
ولنا في الحب حياة الكاتبة نرمين عادل همام
ـ “أمجد.. انت ليه بتساعدني كل المساعدة دي؟”
ابتسم وقال لي وهو بيبص لي بحنية:
ـ “من 7 سنين، في معرض خيري بالجامعة، كل الطلبة جابوا حاجات مستعملة.. انتِ الوحيدة اللي سهرتِ تلات ليالي تعملي بروش فضة يدوي مميز جداً.. واشترته طفلة صغيرة مريضة بالقلب بكل الفلوس اللي في حصالتها، وقالت لي وقتها إنها حسّت لأول مرة إنها أميرة.”
افتكرت الموقف، وسألته:
ـ “الطفلة دي.. طمئني عليها؟”
ـ “الطفلة دي تبقي أختي الصغيرة يا يارا.. والعملية نجحت وهي دلوقتي في آخر سنة جامعة.. انتِ أديتِ لناس أمل يعيشوا زمان، ودلوقتي جه دوري أقف جنبك.”
في الليلة دي، وتحت نور الكشاف، رسمت أول تصميم ليا بعد سنين انقطاع.. وسميته “القيامة”.
قابلت الدكتورة مديحة، وبعد مناقشة طويلة وشااقة اقتنعت بدعم مشروعي وشركتي “تأنّق”، بشرط إني أدخل مسابقة اختيار العلامات التجارية الجديدة، وأقدم خلال 6 أسابيع تشكيلة كاملة من 12 قطعة.
طوال الـ 6 أسابيع، كنت عايشة في الورشة. بالنهار مع الصنايعية القدامى لأمي، وبالليل على ترابيزة الرسم. ساعات كان وجع جسمي يشتد، وساعات إيدي تتجرح من الأسلاك والأدوات، بس كنت بلفها وأكمل.
أمجد ما كانش بيلح عليا ولا بيفضل يضغط، كان بيكلمني يفكرني بالأكل والدواء، ويعدي يسيب لي علبة شوربة دافية أو عصير ويمشي.. اهتمامه كان هادي وراقي ومختلف تماماً عن استعراضات أدهم الفخمة الفارغة.
قبل المسابقة بأسبوع، التصميم الرئيسي للقلادة اختفى فجأة أثناء النقل! شركة الشحن ادعت إن العنوان كان غلط، والكاميرات اتعطلت!
سهرت ليلتين أعدل واصمم من جديد لحد ما إيديا كانت بترتعش ومش قادرة تمسك الزردية.
قعدت على الأرض وسط المعادن المتكسرة وقلت لأمجد بكسرة لأول مرة:
ـ “أنا مش قادرة.. مش هعرف أكمل.”
قعد قدامي مسك إيدي المترعشة وقال بصدق:
ـ “يارا.. خدي نفس واسترخي 10 دقايق.. ‘تأنّق’ ده اسم وحلم، بس حياتك ونفسك أهم.. انتِ مش مطالبة تثبتي للعالم كفاءتك على حساب صحتك وروحك.”
الكلام ده نزل على قلبي زي البلسم. طول عمري فاكرة إن لازم أضحي وأكون مثالية عشان أتحب.. وفي الآخر اللي عايزين يؤذوني أذوني.
عد الـ 10 دقايق، قمت بصلابة، شلت تصميم القلادة المفقودة، ورسمت تصميم جديد خالص: هلال طالع منه غصن ورد صغير من الذهب الأبيض.. وسميتها “غير مكتمل.. بس مش مكسور”.
في يوم المسابقة، تشكيلة “تأنّق” أخدت المركز الأول بإجماع اللجنة!
ولما أعلنوا اسمي، بصيت للمدرجات.. أمجد كان واقف ورا خالص بيبتسم لي بفخر.. وفي الزاوية الثانية كان أدهم واقف ماسك بوكيه ورد أبيض ما لحقش يسلمه لي.
بعد الفوز، الطلبات انهالت على “تأنّق”. فنانة مشهورة اشترت القلادة ونشرتها على انستجرام، والطلبات غطت إنتاج الورشة.
وفي نفس الوقت، لجنة الخبراء في المحكمة أصدرت تقريرها المبدئي: الأوراق والحبر اللي قدمتهم شاهيندا اتثبت إنهم حديثين الصنع ومزورة!
شاهيندا أطلقت مؤتمر صحفي بتعيط فيه وتقول إنني بستغل اسم أمي المتوفية عشان أدمرها، وأدهم نزل بيان من شركته يؤكد إنه مستمر في رعاية علامتها.
في المساء، جه أدهم الورشة، حط بوكيه الورد على الطاولة وقال بصوت خافت:
ـ “مبروك يا يارا.. أنا طلبت من الإدارة يوقفوا التعامل مع شاهيندا بس هم رفضوا عشان العقود.”
رديت وأنا بفرز الشغل:
ـ “شكراً يا أدهم، بس إحنا مش قريبين لدرجة تبادل الورد والشروحات.. انت دعمتها من الأول، وجاي دلوقتي تقول ماليش دعوة؟”
اتقدم ناحيتي وقال بعيون حمراء:
ـ “يارا.. اديني فرصة أعوضك!”
ـ “تعوضني عن إيه؟ عن أمي اللي ماتت؟ ولا عن ليلة الدخلة اللي دمرتها؟ ولا عن شرفي اللي نهبته؟ انت عايز تريح ضميرك مش أكتر.. وسامحني، أنا مش مسكن لآلام ضميرك.”
سألني بنبرة غيرة واضحة:
ـ “انتِ مع أمجد؟”
ـ “مالكش دعوة.. دي حاجة تخصني.”
ـ “أنا عايز أعرف بس…”
رفعت إيدي ونزلت على وشه بـ قلم شديد! أول مرة أضربه!
ـ “أنت تتساءل عن طمعي، ماشي.. لكن إياك تلمس سمعتي أو تجيب سيرة اللي فات! اليوم اللي كنت فيه بتقهرني، كنت محتفل على يخت مع شاهيندا.. أنت مالكش حق تنطق كلمة واحدة!”
أدهم وقف مصدوم، وأنا قفلت الباب في وشه بقوة. وبصيت من الزجاج شفته بينحني يلم الورد المتنطور، بس قلبي ما بقاش يحس ناحيته بأي شيء.. غير الفراغ.
التحقيقات اتسعت، وظهرت المساعدة القديمة لأمي وجابت أدلة إلكترونية وتسجيلات بتثبت إن عم أدهم وشريك أمي القديم اتفقوا زمان واستولوا على علامة “تأنّق” وباعوها لشركة أدهم!

