
وعينيه كانت بتقول حاجة واحدة بس… إنه عمره ما قدر يعتبرها أخته، وعمره ما هيقدر.
—
اليوم المنتظر جه… يوم الفرح…
حنين كانت قاعدة في أوضتها… لابسة بيجامة بسيطة… الدموع والألم من الأيام اللي فاتت لسه في قلبها، قلبها مقبوض وحاسة ان النهاردة هيكون أصعب يوم في حياتها…
وفجأة الباب اتفتح بسرعة… خالتها، أم ماهر، دخلت وهي مبتسمة، وشها منور، وفي إيدها فستان أبيض جميل، فستان يخطف العين، الفستان كان من النوع اللي بيلمع خفيف تحت الضوء، وطوله واصل للأرض… ومعاه شريط رقيق من الدانتيل على الكتف، فستان عروسة بجد.
قالت بخفة ودلع وحب: حنين… تعالي يا قلب خالتك! عايزة تقيسي الفستان ده… ريم مش موجودة النهاردة… وأنا محتاجة أتأكد إنه هيبقى مظبوط عليها قبل ما تيجي.
حنين رفعت عيونها بدهشة وصدمة: إيه الكلام ده؟! إنتي تقوليلي أقيس الفستان؟! الفرح مش ليا! ازاي أقيس فستان عروسة تانية!
خالتها ضحكت بخفة وقالت بذكاء: آه… بس تعالي نصايب الفستان، مش أكتر، عشانك انتي قريبة من مقاسها.
حنين اترددت… قلبها بيدق بخوف… لكن فضول البنت جواها، وحبها للفستان الأبيض، خلاها تقرب، ايدها بتترعش.
خدت الفستان وبدأت تقيسه… دخلت الحمام ولبسته…
ولما حطته على جسمها… وبصت في المراية… الصدمة… شهقت… المقاس كان بالظبط عليها، بالمللي، وكأن الفستان معمول مخصوص لها هي، كأنه متفصل على مقاس قلبها.
رفعت عيونها لخالتها ودموعها نزلت وقالت بصدمة وفرحة مخلوطة بوجع: إيه ده؟! ده أنا بالظبط! ده مقاسي انا!
خالتها قربت ودموعها نزلت هي كمان، وقالت وهي مبتسمة بنبرة فيها حنان وخبث وحب كبير: طب يلا تعالي معايا برا… عايزين الخياطة تضبط شوية حاجات صغيرة… تعالي.
حنين وقفت للحظة… قلبها بدأ يدق بسرعة… بسرعة مجنونة… حاسة ان في حاجة غريبة بتحصل… لكن فضولها وقلبها دفعها تمشي وراها، كأنها مسحورة.
خرجوا من الأوضة… ودخلوا الجنينة الصغيرة اللي قدام البيت… الجنينة اللي متزينة…
وفجأة، حنين اتقفلت عيونها على منظر خلاها تتجمد في مكانها… رجلها ما بقتش شايلاها…
أمامها كان المأذون واقف… بجلابيته البيضا… وماهر واقف ببدلة الفرح، بدلة سودا فخمة، ووالده واقف جنبه بيضحك، وعم حسن واتنين شهود، وخالتها بتعيط من الفرحة.
الجنينة كانت مزينة بخيوط بسيطة من الزينة… والعينين كلها على حنين، كلها بتبصلها بحب.
خالتها ابتسمت وقالت بصوت هادي ودموعها نازلة: حنين… جه الوقت يا بنتي، جه وقت فرحك انتي.
حنين وقفت مكانها… جسمها كله ارتجف… رعشة فرحة وخوف… نظرة لفهما… قلبها هيقف…
نظرت لماهر… وشه كان جدّي… بس عيونه… عيونه مركزة عليها… مليانة حب ودموع محبوسة… وصوته هادي لكنه قوي، قوي أوي، طلع من قلبه:
= حنين… ده الفرح اللي المفروض يبقى لنا… من زمان… ده فرحك انتي، انا عمري ما كنت هتجوز غيرك.
قلبها اتقبض… الدموع بدأت تحرق عينيها… بس المرة دي دموع فرحة… فرحة مجنونة… ولم تستوعب…
إزاي كل ده حصل فجأة؟! إزاي طلع كل العذاب ده خطة؟!
كانت عارفة حاجة واحدة بس… إن الفرح اللي كل الأيام دي كانت بتحاول تهرب منه… النهاردة هيكون يومها هي، يومها مع حبيبها، وهتواجه ماهر فيه بقلبها بجد.
—
النهارده كان كله ضوء وفرحة… نور…
حنين كانت قاعدة على الكرسي في الصالة… الفستان الأبيض منور عليها، مخليها زي الملاك… والدموع اللي كانت في عيونها قبل كام يوم اتحولت لابتسامة كبيرة، ابتسامة عروسة بجد.
لأول مرة… حست إنها العروسة، حست ان الفستان ده معمول عشانها هي.
المأذون ابتدأ بسرعة، وصوته هادي، والناس حوالينها كانوا بيصقفوا ويبتسموا… صوتهم كله فرحة… الورود متعلقة في كل حتة… العطر مالي المكان… ريحة الياسمين…
ماهر واقف قدامها… بيده شايل الكتاب… بس ملامحه كانت جدية… عيونه مليانة وجع وحب… برغم إن قلبه كان بيناديه يهجم على الفرح ويحضنها، كان لسه بيتظاهر بالبرود… مش قادر يسامحها بسهولة إنها قالتله زي أخويا واتخلت عنه قبل كام يوم.
المعازيم كلهم كانوا مستنيين… الكاميرا بتصور… والدي جي مشغل أغنية هادية رومانسية…
المأذون سأل حنين بصوت هادي وحنين: يا عروسة… موافقة على الزواج من المقدم ماهر؟
حنين رفعت عيونها لماهر… شافت البرود في عينيه… بس المرة دي فهمت البرود ده حب، برود عتاب… قلبها كان بيقول لها غير كده.
ابتسمت وقالت بصوت فيه حنان ودموع فرحة وحب كبير: أيوه… موافقة… موافقة يا ماهر، موافقة من وانا صغيرة.
ابتدأ المأذون الكتاب… والكل صفق لما وقع الخاتم في يدها… خاتم بيلمع قد حبهم…
بعدها، الموسيقى ارتفعت شوية… والمعازيم ابتدوا يدوروا حوالينهم… يزغرطوا…
ماهر قرب منها وقال بهدوء، بهمس، بس صوته لسه فيه عتاب: حنين… تعالى نرقص، رقصتنا الأولى.
حنين شالت يدها في إيده… قلبها بيدق بسرعة… بسرعة لدرجة انها حاسة انه هيطلع… بس ملاحظت إنه لسه بارد معاها… مش بيقدر ينسى اللي حصل، مجروح.
بدأوا يرقصوا… ماهر ماسك إيدها بإحكام، كأنه خايف تهرب تاني… عيونه بتبص بعيد… بيحاول يبان جامد…
لكن حنين حسّت إن فيه حاجة مختلفة… قلبه بيدق بسرعة… هي سامعة دقات قلبه… بس عقله مش راضي يسامح بسهولة.
حنين قربت منه شوية… لازقة فيه… حكتله بصوت خفيف ودلع، دلع عروسة بتحب عريسها: إيه يا عم العريس… لسه زعلان مني؟ لسه قافش؟ ده يوم فرحنا.
ماهر شال نظره عنها… وقال ببرود مصطنع: مش زعلان… بس مش قادر أنسى كلمة أخويا، وجعتني أوي.
حنين ضحكت بخفة، ضحكة عروسة، وقالت وهي بتلمس إيده على ظهرها بحنية: طيب… تعال نتصالح شوية… انا آسفة، والله آسفة.
وبدأت تدلع عليه… تمسح إيده من على ظهرها برقة… تضحك بخفة… تقول له كلمات حلوة في ودنه… وكل حركة منها، كل نفس منها، تخلي قلبه يلين شويه رغم بروده، تخليه يضعف.
هو حاول يكمل ببرود… حاول يفضل ماسك نفسه… لكن كل مرة تدلع عليه… قلبه كان بيرجع يلهث… ويشتاق ليها… ويدوب…
المعازيم كانوا متفرجين… والجو كله مليان ضحك وفرحة… وحتى عيون ماهر بدأت تتغير شوية… القسوة اللي فيها بدأت تدوب… رغم إنه لسه ما سامحهاش… لكن واضح إنه مش قادر يقاوم دلعها وحبها، واضح انه بيحبها بجنون.
—
بعد الرقصة الأخيرة… الموسيقى بدأت تهدى شوية، بقت هادية وحالمة، والمعازيم كلهم كانوا فرحانين… بيصقفوا…


