عام

بقلم روماني مكرم 2

بعد ما نزلت من الشقة مع أمين الشرطة وفريدة، سبت طارق ومنا أخته واقفين في نص الصالة الفاضية زي التماثيل. صدى صوت زعيقهم كان مالاي السلم، بس أنا مكنتش شايفه قدامي غير الطريق للمستشفى عشان أعمل التقرير الطبي اللي  غرور طارق تحت الأرض.

في المستشفى، الدكتور كتب تقرير مفصل: ” من الدرجة الثانية في الوجه والرقبة نتيجة سكب سائل شديد السخونة”. كل كلمة في التقرير كانت مسمار جديد في نعش حريتي منه. فريدة كانت ماسكة إيدي وبتقولي: “خلاص يا أسرار، الكابوس انتهى.. اللي الجبان ده عمله مش هيمر بسلام.”

على الناحية التانية، طارق مكنش متخيل إن القلم هيكون بالقسوة دي. بعد ما مشينا، الشقة بقت عبارة عن بلاط عريان وريحة القهوة المحروقة على السيرة. منى أخته مسكت فيه وزعقت: “يعني إيه؟ دي خدت كل حاجة! حتى شاشة التلفزيون؟ حتى السجاد؟ إنت مش راجل إزاي تسيبها تعمل كده؟!”

طارق، اللي كان عامل فيها أسد على مراته، اتقلب في ثواني لواحد مكسور، صرخ في أخته: “غوري من وشي دلوقتي! إنتي السبب! من سعت ما دخلتي رجلك  دي وأنا أعمى وبجري ورا طلباتك اللي مبتخلصش!”

منى أخدت شنطتها المضروبة ومشيت وهي بتلعن فيه وفي اليوم اللي جتلوا فيه، وسبته لوحده في الظلمة والبرد يكلم نفسه.

بعد يومين اتنين بس، طارق صحي على خبط هبد على الباب. فتح وهو بشعره المنكوش وعينيه المورمة، لقى محضر المحكمة واقف بيبتسم ببرود وبيديله ورقتين: الأولى إنذار بدعوى الخلع، والتانية استدعاء رسمي من النيابة العامة في محضر التعدي وإحداث عاهة بموجب التقرير الطبي.

هنا “السي السيد” بدأ يترعب!

تلفوني مكنش بيبطل رن، مكالمات منه، ومن أمه اللي كانت زمان بتبصلي بقعر عينها، ودلوقتي بتتصل تبكي وتترجى: “يا أسرار يا بنتي، ده مهما كان جوزك ولحمك، طارق طيش وجاه جهل، ابوس إيدك تنازلي عن المحضر وده مستقبله هيضيع!”

رديت عليها بنبرة أبرد من التلج: “لما كان بيحرق وشي بالقهوة مكنش فاكر مستقبلي ولا لحمه؟ ابنك يتربى يا أم طارق.. والقانون بيننا.”

حاول طارق يلعب لعبة “الراجل الندمان”. جالي تحت بيت فريدة اللي كنت قاعدة عندها، جاب ورد، وقعد يعيط في الشارع قدام الناس زي العيل الصغير: “والله بحبك يا أسرار! الشيطان دخل بيننا! أختي كانت شاحناني وأنا كنت حاسس بالنقص عشان إنتي بتكسبي أكتر مني.. سامحيني وارجعي والفيزا معاكي وكل حاجة باسمك!”

طلعتله في البلكونة وبصيتله بقرف: “النقص اللي جواك يا طارق مفيش دهب ولا فلوس في الدنيا تقدر تغطيه. القهوة اللي حرقني بيها كشفتلي معدنك.. والراجع بيننا المحكمة.”

المحاكم أخدت مجراها. بفضل الفواتير والكتالوجات وإيصالات الأمانة اللي كنت شايلها بذكاء، المحكمة رفضت كل ادعاءاته إنه له حبة تراب في العفش. وقضية التعدي لبسته حكم حبس سنة مع وقف التنفيذ وتعويض مالي كبير، ودعوى الخلع اتحكم فيها لصالحي وبقيت حرة رسمياً!

بعد 6 شهور..

كنت قاعدة في مكتبي الجديد في الشركة اللي أسستها بفلوسي وشقايا، وشي خف تماماً بعد جلسات الليزر، ورجعت أضحك من قلبي تاني.

عرفت من أصحاب مشتركون إن طارق اضطر يبيع عربيته عشان يسدد ديونه والتعويض اللي اتحكم عليا بيه، وشقته المفروشة الماتدية بقت ملهاش أي قيمة وجمبها أخته منى اللي اتطلقت هي كمان بعد ما حماتها عرفت إنها استلفت فلوس وما رجعتهاش.

بصيت لنفسي في المراية، ابتسمت، وعرفت إن ساعات أسرع طريق للنجاة بيجي في شكل “كنكة قهوة” بتغلي بتفوقنا من أكبر وهم عايشينه!

صلى الله عليه وسلم.

بعد سنتين كاملين من اليوم ده..

كنت واقفة في تراس شركتي الخاصة بالتسويق العقاري في التجمع الخامس، بشرب قهوتي الصباحية باللبن—القهوة اللي بقت مشروبي المفضل، مش بس عشان طعمها، بس عشان بقى ليها في قلبي رمزية تانية خالص.. رمزية “البداية الجديدة”.

طول السنتين اللي فاتوا، طارق مكنش بس بيحاول يرجع، ده كان عايش في جحيم حقيقي هو اللي حفر أبعاده بإيده. الحكم اللي أخدته ضد بوقف التنفيذ والتعويض المالي الكبير هد حيله المادي، واضطر يتنازل عن شقة مصر الجديدة ويبيع العربية عشان يدفع الشروط الجزائية للشركة اللي كان شغال فيها بعد ما سمعتهم تتأثر بالبلاغات والمحاضر.

أما “السنيورة” أخته منى، فربنا رد لها البضاعة بأسرع مما تتخيل. جشعها مع جوزها خلاه يرمي عليها طلاق التلاتة بعد ما اكتشف إنها استلفت مبالغ طائلة باسمه ودبسته في قضايا إيصالات أمانة. بقت هي وطارق قاعدين في شقة إيجار قديم صغيّرة في منطقة شعبية، محبوسين مع بعض في أربع حيطان، يفتكروا العز المزيّف اللي كانوا عايشين فيه على قفا “فيزا أسرار”.

في يوم، كنت نازلة من اجتماع مع عميل مهم في مول شهير، وفجأة شفت راجل ببدلة دبلانة ووشه شاحن واقف جنبه أخته بتهزأه بصوت عالٍ عشان مش عارف يجيب لها طلباتها. بصيت كويس.. كان طارق!

أول ما عينيه جت في عيني، رجليه اتسمرت في الأرض. بص لوشي اللي خف تماماً من آثار الحرق بفضل أفضل أطباء التجميل، بص للبس الأنيق، ولمفاتيح عربيتي الأحدث موديل اللي في إيدي.

حسيت بإحساس غريب.. مكنش انتقام ولا شتيمة، كان “شفقة”.

طارق خطى خطوة ناحيتي بصوت مقطوع: “أسرار؟.. إنتي بقيتي كده إزاي؟”

رديت عليه بكل هدوء وثقة، وأنا بظبط ساعتي الذهب—نفس الساعة اللي كان عايز يسرقها لأخته: “بقيت كده لما طلعتك من حياتي يا طارق. لما عرفت إن القيمة مش في الراجل اللي بياخد، القيمة في الست اللي بتعرف تقف على حيلها حتى لو اتنطرت على وشها قهوة بتغلي.”

منى أخته استخبت وراه من الخجل والكسوف، وهو وقف ساكت، مش قادر ينطق بكلمة واحدة. سيبتهم ومشيت وأنا سامعة صدى خطواتي الواثقة على الأرضية الرخام.

الدرس الأخير اللي اتعلمته، إن الضربات القاسية مش ، هي بس بتشيل الغشاوة من على عينينا عشان نشوف مين اللي يستاهل يكمل معانا ومين اللي كان مجرد “حرامي وقت ومشاعر”.

واليوم، وأنا بوقع عقود فرع الشركتي الثاني، أقدر أقول بثقة: القهوة المرة مش بس بتفوق.. القهوة المرة أحياناً بتبني مستقبل جديد أنظف وأرقى بمراحل!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى