عام

علاقه سريه ١

ثم انقطع الاتصال.

بعد ثوانٍ وصلتني رسالة قصيرة:
«أنا في اجتماع. سأتصل لاحقًا.»

ضحكت ضحكة قصيرة خالية من أي روح.
اجتماع… في هذا الوقت؟

لم أملك رفاهية الانتظار.

سمعت صوت سيارة تتوقف أمام المنزل.
ثم صوت باب يُغلق.
ثم وقع خطوات مألوف… وخطوات أخرى غريبة.

رنّ جرس الباب.

وقفت في منتصف الغرفة، لا أعرف هل أخرج أم أختبئ.
جزء مني كان يريد الهرب من المشهد، والجزء الآخر كان بحاجة لأن يرى الحقيقة بعينيه.

سمعت صوت والدتي وهي تقول بحماس:
«لابد أنها ليلى!»

خرجت من غرفتي ببطء.
كنت أقف أعلى الدرج، أراقب المشهد من بعيد.

فتحت والدتي الباب.

وكانت ليلى هناك.

أنثى كما عرفتها دائمًا:
أنيقة، متزنة، ترتدي فستانًا داكن اللون، شعرها مصفف بعناية، ورائحة عطرها تسبقها بخطوة.

لكن هذه المرة…
لم تكن وحدها.

كانت تمسك بذراع شاب في أواخر العشرينات، طويل القامة، حسن المظهر، واثق الخطوات.
ابتسامته واسعة، كأنه يدخل مكانًا يخصه.

قالت ليلى بابتسامة رسمية:
«مساء الخير.»

ثم رفعت عينيها…
ورأتني.

في تلك اللحظة، توقّف الزمن.

تصلّبت ملامحها.
تجمّدت ابتسامتها.
عيناها اتسعتا لجزء من الثانية قبل أن تستعيد سيطرتها على نفسها.

قالت بصوت متوتر حاولت إخفاءه:
«آدم؟ ماذا تفعل هنا؟»

وقبل أن أجيب…
تقدّمت والدتي خطوة للأمام وقالت بضحكة خفيفة:
«ماذا يفعل هنا؟ هذا بيته يا ليلى! أين يكون غير هنا؟ سؤال غريب!»

ثم التفتت إلى الشاب:
«تفضل، ادخل. لا تقفوا عند الباب.»

دخلوا.

كنت أقف هناك، عاجزًا عن الحركة، كأن قدميّ التصقتا بالأرض.

قالت ليلى وهي تشير إلى الشاب:
«هذا… خالد.»

مدّ يده نحوي بثقة:
«تشرفت بمعرفتك.»

صافحته.

كانت يده دافئة، ثابتة.
يد رجل لا يعرف أنه يصافح ظلًا.

جلسنا جميعًا إلى مائدة العشاء.

والدتي كانت سعيدة.
تسأل، تضحك، تتبادل الأحاديث مع ليلى وخالد، كأنها تحقق حلمًا طال انتظاره.

أما أنا…
فكنت مجرد جسد يجلس معهم.

طوال العشاء، كانت ليلى ترمقني بنظرات سريعة، متوسّلة، خائفة.
نظرات تقول:
رجاءً… ساير الأمر. لا تفضح كل شيء الآن.

كنت أرى الارتباك في عينيها، لكنني كنت أرى شيئًا آخر أيضًا…
الراحة.

كانت تتحدث وتضحك دون خوف.
دون أن تنظر حولها.
دون أن تقلق من أن يرانا أحد.

كانت حرّة…
وأنا لا.

خالد كان يجلس بقربها، يقرّب لها الطبق، يمازحها، يضع قطعة من الطعام في صحنها.
وهي…
كانت تقبل ذلك بكل طبيعية.

لم تنظر إليّ مرة واحدة.

ولا مرة.

كنت أبتلع الغضــ . ــب مع كل لقمة.
أجبرت نفسي على الابتسام.
أجبت عن الأسئلة القليلة التي وُجهت لي.
بل وقمت بشيء لم أظن أنني قادر عليه…

أخرجت هاتفي، وبحثت عن خالد، وأرسلته طلب صداقة.

نظرت ليلى إلى الهاتف، ورأت الإشعار.
ارتجفت شفاهها قليلًا.

انتهى العشاء أخيرًا.

نهضت بسرعة، جمعت الأطباق، وقلت:
«سأرتّب المائدة.»

لم أنتظر ردًا.

عدت إلى غرفتي، أغلقت الباب، وأسندت ظهري إليه.
شعرت وكأنني أتنفّس للمرة الأولى منذ ساعات.

أخرجت هاتفي.

انتظرت.

لم يرن.

مرّت نصف ساعة.
ثم ساعة.

حتى وقت متأخر من الليل…
رن الهاتف أخيرًا.

كانت ليلى.

أجبت فورًا.

قلت بصوت حاولت أن أجعله ثابتًا:
«ألا تعتقدين أنك مدينة لي بتفسير؟»

ساد صمت طويل.

كنت أسمع أنفاسها فقط.

ثم قالت بصوت هادئ، بارد بشكل مؤلم:
«ما فعلته كان خطأ… لكن لكل شيء سبب.»

ارتفع صوتي رغمًا عني:
«سبب؟! إذن اشرحي!»

لكنها لم تجب.

صمتت…
كما كانت تفعل دائمًا عندما تصبح المواجهة حقيقية.

ثم قالت أخيرًا:
«لديّ أمور معلّقة. سأتصل بك لاحقًا.»

وأغلقت الخط.

جلست على سريري، أحدّق في الهاتف المظلــ . ــم.

في تلك الليلة…
أدركت الحقيقة التي كنت أهرب منها طوال خمس سنوات:

أنا لم أكن شريكًا في حياتها.
كنت مجرد مساحة آمنة…
تلجأ إليها حين تشاء، وتغادرها دون وداع.

—

يتبع

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى