
# الحلقة الأولى
### بقلم: عفت بشندي
جريت تقى على أوضتها… وهي مش مصدقة اللي حصل.
معقول إنها عاشت لحظة زي دي؟
هي فعلًا لحظة… بس لحظة ممكن تغيّر عمرها كله… وتغيّر كل حاجة بينها وبين أدهم.
أدهم…
مش معقول… مش معقول!
دماغها كانت مليانة أسئلة، وفجأة افتكرت كل سنين عمرها معاه.
من أول ما فتحت عينيها على الدنيا، كان أدهم أقرب حد ليها.
أخوها وصاحبها… رغم إنه ابن خالها، لكنهم اتربوا في بيت واحد، وما كانتش تعرف حد أقرب منه.
هما عايشين في القاهرة، آه… لكن لسه محافظين على قواعد الصعيد، وده طبعًا تحت رعاية جدها.
جدها كان شخصية عجيبة جدًا.
قدر يخليهم يلتزموا بعادات وتقاليد الصعيد وهما في مصر. كان شديد جدًا، لكن الكل بيحبه. هيبته أساسها الحب والتقدير، خصوصًا إنه كان متفتح لأي تغييرات بتحصل في المجتمع.
عمل بيت كبير جمع فيه ولاده وأحفاده، كأنهم مدينة صغيرة.
كل أحفاده إخوات، وكل مراتات ولاده أخوات برده، والكل بيتحرك في البيت بنظام واضح وتحت كلمته.
وكانت تقى أقرب حد ليه.
هو ما كانش عنده بنات غير مامتها، وكان بيحب تقى بشكل خاص جدًا، وكمان جوز بنته كان قريب منه، لأنه ما كانش قادر يبعدها عنه.
لكن إرادة ربنا كانت إنها تموت وهي بتولد تقى.
ومن وقتها، انتقل حب الجد لحفيدته… بس أضعاف مضاعفة.
ورغم كل الحب ده، تقى ما كانتش تعرف تقول له غير:
“حاضر يا جدو.”
هو ده كان قانون جدها مع الكل.
وطبعًا، زي عادة جدها وأخوالها وباباها، حياتهم كانت عبارة عن شغل.
جدها عمل إمبراطورية كبيرة، وكل واحد في العيلة كان جزء منها، عايش للشغل ومستقبله.
وحتى ولاد أخوالها، لما كبروا، اتحولوا لأجزاء أساسية في منظومة العيلة.
الوحيد اللي خرج من الإمبراطورية دي كان أدهم.
ما كانش ليه في شغل العيلة.
دخل طب، ودرس موسيقى، وكان عنده شخصية مستقلة وقدرة غريبة على الإقناع، خلت جده ما يرفضش تمرده ده.
بالعكس…
ساعده ووقف جنبه، وحتى خلاه يسافر بره عشان يزود علمه وخبرته.
تقى كانت متعلقة بأدهم بشكل كبير.
ما كانتش بتاخد خطوة إلا لما تعرف رأيه.
ومعاه، كانت بتحس إنها مطمنة.
أدهم ما كانش عنده إخوات، وتقى كانت أخته وأقرب صاحبة ليه.
ورغم إنها كانت مشاكسة ولمضة وبتحب المقالب، وهو كان عنده شخصية حازمة ورثها عن جده، إلا إن تقى كانت بتخليه ينسى كل ده، ويتعامل معاها كأنها لسه طفلة.
ولما سافر أمريكا، تعبت جدًا وحست بوحدة رهيبة.
لكن طبعًا، مصلحته ومستقبله كانوا أهم.
سافر سنتين.
ولما رجع، اتفاجئ بتقى الجديدة.
اتغيرت… وعقلت… واتحجبت.
لكن أول ما شافته، رجعت الطفلة القديمة تاني.
دخلت تقى الجامعة، وبدأت تشوف ناس وتتعامل مع شخصيات غير أدهم وقرايبها اللي حياتهم كلها شغل.
هي بطبيعتها اجتماعية، فاتعرفت بزمايل كتير، بنات وولاد.
لكن كانت دايمًا ترجع من الجامعة وتحكي لأدهم كل حاجة حصلت معاها.
وكان هو مبسوط إنها بتشاركه تفاصيل يومها، لكن في نفس الوقت كان خايف عليها.
وعشان كده كان بيروح لها كتير.
وصاحبات تقى اتجننوا بيه.
وسيم، شيك، دكتور شاطر، ناجح، ومن عيلة كبيرة…
عريس ممتاز من الآخر.
وطبعًا كانوا بيقربوا من تقى عشان يتعرفوا عليه.
وهي كانت بتتمنظر عليهم:
“ما أنا أخت العريس!”
وكل يوم تقول له:
“جبتلك واحدة يا أبو الأداهيم.”
فيرد عليها:
“وأنا أبص على صحابك ليه؟ أنا عاوز واحدة هادية وشعرها طويل وشخصيتها تقيلة.”
فترد عليه:
“مش زي صحابك اللي بيجروا وراك يعني!”
وكانت تقول له:
“جوازتك على إيدي يا أبو الأداهيم. هجيبلك واحدة مناسبة ليك.”
ولأن أدهم كان بالنسبة لها مثل وقدوة، كانت رافضة فكرة الجواز أصلًا، عشان تكمل ماجستير ودكتوراه.
وهو كان مقتنع إن ده مجرد تهرب منها، وإنها لسه صغيرة ومش هتلاقي بسهولة حد يناسب شخصيتها.
وكان أول ما يقول لها الكلام ده، تبدأ معاه خناقة كوميدية، وتفضل تجري وراه في البيت، وهو يموت من الضحك عليها.
من سبع شهور…
أدهم اتغير.
ما بقاش يتكلم مع حد.
حتى تقى.
وبقى ياخد نبطشيات كتير، وكأنه بيهرب من البيت.
أسبوع بحاله تقريبًا كان مختفي.
وتقى مستغربة.
ده مش طبعه، وخصوصًا معاها.
حتى تليفونه ما كانش بيرد عليه.
آخر ما زهقت، راحت له المستشفى.
طبعًا كانت جريئة جدًا وهي بتعمل كده، وكانت واثقة إنه هيزعق لها لو شافها هناك، لكن ما كانش قدامها حل تاني.
شافها…
وكان كأنه متوقع إنها تيجي.
كان مختلف.
لدرجة إنها ما قدرتش تتكلم.
خرج من باب المستشفى، وما قالش حاجة.
فتح العربية وركب، وركبت جنبه.
أخدها على كافيه هادي مفتوح على النيل.
بدأت هي الكلام:
– هو ده اسمه إيه بقى؟
سكت.
فكملت:
– مالك يا أبو الأداهيم؟ لو متضايق أو زعلان تعالى احكي لأختك. بس تبعد وتبقى بالشكل ده ما ينفعش.
بصلها وقال:
– عاوزاني أقولك إيه؟
– تقول لي مالك… أزمة عاطفية مثلًا؟ طب قول وأنا أساعدك. حد ضايقك؟ قول وأنا أتصرف. بس فضفض.
سكت شوية…
وبعدين بص في عينيها وقال:
– تقى… تتجوزيني؟
سكتت لحظات، وبعدين قالت باستغراب:
– إيه ده؟ هو إنت تعبان ولا إيه؟ طب بذمتك ترضاهالي؟
اتنهد وقال:
– بطلي هزار لما أكون بتكلم جد.
– خلاص ما تتعصبش… بس استنى أفهم.
– الإجابة؟
بصت له وقالت:
– لا.
سكت شوية.
وبعدين قال:
– طب وإذا كان لازم نتجوز… وده قرار نهائي من قرارات جدك، يا ترى هتفضلي تهزري برده؟
سكتت تقى.
وبعدها سألته:
– مين قالك؟
– محدش. كنت رايح لبابا المكتب، وسمعته بيتكلم مع باباكي. وبيقوله: لو حد من الاتنين رفض، وده أكيد هيبقى كارثة، العيلة ممكن تتفرق… ده غير غضب جدو لو حد فكر يناقشه.
– طب وإشمعنى أنا وإنت؟
– عشان جدو عاوز يطمن عليكي… وأنا وإنت أقرب حد ليه، وواثق فيا.
– مممم…
جت القهوة السادة اللي طلبها أدهم.
شرب منها وهو سرحان.
وكان حاسس إنه غلط لما حكى لتقى.
قال:
– تقى…
قاطعته:
– هنتجوز يا أدهم.
رفع عينيه لها:
– نعم؟ إنتِ بتتكلمي بجد؟
– فكر فيها بالعقل. مفيش غير كده. ما ينفعش ترفضني، ولا ينفع أرفضك. وما نقدرش نناقش جدو، وإنت وأنا عارفين إن أي قرار بيطلعه بيكون محسوم.
سكت أدهم.
فكملت:
– وهتبقى كارثة لبابا وخالو لو الموضوع اتصعد. يبقى مفيش حل غير كده.
– مممم… معاكي حق. بس أنا وإنت؟ طب إزاي؟
– هنتجوز رسميًا قدام العيلة، وبعدها نتصرف في حياتنا بهدوء. وإحنا أصلًا عايشين في بيت واحد، مش هيتغير علينا كتير.
– طب وبعدين يا فالحة؟
– وبعدين نفكر بهدوء. لو اكتشفنا إننا مش مناسبين، نشوف حل وقتها.
– وجدو هيسكت؟
– هندور على طريقة وقتها.
وبعدين قالت بسرعة:
– لا، والأهم إن إنت اللي هتطلبني. ما تستناش هما اللي يقولوا لك.
– نعم؟
– هتقول لهم إنك موافق وعاوزني، وإنك شايف إننا أنسب اتنين لبعض.
– بس ده مش منطقي. إحنا طول عمرنا إخوات وأصحاب. مش هيقتنعوا بسهولة.
– إنت هتعرف تقنعهم. وحكاية إننا اتربينا سوا، مش معناها إن حياتنا لازم تفضل زي ما هي للأبد.
– الموضوع مش هزار يا تقى… ده جواز.
– عارفة.
سكتت لحظة، وبعدين قالت:
– بس تخيل لو ما وافقناش… إيه اللي ممكن يحصل؟ وإنت عارف إن كلامي صح. عمومًا فكر، ولو عندك حل تاني قول لي.
– مممم… للأسف مفيش حل واضح.
– يبقى فكر.
قامت تقى ومشيت، وسابته مكانه.
وأدهم فضل قاعد محتار.
مش لاقي أي حل.
وكلام تقى كان بيلف في دماغه.
لأول مرة، بدأ يسأل نفسه:
هل ممكن تكون تقى… هي الحل؟
ولا تكون هي المشكلة اللي هتغير حياته كلها؟
# الحلقة الثانية
### بقلم: عفت بشندي
الفرح عمّ البيت كله لما اتقدم أدهم لتقى.
الكل كان فرحان، وكأنهم كانوا متوقعين القرار من زمان.
وبدأت الاتفاقات على كتب الكتاب والفرح والتجهيزات.
تقى كانت عاملة نفسها فرحانة ومكسوفة، لكن من جواها كانت تايهة، ومش عارفة الأيام واخداها على فين.
أما أدهم، فشغلوه في الترتيبات.
وخلال أيام قليلة، جه يوم كتب الكتاب.
كانت تقى جميلة بشكل مختلف في اليوم ده.
لأول مرة تظهر قدام العيلة بإطلالة أنثوية هادية، ولأول مرة تحط ماكياج، لكنه كان بسيط ورقيق جدًا.
كانت شبه الملكة.
وأدهم كان شبه الأمير.
بدلته زادت من هيبته ووسامته وشياكته، وعلى وشه ابتسامة غامضة، كأن حتى هو مش فاهم إيه اللي بيحصل جواه.
كتبوا الكتاب.
وجسم تقى كله كان بيرتعش وهي بتمضي اسمها.
مجرد كتابة اسمها كانت لحظة فارقة بالنسبة لها.
لحظة بتحس فيها إن حياتها دخلت مرحلة جديدة تمامًا.
قالت لنفسها:
“يا ترى الرعشة دي بسبب الموقف بس؟ طب لو كان إحساسي حقيقي… كان هيبقى عامل إزاي؟”
خلص كتب الكتاب.
وبدأت مرحلة جديدة في حياة تقى وأدهم.
مرحلة ما بعد الزواج.
رغم قربهم من بعض طول السنين اللي فاتت، إلا إن علاقتهم كانت دايمًا في إطار الأخوة والصداقة.
لكن بعد كتب الكتاب، بقى المفروض إنهم يتعاملوا كزوجين قدام العيلة.
أدهم نفسه كان مش متخيل.
كان كأنه بينفذ كل اللي بيتقال له من غير ما يستوعب الصورة كاملة.
ولما شاف تقى في يومها الكبير، وقف للحظات مش قادر يصدق التغيير اللي حصل فيها.
طلبوا منه يقرب منها.
لكن تقى، بطريقتها المعتادة، قررت تهرب من الموقف بالضحك.
جريت على جدها وقالت:
– أبدًااا… لا يمكن يحصل! جدي ينقذني!
ضحك الجد وقال:
– مالك يا بنتي؟
– بيقولوا لي لازم أقف جنب أدهم قدام الناس… وأنا مكسوفة!
الجد ضحك من قلبه، وضمها بحنان.
ولأول مرة، ظهرت الدموع في عينيه من شدة فرحته بحفيدته.
حضنته تقى وقالت:
– ده كله يا جدو عشان خايف عليا؟ متقلقش، أنا طول عمري بنتك.
ابتسم الجد، ومسح على رأسها.
وبعدها شغّلوا أغنية هادية.
راحت تقى أخدت جدها ورقصت معاه.
وبعدين رقصت مع باباها وخالها.
لكن في النهاية، لقت نفسها واقفة قدام أدهم.
وبدون ما تحس، بقت قريبة منه.
استغربت الوضع جدًا…
وهو كمان.
وبص لها وقال:
– إنتِ كنتِ حلوة ومخبّية عليا ولا إيه؟
ضحكت وقالت:
– نعم يا خويا؟ اسكت وخلي الليلة تعدي.
– لا، فوقي لنفسك… إنتِ بقيتي مراتي.
– مراتك في عينك! اصحى لنفسك يا أبو الأداهيم. إحنا دافنين حاجات كتير مع بعض.
ضحك وقال:
– حتى لو، أنا جوزك دلوقتي… وكلامي يتسمع.
– أول حاجة، بلاش أبو الأداهيم دي.
– يا بنتي ده اسمي خلاص.
– أمال هتتبرى من اسمك؟
– وأنا اللي كنت ناوي أقول لك كلمتين حلوين يا زئردة.
– طب بذمتك، في راجل محترم يقول لمراته “يا زئردة”؟
– طب إنتِ مصدقة نفسك في حكاية المزة دي؟
ضحكت.
فقال:
– نتفق اتفاق. أنا أبطل أقول لك زئردة، وإنتِ تبطلي أبو الأداهيم.
– طب هتقول لي إيه؟
ابتسم وقال:
– هقول لك… تقى.
– وأنا هقول لك برده يا أبو الأداهيم.
ضحك الاثنان.
وانتهت الأغنية.
البنات أخدوا تقى وفضلوا يسألوها:
– شكلكوا كنتوا منسجمين جدًا… كنتوا بتقولوا لبعض إيه؟
بصت لهم تقى وضحكت.
وفي الناحية التانية، كان الشباب حوالي أدهم، وكل واحد فيهم بيهزر معاه بطريقته.
مرت الليلة.
وفي الصباح، صحيت تقى تدور عليه.
ما لقيتهوش.
سألت عنه، فعرفت إنه خرج بدري وما فطرش.
اتصلت بيه.
– أيوة يا تقى.
– هتسافر إمتى؟
– بعد ساعتين.
– مش هتعدي تاخد الشنطة؟
– أخدتها معايا في العربية.
– طب مش هتودعني؟
– كنتِ نايمة، خفت أقلقك.
– هتتأخر؟
– هاجي الجمعة.
– أجي أخدك من المطار؟
– متتعبيش نفسك.
سكتت لحظة.
وبعدين قالت:
– أدهم… للدرجة دي مش طايقني؟
رد بهدوء:
– عاوزك تاخدي وقتك… وتقرري.
– خلاص يا أدهم، اللي تشوفه.
– لا إله إلا الله.
– سيدنا محمد رسول الله.
وقفلوا المكالمة.
فضلت تقى واقفة مكانها شوية.
كان عندها إحساس غريب.
لأول مرة، المسافة بينها وبين أدهم بقت أكبر من مجرد باب أو أوضة أو بيت.
المسافة بقت في القلب.
وأدهم، وهو في طريقه للمطار، كان عنده سؤال واحد:
هل تقى فعلًا هتقدر تشوفه كرجل وكمسؤول عنها…
ولا هتفضل شايفاه أخوها وصاحب طفولتها؟
أما تقى، فكانت بتسأل نفسها سؤال أصعب:
“أنا ليه مش قادرة أتخيل حياتي من غيره؟”
# الحلقة الجديدة
### بقلم: عفت بشندي
عدت الأيام في بيت أدهم وتقى، وكل يوم كان بيأكد لهم إن حياتهم مع بعض ما كانتش مجرد قرار اتفرض عليهم.
ديجا كانت واخدة البيت كله حركة.
من أول ما تصحى وهي بتجري من أوضة لأوضة، وتفتح الأدراج، وتسأل عن حاجات محدش يعرف هي عاوزاها ليه.
وتقى كانت بتجري وراها وهي بتقول:
– ديجا! استني يا بنتي!
فتستخبى البنت ورا أدهم:
– بابا… ماما هتزعقلي.
يبص أدهم لتقى ويقول:
– حرام عليكي، دي لسه صغيرة.
– صغيرة إيه؟ دي عاملة في البيت انقلاب من الصبح.
– دي بنتي.
– وبنتي أنا كمان.
– أمال بتزعقي لها ليه؟
– عشان طالعة نسخة منك.
– يبقى المفروض تفرحي.
– لا، كفاية نسخة واحدة منك في البيت.
كان يضحك، وهي تحاول تفضل محافظة على وشها الجاد، لكن في الآخر تضحك هي كمان.
—
في يوم، كان أدهم راجع من شغله متأخر.
دخل البيت، فاستغرب الهدوء.
نادى:
– تقى؟
مفيش رد.
– ديجا؟
سمع صوت خطوات صغيرة جاية من آخر الممر.
ظهرت ديجا وهي حاطة إيدها على بوقها عشان ما تضحكش.
بص لها أدهم:
– في إيه؟
هزت راسها وقالت:
– ماما زعلانة.
– منك؟
– لأ… منك.
رفع حاجبه:
– مني أنا؟
– آه.
– عملت إيه؟
قربت منه وقالت بصوت واطي:
– نسيت عيد جوازكم.
وقف أدهم مكانه.
– النهارده؟
هزت راسها.
حط إيده على جبينه:
– يا نهار أبيض!
ومن جوه الأوضة، جاء صوت تقى:
– سمعتك يا أستاذ!
دخل أدهم بسرعة.
لقاها قاعدة وبتحاول تعمل نفسها مش مهتمة.
قال:
– تقى…
– نعم؟
– أنا…
– ولا كلمة.
– بس اسمعيني.
– مش سامعة.
– والله كنت مضغوط.
– وأنا مالي؟
– طب بصي لي.
– مش باصة.
قرب منها وقال:
– طب أعمل إيه عشان تصالحي؟
بصت له أخيرًا وقالت:
– ولا حاجة.
– يعني إيه؟
– يعني افتكر لوحدك.
ابتسم.
– افتكرت.
– متأخر.
– بس افتكرت.
– خلاص.
– خلاص إيه؟
– مش زعلانة.
– بالسرعة دي؟
ضحكت:
– عشان عارفة إنك مش ناسي… إنت بس اتلخبطت.
مد إيده ليها، فبصت له وضحكت.
– كل سنة وإنتِ حبيبتي.
– وإنت بخير يا أبو الأداهيم.
– مش اتفقنا؟
– الاتفاق كان زمان… دلوقتي أنا مرتك وأقول اللي أنا عاوزاه.
ضحك:
– واضح إن الجواز شجعك.
– لأ… دي أنا من الأول.
—
في اليوم التالي، نزلوا كلهم بيت الجد.
كان البيت كعادته مليان ناس وحركة.
الأحفاد موجودين، والكل بيتكلم ويضحك.
الجد كان قاعد في مكانه المعتاد، ولما شاف ديجا جريت عليه، فتح لها ذراعيه.
– تعالي يا قلب جدك.
جريت عليه وقالت:
– جدو!
حضنها وقال:
– كبرتي يا بنتي.
تقى كانت واقفة بعيد، بتبص للمشهد بابتسامة.
أدهم قرب منها وقال:
– سرحانة في إيه؟
– في جدو.
– مالك؟
– فاكر أول مرة قال لي لازم أسمع كلامه؟
– إنتِ لسه فاكرة؟
– طبعًا.
ضحك:
– ده لو فضلتي فاكرة كل حاجة قالها، مش هتخلصي.
بصت له وقالت:
– عارف؟ رغم إنه كان شديد، أنا طول عمري كنت بحس بالأمان معاه.
– وأنا كمان.
سكتت شوية.
– يمكن عشان كده وافقت عليك.
بصلها باستغراب مصطنع:
– وافقتي عليا؟
– آه.
– يعني أنا اللي كنت مستني موافقتك؟
– طبعًا.
– يا بنتي ده أنا كنت فاكر إني أنا اللي اخترتك.
ضحكت:
– لأ يا حبيبي… أنا اللي اخترتك من زمان.
الجملة دي خلته يسكت.
وبص لها بنظرة مختلفة.
قال بهدوء:
– وأنا كمان.
—
بعدها بشهور، حصل شيء قلب البيت كله.
كانت تقى قاعدة مع ديجا، وأدهم في شغله.
رن تليفون تقى.
بصت للشاشة، وبعدها اتصلت بأدهم.
– ألو؟
– أيوة يا تقى.
– أدهم… تعالى.
صوتها كان مختلف.
– مالك؟
– تعالى بس.
– في إيه؟
– لما تيجي هقولك.
– خوفتيني.
– متخافش.
قفل أدهم، وقلبه بدأ يدق بسرعة.
رجع البيت بأسرع ما قدر.
دخل لقاها قاعدة، وديجا جنبها.
بصلها:
– خير؟
ابتسمت.
لكن عينيها كانوا مليانين دموع.
– أدهم…
– نعم؟
مدت له ورقة صغيرة.
بص لها، وبعدين بص لها.
– إيه دي؟
قالت وهي بتضحك وسط دموعها:
– اقرأ.
قرأ الورقة.
رفع عينيه لها.
– بجد؟
هزت راسها.
– بجد.
ابتسم أدهم بشكل ما شافتهوش من زمان.
قرب منها وقال:
– يعني…
– آه.
– ديجا هتبقى أخت كبيرة؟
صرخت ديجا:
– أنا هبقى أخت؟
ضحكوا هما الاتنين.
وأدهم حضن تقى وهو بيقول:
– ربنا يخليكي ليا.
قالت:
– ويخليك لينا.
وفي اللحظة دي، فهم أدهم إن البيت اللي كان زمان مجرد مكان بيجمع عيلة كبيرة…
بقى بالنسبة له وطن كامل.
زوجته.
بنته.
والطفل اللي جاي.
وكل الحكاية بدأت من بنت صغيرة كان شايفها أخته وصاحبته…
لحد ما اكتشف إنها كانت، من البداية، أقرب إنسانة لقلبه.
# الخاتمة
### بقلم: عفت بشندي
مرت الشهور بسرعة…
والبيت كله كان مستني اللحظة اللي هتدخل فيها روح جديدة بينهم.
ديجا كانت كل يوم تسأل:
– هو البيبي هييجي إمتى؟
فتضحك تقى وتقول:
– لما ربنا يريد يا حبيبتي.
فتبص لأدهم:
– بابا… خليه ييجي بسرعة.
يضحك أدهم:
– حاضر، هكلمه.
– وإنت بتكلم البيبي؟
– آه، بس مش بيرد عليا.
فتقول ديجا بمنتهى الجدية:
– عشان لسه صغير.
وتضحك تقى من قلبها.
—
وفي يوم، اتجمعوا كلهم في بيت الجد.
العيلة كلها كانت موجودة.
الجد قاعد في مكانه المعتاد، وحواليه أولاده وأحفاده.
ديجا كانت بتجري في البيت، وأدهم واقف جنب تقى، ماسك إيدها.
بص الجد لهم فترة طويلة، وبعدين ابتسم.
– تعالي يا تقى.
قربت منه.
– نعم يا جدو؟
مد إيده وحطها على رأسها بحنان.
– فاكرة زمان لما كنتِ دايمًا بتقولي حاضر؟
ضحكت:
– أيوه.
– كنت خايف عليكي من الدنيا.
بصت له بعينين مليانين حب.
– وأنا كنت عارفة إنك بتحبني.
بص لأدهم وقال:
– وإنت يا أدهم… خلي بالك منها.
ابتسم أدهم:
– دي في عيني يا جدو.
رد الجد:
– لأ… دي مش بس في عينك. دي في قلبك.
سكت أدهم.
وبص لتقى.
ابتسمت.
—
مرت سنة أخرى…
وكبر البيت أكتر.
ديجا بقت أخت كبيرة فعلًا، وأدهم بقى أب لطفلين.
وتقى، اللي كانت زمان بتحلم تكمل دراستها وتعيش حياتها بطريقتها، قدرت تحقق جزء كبير من أحلامها، من غير ما تخسر بيتها أو عيلتها.
وأدهم كمل شغله ودراسته، وفضل محافظ على الموسيقى اللي كانت جزء من روحه.
أما علاقتهم…
فما بطلتش خناقاتهم الصغيرة.
ولا هزارهم.
ولا لقب “أبو الأداهيم”.
ولا “زئردة”.
لكن كل خناقة كانت بتنتهي بضحكة.
وكل يوم كان بيأكد لهم إن الحب مش لازم يبدأ من أول نظرة.
أحيانًا…
الحب بيكون واقف جنبك من أول يوم في حياتك.
بتحكي له أسرارك.
وتضحك معاه.
وتختلف معاه.
وتفتكره أخوك وصاحبك…
لحد ما ييجي يوم وتكتشف إن قلبك كان عارف الحقيقة قبلك.
—
وقفت تقى في بلكونة البيت، بتبص لأولادها وهم بيلعبوا.
وقف أدهم جنبها.
– سرحانة في إيه؟
ابتسمت وقالت:
– بفكر في أول يوم قلت لي فيه تتجوزيني.
ضحك:
– وأنا بفكر في كمية المشاكل اللي دخلت نفسي فيها يومها.
خبطته في كتفه:
– يعني ندمان؟
مسك إيدها وقال:
– على إيه؟
– عليا.
بصلها بابتسامة هادية.
– أنا لو رجع بيا الزمن، هختارك من أول يوم.
سكتت.
فكملت:
– يمكن المرة دي ما أستناش كل السنين دي عشان أفهم إني بحبك.
ابتسمت تقى.
وحطت رأسها على كتفه.
ومن جوه البيت، جاء صوت ديجا:
– باباااا! ماماااا!


