– «كل الرجالة بره البلد انا عارف يابتي.»
اقترب منها، وخفّض صوته:
– اسمعي الكلام… الجوازة دي هتنهي الدم، وتخلّصنا كلنا من اللي احنا فيه وهتنولي ثواب كبير
رفعت عينيها إليه، لأول مرة بلا خوف:
– وأنا يا جدي .. انا مستهلش اعيش حياه حلوه..ولا علشان انا يتيمه وامي هربت بتعاقب بعقاب الدنيا بحالها…بكت فصمت.
وكان الصمت إجابة كافية…وهي مؤكد تستحق
في اليوم التالي، بدأت تشعر بأن البيت كله يضيق.
همسات، زيارات مفاجئة، نساء ينظرن إليها كأنها عروس فعلًا.
سمعت اسمها مقرونًا بكلمة الفرح.
كانت تحاول الاتصال بأي وسيلة.
هاتف قديم، شريحة جار، أي شيء.
وفجأة…
رأت ما لم تتوقعه.
دخل أحد رجال العائلة يحمل ورقة مطبوعة.
جريدة.
وضعت الجريدة أمامها بعنــ,,ـــــف.
في الصفحة الاقتصادية، صورة كبيرة لرجل تعرفه جيدًا.
حذيفة المنصوري.
العنوان يقول:
“المنصوري في جولة استثمارية مغلقة خارج البلاد… بلا أي ظهور إعلامي.”
ابتلعت ريقها بصعوبة… حذيفه دائما مثير للجدل لكن تجاهها كان لحوح..لا ينتظر.. يشتعل ان غابت.. وبالفعل كان حذيفه قد عاد للبلاد ..جن جنونه ..يبحث عنها بكل اتجاه… كان معها يعيش ببيت ع
يطل على بستان زهور لا يعلم بمكانه سوي حرسه الشخصي ولما رحل رحلوا معه وهي رحلت وهو لم يكد يصل جهته .
= سيدي لا اثر لها..
حذيفه مجنون رحيل ورحيل بالنسبه له عشق لا محدود ..يسب..يقذف ما حوله بجنون.. يصرح باسمها..عينيه على وشك ذزف الدموع..
= ابحث في سجلات المطارات …افعل ما بوسعك لتجدها راؤول
= اعدك اننا سنجدها
ابتسم العم ابتسامة نصر وما إن رفعت الهاتف للاتصال اختطفه منها وخرج
في تلك اللحظة، أدركت أن الكلام وحده لن ينقذها.
وأن عليها أن تفعل شيئًا… لتهرب من هذا المازق..
بعد الغروب، طلبت أن تجلس معهم جميعًا.
قالت بهدوء غريب: «أنا عندي دليل جواازي»
تبادلوا النظرات باستخفاف.
أخرجت من حقيبتها الصغيرة عقدًا مطويًا بعناية.
عقد زواج.
وضعته أمامهم.
قالت بوضوح: «ده عقد جوازي.»
تقدم الجدّ، حمل الورقة، نظر فيها سريعًا، ثم رماها على الطاولة:
– «ورق يتزوّر.»
اهتز شيء في صدرها.
لكنها تماسكت.
– «في شهود.»
– «فينهم؟»
– «برا البلد.»
– «يبقى مالهمش قيمة هنا.»
أدركت الحقيقة القاسية:
في هذا المكان، القانون هو العُرف… والعُرف لا يراها إنسانة… او هؤلاء الناس لا قلب ولا عقل لديهم.. انهم يسيرون خلف نزواتهم
في تلك الليلة، سمعتهم يتحدثون عن موعد قريب.
الفرح.
لم يُذكر اسمها، لكنها عرفت أنها المقصودة.
جلست في الظلام، وقررت.
إن لم يأتِ حذيفة… فستجعل مجيئه ضرورة لا يمكن تجاهلها.
وفي الغرب عاد راؤول سريعا يخبر حذيفه= سيدي الهانم رحلت للشرق الأوسط…الصعيد تحديدا..
سقط قلب حذيفه هو يعلم كم المعاناه التي عانتها.. لما ولكن رحلت سريعا دون إخباره… قلبه ثار كالمراجل وقبل ان يتحدث كانت رحيل قد سرقت الهاتف واجرت مكالمه بمنقذها الدائم وما إن فتح الخط سمع صوت بكاءها اردف كالمجنون:
= رحيل يا عشقي ما بك ؟اين انت؟ اخبريني .
بكت بحــ,,ـــــرقه..ولم تستطع قول شييء إلا : حذيفه..انقذني من هنا
سقط قلبه وهو يستمع لاحداهن تتحدث بصراخ وتختطف منها الهاتف لكن رساله كانت قد ارسلتها من قبل وصلت له
.كان كفيله بشن الحرب .. ” انهم يجبروني على الزواج..من اجل الثار”
اخذوا الهاتف. وضمّت ركبتيها إلى صدرها.
ولأول مرة منذ عودتها، تبكِ. كانت تنتظر…
إما إنقاذًا،
أو معجزة،
أو انفجارًا سيغيّر كل شيء.
لم تكن تعلم متى بدأت تشعر بالتعب.
في البداية حسبته إرهاق السفر، ثم خوف الأيام الأخيرة، ثم الجوع وقلة النوم.
لكن الألم كان مختلفًا… أعمق.
وضعت يدها على بطنها لا إراديًا.
هناك، في الداخل، كان سرٌّ صغير لم تخبر به أحدًا.
حتى حذيفة لم تعلمه بعد.
كانت حاملًا.
لم ترد أن تخبره عبر رسالة باردة،
كانت تنتظر لقاءً، صوتًا، يدًا تطمئنها.
لكن الوقت لم يمهلها.
—
في صباح اليوم الذي سبق ما أسموه الفرح،
دخلت امرأتان الغرفة دون استئذان.
قالت إحداهن بحدّة:
– «قومي… لازم تلبسي.»
قالت بهدوء متكسّر:
– «أنا مش قادرة.»
لم يعجبهم الرد.
جذبوها من ذراعها.
سقطت على الأرض.
صرخت… لا من الألم فقط، بل من الخوف.
– «سيبوني! أنا تعبانة!»
– «بطّلي تمثيل.»
جاء الضــ,,ـــــرب سريعًا، فوضويًا، بلا وعي.
ركلات… دفع… صفعة أسكتت صوتها.
حاولت حماية بطنها بجسدها.
لكنهم لم يروا شيئًا…
لم يروا إلا كبش الفداء.
حين تركوها أخيرًا،
كانت الأرض من تحتها مبتلّة.
والألم لم يعد يُحتمل.
—
نزفت بصمت.
لا صراخ.
لا إسعاف.
لا أحد.
كانت تحدّق في السقف،
تشعر بشيءٍ ينفلت منها…
شيء لم يُمنح فرصة الحياة.
وفي لحظة وعيٍ أخيرة،
همست لنفسها:
– «سامحني…»
ثم غابت.
—
حين أفاقت، كانت في غرفة باردة.
ممرضة تنظر إليها بشفقة لا تعرف السبب.
قال الطبيب بلهجة جافة:
– « حصل اجهاض … ولو اتأخرنا شوية، كانت حياتك في خطر.»
أدارت وجهها للحائط.
لم تبكِ.
فقدت حق البكاء منذ زمن. لكن في مكان آخر كان احدهم اعد العده المقاتله من اجلها دمع عينيها لتاتيه رساله اخري من هاتف الممرضه
قرأ الرسالة…
ثم الثانية… ثم صورة لها وهي على سرير مستشفى.
وجه شاحب. عينان فارغتان.
وعبارة واحدة تحت الصورة:
” زوجتك كانت حاملا …نزفت… وخسرت الجنين.”
لم يتكلم.
لكن كل من في الطائره شعر أن الهواء تغيّر.
أغلق الهاتف.
قال بهدوء مرعب: فاضل قد ايه ونوصل
= ٣ ساعات..سيدي
لم يعد ليُعلن زواجًا…لم يعد ليتوسل…ولم يعد ليشرح.
عاد لينتقم… لدموع زوجته، وخسران طفل منذ لقياها تمناه منها هي..سقطت دمعه العجز منه رغم نفوذه وهو يهمس…يا عشقي لما لم تخبريني قبل الرحيل ساعاقبك مؤكدا لكن بين ذراعي
—
لم يخبرها أحد بموعد عودته.
لم يدخل عليها فجأة كما في الأفلام.
لم يكن هناك صراخ ولا جلبة.
كل ما شعرت به…
هو ذلك الارتجاف الخفيف في صدرها، كأن شيئًا تعرفه عاد إلى المكان.
كانت في غرفة المستشفى، تحدّق في اللاشيء، حين فُتح الباب بعاصفه لم تلتفت في البداية.
ثم سمعت صوته.
ليس مرتفعًا…
لكن ثابتًا على نحوٍ أخافها.
– رحيل … أنا هنا.. التفتت ببطء.
وعيناها اصطدمتا به…حذيفة.
كان مختلفًا…ليس الرجل الذي ودّعته، ولا الزوج الهادئ الذي اعتاد أن يُخفي مشاعره خلف عقلٍ عملي.
هذا رجل…

