
هاشم السيوفي عنده 35 سنة. طويل، كتافه عريضة، دقنه دايماً مهندمة، وعينه فيها حِدة بتخلي أي حد يفكر مرتين قبل ما يكدب عليه. ابن عيلة المسيري بتاعة الحديد والصلب. فلوس تتكلم، وأراضي، ومصانع، واسمه بيتفتح له ألف باب. بس رغم كل ده، هاشم كان دايماً حاسس إنه محبوس في قفص دهب.
من سبع سنين بالظبط، قابل أمل توفيق.
أمل كانت سكرتيرة في الدور السادس في شركة المسيري. بنت 24 سنة، وشها مدور زي القمر، وضحكتها بتخلي يومك ينضف. من أسرة بسيطة ساكنة في شبرا. أبوها توفيق موظف على المعاش، وأمها ست بيت بتعمل أحلى صينية بطاطس في المنطقة. لا عندها عربية ولا فيلا، بس عندها كرامة وعزة نفس تهد جبل.
أول مرة هاشم شافها كانت داخلة عليه المكتب بملف، وقعت من التوتر والقهوة ادلقت على البدلة بتاعته اللي تمنها مرتب شهرين. استعدت تتفصل في نفس اليوم، بس هو بص للبدلة وبصلها وقال:
“فداكي.. المهم إنتي كويسة؟”
ومن يومها بدأت الحكاية. فطار متأخر في المكتب، مكالمات بعد الشغل، ويوم خميس اعترفلها وهو بيوديها لحد أول الشارع عشان أبوها ميرضاش حد يوصلها لحد البيت. قال لها: “يا أمل.. أنا مش شايف حياتي من غيرك”.
أمه، الحاجة فريال المسيري، وقفت له زي الصخرة.
“تتجوز حتة سكرتيرة؟ بنت البواب؟ الناس تقول علينا إيه؟ إحنا المسيري!”
أبوه سكت، بس السكوت بتاعه كان رفض أتقل من الكلام.
أخوه الكبير عبدالله، دراعه اليمين في الشغل، قاله: “هاشم.. الجواز نسب. وإنت بتناسب لنا كلنا مش بتناسب ل نفسك بس”.
هاشم عنيد. وقف قدامهم كلهم وكتب كتابه على أمل في قاعة صغيرة حضرها 20 نفر بس. مفيش فرح كبير، مفيش صور في الجرايد. أهله قاطعوه 6 شهور، لحد ما أبوه تعب ودخلوا المستشفى، فهاشم رجع، واتصالح مع عيلته.
عاشوا 3 شهور بس مع بعض في فيلا صغيرة في التجمع. 3 شهور كانوا بالعمر كله. كانت بتصحيه الصبح تحط له الفطار، وتراجعه في جدول أعماله كأنها لسه السكرتيرة بتاعته. كان بيرجع آخر الليل يلاقيها مستنياه ويسهروا مع بعض.
بعد 3 شهور جاله سفرية شغل مهمة لباريس. مصنع جديد وشراكة مع شركة فرنساوية. كان لازم يقعد أسبوعين.
يوم السفر، أمل حضنته في المطار وقالتله: “خلي بالك من نفسك.. ومتطولش عليا”.
قالها: “أسبوعين ويعدوا هوا. هرجع نطلع شهر عسل تاني، ماشي؟”
ضحكت وهزت راسها.
فات الأسبوع الأول، وكان بيكلمها فيديو كل يوم. يحكي لها عن برج إيفل، وهي توريه الأكل اللي طبخته وصورته عشان لما يرجع تعملهوله.
اليوم التامن الساعة 3 الفجر بتوقيت باريس، تليفونه رن. عبدالله أخوه.
“ألو.. عبدالله خير؟”
صوت عبدالله كان متكسر: “البقاء لله يا هاشم.. أمل.. أمل عملت حادثة على الدائري وهي راجعة من عند أمها.. العربية اتقلبت.. ماتت في ساعتها”.
هاشم مفهمش. “نعم؟ أمل مين اللي ماتت؟ إنت بتقول إيه؟”
“يا هاشم شد حيلك.. الدفنة كانت العصر. مكنش ينفع نستنى. الإجراءات خلصت… دفناها في مدافن العيلة”.
قفل السكة، وهاشم واقف في نص الأوضة في الفندق، وماسك التليفون. الدنيا سكتت مرة واحدة. لا صوت، لا نفس، لا باريس، لا شغل. بس جملة واحدة بتتكرر: “دفناها”.
تاني يوم الصبح كان في طيارة. 4 ساعات طيران كأنه 4 سنين. وصل القاهرة وطلع من المطار على المدافن عدل. عبدالله وأمه كانوا مستنيينه. أمه بتعيط، وعبدالله وشه في الأرض.
وقف قدام قبر رخام أبيض جديد، مكتوب عليه بالخط الكوفي:
“المرحومة أمل توفيق .. زوجة هاشم المسيري”
“توفيت يوم 12 مارس 2019”
نزل على ركبه. مسك الرخام بإيده. كان بارد. برد غريب دخل في عضمه.
“أمل؟.. أنا جيت.. مش قولتيلي متطولش؟”
محدش رد. التراب لسه جديد، وزرع الصبار اللي جنب القبر لسه متسقاش.
من اليوم ده وهاشم اتغير. قفل الفيلا اللي عاشوا فيها وباعها. رجع قعد في قصر العيلة، بس ساكت. شغله كبر أكتر، بقي اسم المسيري في كل حتة، بس هو نفسه مبقاش موجود. كل خميس بعد صلاة المغرب، لازم يروح المدافن. يقعد ساعتين يتكلم مع القبر، يحكي لها عن الشغل، عن أمه اللي تعبت، عن عبدالله اخوه اللي بقى مدور الشركة معاه.
أهله عرضوا عليه بنات وزراء ورجال أعمال. أمه اتحايلت عليه.
“يا بني الضنا غالي.. لازم تِخلف ولد يشيل اسمك”.
كان رده ثابت: “أنا اتدفنت معاها يوم 12 مارس. أنا بس اللي بتأخر على القبر شوية كل يوم وبروح”.
سبع سنين عدوا. 2019 بقت 2026. هاشم بقى 35 سنة. بس القبر لسه زي ما هو، والحزن لسه زي ما هو…يتبع
الفصل الثانى
مكتب هاشم في الدور الـ25. إزاز من الأرض للسقف، والتجمع كله تحته. الساعة 10 الصبح، وعبدالله قاعد قدامه بيشرح صفقة الحديد الجديدة.
تليفون هاشم الداخلي رن. السكرتيرة: “هاشم بيه، مدام ليلى مرات عبدالله بيه على التليفون، بتقول ضروري”.
هاشم بص لعبدالله، فتح الاسبيكر.



