عام

عندى ظروف ٥

ابتسمت له وقالت بطاعة :
-حاضر يا سيدي نعمله الاسبوع اللي جاي بس كده هيكون عندنا شغل كتير لازم نخلصه..
-مش مهم المهم اننا نتجوز ..أنا خللت جمبك
ضحك الجميع عليه فقال جاسر :
-وكتب الكتاب يكون بعد يومين ايه رأيكم ..
رد عدي ببساطة وهو يضم ملاك :
-احنا موافقين طبعا ..
………….
في المساء …
علي الأريكة الموجودة في حديقة الفيلا كانت تجلس وعد وهي تضع رأسها علي صدر جاسر بينما تضمه بقوة ولا تفلته …لا تصدق أن حبيبها عاد إليها بعد كل تلك السنوات …تشعر حقا انها اكثر النساء حظا في العالم …كانت تنظر إلي ابنتها التي تلعب حولهما وهي تأمل أن تدوم تلك اللحظة للأبد ..كانت جاسر يقبل شعرها مبتسما …كان الصمت يسيطر علي المكان الا من ضحكات ابنته اللطيفة وقد تمني أن تستمر تلك اللحظة للأبد …
-ناوي تعمل ايه يا جاسر …قررت هتشتغل ايه ؟!
قطع لحظات الصمت صوت وعد الدافئ وتسرب الي روحه ليرد :
-معرفش حقيقي معرفش…الشركة للاسف خسرت كتير وعايزة معجزة عشان تقف….مفيش سيولة بفكر أبيعها بعد ما استشير ملاك وافتح مشروع صغير ..
-وانت عايز تعمل كده يا جاسر ..عايز تبيعها …
سألته وهي تنظر إليه تخترق حصونه وتعرف خباياه ليهز هو رأسه وقال:
-بصراحة لا …صحيح الشركة كانت غطا لاعمالي غير القانـ,ـونية بس انا تعبت فيها وكبرتها وعايز أكبرها تاني بس مفيش سيولة يا وعد متنسيش أن ….
قاطعته ملاك وهي تدخل :
-وانا روحت فين يا ابن عمي …
اعتدلت وعد لتجلس ملاك بجوار جاسر وتقول:
-انا الفترة اللي فاتت شركتي كبرت بشكل مش معـ,ـقول واقدر اساعدك كويس …
كاد جاسر أن يرفض الا أن ملاك قالت بسرعة:
-تقدر تعتبرهم سلف …ماشي
هز جاسر رأسه وقال :
-ربنا يخليكي ليا يا ملاك ويسعدك مع عدي يارب ابتسمـ,ـت ملاك له بسعادة وقالت:
-انت اخويا يا جاسر واهم شخص عندي…
ابتسم لها جاسر …أنها المرة الأولي التي يشعر أنه محبوب لتـ,ـلك الدرجة وكأن الحياة اخيرا ابتسمت له …زوجة محبة وطفلة رائعة وشقيقة عطوفة …ماذا يريد أكثر من هذا …قطع شروده اقتراب عم كامل منهم وهو يقول :
-جاسر بيه فيه واحد برة بيقول أن اسمه رجب الرافعي وعايز يشوفك ..
-بابا !!
قالتها وعد بصدمة وهي تنظر لملاك وجاسر …ما الذي ذكره بها بعد كل تلك السنوات …فمنذ أن حاول اجهاضها وهي ابتعدت عنه تماما…كانت تخاف أن يؤذيها هي وطفلتها …تصاعد الرعـ,ـب داخلها وهي تفكر أن والدها قد اتي ليثير المشاكل …أمسكت كف جاسر ليربت هو علي كفها ويقول:
-اهدي أنا معاكِ …
ثم نظر لعم كامل وقال:
-دخله يا عم كامل….
…….
ولج رجب الفيلا وهو يرتعش …كان مرهق للغاية الكبر نال منه كثيرا …ما أن رأته وعد في تلك الحالة حتي انقبض قلبها بشكل مؤلم …مهما حدث هو والدها …
نهض جاسر وقال بنبرة مهذبة:
-اتفضل يا رجب …
هز رجب رأسه وقال:
-لا انا همشي علطول يا بني …انا جاي بس اطلب السماح من وعد بنتي …عارف أنه مش من حقي بعد كل اللي عملته فيها بس كده هرتاح اكتر لو سامحتني
وخزت الدموع عيني وعد ليكمل هو :
-انا عارف أنه صعب عليكِ تسامحيني بس انا والله عرفت غلطي …وهديكِ الوقت اللي أنتِ محتاجاه عشان تسامحيني …
ارتعش كفه وهو يخرج ورقة بها رقم معين وقال:
-انا مسافر يا وعد …مسافر برا مصر عند صديق ليا عربي اتعرفت عليه …انسان صالح هو غير مني كتير في السنين اللي فاتت لما جه مصر وطلب اروح اقعد شوية لانه وحيد…ده رقمه ..لو حابه تكلميني في اي وقت …ولو ناوية تسامحيني فرحيني قبل ما امو..ت يا بنتي …
اخذت وعد الورقة وهي تبكي بينما تساقطت الدموع من عيني والدها ثم استدار وكاد أن يذهب الا أنه لاحظ تلك الملاك التي تلعب حوله دون دراية بأي ما يحدث هنا وقد عرفها …هي حفيدته ..
نظر لوعد وقال بتوتر :
-ممكن اسلم عليها ؟!
هزت وعد رأسها وهي تمسح دموعها ليذهب رجب من فوره ويضم حفيدته إليه …ابتعدت عنه ، وعينيها الزرقاء اتسعتا بدهشة ليقول :
-انا جدو يا حبيبتي ..
نظرت إلي والدتها لتهز والدتها رأسها فتبتسم حسناء ابتسامة لطيفة وتقول بصوتها الموسيقي بالفطرة :.
-جدو
هز رأسه ودموعه تتساقط ثم ضمها وهو لا يصدق أن تلك الفتاة نفسها التي أراد هو أن يقت..لها وهي في رحم والدتها !!!
………
تنهدت والدتها وهي تجهز ثياب لطفلتها الصغيرة وهي تتذكر قدوم والدها المفاجئ…كيف أن الندم يقطر من حروف كلماته ودموعه التي تنساب من عينيه …لتكن صريحة هي لا تستطيع أن تغفر في الوقت الحالي. ..لقد عذبها والدها كثيرا ولكنها تعرف انها لن تبقي غاضبة منه للابد وأنها سوف تتواصل معه قريبا …
ولجت وعد للحمام وسرعان ما صرخت بقوة وهي ترمي الثياب …
-فيه ايه يا وعد بتصرخي ليه؟!!
قالها جاسر بفزع لتشير وعد وهي ترتعش الي ابنتها …نظر جاسر إليها ثم ضحك بقوة وهو يري ابنته تمسك ثعبان اسود طوله متوسط يتلوي …اقترب منها ثم أخذ الثعبان والقاه علي الأرض ثم حملها وقبلها قائلا:
-اهو أنا دلوقتي اتأكدت انك بنت الصياد يا حسناء …
ثم نظر إلي وعد وقال:
-ده تعبان الباح دودي يعني غير سام وغلبان ومبيعضش بس أنتِ كالعادة جبانة …لكن ..
قبل حسناء وقال بفخر :
-حسناء تربيتي …
اقتربت منه وعد وهي تضرب كفه وتقول:
-اياك تخلي بنتي تتعامل مع الحاجات دي كفاية عليا مجنون واحد في البيت …
ثم أخذت حسناء منه وذهبت غاضبة تتبعها ضحكاته المرحة ….
…..
بعد يومين …في حديقة الفيلا ..
-بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير ..
قالها المأذون وبهذا تم كتب كتاب ملاك وعدي …كان عدي يطير من السعادة اخيرا أصبحت له …لقد انتظر كثيرا تلك الفرصة …انتظر كثيرا أن تبقي ملكه وها هي اخيرا أصبحت اميرته وهو أصبح أميرها!..اقترب منها ثم قبل جبينها وضمها إليه بقوة …ثم توالت المباركات لهم …اقترب جاسر من عدي وعانقه وقال هامسا :
-لو زعلتها هقطع راسك …ده تهديد صريح ..
ابتسم عدي وقال:
-ملاك هي روحي مقدرش ازعلها ..متقلقش يا جاسر …
ابتعد جاسر وربت علي كتفه وقال :
-ربنا يسعدكم يارب …
فجأة تجمدت ابتسامة عدي وهو يري والده يقترب منه …
ابتسم مالك وقال:
-عرفت ان قلب ابني اغلي من اي انتقام …
ابتسم له عدي وعانقه بقوة ..نظر إلي ملاك واقترب قليلا .
-اهلا بيكي في العيلة يا ملاك ..
قالها مالك لملاك وهو ينظر إليها بحنان ابوي ..ثم اقترب منها وقبلها علي جبينها وقال :
-لو زعلك عدي اعتبريني ابوكي وتعالي اشتكيه وانا هجبلك حقك …
ابتسمت ملاك له ثم عانقته وهي تربت علي ظهره …ابتسم عدي وهو يفكر أن اخيرا كل شىء في حياته بدأ أن ينصلح …والده تقبل ملاك تماما وأحبها …لقد عرف دوما ان ملاك سوف تحتل قلب والده كما احتلت قلبه ..
………
في اليوم التالي …
قفزت حسناء بشقاوة علي الفراش بين وعد وجاسر ..ليستيقظ جاسر ويضحك وهو يجذبها إليه ويضمها …ضحكاتها ملأت المكان بشكل محبب …قبلت حسناء والدها علي وجنته وقالت بعتاب طفولي:
-ليه مبتنامش جمبي زي ما بتنام جمب بابا علي فكرة أنا بحبك اكتر منك …
اتسعت عيني جاسر بدهشة ثم انفجر بالضحك وقال بهمس :
-وانا بحبك اكتر منها …اه …
صرخ بخفوت عندما ضربته وعد بالوسادة وصرخت:
-بقا كده …من دلوقتي الاب والابنة بيتفقوا عليا …
ضحك جاسر ونهض وهو يرد لها ضربتها بالوسادة وما هي لحظات الا وتحولت غرفة النوم لساحة حرب الوسادات

………

هي امرأة تعشق التفاصيل ..تهتم بها …وهو رجل يعشقها هي لدرجة جعل أحلامها أوامر يجب تنفيذها …لقد رأي لمعة عينيها عندما نظرت إلي فستان الزفاف علي الانترنت الذي للاسف لم يكن متوفرا في المتجر .
.كان الفستان يشبه فساتين الاميرات …راقي للغاية يلائمها تماما …لذلك فعل المستحيل ليجلبه .. لذلك تكلم مع افضل مصمم ازياء وأعطاه صورة الفستان ليصممه …كان متحمس أكثر منها ليري الفستان عليها في يوم زفافهما..كان متحمس لرؤية لمعة السعادة بعينيها …

كانت ملاك جالسة علي المقعد المريح المقابل لمكتبها الكبير …كانت تنظر لكل ما حققته بسعادة …لا تصدق انها وصلت لتلك المنزلة بعد اربع سنوات فقط ..الأمر بدأ بتصميم زفاف ابن رائد الوكيل ثم انهالت عليه العروض الكثيرة وقد أنجزتها كلها بمهارة تامة حتي كبرت شركتها بشكل مبهر وأصبحت شركة ملاك النجار واحدة من أهم شركات تصميم الديكور في مصر …كان سعيدة للغاية بنجاحها وفخورة أيضا …اخذت تتذكر أنها احيانا كانت لا تنام حتي تنجز العمل …ايام لا تأكل الا القليل ..لقد تعبت كثيرا حتي تصل لتلك المرحلة …حتي تفتخر بنفسها …
طرقات خافتة علي الباب اخرجتها من شرودها …اعتدلت ملاك علي مقعدها وقالت بصوت رسمي:
-اتفضل ..
ولجت سكرتيرتها وهي تقول بإبتسامة:
-استاذ عدي هنا وحابب يقابلك ..
اتسعت عيني ملاك وقالت بدهشة:
-ميار ..أنتِ عارفة أن عدي يدخل من غير إذن ..ازاي سايباه لحد دلوقتي برة ؟! …
ثم خرجت وكعبها العالي ينقر علي الأرض ..فجأة تجمدت مكانها ووضعت كفها علي شفتيها بذهول ثم بدأت غلالة رقيقة من الدموع تتجمع في عينيها …فأمامها كان الفستان الذي أحبته بشدة وبحثت عنه ولم تجده معلق …كان فستان ابيض طويل للغاية يحيطه بالكامل قماش رقيق من التل من الجانبين ما عدا المنتصف…ملحق بقماش شفاف يغطي الذراعين وينسدل بطول الفستان ….
طفرت دموعها وهي تضحك بذهول فجأة انتفضت عندما جاء عدي من الخلف ووضع عليها تاج فضي رقيق وقال:
-الفستان والتاج جاهز للأميرة …
بذهول نظرت إليه ملاك وقد عجزت عن الكلام تماما …لا تصدق أنه فعل هذا من أجلها …ولكن لما تتعجب …عدي دوما يهتم بأمرها …في الأعوام القليلة التي مرت كان يهتم بها …لم يختفي شغفه بها …كان يفعل المستحيل لإسعادها لم يمل يوما منها …هبطت دموعها وهي تنظر إليه بسعادة ثم انتفضت بخفة عندما صفق الجميع ..ضحكت ملاك ونظرت إليه بحب وقالت:
-احبك ايه اكتر من كده ..
-عندك العمر كله تحبيبني اكتر يا ملاك لاني مش هسيبك ابدا …هتفضلي معايا دايما …
…..
في المساء …
اوصلها عدي للفيلا …كانت يضحكان سويا …ضحكات من القلب …
-تحب تدخل ؟!
قالتها برقة ليهز رأسه ويقول :
-لا ..متنسيش أن الفرح بعد يومين وفيه حاجات واقفة عايزة اخلصها.
عقدت حاجبيها وقالت:
-زي ايه مثلا
-شهر العسل مثلا …
ضحكت بسعادة وقالت:
-انا فرحانة اووي اني هكون معاك يا عدي …مش مصدقة أننا اخيرا هنكون مع بعض …
امسك كفها ثم قبلها علي كفها وقال:
-وانا مبسوط اووي يا ملاكي …مبسوط ومظنش حد فرحان قدي ….أنا بحبك بطريقة أن لما بشوفك بس بحس أن ربنا راضي عني ..بحس أن الحياة بتضحك فعلا …تأمل ملامحك يا ملاك بيسببلي بهجة خاصة ..
ضحكت هي بخجل ليقترب هو منها بتمهل ثم يتناول شفتيها في قبلة رقيقة دامت لثواني وابتعد عنها ..ابتسم عندما رأي توردها وقال مبهورا:
-كل حاجة فيكِ مميزة يا ملاك…مميزة بطريقة مـ,ـرعبة .
……….
-يوسف …يوسف قوم!!
صرخت حياة وهي تضرب يوسف علي كتفه بقوة …انتفض يوسف من مكانه وقال:
-فيه ايه يا حياة؟!
اخذت تتنفس بعنف وتصرخ:
-انا بولد…بولد ايه اتعميت ؟؟!
نهض يوسف وهو ينظر إليها برعـ,ـب …ثم أصبح يدور حول نفسه ويقول:
-اعمل ايه …اعمل ايه .؟!
-يوسف !!
صـ,ـرخت به بقوة إلا أنه لم يرد عليها وأخذ يدور حول نفسه وهو يشعر بالرعـ,ـب …لقد توقف عقله عن العمل تماما وتصاعد الـ,ـرعب داخله …ماذا يفعل ؟!!ماذا يفعل الرجل في تلك الحالة؟!!شعر أنه غبي للغاية من فرط التوتر
-يوسف!!!
صرخت حياة مرة أخري وهي تبكي بألم …هلع يوسف وذهب بجوارها ثم امسك كفها وقال:
-اعمل ايه يا حياة ..أنا مش عارف اعمل حاجة …
لولا ألمها الصارخ لكانت ضحكت حياة علي رد فعله وملامح وجهه ولكنه تماسكت وهي تقول بصوت بهت من كثرة الصراخ :
-خدني في عربيتك ووديني المستشفي للاسف اهالينا سافروا البلد عشان يحضروا فرح قريبتنا فأنت لازم تتصرف …
هز يوسف رأسه ثم ساعدها علي النهوض …
-الشنطة …
أشارت حياة بتعب الي الحقيبة الموضوعة علي طاولة الزينة والتي حضرتها للولادة …
امسك يوسف الحقيبة ووضعها علي الأرض …ثم أخرج فستان واسع لحياة وساعدها بلطف لكي ترتديه وسط المها الشديد …
….
انت السبب …انت السبب منك لله ..
صرخت حياة وهي تضع كفها علي بطنها المنتفخ وتصرخ بينما يوسف يقود السيارة بسرعة وتوتر …
نظرت إليه وهي تبكي :
-انا عمرك ما هسامحك…
-مش هتسامحيني ايه؟! هو انا شربتك حاجة صفرا ما كله كان بمزاجك!!
اخذت تبكي حياة بألم وقالت:
-ممكن لله يا بعيد أن شالله تتسخط قرد …
لم يتمالك يوسف نفسه وضحك وقال بمزاح للتخفيف عنها:
-عارفة لو مسكتيش هنزلك من العربية …
ضربته علي كفه مرة أخري وصرخت:
-وكمان بتهددني!!
نظر إليها بتوتر وقال:،،،،،
-كنت بهزر معاكي يا حبيبتي …

وصلا للمستشفي وهو يحملها بصعوبة ويقول:
-استحملي يا حبيبتي هانت اهي …
…..
في حجرة الولادة …
كانت حياة تصرخ بقوة ودموعها تنساب …كانت تشعر بألم فظيع …كان يوسف يمسك كفها لانه اصر علي الدخول .. وقد ترطبت عينيه بدموع الخوف وهو يضمها إليه…لم يتخيل ابدا أنها ستتألم بتلك الطريقة …
اقترب منها ووضع جبينه علي جبينها وقال مغمضا عينيه :
-اصبري …اصبري يا حبيبتي …
فتح عينيه وخفق قلبه وهو يسمع صوت بكاء لطفل انساب لأذنه كموسيقي ساحرة ….

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى