
منتصر كان قاعد على كنبة الصالون، ووشه كله هم، وأيده ماسكة كباية الشاي اللي ساخنة كأنها بتحرقه. أمه واقفة قدامه، ووشها مليان دموع، وأبوه واقف وراها صامت كأنه كل الكلام اتقال قبل كده.
“منتصر يا ابني…” أمه بدأت بصوت واهن، “احنا مش عايزينك تاخد قرار صعب من غير ما نفهمك كل حاجة.”
منتصر رفع عينيه عليها وقال: “كل حاجة يا ماما؟ أنا مش فاهم حاجة خالص.”
أمه خدت نفس طويل وقالت: “عارف إنك بتحب حرية حياتك، بس الوضع دلوقتي مختلف. أخوك مات، وعشق فضلت لوحدها، والطفل محتاج حد يكون أب ليه. احنا محتاجينك تتجوزها يا منتصر.”
منتصر اتجمد، الكبرياء والصدمة خلّوه ساكت. “تتجوزها؟!” قالها بصوت مفيهوش أي حماس. “أنا مش… مش قادر أعمل كده!”
أبوه تدخل بصوت جدي: “منتصر، دي مش رغبتك بس، دي مسئولية. الطفل محتاج حد يكون أب ليه، وانت أقرب حد لعشق بعد ما أخوك مات. مش بتختار الظروف، الظروف هي اللي بتختارك.”
منتصر طلع على السطح عشان ياخد نفس. هوا المساء كان بارد، وريح الشارع كانت بتسافر لحد قلبه. قلبه كان محتار ما بين التعاطف مع عشق، والحرية اللي ضاعت فجأة من غير ما يسأل.
في اليوم التاني، لما شاف عشق لأول مرة بعد سنتين، حس بحاجة غريبة. عشق وقفت قدامه، عينها مليانة دموع، ووشها تعب من الحياة، بس فيه قوة ما يمنعهاش حاجة.
“منتصر…” همست بصوت مرتعش، “مش عايزاك تتجوزني عشان خاطر أخوك، أنا… أنا محتاجة حد يكون معايا ومع ابني.”
منتصر حس بشيء يسيطر عليه، شعور غريب بين الرحمة والحب، وبين الخوف من الالتزام.
اللي حصل بعد كده كان بداية رحلة مش سهلة، مليانة صراعات بين القلب والعقل، بين الماضي والمسئولية، وبين الحب اللي لسه بيتشكل ببطء.
—
منتصر قعد قدام عشق، وشه كله جدية. خد نفس طويل وقال:
“عشق… أنا هتجوزك… بس اعرفي حاجة… أنا مش هقدر أبصلك كزوجة، ولا هحس بالحب ليكي… ده بس عشان ابن أخويا، بس.”
عشق وقفت ساكتة، عينها مليانة دموع، وشفايفها بتتهتز من وجعها. حاولت تتنفس، تحاول تجمع كلماتها، بس كل الكلام اتلخبط جوه قلبها.
بعد ثانية طويلة، همست بصوت ضعيف:
“منتصر… أنا فاهمة… و… أنا موافقة… مش هقدر أتجوز بعد جوزي… بس… لو ده هيساعد ابني يعيش حياته مظبوط… أنا موافقة… بس ما تتوقعش مني حب… ما تتوقعش مني… أي حاجة غير التربية.”
منتصر حط إيده على الطاولة، كأنه عايز يثبت لنفسه إنه قراره نهائي:
“تمام… يبقى ده الاتفاق. احنا هنعمل ده من غير أي مشاعر… بس الطفل… الطفل هيكون دايمًا أولويتنا.”
عشق خدت نفس طويل، دموعها نزلت بحرارة، بس كان فيها حاجة من الرضا، رغم الجرح اللي جوه قلبها. عرفت إن حياتها هتتغير، وإنها لازم تتعامل مع الحقيقة، حتى لو كانت موجعة.
اللي حصل بعد كده كان بداية حياة غريبة… فيها مسئولية، وفيها وجع، وفيها صراع داخلي بين القلب والعقل لكل واحد فيهم.
—
بعد كتب الكتاب، منتصر وعشق بدأوا يعيشوا مع بعض في شقة صغيرة في وسط المدينة. الحياة كانت عادية في الأول… روتين الصبح، شوية لعب مع الطفل، وشوية ترتيب للبيت.
لكن بعد شهر، منتصر قعد مع عشق على الكنبة في المساء، والشقة هادية، والطفل نايم. خد نفس طويل وقال:
“عشق… أنا محتاج أقولك حاجة… أنا… أنا عايز أكمل جوازي منك… مش بس عشان الطفل… أنا…”
عشق وقفت قدامه، عينها اتسعت من الاستغراب. قالت بصوت فيها حيرة:
“إيه ده؟! ده مش كان الاتفاق؟ احنا اتفقنا إن الجواز بس عشان ابن أخويا… إنت ليه دلوقتي…”
منتصر شافها بعينيه، وحاول يلاقي كلمات توصلها شعوره:
“عارفة… كنت فاكر إني هقدر أفصل بين مشاعري وبين حياتنا… بس كل يوم بيعدي معاك… كل لحظة بشوفك فيها… بحس إن قلبي بدأ يتغير… ماكنتش متوقع… بس أنا عايز أكمل الجواز كأنه جواز حقيقي… مش بس مسئولية.”
عشق خدت نفس طويل، دموعها نزلت على خدها. كان فيها حيرة، وجرح، وخوف، بس كمان لمحة من إحساس غريب ماكنتش متوقعة. قالت:
“منتصر… ده… ده مش سهل… إحنا اتفقنا على حاجة مختلفة… إحنا مش فاهمين إحنا دلوقتي فين… بس… قلبي… قلبي بردو مش مستعد… مش بسهولة.”
منتصر قرب منها، ماسك إيديها بهدوء:
“أنا عارف… ومش هضغط عليكي… بس حبيت أكون صريح معاك… حبيت تعرفي شعوري قبل ما يكون فات الأوان.”
الشقة فضلت هادية… بس قلب كل واحد فيهم كان بيخبط بسرعة… وكل لحظة فيها كانت بداية صراع جديد… صراع بين الاتفاق القديم، والمسؤولية، والمشاعر اللي بدأت تتسلل بغدر.
—
عشق كانت قاعدة في أوضة الطفل، تبص عليه وهو نايم، قلبها كله وجع. خدتها الشجاعة وقالت لنفسها: “لا… مش هقدر أكمل معاه… ده مش جواز حقيقي… مش هقدر أعيش حياتي كده.”

