
لأ يا باشا.
إنهم يفتكروا إن الهدوء معناه الغباء، وإن قلة الكلام معناها إن اللي قدامهم مش شايف حاجة.
سكت لحظة، وبعدين كمل
إنت بقالك سبع شهور هنا. ما بتتكلمش عن نفسك، ما عندكش أصحاب، ما بتخرجش مع حد، وكل يوم بتمشي في نفس المعاد. عمرك ما طلبت سلفة، ولا اشتكيت من المرتب، ولا حتى حاولت تعرف مين الزباين اللي بيدخلوا الورشة.
قلبي كان بيدق لدرجة إني كنت خايف يسمعه.
أنا جاي أشتغل يا باشا، مش جاي أتعرف على الناس.
ابتسم ابتسامة صغيرة.
إجابة حلوة. بس مش إجابة مقنعة.
قرب مني خطوة.
بصلي يا آدم.
رفعت عيني بالعافية.
فضل باصصلي ثواني طويلة، وبعدين قال
عينيك مش عيون راجل اسمه آدم.
اتجمدت مكاني.
لكنه ما ادّانيش فرصة أرد.
رن موبايله، بص للشاشة، واتغيرت ملامحه في ثانية.
أيوه يا توني؟
صوت توني جه من الطرف التاني متوتر
باشا، في عربية سودا واقفة بره الورشة بقالها نص ساعة. اتنين جواها، وكل ما حد يخرج يصوروه.
دانتي بصلي من غير ما يبعد الموبايل عن ودنه.
محدش يقرب منهم. وأنا نازل حالًا.
قفل المكالمة، وبعدين رجع بصلي.
واضح إنك مش الوحيد اللي عنده أسرار يا آدم.
ومشي.
فضلت واقف مكاني لحد ما سمعت باب عربيته بيتقفل.
كنت فاكر إن دي كانت أصعب لحظة في حياتي.
ما كنتش أعرف إن اللي جاي هيخليني أتمنى لو دانتي كان اكتشف حقيقتي من أول يوم.
الراجل اللي جه يدور على إيلينا
تاني يوم، وصلت الورشة بدري كعادتي.
لكن أول ما دخلت، لقيت توني مستنيني عند باب المكتب.
دانتي عايزك فوق.
معدتي اتقبضت.
طلعت السلم، ووقفت قدام مكتبه. الباب كان مفتوح، ودانتي قاعد وراه، وقدامه ملف بني كبير.
أشار للكرسي اللي قصاده.
اقعد.
قعدت، وهو فتح الملف وطلع صورة.
أول ما شفتها، حسيت إن الأرض بتتحرك من تحتي.
كانت صورتي القديمة.
إيلينا رشاد، بفستان أزرق، وشعري الطويل نازل على كتافي، واقفة جنب أبويا في حفل خيري قبل هروبي بشهرين.
دانتي حط الصورة قدامي.
تعرف البنت دي؟
حاولت أتماسك.
لأ.
قفل الملف بهدوء.
غريبة. عشان
الراجل اللي كان واقف بره الورشة امبارح، سأل عنك بالاسم، وبعدها سأل عن بنت اختفت من القاهرة من سبع شهور.
ما قدرتش أمنع إيديا من إنها تقبض على طرف الكرسي.
دانتي لاحظ.
طبعًا لاحظ.
البنت اسمها إيلينا رشاد. بنت رجل أعمال مصري اسمه فؤاد رشاد. اختفت ليلة فرحها، وأبوها أعلن إنها اختفت، مع إن مفيش دليل واحد على الاختفاء.
رفع عينيه ليا.
تعرف عنها حاجة؟
الصمت كان بيضغط على صدري.
كنت ممكن أكذب مرة تانية.
كنت ممكن أقوم وأهرب، وأدور على شغل في ولاية تانية، وأبدأ من الصفر للمرة اللي مش عارف عددها.
لكن التعب كان أكبر من قدرتي على التمثيل.
قلت بصوت واطي
لو قلتلك الحقيقة، هتسلمني لأبويا؟
دانتي ما ردش فورًا.
بدل ما يجاوب، سألني
أبوك عمل إيه يخليك تخاف منه أكتر من راجل الناس بتقول إنه أخطر شخصية نافذة في شيكاغو؟
بصيت للصورة.
هو ما ضربنيش. ما حبسنيش في أوضة، وما منعنيش من الأكل. هو عمل حاجة أسوأ بالنسبة لي… قرر إن حياتي ملكه.
حكيت له عن كريم، وعن الجوازة اللي اترفضت تلات مرات، وعن إيد كريم اللي شدت على رسغي تحت الترابيزة، وعن أبويا اللي سمع وسكت.
حكيت له عن يوسف، أخويا اللي كان الوحيد اللي بيقف في صفي، واللي مات في حادثة عربية قبل فرحي بسنة.
وحكيت له عن الليلة اللي قصيت فيها شعري، ولبست هدوم أخويا، وهربت من شباك أوضة الغسيل.
ما بكيتش.
كنت فاكر إني خلصت كل دموعي من زمان.
لما سكت، دانتي فضل باصصلي، وملامحه بقت جامدة بشكل غريب.
وإنت فاكر إنك لما هربت، كده الموضوع انتهى؟
ضحكت ضحكة قصيرة من غير فرحة.
لأ. أنا عارف إنهم لسه بيدوروا عليا. بس على الأقل، أنا اللي باختار أصحى فين، وأنام فين، وأشتغل إيه.
دانتي رجع بضهره للكرسي.
عندك حق في حاجة واحدة. إنت مش ملك حد.
وبعدين فتح درج مكتبه، وطلع ظرفًا صغيرًا.
ده مرتب شهرين مقدم. لو عايز تمشي من الورشة، مش همنعك.
بصيتله باستغراب.
مش هتبلغ عني؟
أنا ما وعدتكش بحاجة لسه.
قام وقف، واتجه للشباك.
لكن عندي سؤال أخير. إنت فعلًا بتحب الميكانيكا، ولا اتعلمتها عشان تهرب؟
فكرت في يوسف.
في إيده وهي بتعلمني أمسك المفتاح، وفي ضحكته لما كنت بفك قطعة وأرجع أركبها غلط، وفي اليوم اللي قالي فيه إن إيديا أذكى من ناس كتير بتتكلم طول الوقت.
بحبها. دي الحاجة الوحيدة اللي بحس إنها بتاعتي.
دانتي التفت ناحيتي.
يبقى خليك. لكن من النهارده، مفيش كذب بينا.
كنت على وشك أسأله إذا كان بيتكلم بجد، لما موبايله رن.
رد، واستمع لثوانٍ، وبعدها وشه اتغير.
إيه؟… إمتى؟… محدش يلمس حاجة. أنا جاي.
قفل، وخد مفاتيحه.
قبل ما يخرج، بصلي وقال
إيلينا، في حاجة لازم تعرفيها.
دي كانت أول مرة ينطق اسمي الحقيقي.
الراجل اللي بيدور عليكي مش من رجالة أبوكي.
سكت لحظة.
ده محامي أخوكي يوسف.
الرسالة اللي أخويا سابها قبل موته
حسيت إن نفسي اتسحب مني.
يوسف مات من سنة!
أنا عارف.
يبقى إزاي محاميه بيدور عليا دلوقتي؟
دانتي مد إيده بالملف.
عشان المحامي ده كان بيدور على حد يقدر يسلّمه وصية يوسف الأصلية. والوصية دي اختفت من مكتب المحاماة بعد موته بأسبوع.
فتحت الملف بإيدين بيرتعشوا.




