
محمود مكنش يعرف انها مخطوبة، لحد ما في يوم شاف جمال طالع عندهم وشايل علبة جاتوه وداخل بيت منار وهو لابس بدلة ومستشيك. سأل البواب مين ده؟ البواب قال له ده خطيب منار ابن خالتها وجاي يقرا فاتحة تاني ولا حاجة. محمود حس بحاجة غريبة كده ضايقته، كأن حد خبطه على صدره، بس قال لنفسه وانا مالي، تغور هي وخطيبها، انا اصلا مش طايقها.
ومن ساعتها بقى يتجنبها، مبقاش يطلع البلكونة في نفس وقتها، ولو شافها في الاسانسير يبص الناحية التانية. منار لاحظت وقالت لنفسها احسن، بركة يا جامع انه بعد. بس جواها كانت متضايقة ومش فاهمة ليه.
الايام عدت والخناقات قلت، لحد ما جه يوم الخميس اللي قبل امتحانات الثانوية باسبوع. العمارة كانت هادية جدا والدنيا ليل. منار كانت قاعدة في البلكونة لوحدها بتعيط جامد، عياط مكتوم كده بس باين عليها منهارة، شعرها منعكش وعنيها وارمة ولابسة ترينج اسود وشكلها تعبان. محمود كان راجع من الشغل متأخر وطالع البلكونة يشرب سيجارة ويفكر في قضية شاغلة دماغه، لمحها فاستغرب لان اول مرة يشوفها ساكتة ومش مشغلة اغاني ولا بتتخانق. فضل واقف شوية متردد يكلمها ولا لا، اصله متعود يتخانق معاها مش يواسيها. بس منظرها وجعه اوي.
قال لها بصوت واطي منار؟ انتي كويسة؟ مردتش. قال لها بصوت اعلى شوية منار! بتعيطي ليه؟ رفعت وشها وبصتله وعنيها مليانة دموع وقالت له مفيش حاجة روح شوف شغلك. قال لها لا في حاجة، صوت عياطك واصل لاخر الشارع على فكرة وبتعملي ازعاج وده يعتبر محضر ازعاج برضه. حاول يهزر عشان يخليها تضحك بس هي عيطت اكتر وشهقت.
قال لها طب خلاص متعيطيش، احكيلي مالك؟ انا مش ظابط دلوقتي انا جارك. قالت له فرحي اتفسخ. جمال سابني. قال لها انه مش عاوز واحدة صوتها عالي وبترد على الظباط ومش بتحترم حد وان انا فاضحة في العمارة وان اهلي معرفوش يربوني. وامي عمالة تعيط جوه عشان الناس هتقول ايه وان انا بقيت معيوبة وصحابي كلهم عرفوا. انا مكنتش بحبه يا محمود بس الكلام وجعني اوي.
محمود حس بدمه فاير، اول مرة يحس انه عاوز يضرب حد بجد عشان منار. ايده اترعشت من الغضب. قال لها هو فين الزفت ده؟ قالت له سافر تاني يوم الخناقة. قال لها طب كويس انه سافر وسابك، ده واحد مريض اصلا ومعقد وانتي تستاهلي حد احسن منه بكتير. قالت له بجد؟ كل الناس بتقول ان انا السبب عشان لساني طويل وبعمل مشاكل. قال لها لسانك طويل اه ومشاكلك كتير اه بس قلبك ابيض وزي العسل وبتضحكي العمارة كلها، واللي ميعرفش قيمة ده يبقى حمار وابن ستين كلب كمان.
منار ضحكت وسط دموعها وقالت له اول مرة تقول كلمة حلوة من ساعة ما سكنت قصادي. قال لها عشان اول مرة اشوفك بتعيطي بجد مش بتمثلي عشان تغيظيني ولا عشان تخليني اوطي صوت التليفزيون. سكت شوية وبعدين قال لها على فكرة انا كل يوم بتخانق معاكي في البلكونة ببقى مستني الخناقة دي، اليوم اللي مبتطلعيش فيه بحس ان البلكونة وحشة من غير دوشتك وصوتك النشاز. انا اتعودت عليكي يا منار.
منار بصتله بدهشة وقلبها بيدق جامد وحست ان وشها احمر. وقالت له انت بتتكلم بجد يا محمود؟ يعني انت مش بتكرهني؟ قال لها اكرهك؟ ده انا لو بكرهك مكنتش كل يوم اعدي من قدام درسك عشان اشوفك وانتي طالعة، ولا كنت اوصي اسما تاخد بالها منك وانتي نازلة متأخر. انا بغلس عليكي عشان تاخدي بالك مني بس.
وفجأة باب شقة منار اتفتح وطلعت ميادة واسما الجارة وهم سامعين صوت عياطها من جوه، ولقوا محمود واقف في البلكونة قصادها وبيبصلها بحنية غريبة اول مرة يشوفوها عليه. ميادة قالت ايه يا منار مالك يا بنتي؟ في ايه يا محمود؟ منار مقدرتش ترد من الكسوف والعياط. محمود من غير ما يفكر ولا يحسبها، نط من البلكونة بتاعته للبلكونة بتاعتها، المسافة كانت صغيرة اوي بينهم، والجيران كلهم اللي كانوا واقفين في البلكونات بيتفرجوا اتصدموا وشهقوا. راح واخدها في حضنه قدامهم كلهم. حضن كبير ودافي وطويل وقال لها بصوت عالي عشان العمارة كلها تسمع متعيطيش تاني طول ما انا موجود، وانا هوريكي مين هيقدر يقول عليكي كلمة وحشة تاني.
العمارة كلها سكتت ثانية وبعدين اسما زغرطت جامد وقالت اللهم صلي على النبي اخيرا يا ولاد. وميادة حطت ايدها على بوقها من المفاجأة وبعدين عيطت من الفرحة. ومنار كانت مصدومة ومكسوفة بس حضنه كان امان اول مرة تحسه من ساعة ما اتخطبت، حضن مخليها مش عاوزة تطلع منه.
من ساعتها محمود مبقاش الظابط المغرور اللي ساكن قصادها، بقى محمود اللي بيستناها تخلص درسها عشان يوصلها في عربيته البوكس، واللي بيذاكر لها تاريخ عشان هي بتكرهه، واللي بيوطي صوت جزمته وهو طالع السلم عشان هي بتذاكر، واللي بيشتري لها اندومي اللي بتحبه ويحطه قدام باب شقتهم من غير ما يقول. ومنار مبقتش تعلي الاغاني عشان تغيظه، بقت تعليها عشان هو بيحب يسمعها وهي بتغني بصوتها الوحش ويرقصوا سوا في البلكونة
