح لواحد تقوله انا كنت هاجوز مراتك لأخويا عيب اوي, والمدفع اللي بتتكلم عليه أنا واقف قصاده اهو وريني هيعمل ايه ؟
لهجته أصابت الرجل بغضب شديد, أكبر منه سنا ويكاد يجمد الدم في عروقه, هب واقفا وصاح :
– إنت الظاهر مش عارف بتتكلم مع مين ؟ خلي بالك يا أدهم بيه إحنا آه من الريف بس اللي ياخد مننا حاجة مش بتاعته ما بيلحقش يتهنى بيها .
تصاعد غضب (أدهم) وتفجرت به خلاياه فوقف في وجه الرجل غاضبا وقال بحدة :
– ده تهديد ده ياحاج ؟ بتهددني في بيتي ؟
شعرت (جمانة) بخوف شديد, كان (أدهم) شديد الغضب والرجل عصبي للغاية وقدرت أن الأمر لن يمر بسلام, ارتعبت فجأة فقامت بسرعة تقف خلف زوجها وتمسك بذراعه كطفلة صغيرة تائهة, شعر بها وبقلقها فمد يده الأخرى يربت على كفها الممسكة بذراعه والحاج يعود ليهادنه :
– أني مش باهددك يا أدهم بيه حاشا لله, بس اللي إنت بتقوله دِه يِجِن .
تطلعت هي للرجل في دهشة, لقد تراجع في ثوان, أدارت وجهها تنظر لزوجها وهي متعلقة بذراعه وهو يمسك كفها بحنان على الرغم من غضبه المرتسم على وجهه, سرحت في خيالها فجأة معه, كيف لم تلحظ أنه بهذا الطول من قبل ؟, على الرغم من أنها ليست قصيرة فإن رأسها لا تكاد تتخطى كتفه بمسافة قليلة, وذراعه التي تمسك بها قوية وصلبة, نعم يمكنه أن يحميها, يمكنها أن تشعر بالأمان معه وأن يظللها بحبه, شعرت بقلبها ينبض له في صدرها, غضب عقلها ووضع حاجز ذكرياتها أمام عينيها لكن قلبها رفرف حوله وألقى نفسه بين كفيه, أفاقت على صوت الرجل يخاطبها بلهجة متخاذلة :
– هي دي آخرتها يا أم ملك ؟ ينفع اللي حاصل دِه ؟
قبل أن تنطق كان (أدهم) يقول بصرامته :
– أظن يا حاج أنا موجود وباتكلم معاك, يبقى أم ملك برا الموضوع ومادام لها راجل يبقى هو اللي توجه له كلامك .
تنهد الرجل وقال في استكانة :
– ماشي يا أدهم بيه, خلاص مادام ده اللي إنتم عايزينه إحنا هناخد أرضنا, أكيد ماتلزمكوش في حاجة .
التفت (أدهم) لـ (جمانة) وقال بنفس الحزم :
– ده قرار أم ملك يا حاج, يا تبيعها يا تحتفظ بيها .
نظرت إليه وتفاهم معها بعينيه, خفضت رأسها أرضا وظلت صامتة وهو يخاطب الرجل قائلا :
– خلاص ياحاج هنبيع, بس بشرط , هنجيب خبير محايد يتمن الأرض وتتباع بتمن السوق, والحق ماحدش بيزعل منه, ولا ايه ياحاج ؟
تنهد الرجل في استسلام وقال :
– ماشي يا ادهم بيه اللي تقول عليه .
انتهى الأمر, واتفقوا على موعد مناسب لتقدير ثمن الأرض وإمضاء العقود, رحل الرجل محملا بخزي لا مثيل له, وهزيمة شعر بها ماحقة فوق رأسه, لكن لا يمكنه المخاطرة بأعماله مع رجل مثل (أدهم) له ثقله في السوق.
أغلق (أدهم) الباب وراء الحاج (عبد الحمن) ثم التفت عائدا إليها, تطلعت إليه في صمت , لم تجد كلمة تعبر عن مدى امتنانها له فاكتفت بأن تعبر نظراتها عنه, ابتسم لها وسألها بمرح :
– ها ايه رأيك ؟ مرعب مش كده ؟
ضحكت وتنهدت في ارتياح ثم قالت :
– جدا .
اقترب منها وهمس :
– بس إنت ماخفتيش مني ؟ اوعي ؟ إلا إنتِ .
خفضت عينيها في خجل وقالت بخفوت :
– بالعكس, كنت حاسة بالأمان اوي .
أطارت عبارتها صوابه, إنها تمدحني صراحةً, اقترب أكثر فلم تتحرك مبتعدة مما أثار دهشته, فزاد في اقترابه حتى أصبح امامها مباشرة, لم يلمسها إنما أمرها :
– بصي لي .
كان خجلها يتضاعف لكن رغما عنها ومع لهجته الآمرة رفعت عينيها إليه ولمع فيهما شيء لم يفهمه, ابتسم لها فشعرت بقلبها يصرخ باسمه, رباه ما الذي يحدث لي, وما تلك الابتسامة الآسرة ؟ اتسعت ابتسامته وهو يراها تتخبط في حيرتها, كل ما أراده في اللحظة أن يفتك بها ويذيقها جحيم الأسابيع الثلاثة الماضية وكم الحرمان الذي شعر به خلالها, مد يديه إليها فلم تتحرك, كانت دهشته أكبر, تساءل : هل ستستسلم له ؟ أمسك كتفيها برفق وتطلع إلى عينيها لثوان, قرأت في عينيه الكثير ثم انحنى نحوها ببطء فأغمضت عينيها في انتظاره …………..
– آدوم, في وقتك المناسب يا كبير …. ههههههه لا ماتفهنيش صح أرجوك ….. يابني خليك في حالك … ملوكة بتعمل ايه ؟ … يادي المصيبة يا دي العار جبت لي العار يا جو ؟ …. احنا ماعِنديناش بنتة تتصرمح مع الشباب اللي بعيون زُرج يا وِلد …. آدم احترم نفسك إنت عارف إني بأغير… أيوة الحريم بتوعي مالكش دعوة بيهم …. انجز يابني أنا جاي آخد بنتي من عندكم شباب ضايع صحيح وابنك الأمور ده قول له مالوش دعوة بيها البنت هتكمل تعليمها الأول وبعدين نفكر …. ههههههههههههههه طيب يا سيدي مسافة السكة .
وأغلق الخط, التفت إليها ليخبرها أنه سيذهب لإحضار (ملك) فوجدها تتطلع إليه بابتسامة, ذاب غضبه فجأة مع ابتسامتها فبادلها إياها, داعبته محاولة التخلص مما يعتريها من مشاعر متضاربة :
– الحريم بتوعك !!
ضحك وقال بلهجة صعيدية طريفة :
– إيوة, حريمنا ماتنكشفش على ردالة أبدا .
ضحكت هي الأخرى فأعادت له عذابات قلبه مرة أخرى كأنها تأبى إلا أن تشعلها على الدوام, خفض عينيه أرضا في صمت, رؤيتها تلهب أعصابه وتطلق في جسده شرارات تصليه بنارها, قال بسرعة :
– هاروح اجيبها بقى أنا باغير زي ماقلت لك .
ثم انطلق هاربا من سجن هالتها التي تطوقه كلما كان في حضرتها, ابتسمت بعد خروجه وبدت منتشية, هل انقلبت الأدوار وبات هو المسكين ؟ نعم لقد شعرت بالنصر على الرغم من ابتعاده عنها وقتما كانت طوع بنانه, تنهدت وجلست في انتظار عودته لتمارس دور القط هذه المرة .
_______________________________
بدأت (دينا) تشعر بوعيها وإن كان ضبابيا بعض الشيء, حاولت فتح عينيها ببطء فأحست كأن ثقل يربط جفنيها سويا, قاومت أكثر وفتحتهما ببطء أكبر حتى استطاعت أن تنظر حولها, كانت في غرفة نوم غير مرتبة أشعرتها بالقرف, استجمعت ذكرياتها وركزت وعيها أكثر وهي تدير رأسها للجهة الأخرى فوجدته بجوارها ينظر إليها نظرة باردة جمدت الدماء في عروقها, حاولت الصراخ أو الكلام لكن فوجئت بنفسها مكممة وبقوة, اتسعت عيناها في ذعر وحاولت الهرب لتكون المفاجأة الأكبر, أنها مقيدة إلى فراش وأطرافها متناثرة على أركانه الأربعة مانعة إياها من الحركة تماما, عادت ترجوه بعينيها لكن برودة نظرته قابلتها مرة أخرى, التقط من جواره ثمرة تفاح وسكين صغيرة وبدأ يأكلها أمامها في بطء وتلذذ ثم سألها :
– مش جعانة ؟ أنا باحب احلي الأول.
بدأت دموعها في الانهمار بصمت وصوتها محبوس خلف كمامتها, فقام من جوارها ووقف أمامها قائلا في نشوة :
– شفتي ؟ قلت لك لما أحب آخد حاجة بآخدها, كان لازم تصدقي كده من الأول وتعملي لي ألف حساب.
ظلت تنهنه في صمت منكسر وهو يتطلع إليها في شماتة ويدور حول الفراش المقيدة إليه, ومن منضدة أمامها التقط حقيبة صغيرة فتحها وتطلع لمحتواها بعين خبيرة ثم انتقى منها شيئا ما يشبه الأمبول ومحقنا صغيرا ثم وقف أمامها وهي تتطلع إليه في رعب, بدأ يملأ المحقن بمحتوى الأمبول ثم التفت إليها وعلى شفتيه ابتسامة شيطانية وقال :
– ده حاجة هتخليكي ريلاااااكس خالص, حاجة بتتاخد في جلسات العلاج النفسي, اسمه العلمي مايهمكيش المهم إنه هيعجبك أوي .
اتجه نحوها وهي لا زالت تتوسل إليه بدموعها وعينيها ثم حقنها بها وهي تحرك جسدها بعنف محاولة إبعاده عنها لكنه ثبتها بقوة, عاد لحقيبته مرة أخرى وأخرج منها قرصا أمسكه بين إصبعيه ورفعه أمام عينيه وهو يريه إياها قائلا :
– ده بقى أكيد إنت عارفاه, ماتقوليش ماجربتيهوش ؟ LSD , آخر روقان بس أنا عاوزك مركزة معايا فمش هاديكي إلا النص بس, كفاية عليكي أوي نصها .
وعاد يتجه إليها ومن أسفل الكمامة الموضوعة بين أسنانها أفلت القرص ورفع ذقنها مجبرا إياها على بلعه, انتظر بجوارها قليلا, ثم وقف أمامها يتطلع إليها في صمت وتوحش ودموعها تنهمر حتى توقفت تماما, فجأة نظرت إليه واتسعت عيناها في صمت فابتسم في ظفر وقال :
– أيووووة كده, أهو ده الروقان, كده أفكك وانا مطمن .
بدأت نبضات قلبها تزداد وحلقها يجف تلاها ارتفاع درجة حرارتها, انتظر لدقائق أخرى ثم شرع يفك قيودها ثم كمامتها وهي مستسلمة له تماما بل وتضحك في نوع من الهيستيريا, ابتسم لدى سماعه ضحكتها اللعوب واتجه صوب كاميرا فيديو صغيرة موضوعة فوق حامل ثلاثي إلى جانب الفراش, كانت الكاميرا تقوم بتصوير ماقام به فقام بنزع الذاكرة ووضعها جانبا ثم وضع ذاكرة أخرى بداخلها قائلا لها وهي لا تعي ما يفعله :
– تسجيل اللحظات اللي من النوع ده بينفع اوي, سلاح في ايدي أستخدمه وقت ما أحب ياقمر إنتي وذكريات حلوة كمان.
أعاد تشغيل الكاميرا وبدء التسجيل ثم اتجه نحوها وهي تنظر إليه ولعينيه القاسيتين المتوحشتين بدون فهم .
________________________________
عاد (أدهم) يحمل (ملك) نائمة على كتفه, فاستقبلته (جمانة) بتساؤل أجابه في خفوت :
– نامت وانا جاي في الطريق.
أومأت برأسها في صمت في حين اتجه هو لغرفة الصغيرة ووضعها في فراشها برفق وأسدل الغطاء فوق جسدها الصغير ثم خرج من الغرفة وأغلق بابها خلفه بهدوء, عاد إليها في غرفة المعيشة فوجدها تتصفح إحدى الروايات بملل, جلس إلى جوارها فرفعت عينيها إليه وابتسمت متسائلة :
– عملت ايه هناك ؟
هز كتفيه وأجاب متصنعا الغضب :
– الهانم رحت لقيتها بتلعب مع جو ورايقة ع الآخر, الصنارة غمزت باين وشكلها هتتحبس في البيت مش هتخرج تاني, الواد ده أنا مش واثق فيه حاسس إنه بيضحك عليها وهو البنات بتجري وراه كده .
ضحكت (جمانة) فخلبت لبه, ثم تطلعت إليه بنظرة لم يفهمها و قالت :
– لا يا بابا ماتقولش كده, بنتك عاقلة وعارفة مصلحتها .
ابتسم فهاهي تجاريه, أسعدته كلمة “بابا” للغاية, استمر في تأدية الدور :
– لا مراية الحب عامية يا أم ملك, والواد مز تلاقيه غمز لها بعيونه الزرق دول البت اتشعلقت في رقبته على طول .
قررت أن تهاجم فقالت بجرأة :
– مش فاهمة حاجة بنتك دي ياسي أدهم, هو في أحلى من العيون البني ؟
اختلطت في نظراته الدهشة بالاستغراب لكنه استمر للنهاية قائلا :
– مش كده يا عيون سي أدهم يا حلو إنت يا طعم, قال أزرق قال, مفيش أحلى من البني .
ثم حرك حاجبيه بطريقة أضحكتها, فقالت :
– ربنا مايحرمنا منهم يا اخويا, بني بني وماله .
صمت متطلعا إليها والحب يملأ ملامحه فبادلته نظراته بجرأة لم يعهدها فيها, تساءل ” مالذي جرى لها ؟ لقد جنت حتما “, فجأة وقفت وسألته :
– ها يا سي أدهم تحب تتعشى إيه, عملالك شاورما إنما إيه لا تقولي مطاعم ولا جاهز بعد كده .
لم يقاوم أكثر فضحك بشدة وهي تتطلع إليه بابتسامة, وقرر أن يكون أكثر جرأة فلن يملكها زمام الأمور أبدا, وقف أمامها فلم تتحرك من مكانها, اقترب أكثر وانحنى يهمس في أذنها بخفوت شديد :
– أنا مش عاوز شاورما, أنا هاتعشى حاجة تانية أحلى وألذ, ومش عشا بس, ده عشا وفطار وغدا كمان.
عاد الخجل يكتنفها من جديد وأنبت نفسها ” لست أهلا لمجاراتك سيدي “, أسرعت هاربة من أمامه وهو يقهقه بشدة شاعرا بالانتصار والظفر, قرر أنه لن يتركها فيكفي مافعلته به اليوم, ذهب خلفها للمطبخ ووقف خلفها أمام أحد الأركان فلم تستطع الحركة, لمسها برفق فشعرت بالتوتر يغزوها, وجدته يتشممها مرة أخرى فاستغربت تلك العادة منه, قال فجأة وأنفاسه تلفح رقبتها :
– امممممم ريحة العشا حلوة أوي, شكلها ليلة ليلاء .
ابتسمت في خفر ولم تقل شيئا اقترب منها أكثر وكاد يضمها لولا أن سمعا بكاء الصغيرة, عقد حاجبيه هذه المرة في حنق ” هذه الفتاة تقصده بالذات وتريد أن ترهق قلبه أكثر من أمها ” أطلق سراحها لتنطلق عائدة لصغيرتها, عادت بعد دقائق للمطبخ فلم تجده فاتجهت لغرفة نومها, وجدته هناك خارجا من الحمام للتو يجفف شعره المبتل بفوطة صغيرة وعندما نزعها من فوق رأسه تساقطت بعض الخصلات على جبهته, راودتها تلك الرغبة مجددا في أن تعيدها للخلف لكنها كعادتها لم تملك الجرأة لتقوم بها فظلت تتطلع إليه في صمت, التفت إليها وسألها :
– ايه العشا جاهز ؟
أفاقت من شرودها على صوته ثم تنحنحت في حرج وهتفت :
– لا انا لسه خارجة من عند ملك وجيت اشوفك نمت ولا ايه, هاروح اجهزه حالا.
وقبل أن تلتفت كان إلى جوارها يمسك بيدها ويهمس :
– بس أنا شايف إنه جاهز .
أطرقت برأسها عائدة لخِدْرخجلها مجددا, لم يهتم بل جذبها إليه فاستسلمت, ضمها إلى صدره برقة فاستكانت على دقات قلبه, لم يدري لما اجتاحه الغضب من جديد, توتر فجأة وارتبك, ” أأتراجع أم أتقدم ؟ أنا أريدك يا امرأتي عاشقة, لا أريد امتنانك ولا حتى بعض الشكر لي, أريد تملك ذلك القلب الصغير بين جنبيك, قبل أن أتملك جزءا آخر منك “, شعرت بتوتره لكنها لم تهتم, فهي ستهديه نفسها اليوم والآن لو أراد, فوجئت به يتراجع للخلف دفعة واحدة مما أشعرها بخواء بعد دفء جسده, ظل يتطلع إليها في صمت, ثم همس بسؤال :
– ليه ؟
لم تفهم فزوت ما بين حاجبيها في تساؤل أجابه بسرعة :
– ليه بتديني اللي منعتيه عني طول الفترة اللي فاتت فجأة كده ؟
ارتبكت ولم تجد ردا, لما يسأل ولما حقا يرفض؟ لم تفهم فعاد يقول :
– لو تعبير عن شكرك عشان موقف النهاردة مع عم ملك يبقى أكبر غلط بتعمليه .
نظرت إليه في دهشة, أهكذا يفكر ؟ كادت تصفه بالغباء لكنها أمسكت لسانها, أدارت وجهها للجهة المقابلة قائلة في حنق :
– انت شايف إنه مكافاة وخلاص ؟ لو شايف كده ؟ تبقى ماتستحقوش .
ثم التفتت مغادرة الغرفة تاركة إياه يتخبط في جدران حيرته وقلقه, لاعنا تسرعه ورعونته, كان يمكنها الآن أن تكون بين ذراعيه, لكنه فقط أحمق غبي يعاني فوبيا حبها .
:
:الفصل السادس والعشرون
_________________
أنهى (هشام) مهمته القذرة وتركها ضعيفة ساكنة لاتعي ماحولها جيدا, تتطلع إليه فتارة تراه بطلا أسطوريا وتارة تراه حيوانا بريا متوحشا, فقدت قدرتها على النطق وهو ينظر إليها ولا زال لعابه يسيل على فاكهتها التي تذوقها لمرة فأسكرته, سخر منها قائلا :
– كنتي بتقولي عاوزة أدهم وبس.
ثم علت ضحكته الساخرة وهو يكمل :
– طلعتي يوزد أهو مستعملة سكند هاند واللي عندك ده طمع وخلاص يا ست ياشريفة يابنت العائلات وولاد الذوات .
قام ليخرج من الغرفة ثم عاد بعد دقائق وهي لا تزال فاقدة القدرة على التحكم بنفسها جيدا, عاد يقترب منها مجددا وهي لا تفهم, كان وعيها يعود إليها ببطء وقدرتها على سلاسة الحركة تزيد, لاحظت اقترابه لمعاودة الكرة وهو ينظر إلى جسدها بطريقة آلمتها وهي التي كانت تثير غرورها فيما سبق, لم تتحرك فلازالت ضعيفة, بدأ مهمة جديدة وهي تبكي في صمت, لفت وجهها بعيدا عنه فوقعت عيناها على أمل, استجمعت كل طاقتها والباقي من وعيها والتقطت السكين الصغير الذي كان يقطع به ثمرة التفاح قبل أن يذهب بوعيها وهو لا يدرك ماتفعله فقد كان وعيه غائب من خمرها هو الآخر, أولجته في عنقه من اليمين بكل ما أوتيت من قوة فإذا به يتطلع إليها في بلاهة ونافورة من الدماء تتفجر من أسفل السكين لتغرقه وتغرق السرير أسفلها مارة بجسدها في طريقها, سقطت رأسه فوقها معلنة انسحاب الروح منه مع سائل الحياة ونظرة البلاهة مرتسمة على ملامحه, فجأة انطلقت منها صرخة وهي ترى الدماء في كل مكان وثقله يمنعها مع ضعفها من الحركة, استمرت في الصراخ حتى وصل صوتها للحي بأكمله وانتهى الأمر .
____________________________________
وقف الحاج (عبد الرحمن ) منكس الرأس أمام شقيقه (كمال) والذي بدا كالثور الهائج وهو يصيح في غضب شديد :
– ايه اللي بتقوله ده ياحاج ؟ للدرجة دي خايف منه ؟ خلاص اشتريت منه أرضنا بفلوسنا, إزاي ؟
رفع (عبد الرحمن ) رأسه ونظر لأخيه في حنق واستياء من طريقته ومن حديثه ثم هتف فيه :
– لم نفسك يا كمال وراعي إني اخوك الكبير, إحنا مش قد ولاد الحسيني وأدهم ده بالذات, واحد زيه من كبارات البلد وواصل وعنده علاقات تودينا ورا الشمس, تنخ قدامه احسن ماتتحداه وتلاقي نفسك بتخسر بردك.
اشتعل غضب (كمال) أكثر وتفجرت شراراته من عينيه الحمراوين وهو يصرخ :
– وعزة جلال الله ما هيتهنوا بالقرشين الي خدوهم, على جثتي يا حاج .
أمسك الرجل بذراعه في عنف وصاح في وجهه :
– الموضوع خلص ياكمال يا ابن زيدان, خدنا أرضنا وخلصنا وكل واحد راح لحاله.
ثم تركه في عنف وغادر المنزل برمته تاركا (كمال) يحدق في الباب الذي خرج منه بنظرات شيطانية لاهبة, هتف :
– بقى كده ياحاج ؟ وربنا المعبود ماهاسيبهم يتهنوا بفلوسنا بنت الـ ***** دي .
ثم خرج من المكان هو الآخر تتابعه زوجته في رعب, فهي تعلم أنه لا يتورع عن القيام بأي شيء للوصول لغايته او الانتقام, ودعت الله أن يمر الأمر بسلام .
أما هو فقد اندفع كالصاروخ من المنزل واتجه إلى سيارته, فتح بابها ودلف إليها ثم أغلقه خلفه في عنف, تناول هاتفه الجوال وقام بالاتصال برقم يحفظه عن ظهر قلب, وما إن سمع صوت يرد عليه حتى هتف :
– إنت فين يا فتحي أني كمال زيدان عايزك ضروري .
جاءه الصوت الأجش يقول في ترحاب :
– أبو كمال, فينك من زمان يامعلم ؟
رد بسرعة :
– موجود أهو يافتحي, عايزك في حاجة مهمة هتاخد فيها قرشين حلوين, قلت ايه ؟
شعر بلهفته وهو يجيبه :
– تحت أمرك يا باشا ياكبير, تعالي لي في مكاننا بتاع زمان, نعلي المزاج ونتفق .
قال وهو يدير محرك سيارته :
– طيب أني جايلك اهو .
أغلق هاتفه وقاد سيارته مندفعا بها عبر بوابة السور المحيط بالمنزل بسرعة وجنون .
_______________________________
دخل (أدهم) لمنزله بهدوء كعادته, كانت الأيام الماضية مرهقة للغاية وعقله كان متعبا وقلبه مستكين بين ضلوعه في صمت, فمنذ أغضبها آخر مرة وهي ليست على مايرام معه, خاصة أنه لا يستطيع الانفراد بها مؤخرا بسبب انشغاله بعمله وأيضا بتسوية مشكلة أرضها, وعندما انتهى الأمر كان عمله يستحوذ على جزء كبير من وقته وهذا كان يثير استياءها أكثر, بعدما دلف للداخل تطلع حوله في إرهاق باحثا عن الصغيرة التي تأتي دوما لتتعلق بعنقه وتقبله على وجنته ماحية بقبلتها كل تعبه, لكنه لم يجدها, استغرب الأمر فاتجه للمطبخ ليبحث عن (جمانة), وجدها تقف هناك تقلب بعض الطعام على الموقد في هدوء وشرود, ناداها بهدوء فالتفتت إليه فزعة ثم تنهدت في ارتياح, سألها :
– أمال ملك فين ؟
عادت لمتابعة عملها وهي ترد ببرود :
– لميا كانت هنا وملك شبطت فيها, أخدتها معاها تقضي اليوم هناك وهترجعها بالليل .
شعر أن إرهاقه قد زال فجأة فهتف في مرح :
– طيب دي فرصة هايلة لازم أستغلها أسوأ استغلال.
لم تعر ماقاله انتباها, فاقترب منها يتطلع إليها في صمت, وجدها رقيقة جميلة مرتبة كما هي عادتها, ترتدي بيجامة قطنية ناعمة تليق بها للغاية, تلك المرأة تجيد انتقاء ماترتديه, شعرها منسدل على أحد كتفيها, تجاهلته تماما فشعر بالغيظ, سأنهي الأمر اليوم يازوجتي العزيزة فقد سئمت تلك اللعبة التي تثير جنوني , اتجهت لمكان آخر في المطبخ تعمل على شيء ما أمامها متناسية وجوده, تبعها وفجأة طوقها من الخلف فسرت قشعريرة في جسدها ولم تتحرك, اقترب من أذنها هامسا :
– وحشتيني اوي .
فكت ذراعيه من حولها بيديها ولم ترد, خرجت من المطبخ واتجهت للحمام ثم أغلقت بابه عليها في عنف, تطلع إليها في حزن وهي تغادره حانقة, زاد الإصرار بداخله أن تنتهي اللعبة اليوم والآن, اتجه لغرفته وقام بتغيير ملابسه ثم تمدد على السرير في إرهاق دخل بعده في سبات عميق, خرجت هي من الحمام بعدما شعرت أنه قد ذهب, عادت للمطبخ تتابع طعامها حتى انتهت, كانت غاضبة منه, ففي الوقت التي شعرت فيه بقلبها ينبض من أجله يتنكر هو له ويعتبره امتنانا منها, كيف يفكر هذا الرجل ؟ هل ستعطيه قلبها وروحها وجسدها تعبيرا عن امتنانها ؟ كبرياؤه يحنقها على الرغم من محاولاته استرضائها, دخلت غرفة النوم فوجدته نائما كطفل صغير أنهكه التعب, شعرت بالشفقة تجاهه فاقتربت منه وجلست بجواره على الفراش بهدوء تتطلع إليه وهو يستلقي على ظهره ووجهه يقابلها, نبض قلبها وهتف باسمه, لم تدري بنفسها سوى وهي تتحسس شعره وتبعده عن جبهته وتربت عليه بحنان, لم يتحرك مطلقا فزاد إحساسها بالشفقة والذنب, على الرغم من تعبه كان هناك يحاول التقرب منها, لقد نال منه التعب مبلغه في الفترة الماضية وهي تعلم, سافر لأكثر من مرة لبلد أعمام ابنتها لينهي مشكلة الأرض, حلها لها وحصل على مالها كاملا غير منقوص, رست مناقصة هامة وكبيرة على شركته وسحبت مجهودا أكبر منه لكنه لازال يحاول إرضائها, تركت يدها تتحسس وجهه في بطء ثم لسعتها خشونة ذقنه النامية, فابتسمت في حب, وكان مافعلته تاليا هو ضرب من الجنون, لقد اقتربت من شفتيه وطبعت عليهما قبلة ناعمة لكنها فوجئت به فجأة يبادلها قبلتها بشغف فاتسعت عيناها وابتعدت عنه بذعر لتجده ينظر إليها وفي عينيه قصة عشق لا تنتهي, هبت واقفة في ارتباك فهتف بها وهو يتحرك ممسكا بكفها :
– استني ماتهربيش .
توقفت ووجهها يشتعل من الخجل, رباه لقد كان مستيقظا طوال الوقت, وقف أمامها وهمس :
– بحبك .
لم تشعر بقلبها, انتفض فقط ثم خرج من صدرها فجأة محلقا في سمائه, لقد نطقها ولأول مرة, أما هو فرفع وجهها نحوه لتظل عيناها رهينة محبس عينيه وعاد يقول :
– أيوة بحبك, نفسي أصرخ بيها للكون كله ويسمعوها مني, نفسي أمشي في الشارع وأي حد أقابله أقوله بحبها, مجنون بيها, بعشق كل حاجة فيها, وهي زعلانة وكمان فرحانة, لما تغضب وأنا باستفزها او تحمر من الخجل لما أقول لها حاجة تكسفها, لما بتكون صاحية وكمان وهي مغمضة عينيها, في كل حالاتها فيها.
لم تستطع الرد فصمتت, اقترب أكثر فتجمدت, فجأة تذكرت موقفه السابق, فغضبت ثم دفعته بعيدا عنها وحاولت الخروج من الغرفة لكنه عاد يمسك كفها وهتف :
– جمانة, أنا عارف إني كنت رخم, بس اعذريني, كنت قلقان, انا عاوز حبك, قلبك, عقلك, عاوز اسمي بدل كل نبضة بيجري مع دمك, مش سهل لما في نفس اليوم الاقيكي بتسلمي لي اللي باتمناه, طبيعي أقلق, لأن مش عاوزه كده .
قالت في خفوت :
– خلاص, انا فهمت .
جذبها نحوه فلم تقاومه, دفن وجهه في شعرها وألصق أذنها بصدره, تركت نفسها بين ذراعيه لثوان ثم عادت تبتعد, نظر إليها فرآها خجلى, عاد يبتسم, لقد عادت معشوقته التي افتقدها خلال الأيام الماضية, شاكسها مرة أخرى :
– ايه ؟ بعدتي ليه ؟
توترت, بعدها قالت في خفوت :
– مش عاوزة .
رفع حاجبيه في سخرية, هاهي تكذب, قال :
– بجد ؟ أمال اللي عملتيه من شوية ده اسمه ايه ؟
كادت تدعو أن تنشق الأرض وتبتلعها, ازداد خجلها فعاد يقترب منها ويقول بحنان :
– أنا عارف إنك بتحبيني, اعترفي.
ابتعدت مرة أخرى وظهرت روحها العنيدة مرة أخرى فشاكسها :
– وبتغيري عليا كمان.
نظرت إليه في دهشة فشرح :
– أيوة بتغيري, فاكرة يوم لما دينا خليتك تشوفي الصور اللي فبركتها لي معاها, يومها آدم قالي إنك اديتله الملف وطلعت تجري كأنك بتهربي من حاجة , غير شكك وقلقك وسؤالك لما طلبتك للجواز , بتغيري اعترفي .
دبت بقدمها في الأرض كطفلة عنيدة مدللة وهتفت :
– لا مش باغير .
ثم انطلقت هاربة من أمامه بسرعة تصاحبها ضحكته المرحة, همس لنفسه :
– لعبتنا هتنتهي النهاردة يا جوجو.
ثم خطرت بباله فكرة ابتسم لها وعاد يخاطب نفسه :
– والله لأوريكي .
تركها لانفعالها وخجلها ثم اتجه للحمام ليمحي إرهاق اليوم, عادت تبحث عنه ليتناول طعام الغذاء فوجدته يستحم, أثار ذلك خيالها فعلت حمرة الخجل وجنتيها ثانية والتفتت لتغادر الغرفة عندما فُتِح باب الحمام وخرج منه زوجها, كان يلف وسطه بمنشفة ولازال الماء يتساقط من جسده وهو يجفف وجهه وشعره بأخرى, اتسعت عيناها فيما يشبه الرعب الممتزج بالخجل الشديد فمنذ زواجهما لم تره هكذا أبدا, بدا قويا صلبا ووسيما, جفف وجهه ثم فوجئ بها أمامه تتطلع إليه في ذهول, ابتسم لها ثم عقد حاجبيه وسأل :
– في ايه ؟ مالك ؟
أفاقت من شرودها فخفضت عينيها خجلا وهمست :
– أبدا, مفيش, الغدا جهز لو حابب تتغدى .
شعرت به يقترب منها ولازالت قدميه المبللتين تتركان أثارهما على أرضية الغرفة, وقف أمامها تماما وهي لازالت تنظر أرضا وتكاذ تذوب خجلا, كان سعيدا للغاية بالحالة التي هي عليها, نعم هي تحبه وسيجبرها على الصراخ بها, أمسك بها من مرفقيها وقربها إليه فانكمشت على نفسها أكثر, قربها أكثر حتى التصق بها ولمس كفاها صدره العاري مما جعلها تنتفض فجأة, حاولت التراجع لكنه لم يتركها تتحرك قيد أنملة, همس لها :
– بصي لي .
أغمضت عينيها وهي تطرق أرضا وهزت رأسها نافية هامسة هي الأخرى :
– لا.
ترك أحد مرفقيها وأمسك بيده ذقنها ليرفع وجهها نحوه فأسبلت جفنيها في خجل, تطلع إليها وقلبه يهتف ” أحبك يا حمقاء “, عاد يهمس بلهجة خشنة دلت على ما يعتمل بداخله :
– بصي لي أحسن لك .
فتحت عينيها برفق وظلت تتحرك ببؤبؤيها في كل الاتجاهات حتى لا تستقر في عينيه, هتف بها :
– جمانة !!
كان اسمها من بين شفتيه غريبا فاتنا كأنها تسمعه لأول مرة, انصاعت لأمره ونظرت إليه, ابتسم لها, كانت ابتسامته مطمئنة حنون, أما عينيه فكانتا تقولان عكس ماتقوله ابتسامته, قرأت فيهما الكثير مما أثار خجلها أكثر وكادت تحترق بين يديه, سألها :
– عينيا بتقولك ايه ؟؟
ازداد اضطرابها وعلت الحمرة خديها أكثر وشعر بها ترتعش , ابتسم وداعبها قائلا :
– أيوووووة بالظبط زي مافهمتي كده, قلتي ايه ؟
أغمضت عينيها مرة أخرى وهمست بدلال :
– هو اللي في عينيك ينفع تاخد فيه رأي ؟
أراد استفزازها أكثر ونبض قلبه يشتد حتى شعر أن نبضاته ستخترق مخه, قال :
– يعني جرين لايت .
لم تقل شيئا بل استكانت على صدره فقط, لينهل منها ماشاء, تذكر أمرا فعاد يقول :
– كلمي لميا قولي لها تخلي ملك هناك النهاردة .
أومأت برأسها إيجابا في صمت وهي تنكمش أكثر بين ذراعيه كطفلة حتى شعر بها تكاد تخترق جلده وتسكن بين خلاياه ملكة على شرايينه وأوردته .
____________________________________
في صباح اليوم التالي شعرت بشفتيه تلثم جبينها في قبلة حانية وبلمسة يده أشد حنوا وهي تزيح خصلة من شعرها عن وجنتها وتربت عليها برفق, كانت كسولة فتقلبت في الفراش وأعطته ظهرها وهي تكمل نومها, ابتسم بعطف وحب وهو يتطلع إليها ثم طبع قبلة أخرى على شعرها وهو يتساءل في نفسه, كيف لرجل مثلي لم يفكر في امرأة من قبل أو حتى يرى أيهن كأنثى تحركه أن يُدّله بالحب هكذا! هل احتفظ بذلك الجنون العاصف بداخله الآن من أجلها فقط ؟ ولم يتردد في الإجابة عن ذلك السؤال, نعم كانت مشاعره تنتظرها, في شوق للقائها, وحدها تستحق, فلم يهمها إلى متى قد يطول الانتظار, مادام في النهاية ستكون الثمرة هي قربها, هي قلبها, هي نفسها, ذلك الجنون أحاط نفسه بأسلاك شائكة وأسوار عالية مكهربة وبوابات صلبة مغلقة بأقفال محكمة عليها حراسة مشددة من أجلها فقط, ولكم كانت تستحق, كم هي رقيقة, حنون, ضعيفة وقوية, مستكينة خاضعة وشرسة, تلك التي تجمع متناقضات الجنون تستحق جنونه, تستحق عشقه ومفتاح قلبه الذي استقر بين يديها من أول لحظة وإن لم يعترف بذلك خوفا أو قلقا أو حتى هربا ومكابرة .
تقلبت مرة أخرى ثم فتحت عينيها بكسل لتجده يتطلع إليها وكل خلية فيه تصرخ عشقا, تساءلت أمن الممكن أن يظهر العشق على أحدهم بهذا الشكل! شعرت بالخجل يغزوها وبسخونة حمرته تعلو وجنتيها فأغمضت عينيها لثوان أخرى, قبل جفنيها المغلقين وهو يهمس :
– هتنامي تاني ؟
فتحت عينيها مرة أخرى وردت بخجل :
– لا
قال بحب يغمر حروفه :
– صباح الخير يا أحلى عروسة في الدنيا.
ضحكت بخفوت ممتزج بالخجل وقالت :
– عروسة ؟ متجوزين من أكتر من شهر وعروسة ؟
مال برأسه جانبا وهو يتطلع إليها ومازال العشق يملأ كل خلجة من ملامحه وهمس مرة أخرى :
– أيوة عروسة, عن نفسي لسه متجوز إمبارح بس.
ردت تداعبه :
– والشهر والكم يوم اللي فاتوا كانو ايه ؟
هز كتفيه وهو يقترب منها :
– اممممم , خطوبة.
وابتسم وفي عينيه نظرة خبيثة, فهمتها على الفور لكنها إدعت العكس ولفت وجهها الناحية الأخرى وهي تغمغم في خجل :
– طيب.
ازداد صوته عمقا وظهرت به نبرة خشنة محببة وهو لازال يهمس :
– طيب ايه ؟ بصي لي وإنت بتكلميني .
لفت وجهها ناحيته ورأت في عينيه الكثير, شعرت بقلبها ينبض بقوة وبدقاته تتسارع, استغربت ذلك من نفسها وسألت قلبها : لما تنبض هكذا؟ أهذا حب ؟ فرد بشكل قاطع : تخطيت مرحلة الحب بكثير, لا توجد كلمة في أبجديات العالم تصف ما أشعر بها تجاه هذا الرجل, تساءلت مرة أخرى : وماذا عن … لكن القلب الصغير قاطعها بحزم : لا تذكريه أمام رجلك الآن, شعرت بالغيظ من نفسها وقلبها, كيف لا تذكره؟ همس القلب : ليس من حقك أن تذكريه وأنا الآن ملك لغيره حتى وإن سكن في بقعة مني وفي ذاكرتك, أنا الآن لست لك.
كان يتطلع إليها بصمت وتلك الحيرة المرتسمة على ملامحها, فهم على الفور ما تعانيه فأمسك كفيها ورفعهما لشفتيه مقبلا واحدا تلو الآخر وقال :
– تعرفي ! كنت لسه باسأل نفسي أنا إزاي بحبك كده ؟ وايه كلمة حب دي قدام اللي جوايا دلوقتي, وسألتها من امتى حسيت الاحساس ده ؟ ماكنتش عاوز أعترف إن من أول لحظة, حسيت فيكي بحاجة مختلفة, حاجة شدتني ولأول مرة تلفت انتباهي لأي بنت, طنشت كتير وكبرت وجادلت نفسي, لحد مافي لحظة ماكنش قدامي غير الاعتراف, خلاص كل الطرق اتقفلت في وشي وباقي بس طريقي اللي لازم أحفره لقلبك وأكسر كل الموانع والعقبات وأهد السور اللي حابسة نفسك جواه, وحابساني انا برا منه, وماتعرفيش احساسي كان عامل إزاي لما لقيت نقطة ممكن أعبر منها السور الخارجي وأدخل بيها حياتك, ماترددتش دخلت منها فورا وكان باقي لي السور الداخلي وبوابته الضخمة, كان حاجز صعب لكن كنت واثق إن اللي جوايا لازم هيوصلك في وقت من الأوقات, اللي جوايا مش سهل ولا بسيط ولاعادي, اللي جوايا كتير أوي وكبير أوي ولازم هتحسيه وده اللي حصل.
ثم ضمها لصدره ووضع رأسها على قلبه وهو يكمل :
– سامعاه بيقولك إيه ؟ بحبك ؟؟ مااعتقدش مش كفاية, أعشقك ! لا لا برده مش كفاية
أبعدها عنه مرة أخرى وهو يمسك وجهها بين كفيه ويتطلع لعينيها بنظرة عجيبة مستطردا :
– نفسي أحبسك جوايا, أقفل ضلوعي عليكي ماحدش يشوفك أو يسمعك أو يلمسك غيري.
ابتسمت بخجل أسعده, كم هي رقيقة وحيية كم هي رائعة تلك الأنثى, أنثاه هو فأكمل :
– غيران حتى من الهوا اللي حواليكي وبيلمسك ويلمس شعرك
ثم ابتسم مداعبا :
– بأفكر أحبسك في كبسولة مفرغة من الهوا وأجيبلك أنبوبة أكسجين للتنفس تلمس بس جزء بسيط منك بدل ما الأخ هوا رايح جاي كده.
اتسعت ابتسامتها وقالت :
– ياسلام للدرجة دي؟ وملوكة بقى هتعمل فيها إيه ؟ .
قال وهو يخشى من مضمون سؤالها :
– لا ملوكة هاحبسها في كبسولة تانية أنا باغير قلت لك, لا هوا يلمسك ولا يلمسها, انتو بتوعي انا وبس.
ظلت تبتسم بسعادة ظنت أنها لن تشعر بها يوما ثانية, كم يمكن للحب أن يكون صانع معجزات ومحيي قلوب, وكم يمكن للرجل أن يسعد امرأته ببضعة أحرف يلقيها على قلبها ليهيم به أكثر وأكثر, ثم غابا بعدها في عالم العشق .
________________________________
وقف والدا (دينا) أمام أحد الأطباء ينتظران ماسيقوله في لهفة والجزع مرتسم على ملامحهما, قال الطبيب :
– هي الحمد لله دلوقتي أحسن, فقدان الوعي اللي هي فيه غالبا نفسي أكتر منه عضوي, واضح إنها اتعرضت لصدمة شديدة أثرت عليها بالشكل ده, لكن متوقع ترجع لوعيها خلال يومين بإذن الله .
علا الارتياح وجه الأم وهتف والدها :
– الحمد لله, طيب يا دكتور هي …
ثم تردد, كيف يكمل سؤاله بعدما علمه عما يمكن أن يكون قد حدث لها, كان الطبيب ينظر إليه في انتظار ما سيقوله, عاد يقول في خفوت :
– هو حد اغتصبها ؟
صمت الطبيب لثوان, ثم قال بلهجة متعاطفة :
– هو جسديا مفيش دليل على حدوث اغتصاب او مقاومة من مدام دينا, فعلا حصلت علاقة قبل وصولها لكن اغتصاب وأثاره مفيش, احنا لقينا آثار عقار هلوسة وممكن يكون فعلا حصل اغتصاب لكن العقار لغى وعيها وبالتالي ماكانش في منها أي مقاومة .
صُدم الأب ” مدام دينا “, ما الذي يعنيه ؟ طفلته, يا إلهي, كيف يقول عنها ذلك ؟ صمت لحظة ثم عاد يقول :
– حضرة المقدم حمزة برا وهيتكلم معاكم بخصوص الموضوع ده أكتر .
تطلعا لبعضهما البعض في صمت, ثم تبعاه للخروج من الغرفة بعد أن ألقيا نظرة على ابنتهما الغائبة عن الوعي, كان المقدم واقفا في الممر المقابل للغرفة, عندما رأياه شعرا بالرهبة, تقدم منهما وحياهما بهدوء ثم أشار إليهما أن يتبعاه إلى غرفة بسكينة فاكهة صغيرة في العنق مباشرة دخلت بعدها في حالة من الهياج والانهيار العصبي لحد ما أهل الشارع سمعوا صريخها وطلعوا يشوفوا في ايه !!
صمت لحظة وهو لا يدري كيف ينقل لهم المشهد , أكمل بخفوت :
– الناس لما اقتحموا الشقة كانوا موجودين في اوضة نوم وكانوا …. بدون ملابس تماما, كان هو ميت ودمه مغرقها ومغرق المكان وهي بتصرخ ومش قادرة تتحرك, ولما حاولوا يساعدوها كانت بتتعامل معاهم بعنف وعصبية ورعب وفقدت الوعي فورا, نقلوها مستشفى ومن شنطتها وصلوا لكم لحد ماجبتوها هنا .
كان الرجل يحاول انتقاء كلماته قدر الإمكان وعلى الرغم من ذلك اتسعت أعينهما في ذعر ثم سقط الأب فاقد الوعي .
____________________________
وقفت (جمانة) في المطبخ لتطهو طعام الغذاء والصغيرة تلعب ببعض اللعب أمامها, لم يكن عقلها معها بل يحلق في سماء حبيبها, تذكرت منذ يومين عندما قررت أن تعترف أمام نفسها وأمامه بحبها, كان حنونا للغاية ورقيقا, أسعدها أنه اعتبر ذلك اليوم كأنه يوم زواجهما الأول, وجدته فجأة يخبرها بأن تستعد للصلاة خلفه مجددا, وبالفعل صليا سويا, بعدها أعطاها علبة من المخمل, خمنت محتواها لكنها فوجئت أكثر عندما فتحتها ووجدت بداخلها طاقما ماسيا أنيقا للغاية أصر أن يلبسها إياه, حلق خيالها أكثر لتشعر بالخجل فجأة وتشتعل وجنتاها عندما وصلت بتفكيرها لما حدث بعد أن وضع خاتمه في إصبعها, تنهدت في حب ثم التفتت تتطلع لـ (ملك) في صمت, سمعت صوت هاتفها فابتسمت, لابد أنه هو, اتجهت بسرعة لتمسك بهاتفها لتجد أنه هو بالفعل, اتسعت ابتسامتها وفتحت الخط وقبل أن تنطق كان يقول في همس :
– وحشتيني أوي أوي أوي .
شعرت بالخجل, حافظت على ابتسامتها لتجده يهمس مجددا :
لم تشعر بالدهشة فهو يشعر بخلجاتها دوما وإن لم يرها, همست له هي الأخرى :
– إنت كمان وحشتني .
صمت لحظة, عاد يهمس بحشرجة :
– عاوز آجي بس مش عارف, عندي اجتماع .
ضحكت برقة وتساءلت :
– إنت في اجتماع دلوقتي ؟
رد بسرعة وبنفس الصوت الهامس :
– ايوة, بس قلت أخطف دقيقتين أسمع صوتك فيهم .
ابتسمت ” سيظل دوما مستقر الجنون ” سألها :
– بتبتسمي ليه ؟
أجابت :
– عشان إنت مجنون .
همس في شوق :
– إنتِ السبب .
ردت :
– لا إنت مجنون من زمان .
قبل أن يرد سمعت صوت (آدم) يهتف في مرح كمن قبض على مجرم متلبس بجريمته :
– يا حضرة المدير بتعمل ايه عاوزينك ؟
رد هو على أخيه :
– إنت مالك باعمل ايه ؟ روح وانا جاي .
سمعت ضحكته تلتها ضحكة زوجها الذي عاد يهمس :
– بارد بارد يعني .
ضحكت فكان رده :
– لا اجتماع ايه, انا جاي استنيني مسافة السكة, إنت مش عارفة ضحكتك بتعمل فيا ايه .
ردت تشاغبه :
– بتخليك مجنون, قلت لي قبل كده .
شعرت به يبتسم وقال :
– كويس إنك عارفة, وبمناسبة الجنون مسافة السكة واكون عندك .
ضحكت مرة أخرى ثم قالت :
– لا خلاص اعقل المرة دي عندك شغل واجتماع هتقول للناس ايه ؟ وبعدين ملك صاحية .
رد بسرعة :
– هأقول أي حاجة, العمارة بتقع ولازم أروح أسندها, او الكهربا قطعت وهاروح اولع في نفسي شمعة ,, انا كده كده هاتحرق يعني .
ضحكت حتى دمعت عيناها وعندما صمتت وجدته يقول في غيظ :
– بتضحكي ماشي استني بس لما آجي, أحسن لك تبقى ملك نايمة ساعتها, ولا أقولك هاجي اوديها عند جو .
هتفت في مرح :
– هتبيع البت يا سي أدهم, كله إلا كده .
رد بنفس المرح :
– هنستر عليها بقى ونستر على نفسنا احنا كمان .
سمعت نداء أخيه مرة أخرى فعاد يقول لها :
– مضطر أقفل أعمل ايه, هاتي تصبيرة بقى .
ردت بعناد :
– لا.
هتف :
– ياشريرة .
ضحكت وأجابت :
– أيوة عارفة .
سمعت صوت قبلته عبر الأثير فشعرت بالخجل سألها بعدها :
– وصلت الأمانات ؟
ضحكت في خجل وهي ترد بخفوت :
– أيوة .
تنهد في ارتياح وهمس بشغف :
– طيب خلي بالك عليها بقى لحد ما آجي أخاويها .
ضحكت مرة أخرى فقال :
– بحبك .
ردت في حياء :
– وأنا كمان .
كانت آخر كلماته :
– ماشي هاعديها بس لما آجي ليا تصرف تاني .
أغلقت الخط وطارت تحلق في سماء حبه وقبلته تداعب خيالها وتشعرها بالدفء على الرغم من كونها عبر أثير شبكات المحمول .
الفصل السابع والعشرون
___________________
جلس (كمال) مع رجل خشن الشعر مجعده, أسمر البشرة تبدو على ملامحه الشراسة خاصة مع شاربه الضخم, كان يلف بيده سيجارة ناولها إياه ثم سأله :
– ها يا أبو كمال, ايه المصلحة اللي عايزني فيها.
دخن (كمال) السيجارة ثم نفث دخانها في الهواء بتفكير أجاب بعده :
– مرات أخويا حسام وبنته .
لم يفهم الرجل شيئا فعاد يسأل :
– ايه مالهم ؟
رد :
– هأقولك عشان تفهم أني عايز ايه .
وقص عليه جانبه من الرواية عقد الرجل حاجبيه في تفكير وقال باهتمام :
سأله في حيرة :
– يادماغك العالية با أبو كمال, وليا كام في العملية دي ؟
أجابه (كمال) بسرعة :
– ميتين ألف جنيه, قلت ايه ؟
قهقه الرجل بفظاظة وهتف :
– يادين النبي ! هأقول ايه دايس معاك يامعلم .
برقت عيناه هو الآخر وقال :
– حلو أوي, ارسم خطتك بقى ونورني لما تيجي تنفذ .
سأله :
– عايز التنفيذ إمتى ؟
فكر قليلا ثم أجاب :
– الحكاية مابقى لهاش يومين, هنستنى لما الموضوع يهدى والعين تبقى بعيد عننا ونهجم, يعني خدلك أسبوعين كمان كده تكون ظبطت أمورك .
ابتسم الرجل في وحشية و رد :
– ماتقلقش خالص, حقك هيرجعلك يا أبو كمال, تالت ومتلت .
بادله ابتسامته وهو يشعر بالظفر .
________________________________
كان والد (أدهم) جالسا في حديقة منزله يقرأ جريدة ما, وعلى مسافة منه تجلس زوجته والحزن باد على وجهها, اتجهت إليهما (سارة) وقالت في تردد :
– بابا, ماما, عاوزة أروح أزور أدهم وجمانة, أدهم وحشني أوي .
ابتسم الأب في حنان وقبل أن يجيب جاء رد زوجته غاضبا :
– سارة اطلعي اوضتك مفيش خروج وانسي إنك تدخلي بيته أبدا .
عقد (جلال) حاجبيه في غضب والتفت إليها بنظرة أرهبتها, قال في صرامة :
– ايه يافريدة ؟ عاوزة بنتك تقاطع أخوها ؟ زي ما إنت مقاطعاه ؟ طيب هو هان عليكي, إنما أخته بتحبه هي حرة .
– ماما, أدهم بجد وحشني, طيب مش وحشك إنت كمان ؟
تطلعت إليها والدتها وتلألأت دمعة في عينيها منعها كبرياؤها من السماح لها بالمرور عبر جفنيها, عادت تخفض رأسها وتقول في استسلام :
– بعدين انا يا سارة, روحي زي ما إنت عاوزة .
شعر الأب بالدهشة, فالتفت يتطلع إليها بذهول, أما (سارة) فقد ابتسمت في حنان ثم طبعت قبلة على رأس والدتها وانطلقت خارجة من البيت, ظل (جلال) يتطلع إلى زوجته في دهشة لم تلحظها, فقط وقفت وهمست :
– انا تعبانة, هاطلع استريح شوية .
تابعها بعينيه وهي تدخل إلى الفيلا والتساؤل والدهشة يمنعانه من النطق .
________________________________
وصلت (سارة) لبيت شقيقها, كانت تعلم أنه في عمله لكنه سيعود قبل رحيلها وهي تريد الانفراد بـ (جمانة) قليلا والتعرف عليها واكتشاف ماجذب أبا الهول أخيها لها, وصلت للمنزل ورحبت بها (جمانة) للغاية, كانت سعيدة بزيارتها والود الواضح على ملامحها, جلستا تتسامران سويا و(سارة) تلاعب (ملك) وتقبلها, قالت لوالدتها :
– ملوكة عسولة اوي, ربنا يخليهالك .
ابتسمت (جمانة) وردت :
– ربنا يخليكي ياسارة .
ترددت (سارة) قليلا ثم حسمت ترددها وقالت في خجل :
– تعرفي ! كنت دايما نفسي أعرف اللي أدهم هيختارها هتكون عاملة إزاي ؟
صمتت (جمانة) وهي تتطلع إليها في فضول ولهفة, كانت تريد أن تعرف عن ماضيه أكثر, تابعت (سارة) :
– أدهم طول عمره مافكر يحب, يمكن حتى كانت البنات بتخاف منه, ولما يكون في بارتي ولا حاجة عندنا كان دايما تلاقيه مع أصحابه الشباب ومفيش في وسطهم ولا بنت, مفيش غير دينا هي اللي كانت بتتجرأ عليه على الرغم من إنه كان دايما بيعاملها بطريقة مش ظريفة بس هي كانت باردة جدا, انا كمان ماكنتش باستظرفها .
صمتت لحظة ثم ابتسمت وهي تتأمل (جمانة) ثم اكملت :
– إنت مختلفة تماما عن أي صورة جت في بالي, بس الحقيقة له حق أدهم يحبك, إنت رقيقة أوي وطيوبة وروحك حلوة.
ابتسمت (جمانة) وعلا وجهها بعض الخجل جعل ابتسامة (سارة) تتسع فقد شعرت أنها تغازلها, قالت (جمانة) بهدوء :
– ربنا يخليكي ياسارة, بجد إنت كمان زي العسل وحبوبة, إنت عارفة, خلاص إنت بقيتي أختي, قلتِ ايه ؟
احتفظت (سارة) بابتسامتها وقالت :
– ياريت والله يا جوجو, لو ممكن أقولك جوجو, إنت عارفة ماليش إخوات بنات كله من الصنف الخشن .
ضحكت (جمانة) ثم ردت :
– قولي جوجو قولي جومي قولي جمان, أي حاجة, وبعدين ماله الصنف الخشن بقى ؟
ضحكت هي الأخرى وفهمت ماتقصده فداعبتها :
– زي العسل طبعا هو انا أقدر أقول حاجة .
كانت (جمانة) سعيدة للغاية , ترددت قليلا ولاحظت (سارة) ترددها فصمتت حتى تحسم أمرها, بعد تفكير قالت (جمانة) :
– سارو بصي عاوزة أقولك على حاجة, بس مش عاوزاكي تفهميني غلط, إنت دلوقتي زي مااتفقنا أختي وكمان أخت أدهم وتهميني أوي .
صمتت لترى رد فعل (سارة) فوجدت منها الإنصات والابتسامة المشجعة, استطردت :
– ممكن أسألك سؤال ؟
اومأت (سارة) برأسها ووجهها يبعث على الراحة والود فعادت (جمانة) تكمل :
– إنت ماشاء الله عسولة وزي القمر, واضح إن ده عندكم في جينات العيلة .
ضحكت (سارة) فبادلتها ضحكتها بابتسامة وتابعت :
– مش بتفكري تلبسي حجاب ؟
اندهشت (سارة) من سؤالها وشعرت بالخجل فجأة, لكن (جمانة) عاجلتها قائلة :
– أنا مش عاوزة اتدخل في خصوصياتك بس إنت أخت أدهم ومصلحتك تهمني طبعا, انا شايفة إن إنت لبسك بشكل عام مش زي مابنشوف اليومين دول, اللي لاحظته موضوع الحجاب, طبعا لو اتحجبتي هتغيري ستايلك شوية, بس حاسة هتبقي أحلى وكفاية إنه طاعة لربنا .
ابتسمت (سارة) ثم فكرت قليلا وأجابت :
– عارفة يا جوجو ! أول مرة حد يقوللي الكلام ده, على الرغم من إن صاحباتي كلهم محجبات تقريبا, وعلى الرغم من إن أدهم نوعا ما ملتزم بفروضه وبحاجات تانية كتير بس عمره ما قال لي اتحجبي, كمان بابا عمره ما قال حاجة عن الموضوع ده وطبعا ماما مستحيل تفكر فيه, يمكن بابا وأدهم مش بيقولوا حاجة لأن الوسط اللي احنا فيه عادي الكلام ده على الرغم من إن أدهم كتير كان بيزعق لي لو لبست حاجة ماعجبتوش .
ردت (جمانة) بتفهم :
– أيوة أنا فاهمة, بس يا سارو ربنا سبحانه وهبنا نعم كتير منها عقلنا, اللي بيخلينا نميز إيه صح وفطري وإيه بيخالف فطرتنا, ليه تستني حد يدفعك ويقولك اعملي ؟ ليه مش من نفسك تفكري وتبحثي وتعرفي الصح ايه والغلط فين ؟
كان ردها :
– أحيانا ياجمانة الواحد بيكون محتاج حاجة تشده للطريق الصح على الرغم من إنه بيكون شايفه وعارفه, بس يمكن بيكون في حاجة تخليه مش قادر يمشي فيه لحد ماييجي الوقت المناسب .
ابتسمت (جمانة) وقالت :
– ده نوع من التواكل يا سارة, العبادة مش لازم حد يقولك اعمليها وقت ماعرفتي إنها مفروضة عليكي بتعملي من نفسك, أنا مش هانكر إن الدنيا الفتن فيها كتير, وأحيانا بنكون محتاجين حد ياخد بإيدنا بس الأهم يكون عندنا إحنا كمان استعداد نمسك في ايده كويس ونمشي معاه .
شعرت (سارة) براحة غريبة وهي تتحدث معها فقالت :
– وأهو ربنا بعتك ليا عشان تشديني اهو, بأقولك أوقات بتبقي محتاجة حاجة تتعلقي بيها وتطلعي معاها لفوق .
قامت (جمانة) من مكانها وجلست بجوراها ثم قبلت رأسها وقالت :
– وانا مبسوطة اوي إنك اعتبرتيني كده يا سارو .
ثم وقفت فجأة وهتفت في مرح :
– تعالي بقى نروح المطبخ اعلمك حاجة لدنيتك عشان أدهم زمانه جاي وعاوزين نعمل أكل جديد النهاردة بمناسبة تشريف معاليكي يا أميرة لينا .
ضحكت (سارة) ثم وقفت بجوراها و هي تقول :
– احم احم, أخجلتم تواضعنا, سيري وأنا خلفك .
اتجهتا سويا للمطبخ تتبعهما (ملك) والتي جلست تلعب كما اعتادت أثناء انشغال والدتها, وساعدتها (سارة) في القليل من الأشياء والتي خربت معظمها بالفعل مما جعل (جمانة) تبعدها عن العمل تماما وهما تتضاحكان في مرح, بعد مدة قصيرة عاد (أدهم) للمنزل, دخل بهدوء كأنه يتسلل محاولا عدم إحداث جلبة ثم توجه للمطبخ على أطراف أصابعه, رأته (ملك) فابتسم لها ثم وضع إصبعه على شفتيه مشيرا لها بالصمت, بادلته ابتسامته وصمتت كما طلب منها, رأي (جمانة) واقفة تقطع بعض الخضروات فتوجه إليها بهدوء, ثم فجأة طوقها من الخلف بقوة جعلتها تصرخ رعبا, أما هو فضحك بشدة, وخرجت على صوت صراخها (سارة) التي كانت في حجرة المعيشة, وجدت شقيقها هناك يحتضن زوجته بين ذراعيه وهي تهتف في حنق :
– ادهم بجد إنت بتستهبل, ينفع كده يعني ؟
رد بمرح وهو يداعب ذقنها بأصابعه :
– عسل وإنت خايف وزعلان كده, سي أدهم النهاردة عاوز بيتزا سي فوود, إنت عاملة ايه ع الغدا .
شعرت بالحرج فشقيقته هنا وهو لا يعلم وربما يصلها صوته, دفعته برفق وهي تقول بخفوت :
– أدهم بس, سارة هنا .
ابتعد عنها في دهشة وتساءل :
– ايه سارة مين ؟
سمعا حركة عند باب المطبخ فالتفتا سويا ليجدا الهواء في مقابلهما, عقدت (جمانة) حاجبيها وهتفت في استياء :
– عاجبك كده اهي شافتنا, زمانها انكسفت يارخم.
عاد يسأل في عدم فهم :
– سارة مين ؟
تطلعت إليه في دهشة وأجابت :
– هو ايه اللي سارة مين ؟ سارة اختك .
انتقلت دهشتها إليه وهتف :
– بجد ؟ سارة هنا ؟
شعرت بالغيظ ولم تجب, أما هو فشعر ببعض الحرج وقال :
– طيب مش تديني كلاكس طيب ؟
ردت وهي مغتاظة :
– كلاكس ايه في وش القطر اللي كان داخل عليا .
عقد حاجبيه ونظر إليها بنظرة فهمتها جيدا وهو يقول :
– قطر ؟ ماشي استني بس لما سارة تمشي وانا هاوريك يعني ايه قطر بجد .
ابتسمت في خجل وعادت تلتفت لما كانت تقوم وهي تقول :
– روح شوفها بقى, شكلنا بقى وحش أوي .
دغدغها أسفل ذراعها فانتفضت بقوة فهتف :
– اجمد ياحلو .
ضحكت والتفتت تتابعه بعينين ملؤهما الحب وهو يغادر متجها لغرفة المعيشة, ثم قالت لـ (ملك) :
– ملوكة مش تقولي لي أي حاجة .
ابتسمت الصغيرة في عدم فهم وعادت تنشغل بلعبها, أما (أدهم) فقد اتجه لغرفة المعيشة وهو يشعر بالحرج, مهما كان يمازح شقيقته أو يداعبها فلازالت هناك درجة معينة يتوقف عندها الأمر, أما أن تراه مع زوجته فذلك أثار خجله وبشدة, تنحنح ثم دخل الغرفة, وجدها جالسة تتابع التلفاز باهتمام كأنه يشغلها بالفعل, لاحظ حمرة وجنتيها فعلم أنها رأتهما, قال في مرح :
– سارو عندنا ! يامرحبا يامرحبا .
ابتسمت ووقفت متجهة إليه, احتضنها وقبل رأسها في حنان وقال :
– منورانا والله يا سارة, بس ماقلتليش إنك جاية يعني ؟
قالت في خجل :
– انا كلمت جمانة وقلت لها إني جاية, وقلت أعمل لك مفاجأة .
شعر بخجلها فداعبها :
– وأحلى مفاجأة والله ياقمر, وحشاني, إزي بابا و .. ماما ؟
تطلعت إليه, بدا على وجهه مسحة من الحزن عند ذكر والدته, لكنها ردت بعفوية وبساطة حتى لا تشعره بشيء :
– كويسين الحمد لله, بيسلموا عليك وماما قلت لها تيجي معايا قالت لي المرة الجاية .
ابتسم في حزن, لكنها أكدت :
– بجد يا أدهم, إنت عارف إن ماما بتحبك ويهمها سعادتك, وحتى لو دلوقتي رافضة وزعلانة مصيرها تسامحك لأن مالهاش غيرك .
ابتسم في حنان وقال :
– طيب ابقي سلمي لي عليها هي و بابا وبوسيهم لي, وأنا هاحاول آجي زيارة في أقرب وقت بإذن الله .
شعرت بالسعادة فهتفت :
– اوك هاقولهم ونستناك .
أومأ برأسه إيجابا ثم جلس وجذبها لتجلس بجوراه متسائلا :
– طمنيني بقى عاملة ايه في الكلية ؟
أجابت :
– الحمد لله كله تمام لسه في أول الدراسة وبنستكشف السنة الجديدة .
قال :
– كويس عاوزك بقى التزام من أول السنة عشان التقدير يفضل زي ماهو .
ابتسمت و ردت :
– ده أكيد مش محتاجة وصاية .
ترددت لحظة فلاحظ ترددها, سألها :
– خير يا سارو ؟ عاوزة تقولي حاجة ؟
ترددت لثوان أخرى ثم قالت بسرعة :
– عاوزة أعرف ايه موضوع السرقة اللي ماما دايما بتتكلم عليه مع آدم ده ؟
ظهرت الدهشة على وجهه, نعم كانت صغيرة وقتها لكنها الآن تعلم, ماذا لو ظنت بأخيها سوءا ؟ قرر أن يحكي لها باختصار فقال :
– شوفي يا سارة انا مش عاوزك تفتكري إن آدم ممكن يعمل حاجة زي دي, ماما أوك ضاع منها حاجة بس اتهامها لآدم طبعا مش في محله, مش عارف أقول ايه, أنا مش باقولك إن ماما بتكدب بس هي لقت شماعة تعلق عليها الموضوع وتضايق آدم في نفس الوقت, أيامها ماما ضاع منها كوليه ماس كان بابا لسه جايبه لها هدية, دورنا كتير وحتى الشغالين اللي في الفيلا وكله ملقيناش حاجة, ماما فجأة قررت إن آدم أخده وباعه عشان ياخد فلوسه وخلاص, أيامها آدم انفعل وهدد إنه يسيب البيت لكن ماما مارجعتش عن كلامها وللأسف بابا كمان ماوقفش جنبه وفعلا ساب البيت, بعدها عرفنا إنه سافركندا وفقدنا اتصالنا بيه لحد مارجع الفترة اللي فاتت .
صمتت تفكر لدقيقة كاملة ثم هتفت فجأة :
– تفتكر شكله إيه الكوليه ده ؟
اندهش من تفكيرها, هل هذا هو السؤال او الرد المناسب على ماحكاه لها ؟, رد في دهشة :
– مش فاكر بالظبط, بس كان أعتقد في ياقوتة وعريض شوية .
انتفضت في مكانها فجأة وهتفت :
– مش ممكن الكوليه ده كان معايا .
اتسعت عيناه في ذهول وهتف :
– معاكي ؟ إنت بتهرجي ؟ معاكي إزاي ؟
أجابت بسرعة وهي تنتفض واقفة لتلتقط حقيبتها :
– انا لازم امشي, الكوليه ده أكيد في وسط لعبي القديمة, أيامها أخدته ألعب بيه والبسه للعروسة بتاعتي من علبة المجوهرات بتاعة ماما وانا مش فاهمة طبعا, ياخبر أبيض , سلام بقى .
وقف وجرى خلفها وهو يهتف :
– يامجنونة استني عاوز أفهم .
صاحت وهي تفتح الباب :
– هابقى اكلمك أفهمك المهم اروح ادور عليه واديه لماما .
أغلقت الباب خلفها وظل هو يتطلع إليه في ذهول في حين أتت (جمانة) مسرعة على صوت رحيل (سارة) وهتفت :
– ايه ده ؟ هي مشيت ؟ ليه ؟ مش معقول تكون انكسفت للدرجة دي ؟
التفت إليها في عدم فهم, ثم قال :
– لا دي افتكرت حاجة وضروري تمشي تعملها .
ثم مط شفتيه وهو يشعر بالغباء, هزت كتفيها في استسلام وصمتت, نظر لزوجته مرة أخرى فوجدها تحمل (ملك) على كتفها وهي نائمة, ثم اتجهت لغرفة الصغيرة لتضعها في الفراش, خرجت من الغرفة فلم تجده, اتجهت لغرفة النوم وجدته هناك مستلقيا على الفراش ويتنفس بعمق, شعرت بالشفقة فقد بدا متعبا للغاية حتى أنه نام بقميصه وبنطاله, ابتسمت في حنان ثم توجهت إليه, دثرته بغطاء رقيق وربتت على شعره بحنو ثم انحنت تطبع قبلة على رأسه, لكنه جذبها بقوة فسقطت على الفراش في فزع وهو يهتف بلهجة بدت جنونية :
– مش بتقولي قطر ؟ طيب هاوريكي القطر بيعمل ايه ؟
لم تدر ما تفعل سوى الاستسلام لحبه الذي يذيب خلاياها عشقا .
____________________________
عندما أفاق والد (دينا) من إغماءته المفاجئة كان الصمت هو مسلكه, شعور بالذهول يكتنفه ولسانه عاجز عن النطق, كانت زوجته تبكيه وتبكي ابنتها وحيرتها بينهما انقسمت, أخذته وعادت به للمنزل وهو يترك لها قيادته كطفل صغير, بعد وصولهما أدخلته سريره وغطته وقبل أن تخرج من الغرفة كان سؤاله المفاجئ ليصدمها :
– هي بنتي مدام يا ناريمان ؟
التفتت إليه في ذهول, ماذا تقول أو تفعل ؟ هو مريض ضعيف وابنتها ضاعت منها وهي انكسرت, تألمت, خافت, فصمتت, عاد يسأل بضعف :
– ارحمي ضعفي يا ناريمان, يعني ايه الدكتور يقول مدام ؟
رفعت عينيها إليه في صمت ففهم, كل شيء مرسوم على وجهها, قصة حياة كاملة تُحكَى هناك, نعم هو خطؤه منذ البدء, أهملها, دللها, ترك زمامها, ووالدتها كأن لم توجد, ضاعت صغيرته الوحيدة, ضاعت عدة مرات, ضاعت حتى أسدل الستار وكتبت كلمة النهاية بدمائها, غمغم :
– سيبيني أنام يا ناريمان .
عادت تلتفت بانكسار وتغادر الغرفة في هدوء شديد, وفي الصباح التالي كانت الأحزان قد زادت حزنا آخر, مات الأب كمدا على ابنته التي ضاعت منه, وزاد حمل ثقيل على كاهل الأم حتى انكسر .
__________________________________
مرت الأيام سريعا وفي نفس اليوم الذي قرر (أدهم) زيارة والديه فيه أعطى (كمال) الضوء الأخضر لـ (فتحي) لينفذ مهمته .
كانت (جمانة) في منزلها تتابع أعمالها اليومية, وبعد أن انتهت وجدت بضعة مظاريف بريدية موضوعة على طاولة بجوار الباب بإهمال, قررت أن تتسلى فيهم, فتحت البعض وكان في الغالب إعلانات, وجدت في وسطها جواب الإخطار البنكي الدوري الذي يأي للمودعين بانتظام, كان باسمها فابتسمت, ما الجديد ؟ لما يصرون على إرسال هذه الخطابات على الرغم من أنها لا تفعل بها شيئا, فتحته من باب الفضول لتجد مفاجأة بانتظارها, حسابها متضخم بشدة, فعلى الرغم من بيعها للأرض إلا أنها تعلم ثمنها جيدا وتعلم أنه مودع في حسابها, أما الآن فالحساب مضاعف كأن الأرض بيعت مرتين, اندهشت بشدة وخطرت في بالها فكرة لم تعلم كيف تتأكد منها, قررت الاتصال بخدمة عملاء البنك لتسأل عن المودعين إن كان ذلك ممكنا, وجاءها الرد أنه من حوالي أسبوعين تم إيداع مبلغ مليون جنيه في رصيدها وقبلها بما يقرب من شهر تم تحويل مبلغ مليون جنيه آخر لنفس الحساب, كان الذهول قد بلغ منها مبلغه فاستفسرت عن الحساب الذي تم التحويل منه لتجده باسم زوجها (أدهم جلال الحسيني), أغلقت الخط وبقيت تفكر وهي لا تعلم ما الذي يمكن أن تفعله, إذن فبعد رفضها الشيك الذي حرره لها عندما وقعوا أوراق الأرض قام بتحويل المال لحسابها بدون سؤالها, لكن كيف أتى برقم حسابها او علم أي معلومات عنه, عقدت حاجبيها بشدة ثم هتفت فجأة :
– لميا !!
قامت مسرعة لتتصل بشقيقتها ووما إن سمعت صوتها حتى بادرتها في لهفة :
– لميا هو أدهم جاب حساب البنك بتاعي منك ؟
ضحكت شقيقتها وهتفت :
– لسه واخدة بالك يامجنونة, أيوة وخلاني وعدته ماأقولش .
سألتها :
– امتى بقى ؟
ردت بابتسامة :
– يوم ماكنت عندكم بنعمل العقود لما صمم ينزل يوصلني .
فكرت وهي تقول ببطء :
– يعني يوم مارفضت الشيك .
(لمياء) باقتضاب :
– أيوة .
ابتسمت فجأة في حب وشعرت بنفسها تحلق عاليا في سعادة, من أين أتى هذا الرجل ؟ هل هو كائن أرضي بالفعل ؟ وكيف يحبها لهذه الدرجة وتعشقه هي بجنون ؟ طال صمتها لتنتبه على صوت (لمياء) تقول في مرح :
– ياعيني ع الناس السرحانة .
ضحكت وقال بسرعة :
– لومي عاوزة منك خدمة .
تنهدت (لمياء) في رومانسية وردت :
– اؤمريني .
قالت في مرح :
– ماشي يا حونينة, تعالي خدي ملك بقى النهاردة .
كانت ضحكة (لمياء) هذه المرة طويلة ولم تتمالك نفسها إلا بصعوبة, ثم هتفت في مرح :
– لا مش جاية .
جارتها (جمانة) هي الأخرى فقالت مصطنعة الحزن :
– كده يالومي, أهون عليكي.
ردت بغرور :
– اممممممم طيب قولي لي هتعملي ايه وأنا آجي آخدها .
تنهدت (جمانة) في حب وقالت بدلال :
– هاعمل ايه يعني ! ركزي معايا بقى .
ضحكت (لمياء) وهتفت :
– بتقوليها في وشي ببجاحة كده ؟ هيه فاكرة يومها كنتي عاملة ازاي ؟ خلاص هآجي آخدها, بس كله بتمنه .
ضحكت هي الأخرى وسألتها :
– أي تمن المهم تيجي , عاوزة ايه بقى ؟
همست في خبث :
– التفاصيل لاحقا .
ضحكت (جمانة) بشدة وهتفت :
– مش بأقولك لسعتي, تعالي بقى بسرعة.
قالت بسرعة :
– طيب طيب, افتحي الباب انا جيت اهو .
ظلت تضحك معها قليلا ثم أنهت المكالمة وانتظرتها حتى أتت لتأخذ الصغيرة, وبعد انطلاقهما تحولت لنحلة نشيطة تنثر رحيق أزهارها في كل ركن حتى أتمت تحضير كل شيء وجلست في انتظاره .
____________________________________
في نفس اليوم قرر (أدهم) أن ينهي عمله ويتوجه لفيلا والده, لقد أوحشه كثيرا وكذلك والدته على الرغم مما حدث بينهما , ما إن دخل حتى وجد والدته جالسة تقرأ في أحد الكتب, نعم والدته كانت تعشق القراءة وورث هو عنها تلك الهواية على الرغم من قلة ممارسته لها, شعر بالحنين لذراعيها وبالشوق ليملأ عينيه من رؤيتها, وقف في صمت للحظات يتأملها, ثم توجه نحوها ببطء, سمعت صوت خطواته فرفعت عينيها لتجد صغيرها المدلل أمامها, كانت نظراته تمتلئ بالحنين ونظراتها بالحزن والعتاب, اقترب أكثر ووقف أمامها قائلا في هدوء :
– إزيك يا أمي ؟
ارتجفت شفتاها قليلا ثم ردت بخفوت :
– الحمد لله يا ادهم, إزيك إنت ؟
جلس أمامها على الأرض وهو يثني ركبتيه و قال :
– الحمد لله .
ثم داعبها قائلا بمرح :
– وحشتيني يا فيري .
كانت ابتسامتها كسيرة وهي تقول :
– بجد يا ادهم ؟ لو كنت وحشتك كنت سألت عليا من زمان, بقى لي قد ايه ما شفتكش ؟
شعر بالحزن وهو يجيب :
– يا أمي, إنت مقاطعاني من وقت مااتجوزت, أنا مش عاوز أعاتب او أقول كلام كتير, بس …. أنا يهمني رضاكي وجمانة كمان يهمها رضاكي وبتسأل عليكي يوميا وعاوزة تيجي تشوفك وتقعد معاكي بس أنا اللي رافض لأني خايف تجرحيها .
تضاعف الحزن الظاهر على وجهها وانخفض صوتها أكثر وهي تقول :
– خايف عليها مني ؟ للدرجة دي يا أدهم ؟
لم يجد مايقوله, نعم هو يخاف جرحها, لن تتحمل قسوتك أمي أو تكبرك ولا يمكنني التسبب لها في أي أذى, غير الموضوع وسألها في مرح :
– امال فين سارة ؟
هزت رأسها بلا اهتمام وردت :
– برا بتعمل شوبينج, واضح إن مراتك مش عاوزة تاخدك إنت بس في صفها .
عقد حاجبيه ولم يفهم فسألها :
– قصدك ايه يا أمي ؟
أجابت في ضيق :
– يعني الأول إنت تصمم تتجوزها بعدين أبوك يوافق ويدافع عنها وكمان أختك استنى لما تشوفها عشان تعرف زيارة واحدة لمراتك عملت فيها ايه ؟
ظل على عدم فهمه, لكنه تخطى الأمر وأراد سؤالها عن موضوع العقد الضائع, بادرته قائلة :
– أدهم تقدر تخلي أخوك آدم ييجي البيت هنا ؟
تطلع إليها في دهشة ونبض قلبه بقوة, هل يمكن … ؟ سألها بسرعة :
– ليه يا امي ؟
ترددت وبدا عليها نوع من الخجل والاستياء وهي تجيب :
– لقيت الكوليه اللي كان ضايع .
ابتسم وتنهد في ارتياح, وقال :
– سارة ؟
تطلعت إليه في دهشة وهتفت :
– إنت عرفت إزاي ؟
رد :
– كانت عندي يومها عاوزة تعرف اللي حصل وفجأة لقيتها نطت من مكانها وبتقولي الكوليه ده كان معايا .
شعرت بالخجل أكثر وقالت بخفوت :
– أنا مش عارفة أقوله ايه ولا أبرر الموقف إزاي .
شعر بالسعادة تغزوه, وفي نفس الوقت كانت الدهشة تملؤه, ليست هذا والدته أبدا, بها نوع من الخنوع والتواضع الذي لم يكن أبدا سمتا لها, ابتسم وقال قي هدوء :
– انا هاتصرف يا أمي, آدم طيب جدا لدرجة ماتتخيليهاش, عارفة لو كان العكس وانا مكانه كان التصرف هيبقى مختلف, بس لأنه آدم انا عارف هو رد فعله هيبقى إيه .
رفعت عينيها إليه وسألته في أمل :
– تفتكر؟
اتسعت ابتسامته وهو يجيب :
– أنا متأكد مش بس أفتكر .
سمعا صوتا عند بوابة المنزل, التفتا إلى المدخل ليجدا (سارة) , تطلعت إليها الأم في صمت وإن كان به لمحة استياء, أما (أدهم) فقد ابتسم ابتسامة واسعة وامتلأت عيناه بمزيج رائع من الحنان والفرح, ما إن رأته حتى هتفت في مرح وهي تقبل عليه :
– أدهم, أخيرا جيت, وحشتني .
تطلع إليها بسعادة وقال :
– سارو تصدقي ماعرفتكيش ؟ اتحجبتي من إمتى ؟
ابتسمت هي الأخرى في سعادة :
– من ساعة مازرتكم ؟ جمانة .
ظهر الحنان في عينيه لدى سماعه اسمها ونبض قلبه بقوة, هاهي حبيبتي تستحق ذلك العشق الذي يصول ويجول بداخلي, وللمرة المليون أعلم أن اختياري كان موفقا, جذب شقيقته إليه وقبل رأسها في حنان وهو يقول :
– مبروك يا سارو, بجد فرحان أوي إنك اخدتي القرار ونفذتيه, ربنا يثبتك ياحبيبتي .:
:الفصل الثامن والعشرون
_________________
فتح (أدهم) باب منزله ودخل بهدوء, كان يعلم أنه تأخر ولم يتصل, واستغرب عدم اتصالها به أيضا, قابله الصمت والهدوء وبعض الضوء الخافت, فكر: هل غضبت لتأخري ونامت ؟ اتجه لغرفته بهدوء وفتح بابها ثم أطل منه برأسه, لم يجدها بالداخل فاستغرب, عاد يبحث عنها فلم يجدها, وجد ورقة كبيرة معلقة على باب الشقة من الداخل مكتوب عليها ” ابحث داخل قلبك ” لم يفهم شيئا, قلب الورقة جيدا ليجد أنها جواب من البنك, علم أن زوجته قد عرفت كل شيء فابتسم, فكر بمكر ” إذن هناك مكافأة من نوع ما ” شعر باللهفة ليجدها, فانطلق يبحث من جديد, شعر بالحيرة, داخل قلبه ؟ كيف ؟ أين يمكن ان يكون قلبه هنا ؟ عقد حاجبيه في تفكير, أي قلب تقصد ؟ لو رآها الآن فستندم على ما فعلته به في الدقائق القليلة التي تلت دخوله المنزل, مهلا ربما لا تقصد المعنى الحرفي للقلب ؟ أيعني هذا أن يترك قلبه يدله على مكانها, ولكن أين يمكنها الاختباء ؟ بحث في غرفة الصغيرة فلم يجدها أو يجد (ملك), زفر في غضب, “سأوريكِ فقط عندما أجدك” , مهلا لم يبحث بعد في الشرفة ربما تكون هناك, اتجه إلى هناك بسرعة فوجد بابها مواربا, فتحه ليجد الطاولة الصغيرة عليها أطباق وشموع مضاءة وعلى الأرض شموع أخرى موزعة بعناية, حمد الله أن شرفته مقابلة للنيل ولا يوجد من يمكن أن يراهم هناك بالاضافة لستائر الشرفة السميكة التي تحجبها عن الجيران من الجانبين, كانت كأنها غرفة مغلقة فقط نسمات النيل تداعبها بين الحين والآخر , دلف للداخل ليجدها جالسة على الأرجوحة الصغيرة وتهز نفسها برفق, ابتسم, اقترب منها, سمعت صوت خطواته لكنها تجاهلتها, جلس إلى جوارها وأسند ذراعه خلف رأسها وهو يتطلع إليها في حب انعكس على شكل لهفة شديدة, كانت رقيقة للغاية, ترتدي فستانا أنيقا يليق بها, بادلته نظرته, سألها :
– ايه الجو الحلو ده ؟ ده عشاني ؟
أومأت برأسها وهمست له :
– عشان حبيبي اللي من كوكب تاني .
ابتسم وأمسك بكفها يلثمه بشفتيه وهمس :
– من كوكب تاني ليه ؟
كان حديثهما همسا متبادلا, قالت :
– عشان مش بيسمع الكلام وبرده عمل اللي في دماغه, شفت الجواب ؟
أجاب :
– أيوة .
سألته :
– ليه عملت كده ؟
كان رده :
– عشان حقك .
هزت رأسها نفيا وهمست :
– لا, عشان بتحبني .
ابتسم ولمعت عيناه واقترب منها قائلا :
– دي حاجة مفروغ منها .
تدللت هامسة :
– قد ايه ؟
شعر بقلبه يكاد يتوقف فلم يستطع أن يستمر في المزيد من الكلام, وقف وسحبها إليه, حملها بين ذراعيه وقال يشاكسها :
– هأوريلك دلوقتي قد ايه .
هتفت ضاحكة :
– يامجنون, والعشا .
كانت نظرته شغوف وهو يهمس :
– هاتعشى حالا اهو, أمال انا بأقول ايه من الصبح, ركزي ياجوجو .
صمتت واستكانت, وحلقت في سماء الحب مع القلب الذي ينبض لها .
______________________________
في الصباح التالي استيقظت بين ذراعيه, تقلبت في رفق وتطلعت لوجهه النائم في سكون بنظرة حب, فجأة ارتفع رنين الهاتف, فنظرت إليه بقلق, أما هو ففتح عينيه في توتر وتساءل :
– ايه ده ؟ مين بيتصل دلوقتي ؟
هزت كتفيها ونهضت تلتقط هاتفها لتلقي نظرة, وجدت رقم والدتها, شعرت بقلبها ينقبض في صدرها, فتحت الخط بسرعة وهتفت :
– ماما خير ؟
أتاها الصوت الباكي يمزق نياط قلبها :
– الحقيني يا جمانة, ملك خطفوها .
أبعدت الهاتف عن أذنها وتطلعت إليه في صدمة, لم تجد القدرة على النطق, نظر إليها في قلق ثم التقطه منها, قال في لهفة :
– ألو, خير حصل ايه ؟
ازداد نحيب المرأة وهي تهتف :
– خطفوا ملك يا أدهم يابني, خطفوها مني من البيت الحقني يابني .
اتسعت عيناه في ذعر وهو يلتفت لـ (جمانة) التي تسمرت في مكانها بدون حركة أو صوت, هتف بسرعة :
– أنا جاي حالا .
ألقى الهاتف من يده وأمسك زوجته من يدها هاتفا فيها :
– جمانة ؟ جمانة ردي عليا, ماتخافيش يا حبيبتي أرجوكي ردي عليا .
لفت وجهها نحوه بنفس الصمت, ثم انهارت فجأة بين ذراعيه فاقدة الوعي وهو يصرخ باسمها في جزع وقلبه يكاد يتوقف بين جنبيه .
عندما استعادت (جمانة) وعيها كانت تتحرك معه بطريقة آلية, ذهب لمنزل والدتها وهي لا تعي ما يحدث حولها, بعد وصولها إلى هناك وعندما رأت والدتها وشقيقتها وتطلعت إلى أعينهما الدامعتين انهارت مرة أخرى وأخذت تبكي وتصرخ وهم جميعا يحاولون تهدئتها, أخذتها (لمياء) بين ذراعيها وظلت تقرأ القرآن وتدعو حتى استكانت قليلا, كان (أدهم) قلقا للغاية, ولما رآها هدأت اتجه لوالدتها وسألها :
– حصل ايه بالظبط ؟
أجابت من بين دموعها :
– مش عارفة يابني, الصبح لميا نزلت شغلها زي كل يوم وملك كانت نايمة, فجأة لقيت جرس الباب بيضرب رحت أشوف مين قاللي النور, يادوب فتحت الباب وماحسيتش بحاجة, لما فقت لقيت نفسي ع الأرض قدام الباب من جوا وقمت زي المجنونة أدور على ملك مالقيتهاش .
استمعت (جمانة) لما قالته والدته وعادت تبكي من جديد, قالت (لمياء) :
– لازم نبلغ البوليس, هما بس اللي يقدروا يتصرفوا .
هتفت (جمانة) في ذعر :
– لا يا لميا لا, أكيد هما عاوزين فلوس , كل اللي بيخطفوا بيبقوا عاوزين فلوس, لو كلمنا البوليس هيأذوها, لا عشان خاطري .
اقترب منها (أدهم) وضمها إلى صدره محاولا طمأنتها فأخذت تبكي بصمت, قال بحنان :
– ماتخافيش يا جمانة ماحدش هيقدر يأذيها, بلاش بوليس, احنا نستنى شوية ونشوف هيعملوا ايه ؟
فجأة انتزعت نفسها من بين ذراعيه وتطلعت إليه لحظة في وجل, لم يفهم لما فعلت ذلك حتى هتفت :
– إنت السبب .
تراجع للخلف في ذهول وهو يصيح :
– انا !!!
اقتربت منها شقيقتها وحاولت تهدئتها فدفعتها في عنف وأخذت تصيح في وجهه :
– أيوة إنت, قلت لي هتحمينا, وعدتني وقلت لي ماتخافيش, ماتقلقيش وأنا معاكي, عملت ايه عشان تحمينا, خلفت وعدك ليه ؟ بنتي هتضيع مني بسببك إنت وعمري ما هاسامحك أبدا .
تألم من كل كلمة نطقت لتجلده بها, خفض عينيه أرضا في صمت حزين على حين هبت والدتها هاتفة :
– جمانة ماتقوليش كده, جوزك مالوش ذنب .
صرخت في انهيار :
– لا هو السبب, كدب عليا, خلف وعده, خدوها مني يا ماما .
قالت (لمياء) بسرعة :
– جمانة إحنا مش عارفين مين, استني شوية لحد مانشوف .
عادت تصرخ وتبكي من جديد وعندما حاول الاقتراب منها دفعته في عنف وارتمت بين ذراعي شقيقتها التي نظرت إليه في اعتذار, وقالت مهدئة :
– تعالي جوا انت تعبانة اوي, ماتقلقيش إن شاء الله هترجع ماتخافيش .
تابعها بعينيه في حزن شديد يمتزج بالقلق والخوف, اقتربت والدتها منه وقالت وهي تربت على كتفه بحنان :
– معلش يا أدهم ياابني, إنت أكيد مقدر حالتها .
التفت إليها في صمت, وقال بخفوت :
– أكيد, انا خايف عليها أوي .
تنهدت المرأة بحرقة وقالت :
– حسبي الله ونعم الوكيل, بيعملوا فينا كده ليه ؟
تطلع إليها في تساؤل فأكملت :
– انا شاكة إنهم إخوات حسام الله يرحمه .
ظهر الغضب على وجهه وعقد حاجبيه بشدة, فكر لثوان ثم سألها :
– تفتكري فعلا ؟ لو هما والله لأوديهم ورا الشمس.
ترددت الأم ثانية ثم هزت كتفيها في استسلام, خرجت (لمياء) من الغرفة وهي تمسح دموعها فسألها في لهفة :
– عاملة ايه ؟
تنهدت في حزن وأجابت :
– نامت, مش عارفة إزاي بس نامت .
ظلوا هكذا وهي نائمة وبين حين وآخر يطمئن عليها ويهمس في أذنها بأنه أبدا لن يخذلها, أذن المغرب وصاحبه رنين هاتفه, التقطه بسرعة ليجد رقما غريبا, لم يتأخر لثانية بل فتح الخط ليجد الصوت الأجش المخيف يقول :
– الأمانة عندنا, ولو تهمك تجهز اتنين مليون جنيه نضاف في شنطتين كبار وتستنى مكالمة تانية كمان مني, ماتتأخرش عشان التأخير هيكلفك كتير.
هتف في غضب :
– إنت عارف لو حصلها حاجة ……….
فوجئ بالخط ينقطع فجأة, فنظر للهاتف في حنق وألقاه على الأريكة في غضب شديد, سمع صوتها الضعيف تسأل في خفوت :
– قالك ايه ؟
قام إليها مع شقيقتها بسرعة وقف أمامها, أجاب في لهفة :
– هنجيبها ياجمانة ماتخافيش, أقسملك بالله هارجعها لحضنك تاني مهما كان التمن .
تطلعت إليه في صمت وعادت تسأل :
– قالك ايه ؟
رد في استسلام :
– عاوز اتنين مليون جنيه وهيكلمني عشان يقولي امتى وفين بكرة .
اتسعت عينا الأم وهتفت (لمياء) :
– اتنين مليون جنيه ؟
التفت إليهما في صمت فقالت (جمانة) في ضعف :
– هأنزل معاك الصبح نسحبهم من حسابي .
عاد يلتفت إليها وهو يشعر بالغضب, قال في استياء :
– لا ياجمانة خلي حسابك زي ماهو دي فلوس ملك, أنا هاتصرف .
ردت بعنف :
– لا, دي فلوسك إنت وانا مش عاوزاها, انا عاوزة بنتي .
تألم لكلامها لكنه صمت, قالت هي مرة أخرى وهي تبكي :
– انا عاوزة بنتي .
ثم هوت فاقدة الوعي بين ذراعيه مرة أخرى, في تلك الليلة لم يغمض لهم جفن, كانت (لمياء) لازالت تصر على إبلاغ الشرطة لكن (أدهم) رفض رفضا قاطعا, ما إن أشرقت الشمس حتى بدأ يفكر كيف سيجمع مبلغ بهذه الضخامة في هذا الوقت القصير, حتى وإن لجأ لوالده فالسيولة بالتأكيد ليست كافية, وهو وضع في حسابها معظم ما يملك بالفعل, فوجي بها تخرج من غرفة النوم وهي تحمل حقيبة يدها وقالت في حزم :
– يلا عشان نروح نسحب الفلوس .
عاد غضبه, لما تفعلين بي هذا حبيبتي ؟ ربما قصرت ولم أنتبه لها جيدا, لكن لا تقسي علي وعلى نفسك أرجوك, قال هو في حزم أكبر :
– الفلوس دي مش هنقرب منها يا جمانة فاهمة ؟
صرخت في وجهه :
– قلت لك هناخدها انا مش عاوزة فلوس ومش عاوزة منك أي حاجة, عاوزة بنتي وبس, ولو ماجيتش معايا هاروح لوحدي .
كاد ينفجر في وجهها لكنه تماسك وهو يضم قبضتيه بشدة, تدخلت (لمياء) قائلة لتهدئة الموقف :
– خلاص يا أدهم معلش, خليك معاها دلوقتي ونفذ لها اللي هي عايزاه وبعدين لما ملك ترجع بالسلامة نبقى نتصرف .
صمت وطال صمته فتوجهت هي نحو باب الشقة لكنه لحق بها في استسلام, بعد عدة ساعات عادوا بالمبلغ المطلوب محضر كما سبق وأخبره الرجل, ثم جلسوا في انتظار اتصاله, عندما رن هاتف (أدهم) ارتفعت نبضات قلوبهم جميعا لكنه كان (آدم), رد بسرعة :
– أيوة يا آدم, مش هاقدر اشغل التليفون دلوقتي .
قال أخيه بلهفة :
– خير يا أدهم فينك قلقت عليك جدا ماجيتش الشغل ليه لا امبارح ولا النهاردة ؟
بدأ يتضايق وهو يجيب :
– ملك اتخطفت يا آدم, احنا في بيت مامة جمانة مستنين اتصال من اللي خطفوها مش هاقدر اتكلم أكتر من كده .
كان الذهول يملأ صوت (آدم) وهو يهتف به قبل أن يغلق الخط :
– اديني العنوان طيب اجيلكم .
أملاه العنوان سريعا وجلس ينتظر, لم يتأخر الاتصال, قال له صاحب الصوت الأجش :
– ايه ياباشا جهزت المبلغ المطلوب ؟
رد بسرعة :
– أيوة, بس عاوز اكلمها أسمع صوتها اطمن عليها .
أتته ضحكة الرجل الساخرة وهو يقول :
– ليه في فيلم عربي احنا, واثق في كلامنا هات الفلوس و تعالى تاخدها وتمشي, مش واثق خلاص خلي الفلوس وسيبها واحنا هنبيعها حتت ونكسب برده .
شعر بالذعر مما قاله الرجل فهتف :
– إنت أكيد مجنون .
قهقه الرجل مرة أخرى وأجاب :
– وماله مجنون مجنون بس آخد قرشين من واحد زيك مليونير قلبه محروق على بنته الوحيدة , ربع ساعة وهاكلمك تاني .
التفت إليهم ليجد اللهفة تملأ العيون, أجاب لهفتهم بخفوت :
– هيكلمني تاني يقولي اعمل ايه .
هتفت (لمياء) تسأله :
– قالك ايه ؟
رد في حيرة :
– مااعتقدش إن دول أهل ملك , اللي كلمني معتقد إنها بنتي وبيتكلم على أساس كده .
عقدت حاجبيها في تفكير عندما هتفت (جمانة) :
– ليه هو ما يعرفكش ؟, بنتك منين وانت يادوب متجوز من شهرين .
تطلع إليها ولم ينطق, هي تجرحه منذ ضاعت الصغيرة لكنها على حق, صمت في ألم منتظرا اتصاله الثاني ومجيئ أخيه ليسانده, وصل (آدم) أولا ودخل في خجل, جلس مع أخيه وفهم منه الأمر وحاول معه تخمين الفاعل لكنهما لم يتوصلا لشيء, وقبل المغرب بقليل أتاه الاتصال المنشود, رد بسرعة :
– ايوة .
سمع الصوت يقول في خشونة وصرامة :
– أيوة يا أدهم باشا, فلوسك في ايدك, موبايلك في جيبك, تنزل على عربيتك لوحدك وماحدش وراك, انا عارف انك مابلغتش البوليس, عين العقل, الضنا غالي برده, هتاخد عربيتك وتطلع على أول الصحرواي بعد البوابة بخمسة كيلو هتلاقي عربية ربع نقل حمرا, تركن وراها وتستناني, سلام .
تطلع للهاتف في صمت, ثم نهض واقفا و(آدم) يسأله في لهفة :
– ها هتعمل ايه ؟
رد في خفوت :
– عاوزني أروح له أول الصحراوي .
هتفت (جمانة) بسرعة :
– هآجي معاك .
كان رده قاطعا :
– مستحيل .
عقدت حاجبيها في غضب وصرخت :
– لا هآجي .
التفت إليها واتجه نحوها في صمت والصرامة تطل من ملامحه ممتزجة بغضب هائل مما جعلها تتراجع للخلف في خوف, لكنه أمسكها من ذراعيها هاتفا :
– جمانة انا مش مستعد للمخاطرة ومش عارف هما هيعملوا ايه ؟ مستحيل تيجي معايا فاهمة ؟ وماحدش ييجي ورايا, قال لي تعالى لوحدك وإلا هيأذيها, خلاص .
شعرت بالرعب فأومأت برأسها في صمت ودموعها تنهمر من جديد, رق قلبه لها فضمها برفق واستسلمت هي له, تنهد في ارتياح ثم أبعدها ليمسح دموعها بأصابعه قائلا في حنان :
– هأرجع لك بيها إن شاء الله, ماتخافيش .
تطلعت إليه في أمل ثم قالت في خفوت وهي تشعر بالقلق :
– خلي بالك على نفسك .
ابتسم ثم ضمها إليه ثانية غير عابئ بنظرات الدهشة أو الخجل التي ارتسمت على وجوه المحيطين, ثم همس في أذنها لتسمعه هي فقط :
– بحبك .
نظرت إليه مجددا والقلق يملأ قلبها وعقلها ولا تدري له سببا, أما هو فالتفت إليهم, تطلعوا إليه في صمت لكن (آدم) وقف إلى جواره وسأله :
– أدهم ماينفعش تروح لوحدك, أنا مش مطمن .
ابتسم له قائلا :
– ماتقلقش يا آدم, خير إن شاء الله, خلي بالك عليهم لحد ما أجيب ملك وآجي .
شعر أخيه بالحرج, فقال بهدوء :
– انا هاستنى تحت في العربية ماتقلقش .
حافظ على ابتسامته وإن اختلط بها بعض التقدير لأخيه, ثم التفت مغادرا المكان, عند الباب هتفت (جمانة) باسمه فالتفت لها في صمت, قالت مكررة :
– خلي بالك من نفسك.
أعطاها إحدى ابتساماته الحنون ثم غادر المكان في صمت, تبعه (آدم) ليجلس في سيارته أسفل المبنى, انطلق هو بسيارته بسرعة, وبعد مايقرب من عشرين دقيقة ارتفع رنين هاتفه مرة أخرى التقطته بسرعة وأجاب :
– أيوة .
أتاه الصوت يقول في اقتضاب :
– ماتنساش عربية ربع نقل حمرا بعد البوابة بخمسة كيلو, دلوقتي تقفل تليفونك وماتكلمش حد ولا حد يكلمك .
استجاب في صمت وانطلق بالسيارة للمكان المنشود, وجد السيارة الحمراء متوقفة إلى جانب الطريق فوق الرمال فانحرف بسيارته حتى توقف خلفها تماما, هبط من السيارة وتطلع حوله حيث بدأ الظلام يخيم على المكان فأضاء أنوار سيارته وأغلق بابها متجها نحو السيارة المتوقفة أمامه, لم يجد بها أحدا فعقد حاجبيه في عدم فهم, عاد يقف إلى جوار سيارته بهدوء منتظرا في صبر, مرت ربع ساعة بدأ فيها يشعر بالقلق خاصة مع هاتفه المغلق, سمع صوت يأتي من خلفه فالتفت بسرعة ليجد شبحا يقف خلف سيارته في الظلام وفي يده يظهر ضوء سيجارة, تطلع إليه حتى اقترب أكثر فاتجه إليه وهو يدور حول السيارة ووقف أمامه, كانت ملامحه شيطانية على الضوء الجانبي من السيارة, سأله في حزم :
– فين ملك ؟
كان رده غير متوقع :
– إنت بقى اللي رفضتني عشانه ؟
تراجع للخلف في دهشة ثم عقد حاجبيه في غضب هاتفا :
– إنت مين ؟
قهقة الرجل في سخرية وقال وهو ينفث دخان سيجارته :
– كمال زيدان, بيفكرك الاسم بحاجة ؟
تماسك قدر ما أمكنه وهو يتطلع إليه بنظرات لو كانت لكان الآن جثة هامدة, سأله :
– فين ملك ؟
عاد يضحك ورد بسؤال :
– عايز إيه من ملك ؟ تقرب لك ايه ملك ؟ دي بنت أخويا وأني أولى بيها .
اقترب منه محاولا إمساكه من ملابسه لكنه ابتعد بسرعة فقبضت يد (أدهم) على أطرافها فقط, تراجع أكثر هاتفا :
– بلاش تسرع يا أدهم باشا, أني مش لوحدي إلا لو مستغني .
تراجع ووقف أمامه في صمت فعاد يقول ساخرا :
– أيوة كده, الأدب حلو.
كان (أدهم) يغلي غضبا لكنه صمت, مايهمه الآن هو الصغيرة وعودتها سالمة, سمعه يقول :
– فين الفلوس ؟
أشار لسيارته وأجاب :
– في العربية .
ابتسم في توحش ثم أخذ نفسا آخر من سيجارته وأخرجه وقال بعده :
– حلو, أنا واثق فيك ومش هاقولك أعدّهم, إنما ايه رأيك في أم ملك ؟ حلوة وتستاهل ولا خسارة فيها اللي هتدفعه ؟
ضم (أدهم) قبضتيه في شدة وهو يضغط أسنانه في غضب جعل (كمال) يطلق ضحكة ساخرة ويقول :
– الخوف حلو, يعني أني ممكن أعك براحتي الوقتي وماتقدرش تفتح بقك, عموما مش هتلحق تتهنى, لا بيك ولا ببنتها .
شعر (أدهم) بالقلق فعقد حاجبيه متسائلا في غضب :
– تقصد إيه ؟
رفع (كمال) حاجبيه في سخرية وقال ببرود وهو يلقي السيجارة ويدهسها بقدمه على الرمال :
– ابقى سلم لي على حسام اخويا وقوله بنتك في الحفظ والصون .
تحرك (أدهم) نحوه وفي الثانية التالية كان صاروخ من النار يخترق صدره في موضع القلب تماما, تجمد لحظة في مكانه وهو ينظر لصدره في عدم فهم, وعاد يرفع عينيه لـ (كمال) الذي وقف يتطلع إليه في برود ثم سقط أرضا في عنف ودماؤه تسيل بغزارة من جرح صدره وفمه لتغرق الرمال ومعها تنسحب حياته ببطء .
:
:الفصل التاسع والعشرون
_________________
نعود للخلف قليلا, في منزل عائلة (زيدان) , كان (كمال) يذرع المكان ذهابا وإيابا في انتظار مكالمة (فتحي), رن هاتفه فرد بسرعة :
– أيوة يافتحي عملت ايه ؟ … جبتها من مطرح ماسبتها إمبارح؟ … في الجرن الغربي زي ماقلتلك ؟ ….. طيب حلو أوي …. لا أني هاكلمه مالكش إنت دعوة …. باقولك ايه خلي بالك دي بت أخويا ماحدش ييجي جنبها … طيب خلي عويس معاها وهات لها اللي تحتاجه وتعالى لي عشان ميعادنا معاه … عايزين نخلص من الموضوع ده بقى وتبقى توريني هتعمل ايه … يلا بالسلامة .
أنهى المكالمة ثم زفر بعمق, اتجه لطابقه العلوي ثم لغرفته ليجد زوجته لاتزال نائمة, فاتجه للحمام ليستحم ويحضر نفسه للقاء اليوم, لم ينتبه لزوجته التي كانت تتنصت على مكالمته, انتظرت حتى خرج من المنزل والتقطت هاتفها وظلت تبحث فيه عن رقم (جمانة), لقد اختطف ابنتها أي رجل هذا ؟ حتى الحيوانات لا تفترس بعضها أو تتعامل فيما بينها بهذا الشكل, لم تجد الرقم فكادت تجن, توجهت لزوجة الحاج (عبد الرحمن) وجلست تتسامر معها لبعض الوقت حتى عاد زوجها, وجدها هناك فألقى سلاما مقتضبا وألقى مايحمله ودخل لغرفة نومه, ورأت (صفية) هدفها الذي جاءت من أجله, قامت زوجة الرجل خلفه, فانتظرت هي لثوان ثم اختطفت هاتفه الجوال وبحثت فيه بسرعة, وجدت اسم (أدهم الحسيني) فسجلته لديها سريعا, ووجدت أيضا اسم (أم لمياء) فأخذته, تركت الهاتف سريعا وقامت من فورها متجهة لطابقها, كان الوقت يسرقها ويمر سريعا, دخلت غرفتها وأغلقتها عليها بسرعة وأمسكت هاتفها لتتصل بالسيدة والدة (جمانة) أولا, وهي على أمل أن تصل إليهم في الوقت المناسب .
___________________________________
في المنزل عند (جمانة) ووالدتها وشقيقتها كن جميعا يجلسن وكأن على رؤوسهن الطير, الصمت يخيم على المكان إلا من صوت نهنهات متباعدة تصدر من (جمانة) ودموعها لا تتوقف عن الانهمار أو قلبها عن القلق, رفعت رأسها لشقيقتها وقالت بضعف :
– لمياء أنا خايفة على أدهم, قلبي مقبوض أوي .
ربتت شقيقتها على كفها في حنان وواستها :
– معلش, يارب خير بإذن الله وإن شاء الله يرجع ومعاه ملك .
عادت تبكي بصوت مسموع وهي تهتف :
– أنا زعلته قبل مايمشي, جرحته ووجعته, أنا .. أنا ….
ولم تجد ماتكمل به جملتها فصمتت وشقيقتها تضمها بين ذراعيها في حين قالت الأم في شفقة :
– معلش ياجمانة هو عارف اللي إنت فيه ومقدر ماتخافيش, ربنا يرجعهم بالسلامة يارب .
ظلت تبكي لثوان أخرى حتى قطع نحيبها صوت هاتف والدتها, انتفضن جميعا في أماكنهن, والتقطت الأم هاتفها بسرعة لتجد رقما لا تعرفه, ترددت لثانية فهتفت (جمانة) :
– هاتي ياماما, أنا هارد .
وانتزعت الهاتف من يد والدتها لترد بسرعة :
– السلام عليكم ؟!!
أتاها الصوت الأنثوي المرتبك :
– وعليكم السلام ورحمة الله, أني صفية مرات كمال اخو حسام الله يرحمه .
نبض قلب (جمانة) بعنف وهي تهتف :
– أيوة ياصفية إزيك, في حاجة ؟
ترددت لثوان كاد قلب (جمانة) يتوقف خلالها, ثم قالت في خفوت :
– بنتك عند كمال.
توقف قلبها بالفعل ولم تستطع النطق, انتفضت فجأة وهي تصرخ :
– بجد يا صفية ؟ عرفتي إزاي وعنده فين ؟
حكت لها صفية سريعا المكالمة التي سمعتها من زوجها وصديقه, فهتفت :
– صفية أنا جايالك بسرعة لازم تدليني ع المكان اللي بيقولوا عليه ده .
ردت صفية بحسم :
– ماتجيش لوحدك يا جمانة, لازم يكون معاكي البوليس, أني مااضمنش مين هناك او ممكن يعمل ايه .
هتفت بسرعة :
– طيب خليكي على اتصال بيا أرجوكي .
أغلقت الخط ثم التفتت لوالدتها وشقيقتها واللهفة ترتسم على وجهيهما وقالت :
– دي صفية مرات كمال بتقول إن ملك معاه, لازم اكلم أدهم يرجع وناخد البوليس ونروح نشوفها .
كادت الأم تصرخ من الفرحة في حين انتفضت (لمياء) واقفة في مكانها وصاحت :
– بجد يا جمانة ! طيب يلا كلميه بسرعة عشان نلحقهم .
التقطت هاتفها واتصلت به, أتتها الرسالة المسجلة تخبرها أن الهاتف مغلق, حاولت عدة مرات ولا فائدة, نهش القلق قلبها ورفعت عينيها إليهما في جزع وهتفت :
– تليفونه مغلق, أدهم حصل له حاجة .
طمأنتها (لمياء) وقلبها هي يمتلئ بالقلق :
– لا لا ماتخافيش أكيد فصل شحن ولا حاجة انتو هنا من امبارح وماشحنش أكيد .
تساءلت في توتر :
– طيب هنعمل ايه ؟ لازم نروح هناك حالا .
ردت (لمياء) بسرعة :
– هنتصل بالبوليس ودكتور آدم تحت هيتصرف ونسافر بلدهم فورا .
ثم التفتت لوالدتها قائلة :
– خليكي إنت هنا يا ماما عشان لو أدهم اتصل أو جه .
هبطتا سويا لـ (آدم) الجالس في سيارته يتحدث في الهاتف باهتمام, وعندما لمحهما أنهى مكالمته وهبط من السيارة في اتجاههما بسرعة وهو يهتف :
– خير في حاجة ؟
عاجلته (جمانة) بالرد :
– أيوة يادكتور آدم, مرات أخو حسام كلمتني وقالت لي إن ملك عند جوزها, عاوزين نتصل بالبوليس ونروح بسرعة .
برقت عيناه وقال :
– بجد, طيب يلا بسرعة.
اتجهوا جميعا للسيارة وانطلقوا بها و (جمانة) لا تزال تحاول الاتصال بزوجها ولا يقابلها سوى رسالة باردة بأن هاتفه مغلق .
________________________________
تطلع (كمال) لجسد (أدهم) الساكن أمامه ودماؤه التي تسيل بسرعة وعنف, وكزه بقدمه فلم يصدر عنه صوت وزاد نزيف الدم الخارج من فمه, سمع صوت (فتحي) خلفه يقول في عجلة :
– أبو كمال يلا بينا مش هنقف كتير, ماتنساش إننا على طريق .
التفت إليه (كمال) بسرعة وسأله :
– تفتكر مات ؟
رد (فتحي) بسرعة :
– ما إنت شايفه قدامك اهو, يلا بينا بس .
اتجها سويا نحو سيارة (أدهم) والتقطا منها حقيبتين كبيرتين ثقيليتن وضعاها في السيارة الحمراء, سأله (فتحي) :
– هناخد عربيته ولا ايه ؟
نهره (كمال) :
– ناخدها نعمل بيها ايه إنت كمان, هو احنا هنشتغل حرامية عربيات ؟
ظهر ضوء سيارة من بعيد فتطلعا لبعضهما البعض لثانية ثم ركبا السيارة وانطلقا بها بسرعة تاركين (أدهم) خلفهما يلفظ أنفاسه الأخيرة في بطء .
بعد سيرهما بالسيارة قليلا قال (فتحي) في جشع :
– بس ماقلتليش إنك هتطلع من العملية بأرنبين ؟
نظر إليه (كمال) في استخفاف وقال :
– وإنت يهمك ايه يافتحي ؟ إنت ناسي بتاخد كام على خدماتك من أي حد ؟ ولا هو طمع وخلاص ؟
قال (فتحي) في عصبية :
– بس عملية زي دي لها مكسبها لازم تشوفني صح, ده أني خطفت وكمان كنت حمايتك, ما اني شفته لما كان هيمسك في خناقك, واحد زيه كده كان هيعصرك قبل ما تتنفس ويطلع منك القديم والجديد, كش منك لما هددته إنك مش لوحدك ولا نسيت ؟
زفر (كمال) في غضب وسأله حانقا :
– عاوز كام يا فتحي اخلص .
رد في جشع :
– ربع الأرنبين ونبقى صحاب .
شهق (كمال) في ذهول وهتف :
– إنت اتجننت يا فتحي, اطلب على قدك عشان تلاقي.
قال (فتحي) بلهجة ذات مغزى :
– هالاقي ياكبير, بس إنت شوفني عشان ابقى ستر وغطا عليك .
عماه الغضب للحظة لكنه سيطر عليه وقال في حنق :
– ماشي يافتحي, ماشي .
رد (فتحي) في جشع :
– وممكن كمان هدية مني فوق البيعة أجيبلك المزة اللي الهلمة دي كلها عشانها .
نظر إليه (كمال) في اشمئزاز وقال :
– لا مش عايزها, بعد اللي حصل دِه ماهيبقاش فيها نفس .
قهقه (فتحي) ثم مسح فمه بكمه بطريقة مقززة في حين عقد (كمال) حاجبيه في غيظ وقاد السيارة عائدا لبلدته في صمت وهو يفكر ما الذي سيفعله بالصغيرة بعد ذلك .
_________________________________
امتلأ ليل القرية بالأضواء والسيارات والبشر فأصبح كنهارها وتجمع الكثير من سكانها يتابعون ما يحدث, كان الحاج (عبد الرحمن) واقفا أمام (جمانة) وشقيقتها و(آدم) يلوح بيده في غضب ويصيح :
قالت في صرامة :
– أنا ماجبتش حاجة من عندي ياحاج, أخوك خطف بنتي وآخرته إعدام إن شاء الله .
أما (لمياء) فقالت في حزم هي الأخرى :
– كل ده عشان الفلوس ياحاج ؟ تبيعوا الدم والقرابة اللي بيننا وتقلبوا بلطجية عشان فلوس مش من حقكم أصلا ؟
كاد الرجل ينفجر في وجهها وهو يهتف :
– يا أستاذة عيب اللي بتقوليه دِه, احنا خلاص نهينا الموضوع وكل واحد خد حقه لا بتوع خطف ولا غيره, هنخطف بنت أخونا ياناس .
قبل أن ترد كان أحد الضباط يأتي من خلفها وهو يحمل الصغيرة على كتفه برفق وهي تبكي بشدة, سمعتها (جمانة) فالتفتت إليها وكادت تسقط أرضا وهي تجري نحوه لتلتقطها منه, انهالت على وجهها بالقبلات وهي تنهار بجوارها أرضا, تتابعها عيني شقيقتها و(آدم) في سعادة في حين كان الذهول يرتسم على وجه (عبد الرحمن) وهتف في رهبة :
– البنت كانت هنا ؟
وقف أمامه الضابط الذي أتى بها وقال في صرامة :
– حاج عبد الرحمن إنت هتيجي معانا وهنسيب قوة هنا عشان لما كمال يظهر, والراجل اللي كان مع البنت اتصاب وهيطلع ع المستشفى لحد مانحقق معاه .
لم يستطع الرجل النطق بكلمة, عندما ظهرت سيارة أخيه وهو بداخلها, ترجل منها وهو يتطلع لما حوله بقلق ثم وقعت عيناه على (جمانة) وهي تحمل ابنتها, سقط قلبه بين قدميه, واتجه إليه أحد الجنود هاتفا :
– ممنوع ياحضرت .
دفعه في عنف واتجه نحوها فلمحته, تراجعت للخلف وهي تهتف :
– إنت عاوز ايه ؟
وقف (آدم) أمامها كأنه يحميها في حين قالت (لمياء) في حزم :
– حضرت الظابط ده الشخص اللي خطف البنت.
التفت إليه الضابط وقال في صرامة :
– إنت كمال زيدان ؟
التفت للضابط و رد بتبجح :
– أيوة أني كمال زيدان خير يا حضرت الظابط والناس دي كلها بتعمل ايه هنا ؟
صرخت (جمانة) في وجهه :
– يابجاحتك, بتخطف بنتي وتطلب فلوس وتقول خير ؟ أنا مش كفاية عندي إعدامك .
قبل أن يرد كان شقيقه يصيح فيه بغضب :
– هو ده اللي اتربيت عليه يا كمال ياابن أمي وأبويا, تخطف بنت اخوك عشان تاخد فلوس, بقينا بلطجية يا كمال ؟
صاح أمامه :
– أخطف مين يا عبد الرحمن, أخطفها بتاع ايه يعني …..
قاطعه بعنف :
– ماتنكرش يا كمال, البت كانت هنا ومراتك هي اللي بلغت عنك, حسبي الله ونعم الوكيل ضيعتنا وخليت سمعتنا في الأرض .
رن هاتف (جمانة) في هذه اللحظة لتجد رقما غريبا لا تعرفه, شعرت بالقلق وانقبض قلبها في صدرها, فتحت الخط لترد :
– السلام عليكم … أيوة انا جمانة أبو الفتوح … مستشفى ؟؟
ثم اتسعت عيناها في ذعر وهي تصرخ :
– إيــــــــه !!!!
وتهاوت أرضا لتلتقطها يدي شقيقتها قبل أن تصطدم بالأرض في عنف وهي تصرخ باسمها في لوعة, تطلع إليها (آدم) في جزع والتقط الهاتف الذي سقط من يدها أرضا ووضعه على أذنه في تردد وقال :
– أيوة مين معايا ؟
اتسعت عيناه في ذعر هو الآخر وهو يستمع لمحدثه, ثم هتف :
– مستشفى ايه ؟ … طيب طيب .
أغلق الخط والتفت للضابط خلفه وصاح :
اتسعت عينا (كمال) في رعب, وصرخت (لمياء) :
– مستحيييييل .
قال الضابط في تساؤل صارم :
– حصل ايه يادكتور آدم ؟
أجاب في غضب وهو يكاد يبكي :
– طلبوا مننا فدية عشان يرجعوا البنت واشترطوا أدهم يروح لوحده وفعلا راح, كان غلط مننا نسيبه يخاطر لوحده, لقوه ع الصحرواي مضروب بالرصاص وبين الحيا , اكيد هو اللي عملها مادام هو اللي خطف ملك وكان طالب الفدية .
التفت إليه الضابط ثم هتف في بعض الجنود من حوله :
– فتشوا العربية اللي هناك دي .
عاد ينفي في غضب :
– إنت بتقول ايه يا حاج أني مااعملش كده .
كانت (لمياء) تحاول عبثا وعيناها دامعتان إيقاظ شقيقتها التي تعاقبت الصدمات فوق رأسها في يومين, أما (آدم) فقد أمسك بـ (كمال) من ياقته ودفعه أمامه في عنف وهو يضربه في وجهه وما أمكنه الوصول إليه من جسده بكل ما أوتي من قوة, كان يكيل له اللكمات فقط في صمت والغضب مرتسم على ملامحه ولم تتح لـ (كمال) فرصة للدفاع عن نفسه, أمسك الضابط وأحد الجنود بـ (آدم) فالتفت إليهم في عنف وكاد يضرب الجندي هو الآخر فهتف به الضابط في صرامة :
– دكتور آدم من فضلك امسك نفسك أحنا لسه مانعرفش حاجة .
قبل أن يصرخ في وجهه عاد الجنود الذي قاموا بتفتيش السيارة وهم يحملون حقيبتين كبيرتين مملوءتين بالنقود وعلي أحدهما آثار دماء طازجة, نظر إليه الضابط وقال في صرامة :
– ايه رأيك في دول ياكمال ؟ وعليهم دم كمان ؟
ثم التفت للجنود من حوله هاتفا في حزم :
– اقبضوا عليه .
تراجع للخلف بسرعة وصرخ :
– اني ماعملتش حاجة .
ثم أخرج مسدسا أطلق منه رصاصة على أقرب الجنود إليه وهو يعدو هاربا, ثم كانت الرصاصة التالية في ركبته ليسقط أرضا في عنف وهو يصرخ في ألم, أعاد الضابط مسدسه لحزامه وهو يهتف بجنوده :
– هاتوه .
أسنده الجنود حتى أتوا به أمام الضابط الذي وضع الأصفاد في معصميه وهو يصرخ في ألم, في هذه الأثناء كانت (جمانة) قد استعادت وعيها لتقف بمعاونة شقيقتها و(آدم) يتطلع إليها في قلق, كان يبدو عليها الإعياء الشديد وكأنها تنتظر لحظة أخرى لتغيب عن الوعي ثانية, كانت دموعها تنهمر باستمرار وفي صمت, وبدت وكأن قلبها قد اكتفى وبدأ ينزف داخلها حتى الاحتضار, استقلت السيارة مع صغيرتها التي كانت بين ذراعيها وهي بين ذراعي شقيقتها, كان (آدم) يقود السيارة وهو يشعر بالغضب والحزن والجزع, وبين كل فينة وأخرى يتطلع إليها في مرآة السيارة ليطمئن ثم يعود لينتبه للطريق, قالت فجأة وهي تبتعد عن حضن (لمياء) :
– أنا جرحته .
تطلعت إليها شقيقتها في قلق وألقى (آدم) عليها نظرة مرة أخرى, لم تعطي فرصة لأحد لينطق بل عادت تهتف وهي تبكي :
– أنا وجعته وقلت له إنه السبب في اللي حصل .
التفتت لشقيقتها واستمرت تقول :
– مش هو السبب, أنا السبب في اللي حصل له, أدهم هيضيع مني يا لميا وانا السبب .
كانت على شفا انهيار عصبي جعل شقيقتها تتطلع إليها في قلق وهي تحاول ضمها لصدرها ثانية قائلة في حنان :
– لا طبعا يا جمانة مش انت ولا هو , دي إرادة ربنا ماحدش عارف الخير فين واللي حصل ده حصل ليه, بس أكيد خير .
نظرت إليها وبدت وكأنها لم تسمع حرفا من كلام أختها ثم صرخت بطريقة أفزعت ابنتها :
– انا السبب يا لميا, أنا السبب, لو حصل له حاجة مش هاسامح نفسي أبدا.
لم تجد شقيقتها ما تقوله سوى أن تجذبها لحضنها محاولة تهدئتها, ظلت تنتحب وهي تقول :
– أنا بحبه أوي يا لميا, مش هاستحمل يجراله حاجة, مش هاقدر.
ثم استمرت في النحيب, تشاركها شقيقتها دموعها في صمت, أما (أدم) فغافلته دمعة اجتمعت فيها مشاعر الحزن والقلق على أخيه بالشفقة على (جمانة), وظل على صمته حتى وصلوا للمستشفى, كانت (جمانة) تسير وهي تحمل (ملك) وكلما حاولت شقيقتها حملها عنها رفضت تركها, شعرت بالشفقة تجاهها فاكتفت بالسير إلى جوارها لتستند إليها, وأمام غرفة العمليات وجدوا والدا (أدهم) وشقيقته, عندما رأتها (فريدة) صاحت بها في غضب ممتزج بانكسار بشكل غريب :
– رجعتي بنتك وضيعتي لي ابني ؟
عادت الدموع تنهمر من عيني (جمانة) في حين هتف فيها (آدم) :
– طنط فريدة من فضلك, كفاية اللي هي فيه .
نظرت إليه بحزن وبدأت دموعها تنهمر هي الأخرى وغمغمت :
– لسه بتدافع عنها يا آدم ؟ مش دي اللي أخوك كان هيضيع بسببها ؟
كان الصوت هذا المرة صادرا من زوجها, قال في صرامة وصوته لا يكاد يخرج من بين شفتيه :
– فريدة, اسكتي خلينا نطمن على أدهم, مالكيش دعوة .
كانت (لمياء) تتابع الموقف في صمت, وكم آلمها أن تتلقى شقيقتها وهي في هذه الحالة اللوم من والدة زوجها, لم تكن تملك ما تقوله فالسيدة مكلومة لكنها حزنت و(جمانة) تزداد دموعها انهمارا في صمت, انتظروا لوقت بدا لهم كدهر, كان (آدم) يذرع المكان جيئة وإيابا وهو يشعر بتوتر لاحد له, في حين جلست (جمانة) على أحد الكراسي وطفلتها بين ذراعيها وإلى جوارها شقيقتها, وعلى الجانب الآخر (سارة) ووالديها, فتح باب غرفة العمليات لتخرج منه ممرضة متوترة وهي تسأل :
– محتاجين نقل دم ضروري وفصيلته نادرة عاوزين متبرعين .
هتف (آدم) بسرعة :
– انا نفس الفصيلة .
أما (جمانة) فهبت واقفة وهي تقول :
– انا مش عارفة فصيلته بس لو ممكن تشوفوا انا أنفع ولا لا .
هتف بها (آدم) :
– لا يا جمانة مش هينفع, إنت ماتنفعيش تتبرعي بحالتك دي خالص .
صرخت في انهيار :
– لا ممكن هيحصل ايه يعني هادوخ, المهم هو يبقى كويس .
قاطعتها (لمياء) بحسم :
– خلاص ياجمانة إنت مش هتنفعي انا هاروح مع دكتور آدم وأشوف لو فصيلتي تنفع وربنا يسهل .
تطلع إليها (آدم) للحظة, وشعر بالاحترام والتقدير تجاهها, أما (جمانة) فهتفت في أمل وبدت ضعيفة مستكينة :
– بجد يا لميا هتروحي .
ربتت على كتفها بحنان وقالت :
– أيوة ياحبيبتي ماتخافيش, إن شاء الله هيقوم بالسلامة .
وبالفعل توافقت فصيلتها معه وتم سحب لتر من الدم منها وآخر من (آدم), بعدها بدا عليها الإعياء فقال لها (آدم) :
– مدام لميا, اتفضلي ماتقفيش كتير, حضرتك شكلك مش متعودة على كده .
نظرت إليه بامتنان وجلست قليلا شاعرة ببعض التعب عندما وجدت يد تمتد لها بعلبة عصير وقطعة حلوى مغلفة, تطلعت لصاحب اليد فوجدته (آدم) يتطلع إليها بحنان غريب ويقول :
– اتفضلي عشان ماتتعبيش .
هزت رأسها شاكرة وقالت :
– لا معلش مش هأقدر, شكرا يا دكتور آدم .
سمعته يقول في حزم :
– مدام لميا لو سمحتي بلاش عناد, ده ضروري على فكرة .
رفعت عينيها إليه مرة لتجد نظرة الحنان تلك مرة أخرى فشعرت بالخجل هذه المرة وتقبلتهم منه شاكرة, جلسوا في صمت لدقائق أخرى بعدها فتح باب غرفة العمليات ليخرج الطبيب منه وهو ينزع كمامته ويتطلع إليهم بصمت, سقطت قلوبهم بلا استثناء بين أقدامهم وهرع إليه (آدم) مع والده, قال الطبيب بلهجة عملية :
– إحنا طلعنا الرصاصة الحمد لله, بس الحالة لسه مش مستقرة, هيفضل في العناية ع الأقل أسبوع بعدها ممكن ننقله غرفة عادية, لو اليومين الجايين مروا بسلام نقدر نطمن بإذن الله .
سأله (آدم) في لهفة :
– هو حصل ايه يادكتور؟
أجابه الطبيب بنفس اللهجة :
– رصاصة من مسافة مش قريبة أوي, دخلت جسمه بزاوية غريبة كأنه كان بيتحرك وقتها يمكن لو كان ثابت كانت اخترقت القلب فورا, الرصاصة مرت جنب القلب واصطدمت بضلع كسرت جزء منه واستقرت بعد مااخترقت الرئة , للأسف نقله للمستشفى كان اتأخر ونزف كتير بس الحمد لله, ربنا يطمنكم عليه .
:
:الفصل الثلاثون
___________
كانت قلوب الجميع تلهج بالدعاء والدموع متحجرة في عيون الرجال في حين تبكي النساء في صمت, نُقل (أدهم) لغرفة العناية المركزة على محفة تتبعه عائلته, كان يبدو وكأنما فقد كل دمائه شاحبا ساكنا والضمادات تحيط بصدره بعناية, (جمانة) كانت هي الأقرب إليه ولا زالت تحمل طفلتها وهي تسير خلفهم وهم يدفعونه, أدخلوه غرفة العناية ثم نقلوه على سريره ومنعوهم من الدخول, خرج الطبيب بعدها لتتعلق به كل العيون, ثم اتجهوا إليه, قال بهدوء :
– دلوقتي هو في فترة حرجة, قدامنا 48 ساعة نقدر نطمن بعدها بإذن الله .
ثم تركهم وانصرف, تركت (جمانة) ابنتها لشقيقتها ثم وقفت أمام نافذة الغرفة الزجاجية الكبيرة تتطلع إليه في لوعة وحزن والدموع لا زالت تحفر أنفاق ألم على وجنتيها, كان قلبها كسيرا وهي تدعو الله أن يحفظه لها وتعد بأن تكون له نعم الزوجة, اقترب منها (آدم) ووقف إلى جوارها يتأمل أخيه الراقد أمامهم في غيبوبته ثم همس بصوت حزين :
– إن شاء الله هيبقى بخير .
التفتت إليه والحزن يغمر حروفها في نهره حتى أغرقها وعادت تردد :
– أنا جرحته قبل ما يمشي وحسسته إنه ماكانش أمين وإنه خلف وعده ليا بحمايتي, وجعته أوي وراح عشان يرجع لي بنتي وكانت حياته هي التمن .
شعر بحزنه يتضاعف ثم قال بخفوت :
– هو أكيد عارف إنك ماتقصديش تزعليه ومقدر إحساسك كان عامل إزاي وقتها .
عادت تنظر لزوجها وتقول بصوت دامع متقطع :
– ده اللي واجعني أكتر, لو كان قسي أو زعلني او حتى زعل مني عمل أي حاجة كنت سكت, لكن كان حنون أوي وكنت بأجرحه وألاقيه بيوعدني إنه مش هيخذلني وهيرجعها لحضني تاني مهما كان التمن .
ثم عادت تبكي بصوت مسموع وهي تكمل :
– وكان التمن حياته, ليه ؟ ليه بيوجعني ؟ ليه هو كده ؟ ليه حبني وقرب مني ؟ ليه دافع عني ؟ انا مش عاوزة حاجة غير إنه يبقى كويس حتى لو هيبعد وخلاص, يرجع لأهله ولمامته اللي قلبها مكسور عليه بسببي, بس يبقى كويس .
لم يجد (آدم) مايقوله ليواسيها به فهو الآخر يبكي قلبه في جزع, أخيه الوحيد والذي كان كظله, علمه كل مايعرفه ودوما ما ساندا بعضهما البعض, هاهو أمامه جريح, ضعيف قد تنتهي حياته في أي لحظة .
سمعوا صوت خطوات تقترب منهم ليجدوا الطبيب قد عاد, قال لهم بحزم :
– ماينفعش يا جماعة تفضلوا هنا, اتفضلوا في الاستراحة ده بالاضافة إن وقت الزيارة انتهى من بدري احنا داخلين ع الفجر لازم تمشوا .
التفت إليه الكل واقتربت منه (جمانة) بسرعة وهي تقول من بين دموعها :
– إزاي وقت زيارة ما ينفعش ما أقدرش اسيبه وأمشي .
نظر إليها ولدموعها لحظة شعر خلالها بالشفقة فقال هدوء :
– ممكن مرافق واحد بس هيفضل في الأوضة اللي هيتنقل لها بعدين إن شاء الله .
هتفت (جمانة) ووالدته في نفس الوقت :
– أنا هافضل .
ثم تطلعتا لبعضهما البعض لحظة, كانت نظرة الزوجة خلالها كسيرة خنوع والأم حزينة غاضبة, لم تستطع (جمانة) النطق, فأمه المكلومة هي الأحق بالبقاء إلى جواره, عادت تقول في انكسار :
– طيب خلاص انا هاستنى برا في العربية .
نظرت لها الأم في دهشة, لما تراجعت ؟ كان يمكنها أن تصر على البقاء إلى جواره, أن تكون الأقرب, لكنها تركت لها تلك الفرصة ؟ شعرت بشيء من الامتنان لها ولكن صمتت ولم تقل شيئا, سمعت (جمانة) ترجو الطبيب في حزن :
– لو سمحت يا دكتور ممكن أشوفه, عاوزة أكلمه, لو حتى دقيقة واحدة ؟
نظر إليها الطبيب في دهشة ثم قال بلهجة قاطعة :
– لا طبعا ما ينفعش, غرفة العناية ممنوع دخولها لغير الأطباء والممرضين .
عادت تستجديه :
– دقيقة واحدة بس يا دكتور, أطمن عليه من قريب وهاطلع على طول, أرجوك .
عاد يهز رأسه نفيا في حزم وهو يقول :
– يافندم ما ينفعش الموضوع مش محل نقاش .
عادت تبكي بشدة فرق قلبه لها لكنه لم يتراجع عن موقفه, أتت (لمياء) لتقف إلى جوارها وهي تقول للطبيب :
– يادكتور من فضلك, هي بس دقيقة واحدة, ولو في حاجة معينة مطلوب منها تعملها, تلبس حاجة أو تعقيم بس من فضلك دقيقة واحدة, ده جوزها .
تردد للحظة تطلعت إليه هي فيها بأمل ثم قال بسرعة :
– طيب دقيقة واحدة بس, اتفضلي معايا لحظة .
نبض قلبها بقوة وتبعته بسرعة ثم عادت معه وهي تحمل ما يشبه الكيس وتستعد لارتدائه في قدميها, وقف الطبيب أمام الباب والكل يتطلع إليه ثم قال في حزم وهو يفتحه سامحا لها بالدخول :
– دقيقة واحدة .
دخلت هي بتردد, كان الطبيب واقفا على الباب إلى جواره (آدم) و (لمياء) أما أبويه وشقيقته فكانوا يتابعون ما يحدث من النافذة وأمه تشعر بالحسرة, لما لم تطلب هي الأخرى أن تدخل إلى صغيرها أيضا !, وقفت أمامه (جمانة) في صمت, تتطلع إلى وجهه وعينيه المغمضتين في حزن, كان يغمرها بحنانه نظراته عشقا, لما لا تفتحهما وتنظر إلي ؟, اقتربت أكثر ثم مدت يدها تتحسس شعره وانحنت تطبع قبلة على جبينه انعقد لها حاجبا الطبيب في ضيق, أمسكت كفه وقبلتها هي الأخرى واقتربت أكثر لتهمس في أذنه بكل العشق والحزن المختزنين بداخلها :
– أدهم, حبيبي, أنا آسفة, ياريت كنت انا اللي اخدت الرصاصة مش إنت, ماتزعلش مني انا عارفة إني جرحتك, بس برده عارفة قد ايه إنت بتحبني ومش هتزعل مني, وكمان هتفوق وترجع لي مش كده ؟
انهمرت دموعها وهي تكمل :
– حبيبي عشان خاطري افتح عينيك وبص لي, زي ما أنا متعودة, وحشتني نظراتك ووحشني كلامك, وحشني صوتك وإنت بتنادي اسمي, عشان خاطري فوق وارجع لي, أنا آسفة , آسفة , أنا السبب, أنا اللي ……….
قاطع حديثها الباكي الجهاز المتصل بقلبه معلنا توقفه عن النبض بأزيز متصل كاد يوقف قلبها هي الأخرى, كان الذعر يملأ ملامحها وهي تنظر إليه والطبيب يندفع نحوه بسرعة ويستدعي الممرضات, صرخت فجأة :
– أدهم لااااااااااااا, أدهم .
وانهمرت دموعها كشلال يصهر قلبها, رأت التوتر على ملامح الجميع ووالدته تصرخ في انهيار والذعر يملأ ملامح أخيه وأبيه, تراجعت للخلف في جزع وهي تتطلع لما يحدث في بلاهة, كان الطبيب يصرخ في الممرضات وهن يسرعن بتجهيز جهاز الصدمات, رأته يضعه فوق يصدره ويهتف :
– Clear
لينتفض جسد حبيبها في عنف ويبقى الأزيز على اتصاله, ثم يصرخ الطبيب مرة أخرى في ممرضاته ويضع الجهاز فوق جسده ثانية بنفس الهتاف ويعود لينتفض مرة ثانية فثالثة, رأتهم يحقنونه بشيء ما ويعودون لتنشيط قلبه مرة أخرى فينتفض أمامها لتشعر بلوعة تكاد تعتصر قلبها, سمعت الأزيز المتقطع مرة اخرى معلنا عودة قلبه للنبض, ثم وكأنما استنزف الخوف والحزن وبقايا الألم وإرهاق الأيام الماضية كل طاقتها فانهارت أرضا فاقدة الوعي تصاحبها صرخة شقيقتها باسمها في حين أسرعت إليها ممرضة لتحاول إفاقتها, ضعفها مع حزنها اشترك في فقدانها لوعيها لفترة من الوقت, احتاجت بعض المحاليل والمقويات التي أوصى بها الطبيب لها واستقرت في غرفة ليست ببعيدة عن حبيبها.
مرت تلك الليلة كأنها دهر, الكل في انتظار والحبيبة الكسيرة فاقدة لوعيها منهكة وقلبها يئن, كانت شقيقتها إلى جوارها بعدما أعادت الطفلة للمنزل مع والدتها, والدتها التي لم تصدق ماحدث وانهارت بالبكاء هي الأخرى, بكاءا على رجل دفع حياته ثمنا وفداءا لمن يحب وكمدا على ابنتها التي لا تكتمل فرحتها إلا وتقطعها الدموع مرة أخرى, في الصباح التالي أفاقت (جمانة), أتى الطبيب ليطمئن عليها, أمرها بالراحة لفترة وأوصى لها بأدوية جديدة, بعد خروجه هتفت في شقيقتها :
– أدهم عامل ايه يا لميا ؟
ربتت (لمياء) على كفها برفق وهي تجيب :
– ماتقلقيش هو الحمد لله لحد دلوقتي كويس والحالة مستقرة .
كشفت الغطاء وحاولت النهوض وقالت :
– عاوزة أشوفه .
حاولت شقيقتها إعادته لسريرها وهي تهتف :
– لا لا جمانة ما ينفعش إنت تعبانة جدا مش هينفع تروحي تقفي هناك هيغمى عليكي تاني .
لم تهتم لما تقول وعادت تحاول النهوض وقالت في حزم على الرغم من الإعياء البادي على وجهها :
– لا لازم أشوفه .
وقفت على الأرض وفي الثوان التالية كان الدوار يكتنفها وشعرت برأسها تكاد تقع من فوق كتفيها فأسرعت (لمياء) إلى جوارها تساندها, أخذت نفسا عميقا وقالت :
– يلا نروح له .
ثم سارت ببطء حتى وصلت لغرفة العناية, وجدت والدته هناك مع (آدم) لم تستطع النظر في وجهها في حين وقف (آدم) واتجه نحوهما بسرعة وهو يقول :
– جمانة إنت بتعملي ايه ماكانش المفروض تيجي دلوقتي إنت تعبانة .
التفتت إليه و ردت في حزن :
– تعبانة ايه بس يا دكتور آدم, مش أكتر منه, عاوزة أطمن عليه, الدكتور قال حاجة ؟
هز رأسه نفيا وأجاب :
– لسه على نفس الوضع .
وقفت أمام النافذة تنظر إليه في صمت, بدأت دموعها تنساب على وجنتيها مرة أخرى بذات الصمت, وعاد الألم يغلف قلبها مفتتا ضلوعها وممزقا إياه لأشلاء, كانت إلى جوارها شقيقتها والقلق ينهشها من كل صوب, على الاثنين, سمعت فجأة صوت حازم يهتف بنوع من السعادة :
– أستاذة لميا ؟
التفتت للصوت لتجد شخصا بالزي الرسمي يتجه إليها وعلى شفتيه ابتسامة واسعة بادلته إياها بهدوء, كان (آدم) وزوجة أبيه يتطلعان إليه في دهشة وهو يقترب من المرأتين حتى وقف أمامهما وقال :
– إزيك عاملة ايه ؟ من زمان مش بنشوفك ؟ القضايا خلصت ولا ايه ؟
ابتسمت في خجل وأجابت :
– لا والله يا سيادة المقدم القضايا موجودة بس على حسب, مش عندك بقى .
حافظ على ابتسامته وتطلع لخجلها بحنان ثم التفت لشقيقتها الباكية في تساؤل أجابت عنه بدون أن يطرحه :
– أختي جمانة, جوزها مضروب بالرصاص امبارح .
رفع حاجبيه في دهشة وهتف :
– أدهم الحسيني ؟
أومأت برأسها إيجابا وهي تسأله :
– أيوة, حضرتك اللي ماسك القضية ؟
أجاب :
– أيوة, أنا كنت لسه جاي أطمن على حالته عشان أعرف هنقدر نستجوبه إمتى, إحنا قبضنا على كمال إمبارح طبعا وواحد اسمه عويس, عويس ده كان مصاب أول مافاق اعترف مباشرة ودل على واحد تاني اسمه فتحي, للأسف مات أثناء القبض عليه, قاوم وحاول يهرب وضرب نار ع القوة اللي راحت تجيبه فضربوا هما كمان اتصاب وعلى مااتنقل المستشفى كان مات, لقوا عنده نص مليون جنيه, غالبا من فلوس الفدية لأنها كانت ناقصة في الشنط اللي مع كمال .
ثم تنهد لحظة وأكمل :
– لقينا عنده مسدس لسه الطب الشرعي هيحدد إذا هو اللي خرجت منه الرصاصة اللي انضرب بيها المجني عليه ولا لا .
أومأت برأسها إيجابا في صمت, حينما جاء (آدم) ليقف إلى جوارها متسائلا :
– في ايه يا أستاذة لميا ؟
أجابت بسرعة :
– ده المقدم حمزة اللي ماسك قضية أدهم .
مد (حمزة) يده إليه وصافحه قائلا بود :
– أهلا يافندم .
ابتسم (آدم) ابتسامة باهتة وهو يصافحه وقال :
– أنا آدم أخو أدهم .
عاد يقول :
– أخبار الأستاذ أدهم ايه ؟ نقدر نستجوبه إمتى ؟
عقد (آدم) حاجبيه وهو يتساءل :
– تستجوبه ؟ ليه ؟
ابتسم الرجل في حين أجابت (لمياء) موضحة :
– عادي يادكتور آدم, عشان نعرف منه اللي حصل بالظبط, هو طرف في الموضوع فده طبيعي .
نظر إليها للحظة ثم عاد يتساءل :
– بس هو دلوقتي في غيبوبة, إنتو مسكتوا حد تاني ؟
أجاب الضابط :
– أيوة بس للاسف اتصاب ومات, ماقدرناش نستجوبه ونعرف اللي حصل .
قالت (جمانة) فجأة :
– هو كمال هيتعدم ؟
نظروا إليها جميعا وإلى البؤس المرسوم على ملامحها, وأجابت شقيقتها :
بكت وهي تهتف :
اقتربت منها وقالت وهي تربت على كتفيها :
– ماتخافيش يا جمانة, أكيد هياخد جزاءه إن شاء الله, المهم أدهم يقوم بالسلامة .
صمتوا للحظات قال بعدها (جمزة) مخاطبا (لمياء) بابتسامة حانية :
– طيب يا أستاذتنا, أنا هاطمن من الدكتور على الحالة وأعرف التفاصيل, ابقي زورينا بقى عندنا قضايا من اللي بتحبيها كتير .
بادلته ابتسامته وظلت تتطلع إليه وهو يلتفت مغادرا, وعينا (آدم) معلقتين بعينيها وهو يتساءل عن سر الطريقة التي يحدثها بها الرجل هكذا وكأنهما أقارب وهي أيضا تتبسط معه بهذا الشكل, استغرب تفكيره في هذا الأمر فسألها :
– هو حضرتك تعرفي المقدم ده من زمان ؟
أومأت برأسها وهي تجيب :
– أيوة, المقدم حمزة من الناس القليلة اللي تقدر تتعامل معاها في أقسام الشرطة بهدوء واحترام وسهولة كمان .
هز رأسه هو الآخر وقال في اقتضاب :
– آها .
بعد قليل عاد الضابط وبصحبته شاب في العقد الثالث من العمر, نحيف يرتدي منظارا طبيا يبدو عليه التوتر والخجل, التفتوا إليه جميعا ورحبت به (لمياء) مرة أخرى وهي تتطلع للشاب المصاحب له في تساؤل أجاب هو عنه :
– ده دكتور زياد, اللي نقل الأستاذ أدهم المستشفى .
على الفور امتلأت العيون بالامتنان وبدأوا جميعا يثنون عليه ويشكرونه, عاد الضابط يقول :
– دكتور زياد كان ماشي مع اتنين اصحابه بالعربية ولمحوا فجأة عربية بتطلع قدامهم بسرعة وعربية تانية واقفة جنب الطريق ع الرمل وابوابها مفتوحة ومنورة, نزلوا يشوفوا في ايه لقوا الأستاذ أدهم جنبها من الناحية البعيدة عن الطريق, دكتور زياد فحصه بسرعة وكلم والده دكتور أحمد السعيد الجراح اللي أكيد كلكم تعرفوه بلغ أقرب مستشفى لمكان الحادث وبعتوا اسعاف مجهزة, كان له الفضل بعد ربنا سبحانه إن يوقفوا النزيف بس طبعا الشغل كمل هنا مع دكتور أحمد بنفسه .
ظلوا يشكرونه مرة أخرى و(جمانة) تتطلع إليه بامتنان شديد, تقبل الشاب امتنانهم في هدوء يشوبه بعض الخجل, ثم تركهم وانصرف, بعد انصرافهم قال (حمزة) مخاطبا الجميع :
– الدكتور أحمد طمني وقال لي في خلال ساعات بإذن الله هيتنقل غرفة عادية .
ثم التفت لـ (لمياء) وقال :
– من فضلك يا أستاذة لميا لما الدكتور يطمنكم ويسمح بالكلام وكده ابقي كلميني , وأنا هاكون على اتصال إن شاء الله.
عقد (آدم) حاجبيه في ضيق مفاجئ في حين قالت هي بهدوء :
– أكيد يا سيادة المقدم .
أومأ برأسه محييا الجميع ثم خرج من المكان, تابعه (آدم) بعينيه للحظة ثم عاد يلتفت إليها فوجدها قد عادت إلى جوار شقيقتها فابتسم, أخرج هاتفه واتصل بالمنزل ليطمئن على صغيره والذي طلب من مربيته البقاء معه في هذين اليومين وقرر أن يذهب ليأتي به لأن السيدة ترغب في الرحيل .
مر نصف اليوم وأحضر (آدم) ابنه وأتت والدة (جمانة) للاطمئنان على زوج ابنتها, وللمفاجأة كانت (فريدة) تقابلهم بصمت دون غضب أو كلمات جارحة, بدت مكسورة حزينة جل همها أن يعود لها ابنها سالما, ثم مر اليوم كله بأمان, في اليوم التالي نقل (أدهم) لغرفة عادية والقلوب لازالت تدعو وتتضرع لله أن يتمم شفاؤه على خير .
وفي تلك الغرفة اجتمعت الأم مع زوجة ابنها التي رفضتها, كانت تتطلع إليها وإلى الحزن الموشوم به وجهها, إلى النظرة الكسيرة في عينيها وآهات الوجع التي تخرج من صدرها حزنا عليه, كانت ترى أنها ربما أخطأت في حقها, ربما هي فعلا من تصلح لابنها حتى وإن كانت حياته ستكون ثمنا لحبها وقربه منها, استغربت كثيرا لما يحبها (أدهم) لهذه الدرجة ؟ أن يضحي بحياته ويذهب ليعيد إليها صغيرتها غير عابئ بما قد يحدث له, أن يتلقى رصاصة قاتلة فقط من أجل ابتسامتها وراحتها وسعادتها, ترى كيف سيتصرف عندما يستيقظ ؟ هل سيظل على حبه لها ؟ أم ستترك الرصاصة أثرا لا يبرأ كانت هي سببا فيه ؟
سألتها فجأة :
– خايفة عليه ؟
رفعت (جمانة) عينيها إليها في صمت, لم تتفاجأ, كانت تنتظر حديث السيدة إليها وربما جرح قلبها أكثر, لم تجد جوابا, بما تجيبها حقا وما كلمة خوف بالنسبة لما تشعر به ؟, دمعت عيناها مرة أخرى وهمست :
– أنا كل ما أبص له, وأحس إني كنت السبب في اللي حصل له, مش هأقولك إني مش غلطانة , كلنا غلطنا عشان سيبناه يروح لوحده, بس لو بإيدي كنت رحت مكانه وأخدت بداله و هو يبقى كويس .
صمتت السيدة, هي تحبه بالتأكيد, لِم تكون على هذه الحال إن لم تكن تحبه ؟ في خمسة أيام أصابها الضعف والهزال وغارت عينيها في وجهها وحُفت بالهالات السوداء, حتى ابنتها لم تلتصق بها كما توقعت بل تركتها لوالدتها وشقيقتها, قامت من مكانها واتجهت نحوها و(جمانة) تنظر إليها في قلق, اقتربت أكثر ثم وقفت أمامها والعيون تتبادل حديثا غير مفهوم, فجأة ضمت رأسها لصدرها وربتت عليها في رفق أصابها بالذهول, وقالت في حنان :
– ربنا يقومه بالسلامة عشان يشوف بتحبيه قد ايه .
دمعت عينا (جمانة) وشاركتها دموعها الأم وهما تتضرعان لله أن يشفيه ويتمم عليه عافيته, سمعتا همسا مفاجئا به قدر ضئيل من المرح يقول :
– خيانة .
انتفضتا في عنف واستدارت المرأتان تجاه الراقد على السرير لتجدا العينان المجهدتان تتطلعان إليهما بحنان بدا غريبا على وجهه الشاحب وابتسامة طفيفة تتسلل إلى شفتيه, فقدت كلاهما القدرة على النطق وهو ينظر إليهما محاولا إبقاء جفنيه مفتوحين, هبت (جمانة) واقفة واتجهت إليه بسرعة تتطلع إلى وجهه وعينيه التي تحوطانها بالدفء, كانت تتأمل ملامحه بكل تفصيلة فيها, عيناها تجولان في وجهه وتستقران عند عينيه, نعم هي لم تخطئ, هو مستيقظ ويداعبهما أيضا, لقد عاد .
__________________________
مرت عدة أيام و (أدهم) في تحسن مستمر, عاد له تورد وجهه وروحه المرحة ودعاباته التي افتقدها الجميع, كانت تبدو عليه سعادة جمة لما لمسه من رضا والدته عن زوجته والتقارب الحاصل بينهما, كان يداعب أمه ويقول :
– لو كنت أعرف إن الرصاصة هتخليكي تقربي من جمانة كنت أخدتها من زمان .
وتغضب هي فيداعبها مرة أخرى حتى ترضى, و(جمانة) الحبيبة قل كلامها كثيرا فقط كانت تتابعه بعينيها وابتسامة حنون على شفتيها تحمل قدرا هائلا من السعادة , لقد عاد حبيبها, بروحه وحبه وحنانه وقلبه الذي يتسع للجميع, استيقظ على دعابة لم تدري وقتها أتضحك أم تبكي أم تصرخ من فرحتها, وهو لاحظ صمتها, أقلقه لكنه دوما كان يحاول جذبها من منطقة السكون تلك, وهي أحيانا تستجيب وأحيانا لا, كانت تشعر به قلقا وتحاول طمأنته لكن قهرا تعود لصمتها و تتأمله في حب كان هو المسيطر على خلاياها .
في يوم اطمأن الطبيب على جرحه وسأله عن عدة أشياء وأوصاه بأشياء أخرى ثم تركه وانصرف, كانت (جمانة) بجواره فابتسم لها وأمسك كفها وهمس :
– وحشتيني .
ابتسمت هي الأخرى وظهر عشقها له جليا في عينيها ثم بادلته همسا بهمس :
– إنت أكتر .
تنهد في حب وسألها :
– هنروح بيتنا إمتى ؟
أجابت :
– مش عارفة الدكتور لسه ماقررش .
تأفف وقال بلهجة حالمة :
– بأقولك وحشتيني وعاوز اروح تقولي لي دكتور ؟
ضحكت فنظر إليها بغيظ وهتف :
– على فكرة مش وقت ضحكتك دي خالص, خلي بالك يعني دي رصاصة قريبة من القلب ودم وكده.
شعرت بالخجل وقالت :
– خلاص من غير ضحك .
ابتسم وقال :
– أيوة كده, ايه مفيش انسانية ؟
عادت تضحك من جديد فتظاهر بالغضب قائلا :
– لا إنت بتستهبلي بقى ؟ أكيد إنت قاصدة ؟
كتمت ضحكتها بصعوبة وتطلعت إليه بحب جعله يقول :
– يعني نقول امنعوا الضحك تبصي لي كده, إنت عاوزة ايه بالظبط ؟
سحبت يدها من يده ووقفت هاتفة :
– يوووه خلاص انا هاخرج برا.
أمسك يدها مرة اخرى بسرعة وهتف :
– لا لا خلاص, خليكي, أمري لله .
ابتسمت وجلست إلى جوراه مرة أخرى, في هذه الأثناء كانت (لمياء) قد أتت للاطمئنان عليه فلمحتهما يتشاكسان من نافذة الغرفة فوقفت على مسافة تتطلع إليهما في سعادة, كانت تضيء وجهها, وعلى مسافة منها هي وقف (آدم) ينظر لوجهها السعيد في صمت, شعر بنوع من الخجل فخفض عينيه أرضا ووجد قلبه يدق بطريقة غريبة, تلك المرأة الحنون التي تعتبر نفسها أما ثانية لشقيقتها, لم يرى مثلها من قبل, دق قلبه مرة أخرى فاتجه نحوها وقال بخفوت :
– إزيك يا مدام لميا .
انتبهت على صوته فجأة وشعرت بالحرج, لابد أنه لمحها تنظر لشقيقتها وزوجها, ابتسمت في حرج و ردت :
– الحمد لله إزي حضرتك يا دكتور آدم ؟
ابتسم هو الآخر وقال :
– الحمد لله تمام .
ثم أشار لصغيره الواقف إلى جواره وقال :
– يوسف صمم ييجي يشوف عمه النهاردة .
نظرت للصغير بحنان وربتت على رأسه برفق وقالت :
– إزيك يايوسف ؟ عامل ايه في المدرسة ؟
ابتسم لها (يوسف) فنبض قلبها بدفقة حنان مفاجئة جعلت ابتسامتها تتسع وأجاب هو بخجل :
– الحمد لله .
ربتت على رأسه مرة أخرى ورفعت رأسها لوالده قائلة في حنان :
– يوسف هادي وخجول أوي .
ربت على رأس ابنه هو الآخر وقال :
– أيوة, مفيش اختلاط كتير يادوب المدرسة بس وحتى هناك برده بيقولوا عليه خجول وانطوائي .
عادت تنظر إليه مرة أخرى وفتحت فمها لتقول شيئا لولا أن سمعت من خلفها صوت مرح يقول :
– أستاذة لميا, مساء الخير .
التفتت لمصدر الصوت في هدوء ومثلها فعل (آدم) لكنه عقد حاجبيه عندما وجده المقدم (حمزة), قالت (لمياء) :
– أهلا يا سيادة المقدم .
ابتسم ونقل بصره لـ (آدم) ثم هز رأسه محييا وقال :
– إزي حضرتك ؟ أستاذ آدم مش كده ؟
أومأ (آدم) برأسه وبدا عليه بعض الضيق وهو يقول :
– أيوة, إزي حضرتك يا فندم ؟
أجاب بهدوء :
– الحمد لله تمام, ها المصاب بتاعنا أخباره ايه ؟ انا جيت لما كلمتيني فورا أهو .
أجابت :
– الحمد لله بقى أحسن, حضرتك تقدر كمان تسأل دكتور أحمد عنه وتشوف إذا ينفع ولا لا .
تطلع إليه مع زوجته من خلف زجاج النافذة لثوان وهما يتشاكسان تارة ويتضاحكان تارة ويتهامسان تارة أخرى ثم ابتسم فجأة وسأل :
– طيب هو فاضي ؟ اكلمه بشكل ودي كده لحد مانعمل المحضر ؟
عقد (آدم) حاجبيه في ضيق من جرأته وشعرت هي بالحرج, قال (آدم) في حزم :
– ثواني هابلغه بوجود حضرتك .
ترك (يوسف) مع (لمياء) واتجه بخطوات سريعة لغرفة (أدهم) ثم طرق بابها ودخل ليخبر أخيه بوجود الضابط, خرج وخلفه خرجت (جمانة) ودخل إليه (حمزة) بابتسامة هادئة.
جلسا سويا مايقرب من نصف ساعة, ترك بعدها (حمزة) الغرفة وهو يشد على يد (أدهم) ويتمنى له تمام الشفاء, وقفت (جمانة) مع شقيقتها والضابط ليسألها هي الأخرى عدة أسئلة في حين دخل (آدم) لأخيه وابتسامة رائعة على وجهه تاركا طفله ممسكا بيد (لمياء), بادله (أدهم) ابتسامته وقال :
– أدوم واحشني ياكبير .
ضحك (آدم) وهو يقبل رأسه وقال بمرح :
– تصدق إنت أكتر , ماشفتكش من امبارح يابني, وبعدين ارحمني بقى وقوم الشركة كلها فوق دماغي .
رد (أدهم) ضاحكا :
– عاوزني اقوم واروح الشغل كمان, دي رصاصة يابني, هانام فيها شهرين تلاتة اربعة, وأعمل فيها شهريار, وبعض الناس كده هتبقى شهرزاد وتحكي لي قصة كل يوم .
ضحك (آدم) مرة أخرى وهتف :
– ده استغلال بقى ؟
رد (أدهم) :
– طبعا, حد يلاقي فرصة للاستغلال ويقول لا !
هز رأسه في تعجب, ثم رسم الجدية على ملامحه وقال وهو ينظر للخارج للحظة :
– عاوزك في موضوع مهم .
نظر إليه (أدهم) باهتمام وسأله :
– خير ؟
اقترب منه أكثر وقال بلهجة غريبة كأنه يتوقع خطرا فبدا مضحكا :
– أنا طالب القرب منك .
الفصل الحادي والثلاثون (الأخيـــــــــــــــــــــــــــر)= الجوء الاول = ج 1 =
_______________________
ساد الصمت لثوان ثم تطلع (أدهم) لأخيه لحظة في عدم فهم, بعدها سأله :
– في مين يابني, مش قلت لك قبل كده ملك لسه صغيرة وهتكمل تعليمها الأول ! وبعدين أنا مش مستريح لجو شكله بتاع بنات وزير نساء, لا ياعم ماعندناش بنات للجواز .
شعر (آدم) بالغيظ فقال :
– تصدق الرصاصة غلطت فيك كان المفروض تيجي في لسانك .
ضحك (أدهم) لثوان ثم تأوه فتغيرت تعابير (آدم) للقلق وهتف :
– ايه مالك ؟
تماسك (أدهم) وابتسم وهو يجيب :
– مفيش واحد رخم بيضحكني وفي جرح ورصاصة ودم بقى وكده .
اغتاظ (آدم) وقال :
– ايه ياعم مفيش غير الجملة دي ؟ غيرها .
تظاهر (أدهم) بالتفكير لثوان ثم عاد يقول :
– طيب خد دي, في دم وجرح ورصاصة حلو التغيير ده .
داعبه (آدم) :
– حلو أوي .
ثم ظهرت الجدية على وجهه مرة أخرى وقال :
– باكلمك جد .
عقد (أدهم) حاجبيه في عدم فهم وسأله :
– مني في مين مش فاهم ؟؟ هو أنا عندي غير ملك ؟
شعر (آدم) بالغيظ مرة أخرى وهتف فيه :
– يابني ما تركز, مش إنت جوز جمانة برده ولا ايه ؟
ابتسم و رد :
– ولا ايه ؟
قال (آدم) في حنق :
– يا بارد يا تلاجة .
عاد يضحك مرة أخرى أعقبها بتأوه لكنه تماسك وقال في جدية :
– خلاص خلاص, نتكلم جد, ها هات اللي عندك .
جلس (آدم) إلى جواره وقال :
– أنا طالب إيد لميا .
ظهرت الدهشة على وجه (أدهم) وصمت لثوان ثم عاد يقول :
– بس إنت فاجأتني .
كاد (آدم) يلقي في وجهه بوسادة لولا أن هتف وهو يرفع ذراعيه أمام وجهه هاتفا :
– خلاص خلاص .
نظر إليه أخيه في غيظ, فصمت قليلا يفكر, ثم قال :
– طيب عاوز مني ايه ؟ أكلمها ؟
تنهد (آدم) وهتف :
– يارب صبرني, يابني خلي مراتك تلمح لها كده وشوف .
رد (أدهم) :
– امممممم مش عارف, يعني ليه اخدمك يعني لما ممكن أغلس عليك وأضايقك .
رد (آدم) بغضب مصطنع وهو يتحرك متجها للخارج :
– تصدق أنا غلطان إني عملتك راجل العيلة وجاي اتكلم معاك بجد .
أمسكه (أدهم) بسرعة من يده وقال :
– خلاص ياحِمئي, تعالى هنتكلم جد .
التفت إليه (آدم) ولم ينطق, فقال له :
– طيب سؤال, إنت مش شايف إن الموضوع جه فجأة ؟ يعني بقى لي كم شهر متجوز جمانة إنت ماتعرفش حاجة عن لميا غير يادوب الكم يوم اللي فاتوا وتدخل على جواز كده ؟ لاحظ كمان إنها لسه خارجة من تجربة صعبة من شهور بسيطة, يعني مش سهل نفاتحها في موضوع زي ده .
جلس (آدم) إلى جواره مرة أخرى و قال :
– شوف يا أدهم إنت عارف إني واحد دوغري, لا بتاع لف ودوران ولا تسبيل والكلام الفاضي ده, مادام حطيت هدف يبقى اوصل له صح وبالطريق المستقيم, لا طرق ملتوية ولا شبابيك, ها قلت ايه ؟
سأله بجدية مرة أخرى :
– يعني إنت معجب بيها ؟ مش هأقول بتحبها ماشي .
رد بسرعة :
– جدا جدا, حاسس فيها بحاجات غريبة مش متعود عليها في الست الشرقية, انسانة صلبة وقوية, حنونة بشكل غير عادي, أحيانا تلاقيها طفلة وأحيان تانية تلاقيها عاملة زي أم لأختها, تشكيلة صفات عجيبة طلعت منها حاجة لازم تتحب .
تنهد (أدهم) وقال في لهجة حالمة :
– ها , وايه كمان ؟
نظر إليه في غيظ مرة أخرى وهتف :
– يا بارد إنت جاي من سيبيريا يابني ؟
ضحك مرة أخرى بخفوت وقال :
– والله يا أدوم الرصاصة بتاعتي دي عملت شغل, أمي حبت جمانة وإنت أعجبت بلميا, والدنيا آخر روقان, لو كنت أعرف كده كنت قلت لأبوكمال يطخني طخ من زمان .
ابتسم (آدم) ثم سأله :
– ها قلت ايه ؟
فكر (أدهم) لثوان أخرى ثم قال :
– يابني مش عارف أقولك ايه ؟ بس أصل في ناس متكلمين عليها وسبقوك .
كاد يضربه بالفعل لولا أن هتف :
– باتكلم جد يامجنون هتعمل ايه ؟
تراجع في دهشة وسأله :
– جد ؟ يا سلام ؟
أومأ برأسه إيجابا وقال :
– أيوة, قبلك حالا .
تطلع إليه (آدم) في شك ثم قال فجأة :
– المقدم حمزة ؟؟
شعر (أدهم) بالدهشة هو الآخر وسأله :
– عرفت منين ؟
شعر بالغيظ والغيرة وهو يجيب :
– باين عليه ياسيدي أصلا .
ضحك (أدهم) مرة أخرى وقال :
– بس إنت أخويا يا أدوم يعني لو فاتحناها في الموضوع هنجيب سيرتك بس يعني .
ابتسم (آدم) وسأله بلهفة :
– بجد ؟
رد يشاغبه :
– لا طبعا, من حقها تعرف وتختار .
مط شفتيه في حنق, حتى وإن تمنى ألا يخبرها أخيه عن الرجل الآخر فمن حقها أن تختار, لكن ماذا لو اختارته ؟ شعر بغضب يعتريه, هل يمكنها فعل ذلك ؟ قاطع (أدهم) أفكاره قائلا برفق :
– أدوم ماتقلقش, إن شاء الله خير, وبعدين إنت أخويا يابني يعني بونط زيادة .
سأله بتعجب :
– ليه يعني ؟
غمزه وهو يضحك :
– يعني جرح ورصاصة ودم وكده هههههههه .
ابتسم فجأة وهتف :
– إنت عارف إن دمها بيجري في عروقك ؟
اندهش (أدهم) وسأل بجدية :
– ايه ده بجد ؟
أومأ برأسه إيجابا وقال :
– أيوة, جمانة كانت عاوزة تديك بس كانت يومها تعبانة جدا وانا رفضت, كانت ممكن يجرى لها حاجة, ساعتها لميا قالت انها ممكن تتبرع لك لو نفس الفصيلة وفعلا اتبرعت لك بلتر كامل يا مفتري .
عقد (أدهم) حاجبيه لحظة ثم قال في غيرة :
– وإنت مهتم أوي جمانة تعبانة وأنا رفضت, ايه ياعم ما تخليك في حالك .
شعر بالغيظ للمرة المائة وقال :
– تصدق, كان المفروض أسيبها وتفوق إنت تلاقيها هي في غيبوبة .
ابتسم وقال :
– لا يا أدوم ده إنت حبيبي غيبوبة ايه بس, كفاية الرصاصة ….
قاطعه (آدم) بضحكة مرحة :
– أيوة والجرح والدم وكده, حفظتها .
ضحك هو الآخر ليختمها بتأوه مرة أخرى أثار قلق (آدم) فسأله :
– إنت الضحك بيتعبك للدرجة دي ؟
ابتسم (أدهم) وأجاب :
– يعني مش أوي, ماتضحكنيش بقى .
قال في حنان :
– ماشي بلاش ضحك .
اتسعت ابتسامة (أدهم) وهو يقول :
– ياحونين, كل ده بتجر ناعم عشان اللي بالي بالك ؟
ابتسم هو الآخر وقال :
– مشكلتك إنك فاهمني , ها, هاتخلي جمانة تكلمها ؟
فكر (أدهم) لثوان ثم هتف :
– طيب ماتكلمها إنت ؟ فاجأها وهوب قولها تتجوزيني ؟
ضحك (آدم) و غمغم :
– مجنون, هو أنا زيك ؟
(أدهم) متصنعا الحزن :
– بقى كده ؟
ربت (آدم) على كفه وقال :
– لا لا خلاص ماتزعلش, المهم تشوفني, ده أنا آدوم حبيبك .
تظاهر بالطيبة وهو يقول :
– طيب طيب عفونا عنك, هنشوف ونشاور البنت ونرد عليك .
ابتسم (آدم) ابتسامة واسعة وقال :
– متشكر اوي ياعمي, وإن شاء الله أبقى عند حسن ظن حضرتك .
أومأ (أدهم) برأسه في وقار وغمغم :
– أتعشم يا ابني, أتعشم .
ثم ضحكا سويا عندما دخلت (جمانة) للغرفة بصحبة شقيقتها والصغير (يوسف) وهي تقول :
– المقدم حمزة ده بجد إنسان ممتاز, ربنا يكرمه .
نظر (أدهم) و (آدم) لبعضهما البعض في غيظ وهتف (أدهم) في غيرة :
– ممتاز ليه يعني ؟
كان الرد من (لمياء) :
– يعني كان بيتكلم معانا ودي الأول قبل التحقيقات وخلافه وبيحاول يستنى لحد ماصحتك تتحسن للنهاية, غيره طبعا مش بيعملوا كده .
عادا ينظران لبعضهما البعض مرة أخرى والغيرة واضحة على وجه (أدهم) في مقابل الغيظ على وجه (آدم), مطت (جمانة) شفتيها في عدم فهم وصمتت .
جلسوا قليلا وجاء والديه وشقيقته لزيارته , كان سعيدا للغاية بالمودة الواضحة بين زوجته ووالدته, ويتطلع إليهما في حنان بابتسامة آسرة, بعد رحيلهم أتت إحدى الممرضات لتعطي (أدهم) أدويته في موعدها اليومي, خرجت (جمانة) لتتحدث في الهاتف وتطمئن على صغيرتها وعندما عادت وجدته يضحك في مرح والممرضة تكشف ذراعه لتحقنه بدواء ما, عقدت حاجبيها في غضب وهي تسمع الممرضة تقول في لهجة لم تعجبها :
– ها وجعتك ؟ انا ايدي خفيفة جدا على فكرة .
قالت (جمانة) في سرها ” وجع في قلبك, ايه السهوكة دي ؟ “, لمحها تنظر إليه في غيظ فقال بمرح :
– لا خالص, فعلا ماحسيتش بحاجة, تسلم ايدك .
بدت السعادة على وجه الممرضة وهي تتطلع إلى وجهه الوسيم وكتفيه العريضين ثم قالت بدلال :
– تحب أحلق لك دقنك ؟ شكلك ماحلقتش من كم يوم, لو مش قادر تحرك ايدك ؟
نظر نظرة جانبية أخرى لزوجته التي احمرت وجنتاها وبدى أنها ستهجم على رقبتها رأسها عن جسدها ثم قال بابتسامته الآسرة :
– لا لا, أنا مش باحلقها أصلا باسيبها كده .
البارت = 31=الآخير=
ابتسمت وقالت :
– فعلا كده أحلى .
أعطته قرصا من الدواء في فمه وتعمدت لمس شفتيه فعقد حاجبيه في ضيق لم تلحظه هي, ثم تراجع للخلف وهي تناوله كوبا من الماء قائلة :
– اتفضل, تحب أشربك ؟
وقبل أن ينطق كانت (جمانة) قد اكتفت فتدخلت قائلة في غضب :
– على فكرة هو ايده سليمة وبيعرف يمسك القرص ويمسك الكوباية .
انتفضت الممرضة في وجل وبدا على (أدهم) وكأنه يتسلى وينظر إليهما باستمتاع, التفتت بسرعة قائلة في توتر :
– أيوة يافندم عارفة بس أحيانا ممكن يكون الجرح بيتعبه ولا حاجة .
ردت (جمانة) في سخرية :
– والله فعلا, ممكن, معاكي حق .
ثم اقتربت منه وهو يتطلع إليها في صمت وخبث, وجلست إلى جواره وأمسكت بذراعه ثم حركته قائلة :
– أهو الحمد لله كويس مش بيوجعه .
التفتت بعدها إليه قائلة بصوت هامس :
– ايه ياحبيبي بيوجعك ؟
ابتسم لها ابتسامة واسعة وقال بهدوء :
– لا أبدا .
عادت تهمس :
– طيب ارفعه كده ؟ حاول تحطه على كتفي بس لوحدك شوف هتقدر ولا لا .
كان مستمتعا باللعبة للغاية فرفع ذراعه ببطء ووضعه على كتفها, اقتربت منه أكثر وقالت وهي تنظر إليها :
– الحمد لله طلع سليم .
توترت الممرضة وقالت بسرعة :
– الحمد لله, بعد إذنكم كده العلاج تمام .
ثم خرجت بسرعة من الغرفة, بعدها أبعدت (جمانة) ذراع زوجها والتفتت تتطلع إليه في حنق أما هو فانطلق يقهقه في مرح شديد زاد من غيظها, فهتفت :
– إنت بتهرج مش كده ؟ ماشي يا أدهم .
في تلك الليلة بعد رحيل الجميع كانت (جمانة) جالسة إلى جوار زوجها تطعمه بيدها في حنان, وهو يتطلع إليها في حب وابتسامة تعلو شفتيه, أنهت المهمة التي تصر على القيام بها على الرغم من استطاعته فعلها بنفسه لكنه يتركها من باب ( حد يلاقي دلع وما يدلعش ) , جلست أمامه قليلا تنظر إليه عندما سألها فجأة :
– هي لميا مش بتفكر في الجواز تاني ؟
اندهشت (جمانة) من سؤاله فصمتت لحظة ثم قالت :
– ليه بتسأل ؟
هز كتفيه وابتسم قائلا :
– جاي لها عريس .
علت الصدمة ملامحها هذه المرة, هتفت مشدوهة :
– عريس ؟
حافظ على ابتسامته وهي يجيب :
– الحقيقة عريسين .
ظلت تتطلع إليه في ذهول, ثم قفزت فجاة من فراشها لتجلس إلى جواره متطلعة إليه باهتمام وهي تسأل بسرعة :
– طيب احكيلي مين وامتى وازاي بسرعة ؟
ضحك في خفوت وهتف :
– ايه يامجنونة إنت بالراحة .
هتفت مرة أخرى :
– طيب طيب معلش احكي لي بقى بالتفاصيل المفصلة والمفسرة والمملة .
عاندها قائلا :
– لا .
تراجعت وهي تمط شفتيها كالأطفال وتهمس في حزن :
– كده ؟ ماشي .
ابتسم وقال :
– لا لا مااقدرش على كده, خلاص تعالي هاحكي لك بالتفاصيل المفصلة والمفسرة والمملة .
ابتسمت وأصغت إليه وهو يحدثها بجدية عن تقدم المقدم (حمزة) وأخيه (آدم) لخطبة شقيقتها, أنهى حديثه فابتسمت في سعادة وقالت :
– يعني دكتور آدم عاوز يتجوز لميا ؟
عقد حاجبيه في شك وأجاب :
– أمال أنا كنت بأقول ايه ؟
ابتسمت في صمت فسألها وهو يشعر بالغيرة :
– إنت مالك مبتسمة كده ليه ؟
أجابته :
– أبدا, دكتور آدم إنسان ممتاز وهيعوض لميا الألم اللي عاشته .
هتف في وجهها :
– نعم يا حلوة ؟ ممتاز وابتسامة وحونية, ايه ياحبيبتي لاحظي إنك قاعدة بتتكلمي مع جوزك .
تطلعت إليه في دهشة للحظات ثم ابتسمت وقال تشاغبه :
– آآآآه, معلش, نسيت إنك بتغير ع الحريم بتوعك .
عقد حاجبيه وقال :
– أيوة كويس إنك فاكرة, لو عملت كده تاني إنت حرة هيبقى لي تصرف تاني .
ضحكت وربتت على خده وهي تقول :
– لا لا, مش هاعمل كده تاني .
هز كتفيه وهو يقول :
– أيوة كده, المهم, ايه رأيك تلمحي لها ؟
فكرت للحظات, ثم قالت في شرود :
– اممممممم
زوى مابين حاجبيه وقال :
– ايه امممممم هو التلميح طعمه حلو ولا ايه ؟
ضحكت, ثم غمغمت :
– هاشوف, ولو اني مااضمنش رد فعلها, بس ربنا يسعدها, ويبقى خير إن شاء الله .
قال في حزم :
– قولي لها ع الاتنين, مش بس آدم .
ردت :
– أكيد .
تطلع إليها في صمت للحظات فشعرت بالخجل مما جعله يبتسم ويقول في مرح :
– هو احنا هنروح أمتى ؟
ضحكت في سعادة وقلبها ينبض بحبه ويقفز فرحا بعودته .
_______________________________
في اليوم التالي وفي مكتب المحامية (لمياء أبو الفتوح) جلس ذلك الشاب وهو يشعر بالارتباك, كان يرى أنه يقدم على خطوة حمقاء ليست من شيمه أبدا, لكنه وجد نفسه مدفوعا لاتخاذها خوفا من التأخر والانتظار, اتجه لسكرتيرتها في هدوء ووقف أمامها, لم تلتفت إليه فشعر بالضيق, تنحنح في ارتباك فرفعت عينين باردتين تجاهه في صمت منتظرة, قال في خفوت :
– ممكن أقابل أستاذة لميا ؟
سألت بعملية :
– حضرتك في ميعاد سابق ؟
أجاب في توتر :
– لا للأسف .
عادت تخفض عينيها منهية بذلك الحديث :
– لازم ميعاد سابق يافندم, أستاذة لميا مشغولة جدا, تقدر حضرتك تقابل حد من الأساتذة المحامين هنا وتعرض عليهم قضيتك .
شعر بالغضب, فقال في حزم :
– الموضوع شخصي .
رفعت عينيها إليه قائلة في برود :
– طيب يبقى مكانه مش المكتب يافندم .
قال بنفس اللهجة :
– طيب ممكن تبلغيها بالاسم لو سمحتي .
عقدت حاجبيها في ضيق وبدا عليها التأفف وهي تسأل رافعة سماعة الهاتف الداخلي للمكتب :
– طيب اسم حضرتك ايه ؟
أجاب بهدوء :
– آدم الحسيني .
حادثت مديرتها لتخبرها بالاسم والذي ما إن سمعته حتى سمحت بدخوله فورا, ابتسم هو في نوع من التشفي واتجه للمكتب, طرق الباب ثم فتحه ودخل تحمل شفتيه ابتسامة كبيرة تقابلها أخرى على شفتي (لمياء) وهي تقف مرحبة :
– اهلا دكتور آدم اتفضل.
وأشارت للمقعد أمام مكتبها فجلس عليه بهدوء وابتسامته لازالت تملأ وجهه, سألته بهدوء :
– ها تشرب ايه ؟
هز رأسه نفيا وقال :
– لا لا مالوش لزوم, أنا جاي في موضوع سريع وهامشي على طول .
أصرت :
– لا طبعا لازم تشرب حاجة .
عاد يبتسم وأجاب :
– اوك, نسكافيه .. بلاك .
ردت :
– تمام .
ثم طلبت قهوته ومشروبا باردا لنفسها, وتطلعت إليه في اهتمام ممتزج بالتساؤل جعله يتنحنح ويقول في ارتباك :
– مدام لميا الحقيقة مش عارف ابتدي منين, يمكن تصرفي دلوقتي مخالف تماما لفكري ومعتقداتي او حتى شخصيتي, بس أحيانا بتلاقي نفسك مضطر تعمل حاجة مخالفة لطباعك لمجرد الخوف من إن الحاجة اللي عاوزها تضيع منك .
عقدت حاجبيها ولم تفهم كما لم تتكلم, استطرد هو :
– امممم , هاكون سعيد جدا لو قبلتي تتجوزيني !
تراجعت في مقعدها فجأة شاعرة بالصدمة, ظلت تحدق فيه بصمت والحروف مجتمعة أعلى حلقها لا تستطيع الخروج , شعر هو بالخجل فأطرق برأسه أرضا وصمت, سمعها تقول :
– دكتور آدم, مش عارفة أقول لحضرتك ايه ؟
رفع عينيه إليها في لهفة وكاد يهتف ” قولي موافقة ” لكنه انتظر أن تتم حديثها فأكملت هي :
– الحقيقة حضرتك فاجأتني بطلبك, وطلبك …. حاجة مش بافكر فيها في الوقت الحالي أبدا .
شعر بالصدمة هو الآخر فاندفع يقول :
– مدام لميا من فضلك, خدي وقت وفكري, بلاش تردي بسرعة عادي تاخدي مهلة تفكري فيها وتستخيري وتستشيري .
أطرقت هي الأخرى برأسها أرضا وقبل أن تجيب طُرِق الباب ودخل منه عامل البوفيه يحمل صينية عليها قهوته السوداء ومشروبها البارد وضعها على المكتب أمامهما ثم انصرف, تطلع إليها في صمت يخالطه بعض الأمل, تنهدت ثم قالت في خفوت :
– دكتور آدم هأكون صريحة معاك, أنا لسه خارجة من تجرية بالنسبة لي كانت قاسية جدا, حرمان من غريزة اتولدت بيها بعدها حرمان من الشخص اللي تساهلت في حرماني من أمومتي عشانه, بطعنة غدر, حاجات كتير انكسرت جوايا وسببت لي آلام مالهاش عدد, حاجات تخليني ما عنديش أدنى استعداد للارتباط بأي حد, ع الأقل في الوقت الحالي, يمكن الحاجات دي تتغير بعدين ويمكن تفضل موجودة معايا للأبد, للأسف انا باحترم حضرتك جدا وطلبك أكيد بأقدره, لكن مش هاقدر أقبله .
أنهت كلامها ثم صمتت, لم يدر ما يقول, كان يريد مجابهتها والإصرار على مطلبه, لكن جرحها الذي رآه ينزف أمامه منعه, وألزمه رداء الصمت احتراما لوجع تعانيه, بالفعل زاد تقديره لها وشعر أنها هي, هي المناسبة له وربما عوضها ابنه قطعة من الحرمان الذي عاشته ولا زالت تعيشه, فكر لدقيقة أو أكثر ثم كان صوته حازما حنونا في مزيج مدهش وهو يقول :
– على فكرة, أنا مش ملول, وصبري لأبعد حد, خدي وقتك في التفكير وأنا مش مستعجل, شهر اتنين سنة او اتنين, أنا منتظر, مش سهل تلاقي حد تكون عارف ومتأكد إن هو ده اللي بيكملك, ولما تلاقيه مستحيل تقدر أو تجرؤ إنك تسيبه يضيع من إيدك أيا كان السبب, أنا اتعودت دايما إني احط هدف قدامي وأكون عارف إني هأقدر أحققه, دايما أهدافي بأكون عارف إني هاوصلها حتى لو اتأخرت شوية …. وإنت هدفي الجديد, أنا هافضل منتظر موافقتك وخدي كل الوقت اللي تحتاجيه, لأني مش هاتنازل عن هدفي اللي هو إنتِ أبدا .
كانت تتطلع إليه في دهشة, لم تستطع الرد, أما هو فأنهى حديثه ومنحها ابتسامة حنون, تاركا بصمة على جدار ألمها وانصرف , انصرف على وعد بلقاء جديد, وعد لم ينطقه بلسانه, إنما عبرت عنه كلماته التي ظلت تحلق في سماء عقلها حتى بعد أن رحل من أمام ناظريها .
_____________________________
مر شهرين استعاد فيهما (أدهم) كامل طاقته وعاد لممارسة حياته بشكل طبيعي, عاد لعمله مع أخيه الذي كان يحاول باستمرار هدم سور الانكسار وجدران الألم المحيطة بالمرأة التي يراها تسد نقاط ضعفه وتكمل نقصانه, ظل دوما يحاول معها وشقيقتها تحاول ومازال هو على وعد بالصبر والانتظار على أمل مهما طال الوقت .
وفي يوم كانت (جمانة) واقفة في مطبخها تفكر في زوجها وهي تطهو له الطعام وتضع لمساتها المميزة وكأنه صغيرها لتسعده, أما (أدهم) فقد كان جالسا يتابع أحد أفلام الكرتون ويضحك مع (ملك) و تبدو سعيدة للغاية وهي تحتضن دميتها عندما سمع صوت (جمانة) تناديه فذهب إليها, وجدها تستند إلى حوض المطبخ ويبدو عليها الإعياء, فاندفع نحوها هاتفا في لهفة :
– ايه مالك يا جمانة ؟
تنحنحت وقالت في إعياء :
– مش عارفة دخت فجأة وأنا باطبخ وبعدين حسيت بقرف فظيع ووجع في معدتي, مش قادرة أكمل يا أدهم .
أسندها وهو يخرجها من المطبخ وقال :
– طيب يا ستي خلاص ما حبكش طبيخ, تعالي استريحي ونبقى نجيب أي حاجة من برا.
أومأت برأسها وهي تسير معه ثم سألته :
– هتجيب ايه ؟ عشان ملك ؟
فكر لثوان ثم قال في خبث :
– امممم ايه رأيك نجيب بيتزا .. سي فوود ؟
توقفت تنظر إليه ثم ضحكت وهي تقول :
– برده سي فوود ؟ ايه مش بتزهق ؟
اقترب منها وقال يداعبها :
– لا طبعا أزهق إزاي يعني ؟
لكنها تراجعت للخلف وردت :
– لا بلاش سي فوود بطني بتوجعني .
رفع حاجبيه وتساءل :
– الله وايه علاقة بطنك بالموضوع ؟
قالت بمشاغبة :
– سي فوود لا .
جذبها من يدها واتجه نحو (ملك) ثم سألها :
– ملوكة تاكلي بيتزا ؟ بالجمبري امممممممم ؟
ابتسمت الصغيرة في فرح وقالت :
– بيتزا أيوة باحبها .
التفت لزوجته وهتف :
– شفتي حتى ملك بتحبها, ده إدمان يابنتي, إدمان .
تنهدت في استسلام وقالت :
– خلاص سي فوود سي فوود وأمري لله .
ضمها إليه وهو يضحك ثم قال :
– أيوة كده أحبك وانت مؤدب وبتسمع الكلام .
بادلته ضحكته وانتظروا سويا حتى وصل الطعام فجلسوا يأكلون, وبعد أن أكلت (جمانة) بضع لقيمات شعرت بمعدتها تؤلمها للغاية وبرغبة شديدة في القيء فألقت الطعام من يدها وقامت مسرعة تجاه الحمام فقام يتبعها بقلق, رآها تفرغ معدتها فعقد حاجبيه وانتظر حتى انتهت فسألها :
– خير مالك يا جوجو ؟
ردت في إعياء وهي تستند للحوض :
– مش عارفة يا أدهم معدتي فجأة وجعتني وماقدرتش استحمل الأكل.
اقترب منها قائلا :
– طيب تعالي اقعدي, وكمان شوية نروح للدكتورة نشوف معدتك مالها.
قالت بسرعة :
– لا لا مالوش داعي أنا شكلي بس أخدت برد فيها ومحتاجة أنام شوية .
جاءها رده حاسما :
– خلاص استريحي دلوقتي وبعدين هننزل للدكتورة ضروري .
عادت تمانع :
– يا أدهم مالوش …
لكنه قاطعها :
– شششششش هنروح كمان شوية, روحي استريحي .
عادت تتنهد في استسلام عندما رن هاتفه الجوال فاتجه إليه ونظر ليجد أخيه (آدم), ابتسم والتقط الهاتف ورد :
– آدوم, السلام عليكم .. عامل ايه ؟ لا تاني ؟ يابني مش هينفع النهاردة … طيب خلصهم إنت … لا مش هاقدر … ايوة جمانة تعبانة شوية وهنروح للدكتور .
لاحظ إشارتها له من بعيد فنظر إليها في صرامة وأشار لها بالصمت ثم عاد يقول :
– صدقني مش هينفع … طيب يعني هتروح لوحدها ؟ … اممممم خلاص خلاص هاشوف وارد عليك … تمام .. ماشي ماشي خلاص بقى … بيتزا سي فوود تاكل ؟ …. ههههههههههههه خليك في حالك يابني .. ماشي سلام بقى .
سألته :
– خير ؟
رد :
– آدم عاوزني أرجع الشركة عشان في ورق مهم لازم نراجعه النهاردة ونخلصه ضروري وهيتسلم الصبح .
قالت :
– طيب خلاص روح .
عقد حاجبيه وقال :
– والدكتورة .
هزت رأسها وهي تهتف :
-انا كويسة صدقني بس هادفي بطني وانام شوية .
أصر على رأيه قائلا :
– لا هتروحي يعني هتروحي, كلمي لميا خليها تيجي معاكي يا إما هاكبر دماغي وآجي معاكي أنا .
قالت بسرعة :
– خلاص خلاص هاكلمها وأمري لله.
وعاد (أدهم) للشركة وذهبت هي للطبيبة مع شقيقتها, تأخر هو في العمل حتى شعر بالإرهاق فأغلق الملف أمامه وقال لأخيه :
– آدم كفاية بقى أنا تعبت بجد وبعدين عاوز أطمن على جمانة, يلا نروح.
داعبه أخيه قائلا في خبث :
– أيوة ياعم عندك اللي تطمن عليهم ويطمنوا عليك, مش زينا غلبانين مقهورين .
هتف يغيظه :
– إيه ياعم وصلة القر دي, وانا اقول البنت تعبت ليه اتاري ! روح اتجوز يابني وخلينا في حالنا.
هتف :
– هو أنا قلت لا, كلموهالي خلوها توافق وانا اتجوز من بكرة .
ضحك (أدهم) وقال بمرح :
– ياعيني ع الحلو لما تبهدله الأيام !
رد بغيظ :
– أيوة دلوقتي شمتان في عشان متبهدل كده ؟ ماشي ماشي الله يرحم أيام زمان .
استمر (أدهم) في الضحك فقذفه (آدم) بقلم كان في يده جعله يهتف :
– ايه ده ؟ بالقلم كمان يا آدم, بقى كده ؟
ضحك وقال :
– أيوة كده عشان تبقى تشمت فيا.
قبل أن يرد ارتفع رنين هاتفه يعلن عن وصول رسالة قصيرة, عقد حاجبيه في استغراب ثم التقطه ليجد رسالة زوجته المختصرة ” أدهم أنا تعبانة اوي, إنت اتأخرت ليه ؟”, نهض بسرعة من مقعده وهو يكاد يجن وهتف في أخيه :
– آدم انا هامشي, جمانة الظاهر تعبت بزيادة .
شعر (آدم) هو الآخر بالقلق فقال :
– ياخبر, طيب ابقى طمني .
اومأ برأسه وهو يلتقط مفاتيح سيارته ويخرج بسرعة للحاق بحبيبته, وصل المنزل ليجد الصمت والهدوء في مقابله, كان طوال الطريق يحاول الاتصال بها لكن هاتفها كان مغلقا وكان هذا يعتصره قلقا, اتجه من فوره النوم فوجدها نائمة في عمق, ذهب إليها وجلس إلى جوارها, ربت على كتفها برفق هامسا :
– جمانة حبيبتي, طمنيني ؟ عملتي ايه ومالك ؟ ايه الرسالة اللي بعتيهالي دي ؟
التفتت إليه بهدوء وقالت :
– أبدا مفيش ياحبيبي .
هتف :
– إنت صاحية ؟ طيب طمنيني الدكتورة قالت لك ايه ؟
ردت بأسى :
– الدكتورة قالت لي عندي حاجة غريبة علاجها هياخد مش أقل من 8 شهور .
سقط قلبه بين قدميه وهتف في لوعة :
– حاجة ايه ؟
مطت شفتيها في حزن :
– حاجة فظيعة عادة عند الستات بتيجي صغننة خالص وبعدين تفضل تكبر تكبر تكبر لحد ماتتضخم, تخلي الواحدة مش عارفة تتحرك أو تتنفس كويس أو تاكل وتشرب, لحد ما ربنا يريد .
عقد حاجبيه في عدم فهم وهو ينظر إليها في قلق, فضحكت فجأة وهي تهتف :
– ياربي يا أدهم ! للدرجة دي الموضوع صعب ومش قادر تخمن ؟
تراجع في دهشة وهي لاتزال تضحك وهو على صمته وعدم فهمه, حتى هزت رأسها وأخذت كفه ووضعته على بطنها برفق :
– سلم على ابنك, أنا حامل .
بدلا من تخف دهشته ازدادت حتى باتت للذهول أقرب وهي تنظر إليه في تعجب, ثم وكأنما أفاق فجاة من الصدمة هتف :
– حاااامل ؟
ابتسمت وهي تومئ برأسها في صمت, في اللحظة التالية كان وجهه لوحة ممتازة لمشاعر غريبة متخلطة, فرح, دهشة, ذهول, ابتسامة رائعة علت شفتيه ثم ضمها لصدره فجأة وهو يهمس :
– حامل ؟
استغربت ترديده للكلمة فهمست عند قلبه :
– أيوة .
عاد يبعدها عنه ويقول في غيظ :
– وتجيبيني مخضوض وسايق زي المجنون وتقوليلي حاجة وبتكبر, أعمل فيكي ايه دلوقتي ؟
ابتسمت وردت :
– حبني اكتر .
ابتعدت عنه في دلال وقالت :
– لا مفيش, ممنوع .
اتسعت عيناه وتساءل في :
– ممنوع ؟ هو ايه اللي ممنوع ؟ يعني ايه ممنوع ؟ ممنوع إزاي يعني ؟ إنت بتهزري ؟ ولا بتستهبلي ؟
أوقفته ضاحكة :
هتف :
– نعم, ده جاي عليَّ بخسارة بقى .
أومأت برأسها إيجابا وقالت :
– أيوة, وبعدين ماهو إنت السبب, يعني هو جه لوحده ؟
زم شفتيه في غضب طفولي أضحكها ثم قال :
– يعني هنبطل السي فوود ؟
ضحكت مرة أخرى فهتف بها :
– بطلي ضحك بقى, مش فهمتك قبل كده ضحكتك بتعمل فيا ايه ؟
ردت بابتسامة مشاغبة :
– أيوة, بتخليك مجنون, وانا عاوزاك دايما مجنون .
طول ما أنا معاك .
ضمها لصدره بحنان, وفي خياله رسم مستقبل أسرته الصغيرة وحلم بطفله الذي ينمو بالقرب من روحه ويشاركها نبضه .
تمت بحمد الله
