للحظة، افتكرت إنه بيهزر.
بس مافيش ولا خلية في وشّه قالت هزار.
قلت وأنا بحاول أهوّن:
“إنت بتتكلم جد؟”
قال:
“جَد. وحلف عليّا… وحلف عليكِ. لو في يوم حد خبط بعد الساعة اتنين، سيبيه… حتى لو قال إنه أنا. حتى لو كان صوت حد تعرفيه. ما تفتحيش الباب. مفهوم؟”
ضحكت ضحكة صغيرة عـ,ـصبية:
“ده إيه الـ,ـرعب ده؟ إنت عندك عـ,ـفريت في البيت ولا إيه؟”
نظرته اتكـ,ـسرت لحظة… ثم رجعت واتجمّدت:
“لو أنا بحبك… يبقى بقولّك الكلام ده عشان أحميكي. ما تسألينيش ليه.”
في اللحظة دي… المفروض أي واحدة عاقلة تقوم تمشي.
بس العقل ساعات بيقف جنب الشغف، مش جنب الأمان.
وبكل غباء، قلت:
“موافقة.”
عدّى شهر العسل عادي.
سافرنا دهب أسبوع، البحر، الغطس، ضحك كتير، وإحساس إن الجواز رحلة لطيفة مش زي ما الناس بتوصفها.
هاشم كان مهتم، لطيف، بيصحى يعمللي فطار، بيبعتلي رسائل في نص اليوم، بيحـ,ـضّني من غير سبب.
لحد ما رجعنا القاهرة… ودخلت الشقة لأول مرة كـ”بيت”.
الشقة في عمارة قديمة شوية في مصر الجديدة، بس متظبطة من جوه. باب خشب تقيل، ممر طويل، على شماله أوضة النوم، وعلى يمينه أوضة فاضية، بابها مقفول.
في آخر الممر الصالة، ومنها باب صغير على المطبخ، وباب حديد تاني بيطلع على السلم الخلفي والسطح.
أول ما دخلنا، مسك إيدي وسحبني قدام الباب المقفول على اليمين.
قال:
“الأوضة دي… متفتحيهاش.”
بصيت له:
“ليه؟”
قال بسرعة:
“مخزن. فيها حاجات قديمة. ومش آمنة. الباب ضعيف، والحيطة فيها رطوبة. ما تفتحيهاش. لو عايزة حاجة خـ,ـزين، خزينّي في المطبخ أو الدولاب الكبير.”
حكايات توته وستوته للكاتبه اسما السيد
قلت وأنا ببص على الباب:
“طب ما نصلحها؟”
ضاقت عينه شوية:
“مش لازم. اعتبريها مش موجودة.”
كان في ريحة خفيفة طالعة من تحت الباب… ريحة تراب مبلول، زي جدران البيوت المهجورة.
سكتّ. بس في قلبي، الأوضة دي اتسمّت “السر الأول”.
عدّى أول أسبوع من غير أي حاجة غريبة.
هاشم بيثبت إنسان طبيعي: شغله ثابت في مكتب استيراد وتصدير، يرجع حوالي الساعة ستة، يغتسل، نص ساعة على الموبايل، وبعدين يقعد معايا أو نتفرج على حاجة.
لحد ما جِه… أول يوم أتنين.
الساعة كانت واحدة ونص بالليل.
كنت نايمة نص نومة، بين النوم والصحيانة، والبيت هادي إلا من صوت مروحة السقف.
صحيت على صوت حركة في الصالة.
فتحت عيني ببطء… لقيت سـ,ـريري فاضي من جنبي.
“هاشم؟” ناديت بصوت واطي.
ما ردش.
قمت، لبست الروب، وخرجت من الأوضة. الصالة ظلمة إلا من ضوء خفيف داخل من شباك المطبخ.
سمعت صوته… بيتكلم.
مش بكلمتين عاديين.
كان بيهمس بعـ,ـصبية، زي اللي بيترجّى حد.
وقفت قبل ما أوصل للركنة، وبصيت من ورا الحيطة.
هاشم كان واقف عند باب الشقة… فاتح السلسلة، بس القفل لسه. راسه قريبة من الباب، كأنه بيتكلم مع حد وراّه.
سمعت جزء من الكلام:
“مش ينفع… خلاص… اتفقنا. أنا عملت اللي عليّا…”
وصوت تاني… خافت، غريب، كأنه صوت واحد بعيد…
ما كنتش سامعة الكلام، بس النبرة… النبرة كانت غـ,ـضبانة.
هاشم قال:
“أقسم لك… أنا ما رجعتش كلامي. بس مش قدّام زينة. مش قدامها!”
الـ,ـدم نشف في عروقي.
زينة.

