
هز راسه ببرود واحتقار.
ـ ده مش هيحصل، ولا في أحلامك.
وبص لسارة اللي كانت واقفة ورا شوية… مصدومة من اللي سمعته، ودموعها نازلة من التأثر انه دافع عنها.
وقال قدام الكل بوضوح، بصوت عالي يرن في الفيلا كلها، إعلان حب وحماية:
ـ سارة مراتي… والجواز ده مكمل، غصب عن أي حد.
سارة رفعت عيونها له ببطء… وقلبها دق بطريقة مختلفة، أول مرة، دقة حب، دقة أمان. لأن لأول مرة… حسّت إن أدهم واقف في صفها بجد، بقلبه مش بعقله.
لكن ساندي… كانت واقفة وعيونها مليانة كره وحقد أسود يخوف.
وهمست لنفسها بغضب وغل، وهي بتتجر من ايد أبوها المكسور:
“أنا مش هسيبك يا أدهم… مش هسيبكم تتهنوا…”
—
عدت أيام… أيام هادية بعد العاصفة.
وسارة بدأت تتعود على الفيلا الكبيرة. في الأول كانت حاسة نفسها غريبة وسط المكان… كل حاجة فخمة زيادة عن اللزوم… الخدم… الحرس… والناس اللي بتبصلها بنظرات مش مريحة، نظرات غيرة.
لكن أدهم كان واضح جدًا، كان عاملها سور حماية. أي حد في البيت حاول يقلل منها… كان يوقفه فورًا، بلا رحمة.
مرة واحدة من قرايبه قالت بسخرية قدام الكل وهي بتبص لسارة بقرف:
ـ واضح إن بيت الجارحي بقى مفتوح لأي حد يجي من الشارع.
أدهم بص لها ببرود يرعب وقال بصوت سمعه البيت كله:
ـ سارة مراتي… ست البيت ده… واللي مش عاجبه الكلام ده يقدر ميجيش هنا تاني، الباب يفوت جمل.
المكان كله سكت. وسارة بصت له وقتها بدهشة، بامتنان، بقلب بيدق، ما كانتش متوقعة إنه يدافع عنها بالشكل ده، بالشراسة دي.
ومع الأيام… بدأت تكتشف جوانب مختلفة في شخصية أدهم، جوانب عمر ما حد شافها.
مرة شافته في المستشفى بيكلم الدكتور عن حالة أمها بإهتمام شديد… كأنه بيتكلم عن أمه هو، قلقان بجد، وبيسأل عن كل تحليل.
ومرة شافته في المكتب وهو بيتعامل بصرامة وجبروت مع رجاله… بس لما شاف عامل بسيط اتعور في الشغل، وقف كل حاجة، الاجتماع والمكالمات، لحد ما اتطمن عليه بنفسه ووصله للدكتور.
مرة تانية دخلت المطبخ بالصدفة… ولقت أدهم واقف لوحده، قالع الجاكيت، بيشرب قهوة وسرحان، شكله مرهق وإنساني أوي.
أول ما شافها اتفاجئ، وبعدين قال بهدوء، بهدوء زوج بيكلم مراته:
ـ مش لازم تفضلي واقفة… اقعدي.
سارة اتفاجئت. أدهم اللي الكل بيخاف منه… بيتكلم معاها ببساطة كده، بحنية.
مع الوقت… قلبها بدأ يتغير، غصب عنها. كل يوم كانت تكتشف فيه حاجة جديدة فيه. حنيته اللي بيخبيها ورا قناع القسوة. طريقته في حمايتها من غير ما يطلب مقابل. النظرة اللي بقت ساعات تتعلق بيها شوية زيادة، نظرة اعجاب وحب بيحاول يداريه.
وقلبها… بدأ يدق له من غير ما تحس، بدأ يحبه، بس كانت بتكابر.
لكنها كانت دايمًا تفكر نفسها بخوف: “فوقي يا سارة… ده جواز اتفاق… مش أكتر… هو بيعمل كده عشان شكله قدام الناس.”
لحد ما جت ليلة… ليلة غيرت كل حاجة.
الساعة كانت قرب منتصف الليل. سارة كانت قاعدة في الصالة مستنية أدهم يرجع. بقى عادة عندها تستناه… حتى لو ما اعترفتش بده لنفسها، بقت تحب تسمع صوت عربيته، بقت تطمن لما يدخل البيت.
فجأة… صوت العربية بتاعته دخل من بوابة الفيلا. ابتسمت بخفة لا ارادية وهي بتقوم من مكانها، قلبها دق بفرحة.
لكن في نفس اللحظة… برا الفيلا.
أدهم كان سايق عربيته داخل الطريق المؤدي للبوابة، تعبان وعايز يروح يشوفها.
وفجأة… عربية سودة قطعت الطريق قدامه بعنف، بفرملة تخوف.
أدهم ضيق عيونه، حس بالخطر، غريزته قالتله في حاجة غلط.
وقبل ما يفهم اللي بيحصل… باب العربية السودة اتفتح بعنف. وطلع منها اتنين لابسين أسود وملثمين.
وفجأة… دوّي الرصاص ملأ المكان، صوت يرعب.
طخ… طخ… طخ!
الرصاص ضرب في العربية، في الازاز، في كل حتة.
أدهم حاول يلف الدركسيون بسرعة، بقلب بيدق بجنون.
لكن فجأة… طلقه اخترقت الزجاج، طلقة غادرة.
واستقرت في كتفه. ألم ناري، حارق.
أدهم شهق بألم مكتوم وهو بيحاول يسيطر على العربية، الدم بدأ ينزف بغزارة، بيغرق قميصه.
العربية خبطت في سور صغير جنب الطريق ووقفت بالعافية.
الحرس بتوع الفيلا سمعوا الضرب، خرجوا بسرعة وبدأ تبادل إطلاق النار، صوت رصاص في كل مكان.
العربية السودة هربت بسرعة في الظلام، زي الشبح.
وأدهم كان لسه قاعد في العربية… إيده على كتفه والدم بينزل بغزارة، نفسه بيروح، ووشه بقى أبيض.
بعد دقائق… بوابة الفيلا اتفتحت بعنف. والحرس دخلوا بالعربية بسرعة مجنونة.
سارة كانت واقفة في المدخل، قلبها مقبوض من ساعة ما سمعت صوت الرصاص من بعيد، حاسه ان في مصيبة.
أول ما شافت العربية بالشكل ده… متكسرة وغرقانة دم… قلبها وقع في رجلها، حست ان روحها بتتسحب منها.
جريت ناحية العربية وهي بتصرخ، بتصرخ من قلبها، صرخة خوف وحب:
ـ أدهم! أدهم!
باب العربية اتفتح… وسارة شافت الدم على هدومه، شافت وشه الأبيض. شهقت برعب، ايديها اتحطت على بوقها:
ـ يا نهار أبيض! أدهم!
أدهم كان بيحاول يفضل واعي، بيحاول يطمنها وهي قدامه بتعيط. بص لها بعين تقيلة، نص مفتوحة، وقال بصوت ضعيف، متقطع، بيطمنها حتى وهو بيموت:
ـ متخافيش… أنا كويس…
لكن قبل ما يكمل كلامه… رأسه مال شوية من الألم والتعب، وفقد توازنه.
سارة مسكت إيده، ايده الساقعة الغرقانة دم، وهي بتعيط بهستيريا، بتموت من الخوف:
ـ حد يجيب عربية! بسرعة! هيموت مني!
بعد دقائق… كانوا في طريقهم للمستشفى، بتجروا في الشارع.
وسارة قاعدة جنبه في العربية… ماسكة إيده بقوة، بقوة واحدة مش عايزة تسيب حبيبها يروح، دموعها بتنزل زي المطر على ايده، وبتدعي.
وقلبها بيصرخ جواها بخوف واحد بس، خوف اعترفت بيه لأول مرة لنفسها:
“لو جراله حاجة… أنا مش هقدر أعيش من غيره… أنا بحبه.. يا رب ما تاخدوش مني.”
لكنها ما كانتش تعرف… إن اللي ورا الهجوم ده… مش مجرد أعداء لأدهم في السوق.
وإن الاسم اللي هيظهر بعد شوية… هيكون صدمة كبيرة جدًا، وهيقلب الموازين.
ساندي.
—
عدّى أسبوع كامل… أسبوع كأنه سنة.
أوضة العناية المركزة كانت هادية جدًا… صوت الأجهزة الطبية بس هو اللي مالي المكان.. تيك.. تيك.. تيك.. كل تكة بتوجع قلب سارة اللي قاعدة بره.
أدهم كان نايم على السرير… ملامحه شاحبة شوية، شاحبة وتعبانة، وكتفه مربوط بالضمادات والدم لسه معلم.
سارة ما سابتش المستشفى لحظة. قاعدة على الكرسي قدام الأوضة، لا بتنام ولا بتاكل، عينيها ورمت من العياط والسهر، وبتدعي في كل ثانية.


