مدّت راسها ناحية الخط الداخلي وقالت: “المحاسب مش موجود خلاص. عنده اجتماعات.” — ودي كانت إجابة متدرّبة. لكن كنت مستعدة.
طلعت فوق لمكتب جورج. المكتب كان لامع، فيه صور لفرح جورج مع ألكـ,ـسس، وفيها صورة كبيرة لفيرير كما لو إنها مجرد مشروع. وغرفة المكتب مفتوحة، وساعة حائط كبيرة بتدق. فتحت درج كان ليه كوة صغيرة ماحدش خالص لاحظه. الدرج ده كنت فتشته من قبل — بس المرة دي دخلت وقلبي ينبض بقـ,ـوة. كان في كم ورقة مكدّسة، ملفات، أظرف. سحبتهم كلهم معايا ومشيت.
رجعت أوضتي. جلست على السرير، وحطيت الظرف الأصفر قدامي. فتحته ببطء. جواه ورقة مطبوعة، عليها ختم قديم وبها كلما.ت بخط ضابط كانت تقرأ: “عقد هبة — ملكية جزئية — صوفيا مرسي”. قلبي وقع. الورقة كانت من أيام لما جيم كان عايش، أو يمكن قبل جيم. كانت ورقة بتثبت إن البيت — على الأقل جزء منه — تم نقله هبة لِي أنا كهدية، وبردة فعل، كان مكتوب فيها إن البيع أو التحويل لأي طرف تاني لازم بموافقة صريحة مني مكتوبة أمام شهود ومحكمة.
كان فيه كمان ورق صغير تاني: إيصالات ضـ,ـريبية، دفعات لقرض باسم “جيم وجورج” لكن بختم إن صوفيا دفعت دفعات. وفي ظهر الورقة، مكتوب اسم محامٍ قديم: “أحمد شكر”. ورقم. وتاريخ: 1998. صفحة من دفتر صغير، جايلها طابع زمني من الغبار والندم وسنين الصبر. اسم المحامي ده كان هو نفس اللي رنته امبارح الصبح.
اتصلت على الرقم وقلت: “ألو؟ أستاذ أحمد؟”
ردّ عليّ بصوت ارتبت من السنين، بعد ما عرّفت نفسي، قال: “انا فاكر صوتك يا ست صوفيا. تعالى بكرة هنعمل أوراق ونشوف السجل العقاري. الموضوع مش بسيط.”
وقفت قدام المرآة، وبصيت لنفسي. ماكنتش بنت ستّين. ماكنتش ستّين رأسها محني من الدنيا. كنت صوفيا اللي خيطت ونسجت سنين عمرها عشان بيت هو بيتها. الحاجة الوحيدة اللي تغيّرت هي إني اكتسبت رؤية واضحة: الحق تبقى سـ,ـلاح، والورقة دي كانت خـ,ـزانة ذخيرة. قررت إن مش هسكت.
المحامي شكر كان راجل في آخر الستينات، عزمي المنظر، وعيونه فيها حكمة المشوار الطويل. قعدنا في مكتبه، وخلصنا على السريع: “اللي حصل في الفترة الأخيرة فيه ثغرات. تحويل الممتلكات باسمكم كان مؤقت بس — بس ده محتاج إثبات. أهم حاجة في الحالة دي إننا نطبع العقد اللي عندك وننزل السجل العقاري ونشوف التواريخ. وإذا في تزييف أو تزوير، نرفع دعوى فورًا ونطلب حكم تحفظي من المحكمة يمنع أي بيع أو تأجير لغاية ما المسألة تتحل.”
حسيت بخـ,ـوف جديد – قضاء، مستندات، محامين، مصاريف. بس كان في طعم مختلف للخـ,ـوف، طعم الشجاعة. رجعت البيت ومعايا نسخ من الورق. الوقت كان شغال ضدي: ألكـ,ـسس وجورج أدّوا للناس إن كل حاجة خلاص تمام، وإن البيت اتجدد وبقى مشروع، والناس بتحب المكان. كان فيه عقود إيجار ودفعات مقدمة من حاجات كتير. لو المحكمة طلبت إيقاف العمل، فيهوه ليهم خسائر كبيرة — ودي لعبة البزنس: الضغوط يشتغلوا لصالح اللي معاه الحق لو عرف يوظفها صح.
المعاينة الأولى للسجل كانت مفاجأة. في دفتر السجل كانت الأحرف الصغيرة بتتنقل. حصلت تغييرات في تواريخ، وبعض الخانات كانت فاضية. في نفس الوقت لقيت صفحات مسجلة باسم جورج، وفيها توقيع كان شبه توقيعي لكن بعيون واحدة تقول: “ده مزوَّر”. المحامي قال: “المزورة واضحة. توقيعك في الورق الأصلي واضح، وفي الأوراق الجديدة الطباعة مختلفة. هنعمل تقرير خطي بخبير خط وندّيه المحكمة.”
خطّطنا للهجوم بهدوء؛ مش هنعصرّق صوت جامد فجأة، لأن الضـ,ـربات العشوائية ممكن تخلي الناس تتعرّضني للضغينة أكتر. قررنا نبدأ بمحاضر في النيابة أولا: بلاغ بتزوير أوراق رسمية، وطلب أمر احترازي على أي تحويل أو بيع للأرض أو البيت. وحجزنا كل الأوراق اللي استطع.نا. وطلبنا من المحكمة جلسة عاجلة.
لما قلت لجورج وألكـ,ـسس إن في أوراق وقدمت بلاغ، الوجوه اتغيّرت بسرعة. ألكـ,ـسس حاولت تمسِك الموقف بطريقتها الهادية: “إحنا بنحمي البيت! ده استثمار لينا كلنا!” — لكن عينيها كانت فيها قلق. جورج حاول يكون متكبر: “ده إجراءات قانونية مالية بس. مش مشكلة — إحنا نجيب محامين ونهوها.” لكن الكلام ده كان مجرد دخان. لما ييجي وقت النا.ر، الدخان يتبدد وبعدين تبان اليد اللي مولعة.
الصحفية الصغيرة اللي بتحب تغطي الحاجات الريفية بدأت تحس بحاجة، لكن لسّعنا الموضوع. المحامي بتاعي كان ذكي: عايز إن إحنا نجيب ورق يثبت إن جيم كتب وصية أو عقد هبة قبل مو.ته. وقّعنا على أوراق إثباتية، وطلبناه بصبر. لفيت على ناس ماضية، شهود، اللي شافوا توقيع جيم قبل كده. وقدرنا نجيب جملة من الناس اللي كانوا يعرفوا إن البيت كانت له ميزة خاصة وجيم قال كلام عن إني لازم أمكث وأحافظ على المكان. الكلام ده مش شهادة حاسمة لكنه أداة مهمة.
يوم الجلسة الأولى كان أصعب يوم. دخلت المحكمة وقلبي بيعورني، لكن كانت في قـ,ـوة غريبة جوه صدري. الجلسة كانت قدام القاضي اللي شكـ,ـله جاف، وراسه أبيض، لكن لما بدأ يسمع كلاما وورقًا، عيونه تغيّرت. المحامي بتاع جورج حاول يطع.ن: “دي تلاعبات بسيطة ادارية. ما فيش تزوير.” لكن لما قدمنا تقرير خبير الخطوط، القاضي اتوقف، وقلبه اتجه ناحية السجل.
“الأمور واضحة”، قال القاضي بهدوء. “هناك شبهات قوية لتزوير في توقيعات ونقل ملكية غير قانوني. هنصدر قرار تحفظي مؤقت يمنع أي تصرف في العقار لغاية ما المحكمة تحقق.” النبرة دي كانت عبارة عن وعد صغير ليّا. حسّيت إن الروح ارجعتلي.
الخبر انتشر. فيرير فاستامي تحولت من مكان أحلامهم لعنوان نزاع. الضيوف الجداد اللي كانوا جايين اتلغت حجوزاتهم. الكلام في البلدة اتغيّر: الناس اللي كانت بتشمّر عن حقوقها — واللي كانت بتشرب كباية على الشرف — بقت واقفة على سورنا تتفرج. وجوه كانت متغيرة: بعضهم وقفوا معايا، وبعضهم خافوا، وبعضهم كذّب عليّا من ضميره. ألكـ,ـسس بدأت تبعث لي رسائل: “ماما، إياك تفكري إنك تخرّبي حاجة. ده لمستقبلنا.” لكني كنت عارفة إن المستقبل ده كان مبنيّ على بتنجي بيننا.
المحاكما.ت اللي بعدها كانت معارك صغيرة: خبير الخط أقر بتزوير التوقيعات، المصرف أظهر إن هناك تحويلات مش مطابقة مع السجلات، وورقًا قديمًا ظهر فيه ختم بنك قديم. وبعد حكاية من المستندات، ظهر دليل مهم: إيصال دفع للقرض بختم صوفيا على اسم البنك، بتاريخ قبل تحويل الأرض، وهو دليل إن صوفيا كانت بتدفع فعلاً، وإن الملكية ما كانش مجرد “هبة” صفراء. كل الورق كان بيبني قصة واحدة: إن اللي حصل كان تلاعب من ناس حاولت يستغلوا ثقة ست عجوزة وظروفها.
ألكـ,ـسس في كل ده كانت بتتغير. مرة هي بتبكي قدام الباب، مرة تبتسم عليا مزيف. مرة تحط لي أكل قدامي على الطاولة باسمي “ماما” كأنها بتزعم البراءة. كانت بتتكلم قدام الناس “إحنا بنعمل لمصلحة البيت”، لكن كلما.تها كانت بتتكسّر في المحكمة. مش كرهتُها — لا. لكني حسّيت إن اللي كانت بتعمله مش بس جريمة قانونية، ده خيانة لدمها. وفي لحظات، فاكرها لما كانت صغيرة وبتعدي بضحكة على ظهر الحصان وتغرّد: “ما تخافيش، ماما.” وكنت أقول لنفسي: يا بنتي… مين اللي علَّمك إن تخوني أمك؟
مرت شهور ودورنا القانوني بيتعرّج. الناس في البلدة بدأت تتهم جورج — مش لأنه غلط بس — لأنه سمح للألكـ,ـسس تعمل اللي عملته. فيرام كانت قاعدة متخبطة بين اللي كان فعلا مشروع عائلي واللي بقى مشروع تجاري. المحكمة أخدت قرار: إعادة تسجيل الملكية بما يتوافق مع العقد الأصلي. الحكم قال إن التحويل كان باطل وإن البيت والقطعة أرضي نرجع لنظام الملكية اللي كان سابق. حصلت تعويضات مالية، وبعض العقود من العقود اللي اتعملت كانت ملغّاة. الناس اللي سجلت حجوزات عليهم عقود جديدة أو استرداد فلوس. المال اللي حصلوا عليه — في جزء منه — كان لازم يرجع لصندوق الحفظ المؤقت لحد ما الحسابات تترتب.


