انطلقت الدموع من عينيها تردد الكلام دفعة واحدة
وقد شعرت بروحها تكاد تفارقها من فرط الوجع:
-هو أنت ليه عملت كدا، مش المفروض كلمتك كمحامى
شرف، إزاى تقبل أنك تتفق معاهم عليا أنا بسحب
القضية وهشوف محامى تانى
نهض من على مقعده سريعًا هو يحاول استيعاب كلماتها
عن أى اتفاق تتحدث ثم حدثها بلين:
-ممكن تهدى، أنا متفقتش مع حد الحوار كله مها قالتلى
أديكى وقت عشان انتِ مذبذبة، بس أنا كنت مستنيى
الزيارة ديه وأنا فى أول جلستين هجبلك الطلاق
بس بلاش دموعك
توترت نظراتها مشيحة بوجهها بعيدًا عنه وهى تقول:
-أسفة على طريقتى بس حسيت أنه خسرت القضية
-متقلقيش أنا عمرى ما هخذلك
ضمت حقيبتها إلى صدرها ثم نهضت واقفة لتنصرف
وهى تقول بخفوت:
-معلش جيت من غير ميعاد عن إذنك
-طب استنى هوصلك أنا
هزت رأسها بالنفى سريعًا وهى تتجه للخارج، حتى كادت
أن تتعثر فى سجادة لكن كان كل ما يشغل بالها الهروب
من نظراته
*****
بعد مرور اسبوع
كان يجلس فى مكتبه وأمامه ظرف مد يده ليفتحه لتتملكه
الصدمة إعلان من المحكمة بجلسة طلاقهما جن جنونه
لم يتوقع ذلك، كيف حدث بدأ يرمى بكل شئ أمامه
على وهو يزمجر بشراسة، فولج طه مسرعًا يسأله
-ايه يا مروان فى ايه؟!
انت اتجننت ولا أيه؟!
-أنا لأ لسه بس هتجنن رائد رفع دعوة طلاق روان
مش قولت مها كلمته
هز طه رأسه بالإيجاب هاتفًا:
-أيوة يا عم والله كلمته قدامى مش عارف والله ايه
اللى يخليه يعمل كدا
فرك مروان رأسه وصدره يعلو ويهبط بهياج قائلًا:
-يبقى روان راحتله من ورايا روان مش عايزة ترجع
عن رأيها بس والله لأطلع بروح رائد
تحرك مروان منصرفًا، فتنهد طه بثقل وهو يقول:
-العاقل اللى فينا ضاع لا وكان عامل نفسه تقيل
استنى يا مروان استنى ياجدع
*****
ولج مندفعًا لمكتب رائد ومن خلفه السكرتيرة محاولة
إيقافه وجده أمامه فحدجه بنظرات نارية غاضبة
تكاد تحرقه فى مكانه ليتلقاها هو بإبتسامة باردة
لا تزيده إلا غضبًا واشتعالًا ، ألقى مروان الورقة
بوجهه متسائلًا:
-أيه الزفت دا؟! أيه اللى عملتوا دا؟!
تناول رائد الورقة يقرأها بصوت مرتفع وما أن انهى قرأتها
وضعها أمامه متسائلًا:
-مالها ديه قضية طلاق، روان طالبة الطلاق
زمجر بغضب وهو يقول:
-متجبش اسمها على لسانك يا رائد
-ليه روان موكلتى
تحولت عينيه بلحظة إلى اللون القاتم وراح يقبض على
تلابيب قميصه هاتفًا:
-تبعد عن روان يا رائد والقضية ديه تنسااها وبلاش
تحط نفسك معايا فى حتة ضلمة
-هو بالعافية يا مروان هى جت وعيطت هنا وعايزة
تطلق مش عايزاك وأنا قررت مش هخذلها
لكمة قوية اطاحت به أرضًا، فانتفض رائد لينقض
عليه تزامنًا مع وصول طه الذى وقف بينهم يدفع
مروان للخارج حتى لايفتك به ثم استدار ينظر
لرائد باستنكار هاتفًا:
-انت يا جدع انت اتجننت مالك ومال راجل ومراته
مش قولنا القضية أى كلام، ولا هو أى حاجة عشان تشد
معاه زى عادتك دا مش ماتش كوره، ديه مراته فاهم
تقبل حد يبص لمراتك لو اتجوزت بطل استفزاز بقى
-هى اللى جتلى تانى وطلبت امشى فى الاجراءات
طبيعي بعد ما عرفت حواركم ولسه مصرة
نظر له طه بملامح صارمة غاضبه يعقد حاجبيه قائلاً:
-اخرك يا رائد
-أخرى لو روان دخلت المكتب دا تانى مصرة على
موقفها فى اسبوع هكون مطلقها وكدا ابقى عملت
بأصلى
-هو غباوة وخلاص مش واضح قدامك انها بتحبه
****
الفصل الثانى عشر
****
قدرى المُر
****
-انتِ روحتِ لرائد تانى
لحظات لتستوعب روان هذه الجملة بالتأكيد صوته هو
لكن كيف ولج إلى غرفتها استدارت تنظر إليه وقد
تبدلت ملامحها على الفور وسألته بحدة:
-هو أيه بقيت تدخل البيت على مزاجك عايز ايه؟!
جذبها من ذراعها وهو يجز على اسنانه هاتفًا:
-روحتِ لزفت تانى ليه؟!
-ما يخصكش
اتسعت عيناه بصدمة ليزمجر بغضب وهو يقرب وجهه
اكثر هاتفًا:
-أنا مش قولتلك أن موضوع الطلاق دا تنسيه
أنتِ قاصدة تجننينى ولا تختبرى صبرى ولا عايزة أيه
بالظبط
نظرت لعيناه التى تتفاقم بالغضب مشتعلة بطريقة دبت
الرعب فى قلبها لتقول بثبات:
-عايزة الطلاق ولا اختبر صبرك ولا نيلة
ولعلمك رائد وعدنى أنه خلال جلستين هكون اتطلقت
-إياك تجيبه اسمه قدامى سامعة
نظرت لعروق رقبته النافرة وعينيه القاتم، وارادت أن
تثأر لانوثتها التى جرحها سابقًا هاتفة:
-مجبش أسمه ليه رائد المحامى بتاعى وحد
ذوق ومحترم وبيعرف يميز بين ولاد الناس
لم يتوقع ما قالته ابدًا صعقته نظر لها بصدمة ثم ضغط على يدها بقوة اكثر قائلًا:
-قصدك أيه؟! أنا مش محترم ومش ذوق
انتِ ناسية أنك واقفة قدام جوزك وبتتكلمى على راجل تانى
ضر……..بته فى صدره بكل ما تملك من قوة وهى تنطق كلماتها هاتفة:
-أنت عايز منى أيه ها؟! مش كنت متجوزنى عشان غرض
معين وخلاص ابعد بقى، وطلقنى ولا أنت خلاص عجبك عذابى
نظر لها بحزن من اتهامها ليشيرا لنفسه هاتفًا:
-أنا يا روان
ثم تابع بعجز:
-بمو….ت فى اليوم ميت مرة ومش عارف اكفر عن غلطى
معاكِ ليه مش حاسة بيا مش حاسة بحبى ليكِ
كفاية قسوة أنا بقالى سنة مستريحتش كفاية أنا
اقسملك كانت نيتى الستر، اخر كلامى خدي وقتك
لكن طلاق لأ وإياك تتواصلى مع رائد تانى يا روان
تراجعت للخلف تجلس على الأريكة تضم نفسها تدفن
رأسها بين قدميها وشهقاتها تعلو، اغمض عيناه يشعر
بمدى قهرها، يشعر ببشاعة تصرفاته التى تركت بداخلها
ندوبا، ندوب ليس بالسهل محوها، اقترب منها وما أن
لمسها انتفضت هى هاتفة:
-لو سمحت امشى أنا محتاجة اكون لوحدى
******
نهارًا طويلًا وليلًا أطول هكذا كانت الأيام، تمر بثقلها؛
مرة كالعلقم، حزينه مؤلمة، بطيئة، كانت تنتظر كل
يوم رسالة كى تطمئنها على مروان الصغير من زوجة
خاله حتى ذلك اليوم، طرق الباب فتوجهت
تفتح فوجدت خاله أمامها هاتفًا:
-عاملة أيه يا بنتى ممكن أدخل اتكلم معاكِ
افسحت له الطريق بإبتسامة هادئة هاتفة:
-طبعًا ياخال أتفضل
أرتشف اخر رشفة من كوب الشاى ثم وضعه أمامه موجهًا
الحديث لوالدها:
-ممكن أتكلم مع روان شوية لوحدنا
أجابه والدها بإستياء:
-ممكن بس إحنا عايزين نخلص من الموضوع دا
طالما مفيش رجوع يبقى طلاق أنا بنتى مش هتفضل
متعلقة كدا وكلام الناس يكتر عليها
-ربنا ميجبش شر إن شاء الله أنا هاتكلم معاها وربنا يصلح الحال
أمتعضت ملامح والدها ونهض على مضض فتحمحم
-أخبارك إيه يا بنتى
-الحمدلله بخير
-ديما يارب ، عايزك تسمعي كلامى وتفهميه كويس وتعرفي
أنك فى الأول وفى الأخر زى بنتى مش هااجى عليكِ عشان ربنا ميرضاش بظلم وأنا بخاف الله
دلوقتى مروان الصغير تعبان أوى مش بيبقى كويس
غير معاكِ، أنا حابب إنك ترجعى معايا بيتى أنا عندي شقة
فاضية وجاهزة تقعدى فيها عشان مروان الصغير على الأقل يكون شد حيله ومنها تدى
نفسك فرصة اخيرة، عشان يابنتى الطلاق مش سهل
مش هاقولك مروان كانت نيته خير ودا عذره
هااقولك غلط وطلب السماح وربك
بيغفر ويسامح، قولتى إيه مروان الصغير محتاجك
ابتسمت بشحوب ثم قالت بحزم:
-عشان مروان الصغير بس يشد حيله وبعد كدا أنت ياخال أنت ملزم أنك تطلقنى منه
لم يكن لديها أى شكوك حيال خاله، فقد كسب ثقتها من أول لقاء شاكرة أن لا زال فى حياتها شخص تثق به
فهز رأسه بإبتسامة واسعة كان متأكدًا من نجاح زيارته
همس لها
-طب يلا قومي إجهزى وبلغِ والدك إنى فى إنتظاره
ولج والدها يجلس أمامه هاتفًا:
-خير
-خير إن شاءالله، روان هترجع معايا وإن شاء الله مفيش طلاق ونفرح بأولادهم
تنهد والدها قائلًا:
-وإحنا نكره الخير يا مسهل
****
-بجد ياخال يعنى عرفت تخليها تشيل الفكرة من
دماغها، بس ليه عندك فى بيتك
تلك الجملة التى قالها مروان فأردف خاله:
-بلاش الطمع أنا جيبتها وأنت وشطارتك
-طمع أيه يا خال دا أنا طلعت عينى
ربت خاله على كتفه مواسيًا:
-روح شغلك وهى معانا فى أمان وكل ما تعرف تعال
وواحدة واحدة تكسب ثقتها وقلبها فرصة أوعى تضيعها
وأمسك دا مفتاح الشقة بتاعها خليها معاك
****
ولج من باب الشقة يراقبها فى صمت كاد أن يلتهمها
بات عشقها يسرى بعروقه بل بشريانه النابض كل ما يريده الآن قبلة لتهدأ مشاعره الجياشة نحوها، لا يعرف كيف
يبقيها جواره، يعرف أنها تتألم مشتتة بين حيرتها
وحزنها، كيف يخفف عنها، شعرها الذى تعقصه برباط
للأعلى، النمش الذى يملأ وجهها تورط بها دون أن
يشعر، متى وكيف لا يعلم تنهد وهو يقترب منها هامسًا
-روان
إنتفضت ثم أستدارت هاتفة:
-مروات انت ازاى بتدخل فجأة كدا
سحبها بين ذراعيه يحيط خصرها يديه هاتفًا:
-قوليها تانى مروان كدا
حاولت أن تتملص من بين ذراعيه، فقربها أكثر هاتفًا:
-متحاوليش مش هتفلتي مني هما كلمتين هاقولهم
وهامشى
ثم تابع وهو يشعر برجفتها بين يديه:
-أنا هاسافر عشان الشغل وهاسيبك ترتاحى واعصابك تهدا، وتحكمى قلبك، قلبك بس، وانا متأكد طالما قلبك حن لمروان هيبقى هيحن لعمه، أنا كنت طول عمرى هدفى الشغل وأني اجيب قرش، كنت مغرم بالموضوع والكل يقولى إزاى كدا، الصراحة ساعات كنت بتضايق ليه مش
طبيعى أنا؟! ليه محبش واتحب؟! طب ليه معنديش نفس
أكون اسرة؟! والإجابة كانت انتِ، عشان القدر كان لسه
مجبكيش ليا، كل طريقتى كانت من غيرة راجل على
الست اللى بيحبها وهو حاسس انها فرطت فى نفسها
أنا أسف بس دي الحقيقة، أنا هااسافر وهاارجع عشان
أخدك انتِ ومروان إسكندرية، وكمان عشان ربنا
يكرمنا بأخت لمروان، هسافر وسايب قلبى أمانة
عندك ياروان



