
علي كان واقف في مكتبه في الدور التلاتين بيبص على القاهرة من فوق كأنها كلها بتاعته، شركته بتاعة الاستيراد والتصدير كانت بتكبر كل يوم، والناس كلها كانت بتعمله حساب، هو من النوع اللي مبيهزرش في الشغل، وشايف ان الفلوس بتيجي من النظام والالتزام، ومبيحبش الغلط حتى لو صغير، وفي نفس الوقت مغرور شوية، فاكر ان كل الناس اللي حواليه لازم تثبت نفسها قدامه عشان تستاهل تقعد معاه في نفس الاوضة.
في اليوم ده كانت الشركة مستنية موظفة جديدة جاية تشتغل مترجمة، اسمها مياده، بنت جاية من حتة شعبية، لابسة بسيط جدا، شنطتها قديمة شوية، وشكلها متوتر، هي خريجة لغات نادرة جدا، بتتكلم لغة صينية قديمة محدش كتير بيعرفها، اللغة دي اسمها لغة الهاكا التجارية، ودي اللي بيستخدمها رجل الاعمال الصيني الكبير اللي جاي يمضي مع علي عقد احتكار.
مياده دخلت الشركة الصبح بدري، راحت للريسبشن، قابلتها هدير صاحبتها اللي شغالة هناك من زمان، هدير بنت جدعة وبتحب تساعد، قالت لها متقلقيش يا مياده، علي بيه صعب شوية بس قلبه طيب، مياده ابتسمت وقالت يارب اعدي اليوم على خير، انا محتاجة الشغل ده اوي، امي تعبانة وانا اللي بصرف على البيت.
اول ما مياده دخلت المكتب بتاع علي عشان تقدم نفسها، علي كان بيكلم في التليفون ومتعصب جدا، اول ما شافها بلبسها البسيط ده، بص لها من فوق لتحت وقال لها بكل قرف انتي مين وداخلة هنا ازاي من غير استئذان، انتي فاكرة دي وكالة ولا ايه، مياده اتلخبطت وقالت انا مياده المترجمة الجديدة، المفروض ابدأ النهاردة، علي ضحك ضحكة سخيفة وقال مترجمة، مترجمة ايه ان شاء الله، انتي شكلك جاية تقدمي على شغل عاملة نضافة، روحي يا شاطرة شوفي هدير تقولك تعملي ايه، بس متدخليش مكتبي تاني الا لما تتعلمي تلبسي ازاي وتتكلمي ازاي.
مياده خرجت وهي بتعيط ومكسورة، هدير جريت عليها وحضنتها وقالتلها معلش يا حبيبتي هو كده مع اي حد جديد، متزعليش، هو مش قصده يهينك، هو مضغوط بس، مياده مسحت دموعها وقالت انا مش زعلانة من الشغل، انا زعلانة انه شافني فقيرة فافتكر اني قليلة، انا تعبت اوي عشان اتعلم اللغة دي، سهرت ليالي وانا بذاكر من كتب قديمة في مكتبة الجامعة عشان مكنش معايا فلوس اخد كورسات.
عدى اسبوع ومياده بتشتغل في صمت، بتترجم ملفات قديمة محدش بيبصلها، قاعدة في اوضة صغيرة لوحدها، وعلي حتى مش فاكر اسمها، لحد ما جه اليوم الاسود، حسين المحامي بتاع الشركة دخل على علي وهو وشه اصفر وبيترعش، وقال له علي بيه احنا في مصيبة كبيرة، العقد بتاع الشركة الصينية لو ممضنهوش بكرة الصبح الشركة هتفلس رسميا، البنك هيحجز على كل حاجة، الموردين رفعوا علينا قضايا، ومفيش سيولة نهائي.
علي اتصدم وقال ازاي ده حصل، حسين قال له ان المنافس بتاعنا علياء مصطفي، الست دي بتاعة شركة كبيرة جدا، بتحاول تاخد العقد ده بقالها شهور، وهي عرضت سعر اقل، والوفد الصيني قرر انه هيمضي بكرة مع اللي هيقدم له خطة احتكار كاملة باللغة بتاعتهم القديمة، ولازم العرض يتقدم باللغة دي بالظبط والا مش هيبصوله، المشكلة ان المترجم اللي كنا معتمدين عليه سافر فجأة وعمل حادثة ومش هيقدر يجي.
علي فضل يلف حوالين نفسه في المكتب زي المجنون، اتصل بكل مكاتب الترجمة في القاهرة واسكندرية، كلهم قالوا نفس الكلمة، اللغة دي نادرة جدا ومحدش بيتكلمها غير اتنين تلاتة في مصر كلها، ومش موجودين، حسين قال له مفيش حل غير اننا نأجل المعاد، علي قال له لو اجلنا هيفتكروا اننا مش محترفين وهيروحوا لعلياء مصطفي وش، وعلياء مصطفي دي لو خدت العقد ده احنا هنشطب من السوق.
في اللحظة دي هدير خبطت ودخلت وقالت علي بيه، انا عارفة ان الوقت مش مناسب، بس مياده اللي انت زعقتلها اول يوم، هي بتتكلم اللغة دي بطلاقة، انا سمعتها مرة وهي بتتكلم في التليفون مع دكتور بتاعها باللغة دي، وكانت بتشرح له حاجات صعبة جدا، علي اتسمر مكانه وقال انتي بتقولي ايه، هدير قالت والله زي ما بقولك كده، مياده هي الوحيدة اللي تعرف اللغة دي هنا.
علي حس ان الدنيا بتلف بيه، البنت اللي اهانها وطردها من مكتبه هي الوحيدة اللي ممكن تنقذ شركته من الافلاس، قام جري على الاوضة الصغيرة اللي مياده قاعدة فيها، لقاها قاعدة بتعيط عشان امها تعبت اكتر والدكتور طالب اشعة غالية، اول ما شافته قامت وقفت، علي فضل ساكت ثواني وبعدين قال لها بصي يا مياده، انا عارف اني كنت قليل الذوق معاكي اول يوم، وانا اسف، بس احنا في مصيبة كبيرة ومحتاجينك تنقذينا.
مياده بصت له وقالت تنقذكم ازاي، علي حكى لها كل حاجة عن العقد وعن الوفد الصيني اللي جاي بكرة، وعن علياء مصطفي اللي عايزة تاخد العقد، مياده سكتت شوية وبعدين قالت له وانا هترجم عقد بمئات الملايين كده ببلاش بعد ما انت هزقتني قدام الناس وقلت عليا شكلي بتاع عاملة نضافة، علي حس بالكسوف وقال لها اطلبي اللي انتي عايزاه، فلوس، ترقية، اي حاجة، بس انقذي الشركة، فيها ميت موظف هيتقطع عيشهم لو فلسنا.
مياده قالت له انا مش عايزة فلوسك، انا عايزة كرامتي ترجع، انت اهنتني من غير ما تعرفني، وانا بنت ناس وعندي كرامة حتى لو فقيرة، علي قرب منها وقال لها انا مستعد ابوس ايدك قدام الشركة كلها لو ده هيرجعلك كرامتك، مياده اتفاجئت من كلامه، بس شافت في عينيه ندم حقيقي، مش خوف على الفلوس بس، خوف على الناس اللي شغالة معاه.
هدير كانت واقفة على الباب وسمعت كل حاجة، قالت لمياده يا مياده عشان خاطري، وعشان خاطر الناس الغلابة اللي شغالة هنا، ساعديهم، وانا عارفة انك طيبة ومتشيليش من حد، مياده بصت لعلي وقالت له موافقة بس بشرط، هترجم العقد وهحضر الاجتماع، بس هتخليني انا اللي اتكلم باسم الشركة، وانت هتسمع كلامي، ومش هتقاطعني، ولو كسبنا العقد هتعتذرلي قدام الوفد كله.
علي وافق فورا، طول الليل مياده وعلي وحسين قاعدين بيجهزوا العرض، مياده كانت بتترجم بسرعة رهيبة وبتشرح لعلي كل كلمة معناها ايه، وعلي كان مبهور بذكائها، اول مرة يشوفها بجد، شاف بنت قوية ومثقفة وبتحب شغلها، مش البنت الفقيرة اللي كان شايفها، الفجر طلع وهم لسه مخلصوش، مياده كانت تعبانة جدا بس متحمسة.
تاني يوم الصبح الوفد الصيني وصل، ومعاهم علياء مصطفي داخلة بكل ثقة ولابسة براندات وبتضحك معاهم، اول ما شافت علي قالت له بكل شماتة سمعت ان المترجم بتاعك عمل حادثة، يا خسارة، كنت اتمنى يبقى فيه منافسة شريفة، علي سكت ومرضش عليها، دخل الوفد قاعة الاجتماعات، علياء مصطفي بدأت تعرض عرضها بالانجليزي ومعاها مترجم صيني بيترجم للغة القديمة بس كان بيتلخبط كتير والوفد شكله مش مقتنع.
جه الدور على علي، قام وقال احنا هنقدم عرضنا بلغة الهاكا الاصلية احتراما لثقافتكم، الوفد اتفاجئ، مياده قامت وقفت بكل ثقة، كانت لابسة بدلة بسيطة بس شكلها محترم، وبدأت تتكلم باللغة الصينية القديمة بطلاقة غريبة، صوتها كان واثق وعينيها بتلمع، كانت بتشرح خطة الاحتكار كلمة كلمة، وكانت مزودة حاجات من عندها تخلي العقد مربح للطرفين، الوفد كان مبهور، رئيس الوفد كان بيبصلها باعجاب شديد.
علياء مصطفي وشها جاب الوان، حاولت تقاطعها بس رئيس الوفد شاور لها تسكت، مياده خلصت العرض والكل سقف، رئيس الوفد قام وسلم عليها وقال لها انتي بتتكلمي لغتنا احسن مننا، انتي درستي فين، مياده قالت له انا درستها لوحدي من كتب قديمة في مكتبة الجامعة، الراجل انبهر اكتر وقال يبقى انتي عبقرية.
رئيس الوفد بص لعلي وقال له شركتك محظوظة ان عندها موظفة زي دي، احنا موافقين نمضي عقد الاحتكار معاكم، بس بشرط ان الانسة مياده هي اللي تبقى مسئولة التواصل بيننا طول مدة العقد، علي فرح جدا وقال موافق طبعا، علياء مصطفي لمت حاجتها وخرجت وهي بتغلي من جواها.
بعد ما الوفد مشي، علي جمع كل الموظفين في القاعة، ومسك المايك وقال انا عايز اعتذر لمياده قدامكم كلكم، انا اول يوم اهنتها عشان كنت مغرور وشايف الناس بلبسها، بس هي انقذتنا كلنا وانقذت بيوتنا، مياده مش مجرد مترجمة، هي شريكة نجاح، ومن النهاردة هي مديرة قسم العلاقات الدولية ومرتبها هيبقى عشر اضعاف، ولو حد فيكم شاف نفسه احسن من حد بلبسه يبقى يمشي من شركتي احسن.
مياده عيطت من الفرحة، هدير جريت حضنتها، وحسين كان بيضحك وبيقول سبحان مغير الاحوال، علي قرب من مياده وقال لها بجد انا اسف، انا اتعلمت منك درس عمري ما هنساه، ان الفلوس مبتعملش بني ادم، وان الكرامة اهم من اي عقد، ممكن تقبلي اعتذاري، مياده ابتسمت وقالت قبلته من بدري، من ساعة ما شفت خوفك على الموظفين مش على نفسك بس.
ومن ساعتها الشركة رجعت اقوى من الاول، وعلي بقى يعامل الناس كلها باحترام، ومياده بقت دراعه اليمين، وامها عملت العملية وبقت كويسة، وعلياء مصطفي بعدت عن طريقهم خالص، وكل الناس في الشركة بقت تحكي قصة البنت الفقيرة اللي بقت مديرة عشان علمها وكرامتها، وعلي كل ما يشوف مياده يفتكر انه كان هيخسر كل حاجة بسبب غروره، لولا ان ربنا بعتله اللي ينقذه في اخر لحظة.
وعدى شهر بعد العقد وعلي اتغير تماما، بقى ينزل يقعد مع الموظفين في المطبخ يشرب معاهم شاي، ويسأل مياده كل يوم عن امها وعن صحتها، وفي يوم لقى مياده قاعدة لوحدها بتعيط في البلكونة بتاعة الشركة، قرب منها وسألها مالك، قالت له انا فرحانة بس خايفة ارجع لنقطة الصفر تاني، خايفة الناس تنسى تعبي وتشوفني تاني بنت فقيرة، علي قال لها عمري ما هنسى انتي عملتي ايه عشاني وعشان الشركة، انتي مش فقيرة، انتي غنية بعلمك وباخلاقك وبكرامتك، واللي يقول غير كده يبقى اعمى، مياده ضحكت وقالت اول مرة حد يقولي كلام حلو كده من غير مصلحة، علي قال لها عشان اول مرة اشوف بعيني مش بفلوسي، ومن هنا بدأت صداقة قوية بينهم بقت مثال لكل الشركة ان الاحترام بيبني اللي الفلوس متعرفش تبنيه ابدا مهما حاولت. والكل اتعلم ان التواضع هو سر النجاح الحقيقي دايما وابدا في الحياة بجد واخلاص كبير جدا

