
تلاحمت أنفاسه مع أنفاسها في سيمفونية حالمة ، تنبض بينهما كأنها لحن من عشقٍ أبدي ، قبل أن تتسع عيناه في ذهول عارم ، وهو يشعر بجسدها يرتخي بين ذراعيه ، ثم سقطت مغشياً عليها ، ليتهاوى معها قلبه الهادر بعنف على الرمال.
جثي بها على الرمال ، ورفع جذعها ليُسنده على معدته ، بينما أصابعه المرتعشة مرت على خدها بقلق مكبوت إنعكس علي ملامحه ، وصوته المختنق بالخوف يناديها : إبريل! حبيبتي! ردي عليا .. انتي كويسة؟ إبريل!
اقترب وجهه منها أكثر ، حتى كاد أن يلتصق بأنفاسها ، يراقب حركة صدرها لا صوت حاد يخرج منه يشعره بالخطر ، فزفر براحة ثقيلة حين تأكد أن نوبة الربو لم تصبها ، وأنها فقط غاصت في سبات عميق من التعب.
من خلفه ، تردد صوت السياح بضحكات وهتافات عالية ، غير مدركين لعالمه المنعزل في تلك اللحظة ، رفع ذراعه مشيراً لهم بإنهاء الاحتفال قائلاً بالإنجليزية بصوت ثابت : حسنًا ، شكرًا لكم، ليلة سعيدة جميعًا!
عاد بنظره إليها، ليراها على حالها ، فابتسم بسخرية ، ورفعها بين ذراعيه ، وسار بها بخطوات هادئة ، يدور بنظره في المكان المظلم ، وقد ضل طريق الغرفة ، لم تمضِ لحظات حتى رفّت أهدابها الثقيلة ، وابتسمت بخفة ، تنظر إليه بتساؤل : احنا مشينا من الحفلة مش كدا؟”
تجمدت قدميه فى الحال ، وعيناه تتسعان بدهشة مذهولة ، وبصوت مثقل بالاستغراب والشك سأل : يعني .. انتي كل دا فايقة وماكنتيش نايمة؟
ضحكت بخبث طفولي : مالقتش وسيلة للهروب غير دي .. أومال يعني كنت عايزني أسيبك تبوسني قدام الأجانب؟!”
ضحك رغمًا عنه ، بمشاعر متناقضة بين غيظه وإعجابه بها ، وهمس بنبرة مغتاظة : حريفة هروب ومعجونة بمية أبالسة!
_انا يا حبيبي؟!
تصنعت البراءة بغنج ماكر ، وهي تضع كفها فوق وجنته ، لكنه أسرع بإبعاد وجهه عن متناول أصابعها الباردة ورد بإنزعاج : إيدك زي التلج!
ابريل بتبرم : طيب مستني إيه؟ نزلني بقى
أنزلها على الأرض بحذر ، ليشعر بآلامٍ خفيفة في ظهره بسبب حملها ، بينما وقفت بتوازن مهتز محاولة السير ، لكنه أخرج حذاءها من جيوبه ، ورفعه أمام وجهها مباشرة ، لتأخذه بتذمر واضح.
خطت خطوتين بتشوش ، ولكن سرعان ما اصطدمت به بلا وعي ، أسندها بيديه وهو يبعدها عن صدره قليلاً ، ناظرًا إلى عينيها النصف مغمضتين ، متسائلا بعدم رضا : هتمشي إزاي وانتي نايمة على نفسك؟
شعرت كأن السؤال جاء من مكان بعيد
، لكنها دفعت يديه عن ذراعيها بعناد ، وخرج صوتها ضعيفاً مبهماً : هعرف أمشي!
رد باسم بسخرية مشوبة بالشك : متأكدة؟
نظرت حولها برؤية غارقة في ضبابية الخمر والنعاس ، ثم أجابته ببطء : آه .. بس .. هي فين؟!
رفع باسم حاجبيه ، وهو يسألها بدهشة : “بتدوري على إيه؟
ردت ابريل ببساطة : الأوضة…
أحاط كتفها بذراعه حينما كادت أن تسقط ، بينما ضحكته المرحة تنتشر في الهواء : واضح إنك مصحصحة أوي يا حبيبتي
رفعت وجهها نحوه بنظراتٍ تتسلل منها براءةٌ وتشوش ، وبهمسٍ مليء بالتعب قالت : يلا خدنا على الأوضة .. خليني أنام
فجأة هبطت على عقبيها ممسكة بطنها ، لتئن بألم مكبوت ، فانحنى باسم أمامها ، يداه تستند على ركبتيه بقلق : قعدتي كده ليه؟ مالك؟
همست بخجل ، وجهها يتلون بحمرة الآحراج : عايزة أروح الحمام!
جحظت عيناه بصدمة ، وهمس بنبرة متفاجئة : نعم يا أختي؟!
ردت ابريل بتقطع : شربت عصير كتير .. محتاجة أروح الحمام حالًا قبل ما المثانة تنفجر!
مسح باسم على وجهه بيده محاولاً السيطرة على ارتباكه ، وتساءل بحذر : وقاعدة كده ليه؟ أكيد مش هتفضحينا تعمليها هنا؟!
أجابت ابريل بانفعال : انت عارف خطر قد إيه حاجة زي دي تتكتم؟!
رفع باسم يديه أمامها ، وهو يحادثها بصوت هادئ ، محاولاً منعها من فعل ما تفكر فيه : امسكي نفسك يا حبيبتي!
حاوطت ابريل نفسها بذراعيها أكثر ، وهى تتألم وصاحت بنبرة متوسلة : مش قادرة… مش قادرة!
ألقى باسم نظرة سريعة على رقم الغرفة المنقوش على المفتاح ، ثم التف حوله في محاولة التركيز وسط الظلام ، وهو يهمس بتحذير متوتر : حاولي معلش .. الاوضة اخر الطرقة مش بعيدة يعني
هزت ابريل رأسها بألم يعتصر أحشائها ، فزفر بعمق ومد يديه لمساعدتها على الوقوف ، وهو يقول بسرعة : يلا قومي معايا!
تأوهت ابريل برفض ، وعادت لتحيط نفسها بذراعيها ، محاولًة جاهدة السيطرة على تماسكها : لالا .. ماتحركنيش أنا على شعراية والله
وهتف بنبرة مضطربة يكسوها غضب مكتوم : كمان!! اعمل ايه فيكي دلوقتي يا مجنونة؟
خرجت الحروف عنوة من بين شفتيها : وحياة أبوك اتصرف بسرعة يا باسم!!
أعطاها باسم ظهره ، وآمرها بحسم : طلعي على ضهري .. يلا علي مهلك!
ترددت ابريل لوهلة ، لكنها امتثلت لآمره ، وتشبثت بعنقه بكلتا يديها ، فرفعها بتأنٍ ، وساقيها ملتفتان حول جانبيه ، ليحمر وجهه بقوة ، وهو يشعر أن أنفاسه تكاد تنقطع من شدة الإختناق : براحة هتخنق! إنتي قافشة حرامي!
سعل باسم بخفوت وهو يبعد يدها عن حنجرته ، ثم هرول بها في الممر ، متجهًا نحو الغرفة بأسرع ما يمكنه.
✾♪✾♪✾♪✾♪✾
وقف مستندًا بظهره إلى الحائط المجاور للحمام ، وذراعاه متشابكتان أمام صدره بتململ واضح ،
دحرج عيناه بين عقارب ساعة معصمه ، وبين الباب المغلق أمامه ، وصوته اخترق الصمت أخيرًا ، محاولًا تهدئة ما بداخله من قلق : إبريل! بقيتي عاملة إيه دلوقتي؟
انتظر لحظة ، لكن لم يتلقَ ردًا ، ضغط بأسنانه على شفتيه ، والنفَس الذي زفره خرج ممتزجًا بنبرة فقدت صبرها :
طيب .. خلصتي ولا إيه ظروفك؟
تسللت لمحة من القلق إلى نبرته ، وهو يطرق الباب بعنف خفيف يمتزج بلهجة تهديد : ردي بدل ما أكسر الزفت الباب ده!
كتم أنفاسه لثوانٍ ، ينتظر سماع صوتها ، لكن الصمت ظل سيد المكان ، مد يده نحو مقبض الباب وضغط عليه بقوة ، ليفتح بسهولة عكس توقعاته ، لم يكن مغلقًا من الداخل ، مما أثار ذعره أكثر.
تردد للحظة في الدخول ، وهناك صراع داخلي بين خوفه مما قد يراه ، وبين يقينه بضرورة الاطمئنان عليها ، حسم أمره أخيرًا ، مقنعًا نفسه أنه لابد من التأكد أنها لم ترتكب حماقة.
خطا إلى الداخل بخطوات متثاقلة مشبعة بحذر غريزي ، بينما عيناه تجولتا في كل ركن بالمكان ، لكنه لم يجد لها أثرًا ، حتى وقع نظره على حوض الاستحمام ، اتسعت عيناه بدهشة امتزجت بضحة مليئة بالتعجب وهو يراها ممددة داخله ، كأنها طفلة صغيرة غارقة في نوم هادئ ، غير واعية بما أثارته من فوضى داخله.
جلس على حافة الحوض ، يمرر يده على شعره بتوتر ، وهو يرمقها بنظرة لا تخلو من الذهول من تصرفها الغريب : يخربيت جنانك! إيه اللي منيمك في البانيو كده؟


